هناك حزب يحاول ترويضنا، وترويض “خسائرنا” الجسدية والنفسية والمادية، وإدراجها في سياق عدمي تدّعيه حربه. نحن، في نظره، نقدّم “ضريبة” هامشية أمام إيثار مقاتليه وتضحياتهم.
فلا حيّز، ولو ضئيل، لـ”الخسارة” في فهرس الحزب، والخسارة هنا تتعدّى مآلاً عسكرياً حظّه منه نصر دائم، وقد تعوّد واحدنا على “بلعه”، وجرّبنا معايشته على ما فيه من عسف وتعسّف. “الخسارة” تعني هنا أرواحنا وأرزاقنا، وإكراهنا على نزع الحزن عن فقدها. “حزب الله”، بهذا المعنى، يصير محارباً رغماً عنّا، ثم رقيباً على عواطفنا، وهو يريدنا أن نجفّفها لتلائم سرديات نصره، فيضحي “ردم” المشاعر أمام خسائرنا مجرّد افتداء لوليّ أمره، أو لأقدام مقاتليه، فيما الأخيرون يُنذرون سعداء وهانئين.
والمرء هنا، يُفترَض، وبنسق حزبي، أن يغبط هؤلاء، ويتجرّد من نفسه وما فُطرت عليه. وهذه إن فعلناها معه ومع مقاتليه، لكنها ليست أحوالنا مع من يشبهنا حين يتعرّى الحزب منها. إنها فطرتنا على الحزن والأسى، وقد رحنا نكثّفها بكثافة الموت والركام، تاركين للحزب ولبيئته غبطتهم بهما.
فألا تتعاطف مع “حزب الله”، ومع بيئة تشبهه، ليس خياراً، بل سياق يتنكّبه معها. هؤلاء يقطعون الودّ مع كل وجدان يكره الحرب ومآسيها، ومع فطرة لا يني الحزن سمة من سمات إنسانيتها.
وألا نكون عاطفيين تجاه الحزب وبيئته، لا يعني أننا المبادرون إلى قتل “العاطفي” فينا. نحن، في أحسن الأحوال، نتكلّف ردّة فعل على حزب يقتل كل عاطفة نحونا في كل مرة يباشر فيها حروباً لسنا فيها إلا ضحايا صامتين على قيودها.
أنا الآن، ومكرهاً، أدّعي براءة وجدانية من “حزب الله”، براءة ظلّت نزاعاً نفسياً مديداً، وظلّ الحزب يجنّبني ادّعاءها.
حرب الحزب في سوريا كانت إفضاءً إلى هذا النزاع الذي خسرته لاحقاً، وبعد ظنّ البدايات أن البراءة العاطفية بدت ناجزة. والظن أيضاً أن ما بدّد البراءة ليس الحزب نفسه، بل ما صارت إليه “ثورة” السوريين لاحقاً، وقد تصدّر مشهديتها تنظيما “داعش” و”النصرة”.
كانت “الثورة” تجري إلى الأمام، وكنت حيالها أتراجع إلى الوراء. هنا صنع الحزب تقاطعاً تعسفياً في عقلي، وترك انبعاث العاطفة لمشاهد تشييع مقاتليه، ومنهم أقارب وأصدقاء، وأبناء لقرية لا تترك لك متّسعاً للمكابرة العاطفية.
وتعاطف كهذا تغلّب على وعي طفولي كاره لنظام سوريا، ومع يقين أن مقاتلي الحزب وضحاياه منذورون لتكثيف استبداده على سوريين مثلي. ومع ذلك ظلّ “العاطفي” لديّ قادراً على تجاوز تلك المعضلة النفسية لصالح ضحاياه والضحايا الأبرياء من السوريين.
الأرجح أن لفضائل الجغرافيا، وبُعدها، دوراً في ذلك، فتلك حرب لم تقترب مني كاقترابي، بل تماسي، مع آخر حربين ارتكب “حزب الله” أيضاً خطيئتهما: إسناداً لغزة في الأولى، وثأراً لوليّ أمره في الراهنة.
إقرأوا أيضاً:
والآن، لنتجاوز حرب “حزب الله” في سوريا، وقد صار رئيسها أحمد الشرع “أخاً” لنواف الموسوي.
أنا الآن ضحية لحرب “حزب الله”، وقدرتي على إشهار البراءة العاطفية هي مواجهة مع خطيئته الراهنة. وها أنا، في راهني، أبدّد “العاطفي” الذي مسّني سابقاً نحو حزب لم أعد قادراً على مجاراة، أو مواراة، ما فعلته حربه الراهنة في نفسي التي أُصيبت بأثقالها، ولم تعد تملك مناعة تقبل ذرائعه.
وهذا، في الظن، اعتراف قاسٍ. فأن تكون عاطفتك بليدة أمام اختبار يومي لنعي مقاتلين تعرفهم، ومنهم من تشاركت معه انتماءً “قروياً”، هو إفضاء إلى نهاية نزاع نفسي كسبه “حزب الله” ماضياً، وصيّرته حربه الجارية مجرّد قتل عادي، بمشيئته، ومشيئتهم.
لكن هذه القساوة تستدرج، بالضرورة، سؤالاً لا يمكن تجاوزه: هل نحن من قتل عاطفتنا تجاه “حزب الله”، أم أن الأخير هو من قتلها فينا، بعدما قتلها في نفسه، وفي معظم بيئته، ولمجرّد أننا لا نريد الحرب؟
الإجابة تكمن في وقائع هذه الحرب ووقائع سابقتها، وفي لعنة الجغرافيا والطائفة. هناك حزب، كلما غالى في ادّعاء حمايتنا، وجدنا أنفسنا في مأساة فيها من القتل والدمار والتيه ما يجعلنا مجرّد ضحايا، وجرحى، ونازحين، ومنكوبين، لنصر آخر من مشقّات “انتصاراته”.
ربما لم ينتبه كثيرون إلى أن هذه أول حروب “حزب الله” التي لم تُدرج في سياقها عبارة “سنعيدها أجمل مما كانت”، والظن أن بترها من سياق الحرب أخفّ على أنفسنا، فقد نكتشف لاحقاً، إذا عدنا، أن الحرب صنعت قبحاً هائلاً لن يقدر الحزب على تجميله.














