المشادّات الكلامية تحت قبّة مجلس النوّاب اللبناني لا تنتهي، وغالباً ما يكون ظاهرها سياسي جدّي، لكنّها تحمل مضموناً هزلياً، وقد اعتمد الإعلام اللبناني على تجميع هذه المشادّات والمواقف “الكوميدية”، وإعادة بثّها في تقارير إخبارية لجلب عدد مشاهدات أكبر، أو لإعادة بثّها في ليلة رأس السنة كنوع من الطرافة.
في كلتا الحالتين الوضع كارثي، والمشادّة الأخيرة بين النائب فراس حمدان ونوّاب “حزب الله” تحت قبّة مجلس النوّاب حول التدخّل الإيراني، وخروج بعضهم عندما انتقدت النائبة بولا يعقوبيان “حزب الله” أيضاً، هي أشبه بمشهد مكرّر.
حاول النائب حمدان التحدّث عن الدور الإيراني السلبي في لبنان، محذّراً من استخدام الجنوبيين ورقة تفاوض. تدخّل الرئيس برّي سريعاً لإسكاته، وهنا بادر نوّاب في “حزب الله” سريعاً بالهجوم، كدرع حامٍ لطهران والوليّ الفقيه، بل والتحامل على حمدان واتّهام المتظاهرين في إيران الذين قُتل منهم الآلاف بأنهم “موساد”.
كانت الجلسة منقولة مباشرة على الهواء، وبالتالي تتكثّف الحاجة لتثبيت المواقف أمام الرأي العامّ، وهذا يعيدنا إلى تاريخ من هذه الظاهرة التي كرّس “حزب الله” وحلفاؤه باعهم فيها داخل مجلس النوّاب وخارجه، في الحرب والسلم، من ٢٠٠٦ ولغاية ٢٠٢٦، ومن “٧ أيّار” ولغاية اليوم تحت القصف الإسرائيلي.
صحيح أن مجلس النوّاب اللبناني شهد تاريخياً سجالات حادّة وصلت إلى حدّ التضارب في مرحلة السبعينيات، لكن مع الهيمنة السورية الإيرانية وصعود “حزب الله” بات لهذه الهجمات معنى آخر.
“طهّر نيعك”… من هنا بدأت
برزت مثل هذه الهبّات مع النائب علي عمّار في العام ٢٠٠٨، ويُعتبر عمّار من الشخصيّات البارزة في كتلة “الوفاء للمقاومة” للعام ٢٠١٨، وخلال مناقشة البيان الوزاري لحكومة ما بعد اتّفاق الدوحة ٢٠٠٨، قاطع عمّار المتحدّثين من “فريق ١٤ آذار”، مثل النائبين أحمد فتفت وإلياس عطالله، ردّاً على تصريحات سياسية اعتبرها مسيئة للمقاومة وسلاحها.
كانت هذه الحادثة شرارة انطلاق العبارة الأشهر في تاريخ العنف اللفظي السياسي اللبناني: “طهّر نيعك”، التي قالها عمّار في إشارة إلى ضرورة التطهّر حيال “المقاومة” قبل الحديث عنها، واستند عمّار في هجومه إلى تفسير لرئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، ينصّ على منع أيّ نائب أو حزب ممثّل في المجلس من التعرّض لبعضهم بعضاً حتى من الناحية السياسية.
حاول برّي؛ “سيبويه” الدستور اللبناني، حينها إيقاف الانتقادات بتكرار عبارة: “٧ أيّار تُشطب من المحضر”، لكنّ نوّاب “١٤ آذار” لم يرضخوا، فتراجع برّي وقرأ المادّة المتعلّقة بالنظام، فتبيّن أنها لا تمنع النقاش السياسي أو التهم، بل تمنع فقط استخدام عبارات غير لائقة ضدّ نائب أو جهة معيّنة، وهو ما يبرع فيه لسان نوّاب الممانعة في البرلمان. بعد ذلك، انسحب عمّار من القاعة مع أداوته التطهيرية، ولم يعد إليها في تلك الجلسة، وربما كان من الأفضل أن يستند برّي إلى هذه المادّة عندما قاطع نوّاب “حزب الله” النائب فراس حمدان في الجلسة الأخيرة.
في العامين ٢٠١٨ و٢٠١٩، حصلت حادثة مشابهة عندما كرّر النائب جميل السيّد حليف “حزب الله”، الهجوم على رئيس الحكومة المكلّف حينها سعد الحريري نائب عن بيروت حينها، خلال جلسة نيابية بعد انتخابات ٢٠١٨.
وقد أظهرت وسائل الإعلام أن هذه المشادّة أدّت إلى قطع كلمة الحريري في الجلسة، حيث ردّ الحريري بقوله “احترم نفسك”. وفي العام ٢٠١٩، حدثت مشادّة بين النائبين أحمد فتفت وجميل السيّد خلال جلسة الثقة، بلغت حدّ استخدام مصطلح “الصوص”، مما أثار اعتراض “تيّار المستقبل”، وبالتالي غضب “كتلة المستقبل” في قاعة مجلس النوّاب.
وفي العام نفسه، ونوعاً ما، حدثت مشادّة بين أهل البيت الواحد، فوقع سجال بين وزير المال علي حسن خليل المحسوب على “حركة أمل”، والنائب جميل السيّد المحسوب على “حزب الله” على خلفية صرف وزارة المال أموال الضمان الاجتماعي، في جلسة البرلمان اللبناني لمناقشة بيان الحكومة، لينسحب النائب علي حسن خليل من القاعة، بعدما ما فشل نبيه برّي في ضبط الحوار.
وخلال الجلسة العامّة في العام ٢٠٢٤، التي تمّ فيها مناقشة مشروع الموازنة، احتدم النقاش بين رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي والنائب ملحم خلف حول أهمّية انتخاب رئيس الجمهورية قبل البدء في التشريع، وقد اتّسع نطاق السجال لينضمّ إليه نوّاب آخرون، مما أدّى إلى حوار متوتّر حول دستورية الجلسة، وتسبّب في فوضى أمام كاميرات التصوير. هذه الحادثة أظهرت كيفية استخدام رئيس المجلس صلاحياته في ضبط جدول الأعمال، محاولاً منع أيّ نقاش يتجاوز إطار الموازنة.
وفي العام نفسه، وبالحديث عن انتخاب رئيس الجمهورية، شنّ النائب سليم عون التابع لـ”التيّار الوطني الحرّ”، هجوماً عنيفاً على النائبة بولا يعقوبيان في سياق مناقشة ملفّ انتخاب الرئيس، تضمّنت انتقاداً لتعطيل انتخاب الرئيس وخطاب بعض الكتل، وقاطع عون مداخلة يعقوبيان معترضاً بصوت مرتفع واصفاً كلامها بأنه “بلا طعمة”، أي بلا قيمة.
وعود على البدء، وفي العام ٢٠٢٦، تدخّل النائب علي المقداد من “حزب الله”، مقاطعاً النائب فراس حمدان في جلسة البرلمان، حيث قال: “لا يجوز القيام بحملة انتخابية هنا في المجلس”، متّهماً حمدان باستغلال المنبر لأغراض دعائية، كما علّق النائب علي فيّاض من “حزب الله”، قائلًا: “إذا كان لديه موقف سياسي، عليه أن يطرحه في مؤتمر صحافي”، مشيراً إلى أن “التعرّض لدولة صديقة مثل إيران غير مقبول في المجلس”، فتصاعدت الأجواء إلى سجال متوتّر داخل القاعة بين نوّاب “حزب الله” وعدد من النوّاب كتل حزبية أخرى وتغيريين.
النائب سامي الجميّل من حزب “الكتائب”، دافع عن حقّ حمدان في الحديث، مخاطباً زملاءه بصوت مرتفع: “لا يحقّ لأحد مقاطعة الآخر”، واستمرّ الوضع متوتّراً لبعض الوقت، حيث تبادلت الأطراف التهم، إذ اعتبر نوّاب حزب الله أن حديث حمدان كان خروجاً عن موضوع الموازنة وتجاوزاً على دولة حليفة، بينما أصرّ نوّاب آخرون على أهمّية حرّية التعبير في المجلس.
العنف السياسي ليس بجديد في لبنان، وقد يكون الأداة الأكثر استخداماً عند محور الممانعة، لكن ما هو واضح، أنه مسالم في الجنوب تحت القصف، ومحارب في البرلمان تحت السلاح.
إقرأوا أيضاً:










