أحدث من اعتُقلوا على مثل هذه الخلفية، 17 شخصاً يتبعون جماعة دينية تسمي نفسها بـ “السلام والنور الأحمدي”، وفق آخر تحديث لـ”المبادرة المصرية للحقوق الشخصية”. وقد تعرض المعتقلون لسوء المعاملة بحسب شهادات نشرتها المبادرة، وللإخفاء لفترات متفاوتة، قبل ظهورهم في نيابة أمن الدولة العليا.
وعلى رغم أن أصحاب هذا المعتقد يؤمنون بوحدة الأديان ولا يفرضون الحجاب على نسائهم ولا يتحدثون في السياسة، لكن مجرد حديثهم عن الظلم والخلاص المرتقب جعلهم موضع تحسس أمني ليس في مصر فقط بل في دول عربية أخرى، مثل المغرب والجزائر، حيث تؤكد الأنباء الواردة من هناك قصصاً مشابهة.
أحمد محمد حسان التيناوي، شاب سوري لاجئ إلى مصر، مسجل رسميًا لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، تغيرت حياته في 8 آذار/ مارس 2025. إذ خرج من منزله ولم يعد، ولا يُعرف حتى الآن مصيره، وإن كان تحت أي تهديد، وهو لا زال خاضعاً للحبس الاحتياطي في مصر.
لم يقتصر الاختفاء على أحمد فقط. إذ اعتُقل شقيقه حسين التيناوي، من منزله في السادس من أُكتوبر، ثم اقتحم الأمن منزل عمر محمود عبد المجيد، وصادر هاتفه وأوراقه. ثم جاء الدور على حازم سعيد عبد المعتمد الذي اعتُقل أيضاً.
في أقل من أسبوع، اختفى أربعة أشخاص فجأة.
المفارقة أن المحيطين بهم أكدوا أن الاعتقال تم لمجرد اتباعهم معتقداً حديث النشأة، نشط أعضاؤه في نشر مواد تعريفية عبر الإنترنت خلال السنوات الأخيرة. وعلى رغم محدودية انتشاره، فقد أثار اهتمام السلطات بعدما ظهرت لافتات علنية تحمل شعاراته في بعض مناطق الجيزة.
بدأت الحملة الأمنية بعدما ظهر منشور ورقي في أحد الشوارع المصرية يروّج لقناة تلفزيونية تسمى” ظهر المهدي” التابعة لأصحاب المعتقد الجديد، وفوراً تم القبض على ناشر هذا الإعلان، ومن خلال هاتفه تم تتبع المنتمين للمعتقد الجديد من خلال مجموعة على تلغرام، واليوم كل من ينضم الى هذه المجموعة مهدّد بالاعتقال.
مصر لا تعترف رسمياً إلا بالأديان السماوية الثلاثة (الإسلام والمسيحية واليهودية)، وتمنع تسجيل أو ممارسة معتقدات أخرى بشكل علني، ما يجعل أصحاب المعتقدات الدينية “غير المعترف بها” عرضة للملاحقة القانونية أو التضييق الأمني.
محمود شلبي الباحث في منظمة العفو الدولية، وصف اعتقال أصحاب “السلام والنور الأحمدي” بــ”الأمر المشين لمجرد أن هؤلاء الرجال استُهدفوا وتعرّضوا للإخفاء القسري بسبب اعتناقهم معتقدات دينية تقرّها الدولة”.
وأضاف شلبي في بيان العفو الدولية أنه “بدلًا من الاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري للأشخاص بسبب ممارستهم معتقداتهم الدينية أو التهديد بترحيلهم، على السلطات المصرية الكشف فورًا عن مصير هؤلاء الرجال ومكان وجودهم والإفراج عنهم من دون قيد أو شرط”.
تثير الاعتقالات الأخيرة ضد أتباع دين “السلام والنور الأحمدي”، أسئلة أعمق من مجرد تفاصيل التحقيقات، مثل: هل مصر مستعدة للاعتراف بوجود تعددية دينية أوسع من الأديان الثلاثة الرسمية؟ أم أن استمرار النهج الأمني سيبقيها في مواجهة مستمرة مع تقارير حقوقية دولية، تزيد من عزلتها وتضعف صورتها؟
اللافت أن هذه الحملة الأمنية لم تحظَ بتغطية واسعة في الإعلام المحلي الرسمي، بل تم تجاهلها بشكل شبه كامل، وكأنها لا تستحق النقاش، فيما التقطت مواقع دولية وحقوقية خيوط القصة ونشرت تفاصيل عن ظروف الاحتجاز.
أحد المعتقلين – بحسب رواية أسرته – تعرض للإخفاء القسري لشهور قبل أن يظهر في أمن الدولة العليا، بينما تم تجديد حبسه احتياطياً بشكل روتيني، من دون محاكمة فعلية، وهو ما يعد انتهاكاً صريحاً للقانون المصري والدستور الذي يكفل حرية العقيدة.
القصة في جوهرها تكشف أن الوضع لم يعد سياسياً فحسب، بل صار وجودياً يمس حق الإنسان في أن يختار معنى حياته الروحية. هذا الانسداد هو ما يجعل قضية “السلام والنور الأحمدي” أكثر من مجرد ملف صغير في أدراج المحاكم، بل مرآة لوضع أكبر عنوانه الخوف من الاختلاف.
إقرأوا أيضاً:
الشيعة… مجتمع خفيّ في قلب القاهرة
في مصر، يرتبط التفسير الرسمي للإسلام بالمذهب السني عبر مؤسسات الدولة والأزهر، وبسبب هذا يقف أبناء الطائفة الشيعية بهدوء على هامش المجتمع في البلد التي أسس عاصمتها الفاطميون، وتحمل إرثًا شيعيًا عميقًا، لكن حضور الشيعة اليوم بات مرادفًا للوصم والتضييق.
وثقت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية حملات اعتقال واسعة استهدفت الشيعة المصريين، وجميعها بُررت باتهامات فضفاضة مثل “الانضمام إلى جماعة غير مشروعة”، على رغم أنها غير مرتبطة بأي نشاط سياسي أو أمني. المبادرة أشارت إلى حالات تعذيب وإكراه، إذ تعرض بعض المعتقلين الى ضغوط للتراجع عن معتقداتهم.
وفي العقد الأخير، برزت أشكال أكثر حدة في التضييق. ففي عام 2009، اعتُقل نحو 19 رجلًا شيعيًا بموجب قانون الطوارئ، بتهمة “نشر الفكر الشيعي”، وبقي بعضهم أكثر من عامين في السجن.
ومنذ عام 2011، حظرت وزارة الأوقاف إحياء ذكرى عاشوراء في مسجد الحسين بالقاهرة، على رغم أن الدستور يكفل حرية ممارسة الشعائر الدينية، إلا أن المسؤولين برروا القرار بـ”منع الفتنة الطائفية”، وهو تبرير أثار انتقادات واسعة من حقوقيين ومراقبين.
في حزيران/ يونيو 2013، وقعت واحدة من أبشع الحوادث في قرية أبو مسلم بمحافظة الجيزة، حيث هاجم مئات المتطرفين تجمعًا للشيعة وقتلوا أربعة أشخاص بينهم رجل الدين المعروف حسن شحاتة. وأُحرقت منازل بينما وقفت قوات الأمن متفرجة من دون تدخل.
في قصته مع “درج“، قال حيدر قنديل الناجي من مذبحة الشيعة، إنه يعاني بسبب طائفته الشيعية من تحريض دائم وانتهاكات بالغة ومتعمدة، وتم اعتقاله، وهو الآن ممنوع من السفر.
ولفت قنديل الى أن الحسينيات ممنوعة ويتم إغلاقها بشكل منتظم، وهو يشعر مع التضييقات أنه مواطن درجة عاشرة.
المادة 64 من الدستور المصري تنص على حرية الاعتقاد، لكن المادة 219 تربط المرجعية الدستورية للشريعة حصريًا بالمذهب السني، ما يستبعد المذهب الشيعي أو أي طوائف من أي اعتراف رسمي.
شهود يهوه… مؤمنون خلف الأبواب المغلقة
شهود يهوه، جماعة دينية مسيحية لم يُسمح لها منذ عام 1960 بالتسجيل أو إقامة كنائس أو مؤسسات دينية، بعدما ألغَى مرسوم وزاري تسجيلهم، بحجة عدم إعادة تسجيلهم وفق قانون 1956 وما اعتُبر “أسباباً أمنية”.
منذ ذلك التاريخ، انقطعت العلاقة الرسمية بينهم وبين الدولة، وحُرموا من ممارسة شعائرهم التي تشمل الاجتماعات، توزيع أدبياتهم، أو حتى دخول بعض كتبهم، كما أن أجهزة الأمن راقبت محادثاتهم واجتماعاتهم بدقة متناهية.
في العام 2006، استطاعوا التفاوض من أجل الحق في عقد اجتماعات محدودة في مجموعات لا يزيد عددها عن 30 شخصًا ضمن منازل خاصة. ومع ذلك، فإن المراقبة لم تتوقف؛ بل تواصلت بما يشمل مصادرة الكتب.
وفي العام ذاته، رفضت محكمة القضاء الإداري تأسيس جمعية تدعى “جمعية شهود يهوه”، وذلك في الدعوى التي أقامها حلمي عوض، رئيس الجمعية بالقاهرة، ضد وزير الداخلية يطعن فيها بقرار رفض منحه ترخيص إقامة الجمعية في مصر. وقالت في أسباب حكمها، “إنها بحثت فى أصل هذه الجمعية وأفكارها ومعتقداتها، فتبين من مطالعة الأوراق أنها جماعة عالمية متأثرة بالديانة اليهودية ترتدي ثوب المسيحية”.
البهائيون خانة الديانة الممنوعة
في عام 1960، أصدرت الدولة قرار 263 لسنة 1960 بغلق المحافل البهائية ومصادرة أملاكها ووقف أنشطتها، وتكثفت حملات متوالية لاعتقال البهائيين في الستينات والسبعينات والثمانينات.
كما قضت المحكمة بأن للبهائيين الحق في بطاقات شخصية لا تُحدّد ديانتهم، فقط بكتابة “(-)” بدلًا من الديانة. وفي آذار/ مارس 2009، أصدرت وزارة الداخلية قرارًا يسمح بذلك فعلًا. لكن المحكمة العليا أوقفت القرار لاحقًا، ليظل البهائيون خارج إطار المواطنة الكاملة.
تكشف أوضاع البهائيين وأصحاب معتقد “السلام والنور الأحمدي”، والشيعة، وشهود يهوه، عن ملامح متكررة في المشهد الديني المصري، الذي يحصر الاعتراف القانوني في الأديان الثلاثة الرسمية، فيما يضيق الواقع الاجتماعي على أي معتقد خارج هذا الإطار. فالمجتمع يُلقي بالوصم، والمؤسسات الدينية الرسمية تصدر فتاوى تجرّم، بينما الأجهزة الأمنية والقضائية تُترجم ذلك إلى تضييق، مراقبة، أو اعتقالات، فيغدو وجود أصحاب المعتقدات المختلفة في مصر إشكالية كبيرة بلا حل.














