في ٢٠١٢ وبعد جلسات حوار وطني قادها رئيس الجمهورية آنذاك ميشال سليمان، وافق “حزب الله” على ما عُرف حينها بـ”إعلان بعبدا” وبنوده السبعة عشر.
من بين تلك البنود إقرار بند “النأي بالنفس”، أو حياد لبنان عن صراعات الخارج. كان الحزب قبل الإعلان المذكور قد باشر مشاركته في الصراع السوري. انخرط “حزب الله” في الحرب في سوريا إلى حدود لو اقتضت أن يكون الأمين العام للحزب أحد “جنودها” لفعل، على ما قال حينها السيد حسن نصرالله في أحد خطاباته.
إعلان بعبدا تحوّل لاحقاً إلى مادّة للتندّر، افتتحها النائب محمّد رعد بالقول: “بلُّوه واشربوا ميتو”.
قبل حرب العام ٢٠٠٦ بين إسرائيل و”حزب الله”، كان السيد حسن نصرالله قد وعد زعيم “تيّار المستقبل” سعد الحريري، بصيف بارد يسدّ الذرائع الإسرائيلية بالحرب، ويؤسّس لمناخ اقتصادي مثمر، قبل أن يستيقظ الحريري ومعه اللبنانيون على صيف ساخن خلّفته عمليّة “الوعد الصادق”، التي أسر فيها الحزب جنديين إسرائيليين، وأعقبتها حرب استمرّت ٣٣ يوماً، بدا معها وعد نصرالله للحريري وعداً “مبلولاً” بالماء.
على صخرة الروشة “بُلَّ” آخر وعود “حزب الله” للدولة، بشخص رئيس حكومتها نوّاف سلام، وشاع أن الوعد يقتضي القيام بعمل رمزي يتقاطع عنده تعميم سلام واحتفاليّة الحزب.
أقام الأخير احتفاليّة تبدّت في واحدة من رسائلها الكثيرة، أن وعود الحزب للسلطة مصيرها البلل، وبدا أن بحر بيروت، على وسعه وعمقه، أُغرقت فيه وعود الماضي والحاضر والمستقبل.
تلخّص الوعود الثلاثة العلاقة الطردية بين السلطة اللبنانية وبين “حزب الله”، حتى لو كان الأخير جزءاً وازناً من مكوّناتها. وتلخّص أيضاً دور الحزب في جغرافيا بلا حدود بنى فيها وعليها، حضوره ومسيرته التي تقتضي دائماً هذا التصادم بين رؤيتين لا يوجد ما يشي بتقاطعهما.
لكنّ الاستغراق في تشريح حزب يبدو ناكثاً للوعود، قد نجد فيه أيضاً ما يبدّد هذه السمة، فنكث الوعود مع الدولة تلازم غالباً مع وفاء لدول ولكيانات ولشخصيات اعتبارية من خارجها.
كانت حرب إسرائيل على لبنان في العام ٢٠٠٦، تعقيباً دموياً على وعد بالحرّية قطعه نصرالله للأسير سمير القنطار، وقد أفضت إحدى مآلات الحرب إليها. كنّا إذاً حيال مقاربة بين وعدين، واحد لسعد الحريري المقيم على ضفاف الدولة، والآخر لشخصيّة اعتبارية ممانِعة، وذات بعد وجداني يتجاوز حدود لبنان. هنا لا يعوزنا الكثير من الفطنة لمعرفة أيّ من الوعدين أقرب إلى عقل نصرالله ورؤية حزبه ودوره، فذهب الرجل إلى حرب أضفى على خاتمتها “نصراً إلهياً”، وبين رضى الله ورضى سعد الحريري، فللمرء أن يتخيّل حتميّة هكذا مفاضلة عند رجل مؤتمن في الأرض على “حزب الله”.
وفي العام ٢٠٠٦ أيضاً، كان تفاهم مار مخايل بين الحزب و”التيّار الوطني الحرّ”، يضمر وعداً من نصرالله لميشال عون بإيصاله إلى رئاسة الجمهورية، وهو الوعد الذي تأخّر حتى العام ٢٠١٦، حين بدّدت مفاعيله قبل ذلك وقائع فرضت “صاحب” إعلان بعبدا رئيساً للجمهورية في العام ٢٠٠٩.
بدا إيصال ميشال عون إلى الرئاسة في العام ٢٠١٦، وفاءً بوعد العام ٢٠٠٦، لكنّه كان أيضاً “ثأراً” من ميشال سليمان الذي اختزنته ذاكرة نصرالله وسجلّ حزبه كرجل بسوءات ثلاثة.
الأولى حين تجاوز سليمان خطّ نصرالله الأحمر في معركة نهر البارد مع تنظيم “فتح الإسلام”، وكان قائداً للجيش. والثانية أنه كان تقاطعاً قسرياً مع قوى “١٤ آذار” في اتّفاق الدوحة، فيما الثالثة والأخيرة، والأكثر سوءاً بنظر نصرالله هي في وصفه معادلة “حزب الله ” الذهبية “الجيش والشعب والمقاومة”، بالمعادلة الخشبية.
ميشال سليمان في ماضيه يتقاطع بهذا المعنى مع نوّاف سلام في حاضره. رئيسان للجمهورية والحكومة، مع رمزيتهما السلطوية والدولتية، مثَّلا من موقعيهما حالة غير منسجمة مع “حزب” لا يني يعتقد أن وفاءه للدولة و”رموزها” لا ينبثق إلا من تماهيها، وتماهيهم، مع رؤيته، وهوما كان عليه حال الرئيس ميشال عون.
كان “وقف الأعمال العدائية” في الحرب الأخيرة بين حزب الله” وإسرائيل ، ووفق شروط القرار الأممي ١٧٠١ يتضمّن صراحة، وبموافقة الحزب، حصراً للسلاح بيد الدولة اللبنانية.
موافقة الحزب كانت بمثابة “وعد ” يُفترض الوفاء به أمام اللبنانيين، والشيعة خاصّة، هم من تنكّبوا مآسي تلك الحرب. مكابرة الحزب راهناً، تستدعي بالضرورة مكابرة بيئة مجروحة لا تريد أن تخذله.
وكلما خرج الشيخ نعيم قاسم هاجياً الدولة و”الوعد”، كلما كان صوت شيعته مترنّحاً بين مشقّتين، مشقّة أن يخذلوا حزباً أقام رابطاً بالدم مع أغلبهم، ومشقّة الخوف من حرب أخرى يعرفون مآلها المأساوي.
راهناً، وأكثر من كلّ ما احتملته وعوده السابقة، سلباً أو إيجاباً، من أثر عليه، يعرف “حزب الله” أن نكث آخر وعوده هو الأقسى عليه وعلى بيئته، لكنّه على الأرجح يفعل ذلك لأنه صار ضحيّة الوعد الذي نشأ من أجله، وقد ينتهي من أجله، وهو يعرف كلفته عليه وعلى شيعته، وهي فعلاً لن تكون أقلّ من كربلائية… إنها حال حزب لديه “وليّ فقيه” يأمر، والوعد أن يطيع.
إقرأوا أيضاً:












