ظهر الأمين العام لـ “حزب الله” نعيم قاسم أخيراً، إذ ألقى خطاباً للمرة الأولى منذ إلحاق الحزب لبنان بجبهة إسنادٍ جديدة، هي هذه المرة جبهة إسناد طهران. قدّم لنا قاسم تبريرات وتفسيرات كثيرة، محاولاً إقناع نفسه قبل جمهوره بالسردية ذاتها المعاد تدويرها منذ عام 2006: “لو كنتُ أعلم”، لكن بأسلوب جديد: “هل تعتقدون أن صلية صاروخية تستحق حرباً؟ لا”. خمسة عشر شهراً مرّت ولم يفعل الحزب شيئاً. لم ينتقم لأبنائه ومقاتليه، ولا للجنوبيين الذين تصطادهم إسرائيل على الطرقات وفي منازلهم. وبدل حقل الرماية، أصبح لدينا عدوانٌ شامل وتهجيرٌ واحتلال.
في كل مرةٍ يخرج علينا حزب الله بلازمة “لقد كان العدو يتحضّر للهجوم ونحن استبقناه”. هذا تبرير قاسم منسوخاً بشكلٍ حرفي: “لذا ما فعلته إسرائيل بعد الصلية الصاروخية ليس رداً، وإنما هو عدوان مُحضّر له. اقرأوا وسائل الإعلام الإسرائيلية وتصريحات بعض المسؤولين، هم حضّروا لهذا العدوان، وحضّروا الأهداف، ولديهم مائة ألف من الاحتياط بالاستدعاء من أجل الشمال بشكل خاص، وبالتالي هم بالحقيقة مُجهَّزين، لكن الاختلاف أنه يبدأ العدوان اليوم أو غداً، رأوا أن هذا الوضع مناسب، وبالتالي العدوان مُجهَّز له، وليس رداً على الصواريخ. ما حصل ليس رداً على صلية صاروخية، هذا العدوان أصبح معروفاً أمام العالم بأنه جزء لا يتجزأ من مشروع إسرائيل للبنان”.
هذا المنطق الذي يكرّره الحزب في كل مرة هو ذروة السخف، ولم يعد مقبولاً السكوت عنه لا قبل أي حرب ولا خلالها ولا بعدها ولا في أي لحظة من اللحظات تحت أي ذريعة. يقول نعيم قاسم: “ما فعلته إسرائيل بعد الصلية الصاروخية ليس رداً، وإنما هو عدوان مُحضّر له”، أي هذيانٍ لا يمت الى العقل بصلة هذا وأي عبث؟ أي استهتارٍ مفرط في أرواح الناس واستخفاف لا حدود له في عقولها؟ لم يعد مقبولاً السكوت أبداً عن إعادة إنتاج الحرب تحت غطاء “الدفاع الاستباقي”. وأي ضربة استباقية بحق الجحيم؟
في ألفباء العسكر والأمن هدف الضربات الاستباقية منع هجومٍ وشيك، لا تعبيد الطريق له! في ألفباء العسكر والأمن هدف الضربات الاستباقية إضعاف قدرات العدو وتحييد تهديداته عبر تخريب خططه الهجومية، لا عبر دعوته الى تنفيذها!
في ألفباء العسكر والأمن هدف الضربات الاستباقية كسب المبادرة الاستراتيجية وإجبار العدو على اتخاذ موقفٍ دفاعي، لا التذرّع بالدفاع بعد المبادرة ثم القول “ندافع بإمكاناتنا وإيماننا مهما بلغت التضحيات، على رغم عدم التكافؤ في الإمكانات”! يعترف قاسم بعدم التكافؤ في الإمكانات، لكنه يتسلّح بالإيمان، ويردف “مهما بلغت التضحيات”!
نحن أمام منطق يعتبر أنه إذا كان العدو يحضّر للحرب، فيجب أن نبدأها نحن أولاً. هذا ليس دفاعاً عن النفس، ولا استباقاً للكارثة، بل هو صناعة لها. وقد أثبت هذا المنطق كارثيته مراراً. يتكرّر المشهد ذاته، ومن يكرّره يتوقع من الجمهور أن يصفّق له في كل مرة وكأنه أبدع شيئاً جديداً! هل يظنّ “حزب الله” أن الناس أغبياء حقاً؟ لا أظنّ أن أي عاقلٍ لا يقدّر ما يفعله أبناء القرى الجنوبية في مواجهة محاولات التقدّم البري، لكن يجب التوقف عن المغالاة في التمجيد قليلاً، وطرح السؤال على أصحاب القرار، هذا إذا كانوا حقاً أصحاب قرارهم، لأن كل الأصابع تشير إلى الحرس الثوري الإيراني وليس القيادة الحالية لـ “حزب الله” في اتخاذ القرار بالانضمام إلى الحرب إسناداً للنظام الإيراني، الذي تدل جميع المؤشرات إلى أنه بدأ يلفظ آخر أنفاسه، خصوصاً بعد إصرار الحرس الثوري على استعداء دول الخليج العربي وإغلاق جميع القنوات الدبلوماسية معها، عبر قصفها بمئات الصواريخ الباليستية والمسيّرات الحربية التي استهدفت الكثير من المنشآت المدنية الحيوية والمرافق السيادية، ولم تكتفِ باستهداف القواعد الأميركية فقط، إضافةً إلى استجرار ما تبقّى من حلف الناتو تدريجياً للمشاركة في قصف إيران، وبطبيعة الحال، لقصف أذرعها في المنطقة.
كل جيوش العالم تخطّط للحرب. كل الدول لديها خطط طوارئ وسيناريوهات عسكرية. هذا هو عمل الجيوش. لكن الفرق بين جيشٍ حقيقي وميليشيا تابعة لدولةٍ أخرى هو الفرق بين التخطيط الردعي المتكامل، والذي يشمل الخطط الهجومية، وبين التذرّع بتلك الخطط للبدء بـ “ضربة استباقية” تشبه كل شيء سوى الضربة أو الاستباق معاً! يبرّر البيان الأول بعد هذه “الضربة” بالقول: “منذ خمسة عشر شهراً والعدوان الإسرائيلي مستمر على لبنان بالقتل والتدمير والتجريف وبكل أشكال الإجرام. ولم تنفع كل التحركات السياسية والدبلوماسية في لجم هذا العدوان وإلزامه بتطبيق اتفاق وقف إطلاق النار ومستلزماته”. أي تحركات سياسية ودبلوماسية يتحدّث عنها البيان؟ رفض تنفيذ مقرّرات الحكومة اللبنانية؟ الاستمرار بتقويض سيادة الدولة اللبنانية؟ ضربُ عصفورين بحجرٍ واحد عبر الالتفاف على انتشار الجيش اللبناني في المناطق الحدودية من جهة وتلبية نداء الحرس الثوري الإيراني من جهة أخرى؟
إقرأوا أيضاً:
يدرك الحزب جيداً مضمون القرار 1701، لكنه يفسّره على هواه، ويطلّ على جمهوره بخطابٍ ديماغوجي لإقناعه بتفسيراته الخاصة له، تماماً كما يفسّر قرار وقف إطلاق النار على هواه برغم كونه طرفاً مشاركاً في إقراره، ولو بشكلٍ غير مباشر. كل ما فعلته الحكومة اللبنانية طوال نحو عامٍ ونصف العام هو الالتزام بالتنفيذ الكامل لاتفاق 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 المذلّ الذي أبرمه كل من رئيس الوزراء السابق نجيب ميقاتي ورئيس مجلس النواب نبيه بري، أما كل ما فعله “حزب الله” طوال الفترة ذاتها فهو العرقلة، تارةً عبر إثارة الرعب بين الناس بحجة الخطر القادم من الشرق أو الجنوب، وطوراً عبر التلويح بإمكانية نشوب حربٍ أهلية كما حدث في آب/ أغسطس 2025.
وميقاتي نفسه، الذي قال عنه نعيم قاسم حين كان نائباً للأمين العام في عام 2021: “تسمية الرئيس نجيب ميقاتي خطوة جريئة وشجاعة وواثقة من حزب الله”، أكّد منذ شهرٍ ونصف الشهر أن اتفاق وقف إطلاق النار أُقرّ بالنسخة الإنكليزية، وأن النسخة التي وصلت إلى لبنان كانت أيضاً باللغة الإنكليزية، وتضمّنت عبارة “بدءاً من جنوب الليطاني” ثلاث مرّات، في إشارة إلى عمليات سحب السلاح، بينما تتضمّن النسخة العربية عبارة “يُسحَب السلاح من جنوب الليطاني”. الإشكالية ليست هنا، بل في اعتراف ميقاتي بأنّ حكومته اعتمدت النسخة الإنكليزية وليس العربية التي نُشِرت على وسائل الإعلام في ذلك الحين. نبيه بري يعلم ذلك. و”حزب الله” يعلم ذلك. جميعهم يعلمون على ماذا وقّعت حكومة ميقاتي، لكنهم يتذرعون بوجود النسخة العربية. كيف لحكومةٍ يشارك فيها وزراء من جميع الأحزاب، ألّا يعرف وزراؤها ما هي النسخة التي وقّعت عليها حكومتهم؟
تبرير “الضربة الاستباقية” أصبح ورقة توت سخيفة يختبئ خلفها الحزب ليبرر مغامراته التي يدفع ثمنها لبنان وحده. يقول قاسم: “اقرأوا وسائل الإعلام الإسرائيلية وتصريحات بعض المسؤولين، هم حضّروا لهذا العدوان، وحضّروا الأهداف، ولديهم مائة ألف من الاحتياط بالاستدعاء من أجل الشمال بشكل خاص”، فيقرّر أن اللحظة مناسبة لـ “استباق” العدو! أي أن قرار الحرب والسلم أصبح مرهوناً بقراءة “حزب الله” النيات الإسرائيلية، وليس بقراءة المصلحة اللبنانية. وهو على أرض الواقع ليس هذا ولا ذاك، بل دفاعاً عن مصلحة النظام في إيران الذي يتعرّض لخطرٍ وجودي. وقد ذكر مصدر لوسائل إعلام لبنانية قبل يومٍ واحد من إعلان الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران، أن “حزب الله قد يتدخل عسكرياً بشكل كامل إذا تعرضت الجمهورية الإسلامية الإيرانية لخطر وجودي حقيقي”، واعتبر الحزب ذلك “واجباً جهادياً” بحسب المصدر. فكيف يبرّر قاسم في قوله بعد أسبوع واحد: “نقاتل في لبنان دفاعاً عن شعبنا ومستقبل أبنائنا ووطننا، وفي مواجهة استهدافنا المباشر واستهداف بلدنا، هذا القتال ليس مرتبطاً بأي معركة أخرى، وما نريده هو وقف العدوان الإسرائيلي – الأميركي والانسحاب الإسرائيلي، هذا هو هدفنا”؟ أحقاً يعتقد أن اللبنانيين يملكون ذاكرة سمكة؟
فلنذهب أبعد من تصريح هذا المصدر المجهول ونقتبس كلام نعيم قاسم نفسه قبل شهرٍ واحد من بدء تلك الحرب: “حزب الله سيكون في دائرة الاستهداف المباشر في حال وقوع أي هجوم على إيران”، و”نحن لسنا حياديين”، وغيرها من التهديدات بانخراط الحزب في حال اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي. فكيف يريد أن يقنع الناس بأنّ “الضربة الاستباقية” التي لا تشبه أي ضربة ولا أي استباق (في التذكير ضرورة) هي “غير مرتبطة بأي معركة أخرى”؟ وعن أي انسحابٍ إسرائيلي يتحدث قاسم؟ إسرائيل الآن تتوغّل في عمق الأراضي اللبنانية تحت الغطاء السياسي الذي خلقه لها الحزب نفسه. والحزب معنيّ مباشرة في مواجهة هذا التوغّل ويتحمّل المسؤولية كاملة، كما سيتحمّل المسؤولية في ما بعد كاملةً، ولا يحقّ له التضحية بآلاف الجنود اللبنانيين وجرّ الجيش اللبناني إلى مجزرةٍ مفتوحة في التفافٍ واضح على قرار انتشاره في مناطق جنوب الليطاني. الجيوش تخضع لقرارات الحكومات، وليس لقرارات الميليشيات. والجميع يعلم أن الجيش اللبناني غير قادرٍ على مواجهة الجيش الإسرائيلي عسكريًا وأمنيًا، وأن نقاط قوته تكمن في مكانٍ آخر، وأن تلك الأخيرة هي نفسها نقاط ضعف “حزب الله”، والعكس بالعكس. فلا يتبقّى أمام الحزب سوى ممارسة التخريب، حتى لو أتى ذلك على حساب مئات الآلاف من المواطنين الجنوبيين والبقاعيين وسكان الضاحية الجنوبية، بل وجميع اللبنانيين حقاً.
أما بخصوص التهجير، فيقول قاسم: “إن التهجير الذي فرضه العدو الإسرائيلي يهدف إلى إيجاد الشرخ بين المقاومة وبين الناس، لكن الناس يعلمون أن التهجير حصل بفعل العدوان وبفعل أهدافه الخطيرة”. حقاً؟ ألم يسمع قاسم غضب الناس في الساعات الأولى؟ ألم يسمع صرخات “لا! لا! لا!” المترافقة مع انطلاق صواريخ الحزب؟ ألم يرَ الخوف والغضب في عيون الناس؟ ما أسهل إلقاء اللوم على إسرائيل والحكومة اللبنانية وكل العالم، وما أسهل تبرئة الذات. إسرائيل تقتلنا الآن وتدمّر منازلنا. يحقّق الحزب ما يريده الحرس الثوري الإيراني، ويدافع عن نظامه، ويخرّب عمل السلطات اللبنانية، ويهدي إسرائيل كل ما تريده ثم يقاومها المقاتلون من أبناء الجنوب لأن لا خيار آخر لديهم، فقد فُرِض عليهم القتال، وممثلو الحرس الثوري في الحزب، هم من فرضوا هذا القتال. مقابل عدد من دبابات الميركافا التي ستُدمَّر سنخسر عدداً من البلدات والمدن. إنه سيناريو غزة وسيتكرّر في لبنان كرمى لعيون إيران.
العدو يتحضّر لضربنا، إذاً دعونا نضربه أولاً! يا للعبقرية. أن نطلق صلية صاروخية لا تصيب هدفاً ولا تحدّد مساراً للصراع، ثم عندما يأتي الرد المدمّر نصرخ: “كانوا يخطّطون لذلك!”. متى يوضع حد للعقلية المغامراتية بوجه إسرائيل التي أثبتت تفوّقها الأمني؟ متى تتوقّف الاستهانة بعقول الناس؟ إسرائيل تخطّط منذ إنشائها، ونعم، قياداتها تخطّط لإسرائيل الكبرى، لكن هذه المخطّطات لا تواجه بالغباء الانتحاري. منذ أيام قليلة كان لا يزال “حزب الله” يشكّل ورقةً تفاوضية بيد إيران، لكن بعد خسارته الكثير من قوته في العامين الأخيرين، وبعد تعرّض النظام الإيراني لضربات قاسية جداً، قرّرت إيران تحويل لبنان بأسره، من خلال التخريب الذي قام به “حزب الله”، إلى ورقةٍ تفاوضية بيدها. هذا هو موقعنا جميعاً اليوم، مؤيدين أو معارضين، ورقة تفاوضية بيد نظامٍ إقليمي ينهار ويهدّد في انهياره استقرار المنطقة والعالم، بل ويستعدي العالم بأسره، ولم يعد هناك من مخرج نختاره نحن من هذه الوضعية. لقد وقع لبنان في فخ الحرس الثوري الإيراني قبل أن يقع مجدداً تحت الاحتلال الإسرائيلي.
إقرأوا أيضاً:












