ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

“حزب الله” والدولة أمام اتّفاق سلام مذلّ: فائض السلاح وضعف التفاوض

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

من الضروري، لغوياً وسياسياً وصحافياً، عدم الخلط بين “حزب الله” ولبنان الرسمي. الاتّفاق لم يتعثّر فقط لأن إسرائيل دولة عدوانية، بل لأنه اصطدم قبل ذلك بقوّة مسلّحة تملك قراراً مستقلّاً عن مؤسّسات الدولة. 

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

ليل الأربعاء 3 حزيران/ يونيو، أُعلن التوصّل إلى تفاهم بين لبنان وإسرائيل، برعاية أميركية، لتنفيذ وقف نار مشروط بعد جولة مفاوضات في الولايات المتّحدة. لكنّ الاتّفاق، في صيغته المعلنة، لا يبدو انتصاراً لبنانياً ولا تسوية متوازنة، بقدر ما يعكس حجم الانكشاف الذي وصل إليه البلد نتيجة عقود من مصادرة قرار الحرب والسلم.

الشرط الرئيسي في الاتّفاق هو توقّف كامل لإطلاق النار من جانب “حزب الله”، وإخلاء عناصره من منطقة جنوب الليطاني، تمهيداً لإنشاء “مناطق تجريبية” يتولّى فيها الجيش اللبناني السيطرة الحصرية، من دون أيّ وجود مسلّح لجهات غير الدولة. في المقابل، لا يقدّم النصّ ضمانة واضحة وفورية تُلزم إسرائيل بوقف كل عمليّاتها أو الانسحاب الكامل من الأراضي التي تحتلّها، بل يفتح الباب أمام مسار تدريجي، مشروط ومعقّد، يُبقي لبنان تحت ضغط التهديد الإسرائيلي إذا تعثّر تنفيذ البند المتعلّق بسلاح “حزب الله” جنوب الليطاني.

بهذا المعنى، تكمن قسوة الاتّفاق في أنه يضع لبنان الرسمي أمام معادلة قاسية ومذلّة، فالدولة مطالبة بإثبات قدرتها على استعادة الجنوب من سلاح “حزب الله”، بينما إسرائيل تحتفظ بهامش واسع للضغط العسكري والسياسي بدعم أميركي، وهذه ليست معادلة عادلة للبنان، لكنّها أيضاً ليست معادلة هبطت من فراغ. 

لقد صنع هذه المعادلة مسار طويل من تحويل الجنوب إلى ورقة في يد حزب مسلّح، ومن ربط لبنان بحروب إيران وحسابات ما يسمّى بـ”المحور”، كما فاقمها أداء رسمي ضعيف لم ينجح في تحويل حقوق لبنان السيادية إلى عنصر ضغط تفاوضي حقيقي.

نعم “حزب الله” المسؤول الأوّل عن استدراج الحرب الإسرائيلية الكارثية، لكنّ تحميل “حزب الله” المسؤولية الأساسية عن جرّ لبنان إلى هذه المعادلة لا يعني إعطاء السلطة اللبنانية صكّ براءة. الدولة، في إدارتها للمفاوضات وخطابها العلني، بدت أضعف من أن تثبّت، سياسياً ودبلوماسياً وقانونياً، حقوق لبنان في السيادة والأرض ومنع الاحتلال. كنّا ننتظر من السلطة أن تقول بوضوح، في المحاضر كما في البيانات العلنية، إن أيّ تفاوض على وقف النار لا يُلغي حقّ لبنان في الانسحاب الإسرائيلي الكامل، ولا يشرّع الاحتلال المؤقّت، ولا يمنح إسرائيل حرّية مفتوحة في القصف والتهديد، غير أن الأداء الرسمي بدا مرتبكاً ومحدوداً.

“حزب الله” مسؤول لأنه صادر قرار الحرب والسلم وربط الجنوب بحسابات إقليمية، لكنّ الدولة مسؤولة أيضاً لأنها لم تحوّل المفاوضات إلى معركة سياسية وقانونية دفاعاً عن السيادة اللبنانية. كان يمكن، بل كان يجب، أن تبني ضغطاً عربياً ودولياً أوسع، وأن تستند إلى القانون الدولي والقرار 1701 وحقّ المدنيين في العودة الآمنة، لا أن تظهر وكأنها تتعامل مع الشروط الإسرائيلية بوصفها قدراً لا يُردّ. ضعف السلطة هنا لا يوازي خطيئة السلاح الخارج عن الدولة، لكنّه يفاقم نتائجها ويجعل لبنان أكثر عرّياً أمام الابتزاز الإسرائيلي.

رفض “حزب الله” الاتّفاق الأخير، ولو أنه يتضمّن، نظرياً، مساراً لانسحاب إسرائيلي تدريجي وعودة الجنوبيين المشرّدين إلى قراهم. رفضه لأنه لا يكتفي بطلب وقف النار، بل لأنه يقترب من جوهر المسألة وهي إنهاء دور “حزب الله” العسكري جنوب الليطاني، ووضع الجيش اللبناني وحده في موقع السلطة الأمنية. هنا يصبح الاتّفاق بالنسبة إلى الحزب تهديداً سياسياً قبل أن يكون بنداً عسكرياً، لأنه لا يسحب منه فقط ذريعة القتال، بل يمسّ سبب وجوده كقوّة فوق الدولة.

وهنا استعادة لمسار طويل من إمساك “حزب الله” بقرار الجنوب عسكرياً ومآلاته.

تاريخ “حزب الله” في إبقاء الحرب مفتوحة

شبعا، الأسرى، الردّ على الاغتيالات، سوريا، غزّة، إيران، واليوم رفض الانسحاب من جنوب الليطاني، كلها عناوين استخدمها “حزب الله” على مدى نحو أربعة عقود لتبرير استمرار سلاحه وإبقاء قرار الحرب خارج يد الدولة.

منذ انسحاب إسرائيل في 25 أيّار/ مايو 2000، لم يتصرّف “حزب الله” كقوّة مقاومة أنهت مهمّتها العسكرية، بل كقوّة احتفظت لنفسها بحقّ استخدام السلاح متى شاءت. بعد التحرير، كان يُفترض أن يبدأ مسار واضح لحصر السلاح بيد الدولة، لكن الحزب استخدم مزارع شبعا ذريعة لاستمرار دوره العسكري. في 7 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2000، نفّذ “حزب الله” عمليّة في منطقة مزارع شبعا/ هار دوف، أسر خلالها ثلاثة جنود إسرائيليين قُتلوا أثناء العمليّة أو بعدها، قبل أن تُعاد جثامينهم في صفقة تبادل في عام 2004. ثم شهدت الفترة بين 2000 مواجهات منخفضة الحدّة حول مزارع شبعا عبارة عن عمليّات محدودة، قصف متبادل، صواريخ وردود إسرائيلية. لم تكن حرباً شاملة، لكنّها ساهمت في إبقاء ملف السلاح مفتوحاً ومنعت عملياً انتقال لبنان إلى مرحلة حصر القرار العسكري بيد الدولة.

في 12 تمّوز/ يوليو 2006، عبر “حزب الله” الحدود وخطف جنديين إسرائيليين، فاندلعت “حرب تمّوز” التي دفع لبنان ثمنها 34 يوماً من القتل والدمار والتهجير. وبعد القرار 1701 في 11 آب/ أغسطس 2006 الذي أنهى الحرب، قبل “حزب الله” وقف إطلاق النار، لكنّه لم يقبل منطق الدولة. بقي السلاح قائماً، وبقي الحزب يتعامل مع القرار الدولي كهدنة مفيدة، لا كمدخل لاستعادة السيادة اللبنانية.

في 28 كانون الثاني/ يناير 2015، ربط الحزب لبنان مجدّداً بساحة سوريا وإيران عبر هجوم شبعا بعد ضربة القنيطرة. وفي 4 كانون الثاني/ يناير 2016، استهدف قوّة إسرائيلية بعبوة على الحدود. وفي 1 أيلول/ سبتمبر 2019، ضرب آليّة إسرائيلية قرب أفيفيم، لتأكيد أن “قواعد الاشتباك” ما زالت بيده لا بيد الدولة اللبنانية.

في 6 آب/ أغسطس 2021، أطلق عناصر من الحزب صواريخ من الجنوب، قبل أن يعترضهم أهالي المنطقة في مشهد كشف أن تحويل القرى إلى منصّات ردّ لم يعد أمراً مسلّماً به حتى داخل بيئات جنوبية متضرّرة من هذا المنطق. ثم جاء 8 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023، بعد يوم واحد من هجوم “حماس” على إسرائيل، حين أعلن الحزب فتح جبهة “الإسناد”. تلك كانت لحظة إدخال لبنان في حرب غزّة بلا قرار دولة ولا نقاش وطني.

بعدها توسّعت الجبهة عبر صواريخ ومسيّرات، ردود متبادلة، حادثة مجدل شمس في 27 تمّوز/ يوليو 2024، ثم ردّ الحزب على اغتيال فؤاد شكر في 25 آب/ أغسطس 2024 بمئات الصواريخ والمسيّرات. مرّة جديدة، صار لبنان رهينة منطق المواجهة العسكرية التي يقرّرها الحزب وحده، فيما تتحمّل البلاد كلها النتائج.

حتى عندما دخل وقف الأعمال العدائية حيّز التنفيذ في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، بقي الاتّفاق هشّاً. جوهره كان منع “حزب الله” والمجموعات المسلّحة من تنفيذ عمليّات ضدّ إسرائيل، وحصر السلاح جنوب الليطاني بيد الدولة. 

في 2026، أعاد الحزب فتح الحرب ضمن سياق الحرب الاقليمية الأوسع لنصرة إيران و”ثأراً” لاغتيال المرشد الأعلى في طهران. في 2 و3 آذار/ مارس، عادت الصواريخ والمسيّرات، فدخل لبنان مرحلة كارثية جديدة من الحرب الشرسة ضدّه، أمعنت فيها إسرائيل تدميراً وقتلاً وتجريفاً. ثم أُعلنت هدنة أخرى في 16 نيسان/ أبريل، ومُدّد وقف الأعمال العدائية 45 يوماً في 15 أيّار/ مايو، لكنّ المواجهات استمرّت لأن النصوص لم تحسم السؤال الحقيقي: من يملك القرار العسكري في الجنوب؟

منذ 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، لم يعد لبنان أمام هدنة واحدة، بل أمام سلسلة هدنات تكشف المأزق نفسه، وقوامه أن لا استقرار فعلياً ما دام السلاح خارج الدولة. في جوهرها، حملت هذه الهدنات الرسالة ذاتها تقريباً أي تطبيق القرار 1701، انسحاب إسرائيلي، انتشار الجيش اللبناني، وضبط السلاح جنوب الليطاني.

في كانون الثاني/ يناير 2025، تحوّلت الهدنة إلى تمديد إداري بعدما لم تكفِ المهلة الأولى لإنجاز الانسحاب والانتشار. وطوال 2025، بقي الاتّفاق قائماً كهدنة مراقبة يومياً، مع خروقات متبادلة، وهيمنة قاتلة على مستوى الردّ الإسرائيلي. في 15 أيّار/ مايو 2026، مُدّد وقف الأعمال العدائية 45 يوماً لإبقاء قناة واشنطن مفتوحة. في 1 حزيران/ يونيو، ظهرت صيغة أضيق: وقف هجمات “حزب الله” مقابل امتناع إسرائيل عن ضرب الضاحية. ثم ليل 3-4 حزيران/ يونيو، وصلنا إلى وقف نار مشروط وممهّد لتسوية أوسع، عنوانه الواضح وهو جنوب الليطاني بلا “حزب الله”، والجيش اللبناني هو القوّة الحصرية في مناطق تجريبية.

نستعرض هذه التفاصيل لفهم كيف يتحرّك “حزب الله” فهو غالباً ما يقبل الهدنة حين تُبقي سلاحه قائماً وتمنحه فرصة إعادة ترتيب الخسارة داخل جمهوره بوصفها “ردعاً” أو “انتصاراً”. لكنّه يرفضها، أو يعرقلها، حين تتحوّل إلى مسار جدّي لإنهاء دوره العسكري جنوب الليطاني. 

“حزب الله” ليس لبنان الرسمي

من الضروري، لغوياً وسياسياً وصحافياً، عدم الخلط بين “حزب الله” ولبنان الرسمي. الاتّفاق لم يتعثّر فقط لأن إسرائيل دولة عدوانية، بل لأنه اصطدم قبل ذلك بقوّة مسلّحة تملك قراراً مستقلّاً عن مؤسّسات الدولة. 

هذا التمييز لا يعني تبرئة إسرائيل من جرائمها وتماديها في قتل اللبنانيين وتدمير بلدهم، ولا تبرئة لبنان الرسمي من ضعف الأداء. فالدولة لا تتحمّل مسؤولية قرار “حزب الله” العسكري، لكنّها تتحمّل مسؤولية خطابها وتفاوضها وإدارتها السياسية للحظة. كان عليها أن تفصل بوضوح بين مطلب حصر السلاح بيد الدولة، وهو مطلب لبناني وسيادي، وبين أيّ محاولة إسرائيلية لاستخدام هذا المطلب لتبرير استمرار الاحتلال أو القصف أو منع العودة. لم يكن مطلوباً من السلطة أن تدافع عن سلاح “حزب الله”، بل أن تدافع عن لبنان أرضاً وسيادة وسكّاناً وحقّاً قانونياً في الانسحاب الكامل.

دفعت الولايات المتّحدة باتّجاه تمديدات وصيغ انتقالية، فتحوّلت الهدنات إلى إدارة مؤقّتة للنزاع لا إلى حلّ فعلي. بقي وقف النار معلناً، لكنّ الخلاف على التنفيذ صار خلافاً على من يفسّر الخرق، ومن يملك حقّ الردّ، ومن يقرّر متى تنتهي الحرب ومتى تستأنف.

ترجم ذلك في الداخل اللبناني بكباش إعلامي وسياسي بين المحاور المتنازعة، وباستهداف يومي لعناصر “حزب الله” ومواقعه، وبردود محدودة أو متقطّعة من الحزب على مواقع إسرائيلية. المشهد كله يستدعي بسخرية مريرة جملة زياد الرحباني الشهيرة: “مدام لور عم تاكلي بالسر بس عم تنصحي بالعلن”. هكذا يبدو وقف النار أيضاً، معلناً في الخطابات، ومنتهكاً في الميدان، وسرّه مكشوف أمام الجميع.

فتور بين برّي و”حزب الله”

منذ 2024، لم يواجه نبيه برّي “حزب الله” علناً، لكنّه بدأ يبتعد عنه عملياً. قبل بمسار وقف النار الأميركي، ومرّر اتّفاقاً يضع عمليّات “حزب الله” ضدّ إسرائيل تحت سقف الدولة، ثم دافع عن الهدنة بدل أن يفتح الباب أمام منطق “الردّ المفتوح”. في 2025، رفع منسوب الرهان على الجيش اللبناني، بما بدا اعترافاً سياسياً بأن قرار الحرب لم يعد يحتمل إدارة حزبية منفردة.

أهمّ معطى في الأسبوع الأخير هو دخول برّي الواضح على خطّ المفاوضات، لا بصفته رئيساً لمجلس النوّاب فقط، بل بصفته الزعيم الشيعي القادر على نقل رسائل من “حزب الله” وإليه، وربما محاولة ضمان التزامه بالتهدئة. هنا يبرز سؤال شيعي داخلي حساس، هل يستطيع جمهور “حزب الله” تخوين برّي لأنه انضمّ إلى مسار التفاوض، كما خُوّن رئيس الحكومة نوّاف سلام ورئيس الجمهورية جوزاف عون وكل من دعا إلى حصر القرار العسكري بيد الدولة؟

مع نهاية أيّار/ مايو، سيطرت إسرائيل على قلعة الشقيف، وطلبت فرنسا عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن. في تلك اللحظة، بدا أن واشنطن تحاول إنتاج صيغة عاجلة تقضي بأن يوقف “حزب الله” هجماته على إسرائيل، وتمتنع إسرائيل عن التصعيد في بيروت والضاحية. لم تكن تلك هدنة شاملة، بل محاولة جزئية ومحدّدة جغرافياً لمنع توسّع الحرب إلى العاصمة مقابل وقف هجمات الحزب.

في هذا السياق، جاء تصريح النائب في “حزب الله” حسن فضل الله حول قلعة الشقيف واعتباره أنها “معلماً سياحياً”، ليحاول تخفيف وطأة سقوطها والأثر المعنوي المهين لمشاهد جنود إسرائيليين يرفعون علمهم على القلعة. لكنّ هذا الكلام يصطدم بواقع سياسي ومعنوي أعمق، فالقلعة كانت جزءاً من ذاكرة الحزب ورمزيته بعد الانسحاب الإسرائيلي في عام 2000، وتحوّلت، في المخيال العامّ، إلى واحدة من علامات “التحرير”، لذلك، فإن سقوطها ليس تفصيلاً سياحياً، بل ضربة رمزية تكشف حدود خطاب الردع الذي بناه الحزب طويلاً.

وبعد جلسات المفاوضات الاخيرة أشار الرئيس دونالد ترامب إلى حصول تواصل غير مباشر مع “حزب الله” عبر ممثّلين أو وسطاء، لكنّ النتيجة جاءت كما كان متوقّعاً، رفض الحزب البيان المشترك الأخير. وهكذا عدنا إلى الحلقة نفسها أي دولة تفاوض لأنها لا تملك خياراً آخر، إسرائيل تضغط عسكرياً وتفرض شروطاً قاسية، و”حزب الله” يرفض أن يخسر امتيازه العسكري حتى لو كان الثمن استمرار تهجير الجنوبيين وتعميق الاحتلال والدمار.

المسألة لا تتعلّق بتبرئة إسرائيل. فإسرائيل تحتلّ وتقصف وتدمّر وتتعامل مع لبنان كمساحة ضغط مفتوحة. لكنّ نقد إسرائيل لا يُعفي “حزب الله” من مسؤوليته اللبنانية. فهو لم يحمِ الجنوب من الاحتلال، ولم يمنع التدمير، ولم يفرض توازناً يحمي المدنيين، بل أسهم، بسلاحه المنفلت وارتباطه الإيراني، في إيصال لبنان إلى تفاوض من موقع شديد الهشاشة.

وفي المقابل، لا يجوز أن يتحوّل نقد “حزب الله” إلى تبرئة للسلطة اللبنانية. فالدولة التي تعرف أنها تفاوض من موقع ضعف كان عليها، على الأقلّ، أن تخوض معركة الخطاب والحقوق بصلابة أكبر. كان عليها أن تقول إن الانسحاب الإسرائيلي الكامل ليس جائزة تمنحها تل أبيب للبنان إذا أحسن السلوك، بل واجب قانوني وسيادي. وكان عليها أن تضع عودة السكان، ووقف القصف، ومنع الاحتلال، وحماية الأرض، في قلب أيّ بيان أو محضر أو تحرّك دبلوماسي عربي ودولي.

بهذا المعنى، لم يكن “حزب الله” مجرّد معترض على اتّفاق مذلّ. لقد كان أحد صانعي الشروط التي جعلت الاتّفاق مذلّاً حين جعل السلاح فوق الدولة، والحرب فوق السياسة، وإيران فوق لبنان.

شركة المهندس العراقية
هالة الطائي | 15.07.2026

شركة «المهندس»: “بيزنس” الحشد الشعبي فوق رقابة الدولة!

بحسب تقارير صحافية، تعتمد شركة "المهندس العامّة" على شبكة من الشركات كواجهة لتجنّب العقوبات، إذ تدخل هذه الكيانات بديلة عنها في التعاقدات الرسمية ومن أبرز هذه الشركات: «بلدنا للاستثمارات الزراعية»، ويُعتقد أن دورها يتمثّل في غسل أموال المشاريع الزراعية، و«التكامل الهندسي الدولي»، التي تُحال إليها عقود الكهرباء والطاقة، و«نور الجنوب للمقاولات» و«الرافد العربي للتوريد العامّ»،…
06.06.2026
زمن القراءة: 9 minutes

من الضروري، لغوياً وسياسياً وصحافياً، عدم الخلط بين “حزب الله” ولبنان الرسمي. الاتّفاق لم يتعثّر فقط لأن إسرائيل دولة عدوانية، بل لأنه اصطدم قبل ذلك بقوّة مسلّحة تملك قراراً مستقلّاً عن مؤسّسات الدولة. 


ليل الأربعاء 3 حزيران/ يونيو، أُعلن التوصّل إلى تفاهم بين لبنان وإسرائيل، برعاية أميركية، لتنفيذ وقف نار مشروط بعد جولة مفاوضات في الولايات المتّحدة. لكنّ الاتّفاق، في صيغته المعلنة، لا يبدو انتصاراً لبنانياً ولا تسوية متوازنة، بقدر ما يعكس حجم الانكشاف الذي وصل إليه البلد نتيجة عقود من مصادرة قرار الحرب والسلم.

الشرط الرئيسي في الاتّفاق هو توقّف كامل لإطلاق النار من جانب “حزب الله”، وإخلاء عناصره من منطقة جنوب الليطاني، تمهيداً لإنشاء “مناطق تجريبية” يتولّى فيها الجيش اللبناني السيطرة الحصرية، من دون أيّ وجود مسلّح لجهات غير الدولة. في المقابل، لا يقدّم النصّ ضمانة واضحة وفورية تُلزم إسرائيل بوقف كل عمليّاتها أو الانسحاب الكامل من الأراضي التي تحتلّها، بل يفتح الباب أمام مسار تدريجي، مشروط ومعقّد، يُبقي لبنان تحت ضغط التهديد الإسرائيلي إذا تعثّر تنفيذ البند المتعلّق بسلاح “حزب الله” جنوب الليطاني.

بهذا المعنى، تكمن قسوة الاتّفاق في أنه يضع لبنان الرسمي أمام معادلة قاسية ومذلّة، فالدولة مطالبة بإثبات قدرتها على استعادة الجنوب من سلاح “حزب الله”، بينما إسرائيل تحتفظ بهامش واسع للضغط العسكري والسياسي بدعم أميركي، وهذه ليست معادلة عادلة للبنان، لكنّها أيضاً ليست معادلة هبطت من فراغ. 

لقد صنع هذه المعادلة مسار طويل من تحويل الجنوب إلى ورقة في يد حزب مسلّح، ومن ربط لبنان بحروب إيران وحسابات ما يسمّى بـ”المحور”، كما فاقمها أداء رسمي ضعيف لم ينجح في تحويل حقوق لبنان السيادية إلى عنصر ضغط تفاوضي حقيقي.

نعم “حزب الله” المسؤول الأوّل عن استدراج الحرب الإسرائيلية الكارثية، لكنّ تحميل “حزب الله” المسؤولية الأساسية عن جرّ لبنان إلى هذه المعادلة لا يعني إعطاء السلطة اللبنانية صكّ براءة. الدولة، في إدارتها للمفاوضات وخطابها العلني، بدت أضعف من أن تثبّت، سياسياً ودبلوماسياً وقانونياً، حقوق لبنان في السيادة والأرض ومنع الاحتلال. كنّا ننتظر من السلطة أن تقول بوضوح، في المحاضر كما في البيانات العلنية، إن أيّ تفاوض على وقف النار لا يُلغي حقّ لبنان في الانسحاب الإسرائيلي الكامل، ولا يشرّع الاحتلال المؤقّت، ولا يمنح إسرائيل حرّية مفتوحة في القصف والتهديد، غير أن الأداء الرسمي بدا مرتبكاً ومحدوداً.

“حزب الله” مسؤول لأنه صادر قرار الحرب والسلم وربط الجنوب بحسابات إقليمية، لكنّ الدولة مسؤولة أيضاً لأنها لم تحوّل المفاوضات إلى معركة سياسية وقانونية دفاعاً عن السيادة اللبنانية. كان يمكن، بل كان يجب، أن تبني ضغطاً عربياً ودولياً أوسع، وأن تستند إلى القانون الدولي والقرار 1701 وحقّ المدنيين في العودة الآمنة، لا أن تظهر وكأنها تتعامل مع الشروط الإسرائيلية بوصفها قدراً لا يُردّ. ضعف السلطة هنا لا يوازي خطيئة السلاح الخارج عن الدولة، لكنّه يفاقم نتائجها ويجعل لبنان أكثر عرّياً أمام الابتزاز الإسرائيلي.

رفض “حزب الله” الاتّفاق الأخير، ولو أنه يتضمّن، نظرياً، مساراً لانسحاب إسرائيلي تدريجي وعودة الجنوبيين المشرّدين إلى قراهم. رفضه لأنه لا يكتفي بطلب وقف النار، بل لأنه يقترب من جوهر المسألة وهي إنهاء دور “حزب الله” العسكري جنوب الليطاني، ووضع الجيش اللبناني وحده في موقع السلطة الأمنية. هنا يصبح الاتّفاق بالنسبة إلى الحزب تهديداً سياسياً قبل أن يكون بنداً عسكرياً، لأنه لا يسحب منه فقط ذريعة القتال، بل يمسّ سبب وجوده كقوّة فوق الدولة.

وهنا استعادة لمسار طويل من إمساك “حزب الله” بقرار الجنوب عسكرياً ومآلاته.

تاريخ “حزب الله” في إبقاء الحرب مفتوحة

شبعا، الأسرى، الردّ على الاغتيالات، سوريا، غزّة، إيران، واليوم رفض الانسحاب من جنوب الليطاني، كلها عناوين استخدمها “حزب الله” على مدى نحو أربعة عقود لتبرير استمرار سلاحه وإبقاء قرار الحرب خارج يد الدولة.

منذ انسحاب إسرائيل في 25 أيّار/ مايو 2000، لم يتصرّف “حزب الله” كقوّة مقاومة أنهت مهمّتها العسكرية، بل كقوّة احتفظت لنفسها بحقّ استخدام السلاح متى شاءت. بعد التحرير، كان يُفترض أن يبدأ مسار واضح لحصر السلاح بيد الدولة، لكن الحزب استخدم مزارع شبعا ذريعة لاستمرار دوره العسكري. في 7 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2000، نفّذ “حزب الله” عمليّة في منطقة مزارع شبعا/ هار دوف، أسر خلالها ثلاثة جنود إسرائيليين قُتلوا أثناء العمليّة أو بعدها، قبل أن تُعاد جثامينهم في صفقة تبادل في عام 2004. ثم شهدت الفترة بين 2000 مواجهات منخفضة الحدّة حول مزارع شبعا عبارة عن عمليّات محدودة، قصف متبادل، صواريخ وردود إسرائيلية. لم تكن حرباً شاملة، لكنّها ساهمت في إبقاء ملف السلاح مفتوحاً ومنعت عملياً انتقال لبنان إلى مرحلة حصر القرار العسكري بيد الدولة.

في 12 تمّوز/ يوليو 2006، عبر “حزب الله” الحدود وخطف جنديين إسرائيليين، فاندلعت “حرب تمّوز” التي دفع لبنان ثمنها 34 يوماً من القتل والدمار والتهجير. وبعد القرار 1701 في 11 آب/ أغسطس 2006 الذي أنهى الحرب، قبل “حزب الله” وقف إطلاق النار، لكنّه لم يقبل منطق الدولة. بقي السلاح قائماً، وبقي الحزب يتعامل مع القرار الدولي كهدنة مفيدة، لا كمدخل لاستعادة السيادة اللبنانية.

في 28 كانون الثاني/ يناير 2015، ربط الحزب لبنان مجدّداً بساحة سوريا وإيران عبر هجوم شبعا بعد ضربة القنيطرة. وفي 4 كانون الثاني/ يناير 2016، استهدف قوّة إسرائيلية بعبوة على الحدود. وفي 1 أيلول/ سبتمبر 2019، ضرب آليّة إسرائيلية قرب أفيفيم، لتأكيد أن “قواعد الاشتباك” ما زالت بيده لا بيد الدولة اللبنانية.

في 6 آب/ أغسطس 2021، أطلق عناصر من الحزب صواريخ من الجنوب، قبل أن يعترضهم أهالي المنطقة في مشهد كشف أن تحويل القرى إلى منصّات ردّ لم يعد أمراً مسلّماً به حتى داخل بيئات جنوبية متضرّرة من هذا المنطق. ثم جاء 8 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023، بعد يوم واحد من هجوم “حماس” على إسرائيل، حين أعلن الحزب فتح جبهة “الإسناد”. تلك كانت لحظة إدخال لبنان في حرب غزّة بلا قرار دولة ولا نقاش وطني.

بعدها توسّعت الجبهة عبر صواريخ ومسيّرات، ردود متبادلة، حادثة مجدل شمس في 27 تمّوز/ يوليو 2024، ثم ردّ الحزب على اغتيال فؤاد شكر في 25 آب/ أغسطس 2024 بمئات الصواريخ والمسيّرات. مرّة جديدة، صار لبنان رهينة منطق المواجهة العسكرية التي يقرّرها الحزب وحده، فيما تتحمّل البلاد كلها النتائج.

حتى عندما دخل وقف الأعمال العدائية حيّز التنفيذ في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، بقي الاتّفاق هشّاً. جوهره كان منع “حزب الله” والمجموعات المسلّحة من تنفيذ عمليّات ضدّ إسرائيل، وحصر السلاح جنوب الليطاني بيد الدولة. 

في 2026، أعاد الحزب فتح الحرب ضمن سياق الحرب الاقليمية الأوسع لنصرة إيران و”ثأراً” لاغتيال المرشد الأعلى في طهران. في 2 و3 آذار/ مارس، عادت الصواريخ والمسيّرات، فدخل لبنان مرحلة كارثية جديدة من الحرب الشرسة ضدّه، أمعنت فيها إسرائيل تدميراً وقتلاً وتجريفاً. ثم أُعلنت هدنة أخرى في 16 نيسان/ أبريل، ومُدّد وقف الأعمال العدائية 45 يوماً في 15 أيّار/ مايو، لكنّ المواجهات استمرّت لأن النصوص لم تحسم السؤال الحقيقي: من يملك القرار العسكري في الجنوب؟

منذ 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، لم يعد لبنان أمام هدنة واحدة، بل أمام سلسلة هدنات تكشف المأزق نفسه، وقوامه أن لا استقرار فعلياً ما دام السلاح خارج الدولة. في جوهرها، حملت هذه الهدنات الرسالة ذاتها تقريباً أي تطبيق القرار 1701، انسحاب إسرائيلي، انتشار الجيش اللبناني، وضبط السلاح جنوب الليطاني.

في كانون الثاني/ يناير 2025، تحوّلت الهدنة إلى تمديد إداري بعدما لم تكفِ المهلة الأولى لإنجاز الانسحاب والانتشار. وطوال 2025، بقي الاتّفاق قائماً كهدنة مراقبة يومياً، مع خروقات متبادلة، وهيمنة قاتلة على مستوى الردّ الإسرائيلي. في 15 أيّار/ مايو 2026، مُدّد وقف الأعمال العدائية 45 يوماً لإبقاء قناة واشنطن مفتوحة. في 1 حزيران/ يونيو، ظهرت صيغة أضيق: وقف هجمات “حزب الله” مقابل امتناع إسرائيل عن ضرب الضاحية. ثم ليل 3-4 حزيران/ يونيو، وصلنا إلى وقف نار مشروط وممهّد لتسوية أوسع، عنوانه الواضح وهو جنوب الليطاني بلا “حزب الله”، والجيش اللبناني هو القوّة الحصرية في مناطق تجريبية.

نستعرض هذه التفاصيل لفهم كيف يتحرّك “حزب الله” فهو غالباً ما يقبل الهدنة حين تُبقي سلاحه قائماً وتمنحه فرصة إعادة ترتيب الخسارة داخل جمهوره بوصفها “ردعاً” أو “انتصاراً”. لكنّه يرفضها، أو يعرقلها، حين تتحوّل إلى مسار جدّي لإنهاء دوره العسكري جنوب الليطاني. 

“حزب الله” ليس لبنان الرسمي

من الضروري، لغوياً وسياسياً وصحافياً، عدم الخلط بين “حزب الله” ولبنان الرسمي. الاتّفاق لم يتعثّر فقط لأن إسرائيل دولة عدوانية، بل لأنه اصطدم قبل ذلك بقوّة مسلّحة تملك قراراً مستقلّاً عن مؤسّسات الدولة. 

هذا التمييز لا يعني تبرئة إسرائيل من جرائمها وتماديها في قتل اللبنانيين وتدمير بلدهم، ولا تبرئة لبنان الرسمي من ضعف الأداء. فالدولة لا تتحمّل مسؤولية قرار “حزب الله” العسكري، لكنّها تتحمّل مسؤولية خطابها وتفاوضها وإدارتها السياسية للحظة. كان عليها أن تفصل بوضوح بين مطلب حصر السلاح بيد الدولة، وهو مطلب لبناني وسيادي، وبين أيّ محاولة إسرائيلية لاستخدام هذا المطلب لتبرير استمرار الاحتلال أو القصف أو منع العودة. لم يكن مطلوباً من السلطة أن تدافع عن سلاح “حزب الله”، بل أن تدافع عن لبنان أرضاً وسيادة وسكّاناً وحقّاً قانونياً في الانسحاب الكامل.

دفعت الولايات المتّحدة باتّجاه تمديدات وصيغ انتقالية، فتحوّلت الهدنات إلى إدارة مؤقّتة للنزاع لا إلى حلّ فعلي. بقي وقف النار معلناً، لكنّ الخلاف على التنفيذ صار خلافاً على من يفسّر الخرق، ومن يملك حقّ الردّ، ومن يقرّر متى تنتهي الحرب ومتى تستأنف.

ترجم ذلك في الداخل اللبناني بكباش إعلامي وسياسي بين المحاور المتنازعة، وباستهداف يومي لعناصر “حزب الله” ومواقعه، وبردود محدودة أو متقطّعة من الحزب على مواقع إسرائيلية. المشهد كله يستدعي بسخرية مريرة جملة زياد الرحباني الشهيرة: “مدام لور عم تاكلي بالسر بس عم تنصحي بالعلن”. هكذا يبدو وقف النار أيضاً، معلناً في الخطابات، ومنتهكاً في الميدان، وسرّه مكشوف أمام الجميع.

فتور بين برّي و”حزب الله”

منذ 2024، لم يواجه نبيه برّي “حزب الله” علناً، لكنّه بدأ يبتعد عنه عملياً. قبل بمسار وقف النار الأميركي، ومرّر اتّفاقاً يضع عمليّات “حزب الله” ضدّ إسرائيل تحت سقف الدولة، ثم دافع عن الهدنة بدل أن يفتح الباب أمام منطق “الردّ المفتوح”. في 2025، رفع منسوب الرهان على الجيش اللبناني، بما بدا اعترافاً سياسياً بأن قرار الحرب لم يعد يحتمل إدارة حزبية منفردة.

أهمّ معطى في الأسبوع الأخير هو دخول برّي الواضح على خطّ المفاوضات، لا بصفته رئيساً لمجلس النوّاب فقط، بل بصفته الزعيم الشيعي القادر على نقل رسائل من “حزب الله” وإليه، وربما محاولة ضمان التزامه بالتهدئة. هنا يبرز سؤال شيعي داخلي حساس، هل يستطيع جمهور “حزب الله” تخوين برّي لأنه انضمّ إلى مسار التفاوض، كما خُوّن رئيس الحكومة نوّاف سلام ورئيس الجمهورية جوزاف عون وكل من دعا إلى حصر القرار العسكري بيد الدولة؟

مع نهاية أيّار/ مايو، سيطرت إسرائيل على قلعة الشقيف، وطلبت فرنسا عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن. في تلك اللحظة، بدا أن واشنطن تحاول إنتاج صيغة عاجلة تقضي بأن يوقف “حزب الله” هجماته على إسرائيل، وتمتنع إسرائيل عن التصعيد في بيروت والضاحية. لم تكن تلك هدنة شاملة، بل محاولة جزئية ومحدّدة جغرافياً لمنع توسّع الحرب إلى العاصمة مقابل وقف هجمات الحزب.

في هذا السياق، جاء تصريح النائب في “حزب الله” حسن فضل الله حول قلعة الشقيف واعتباره أنها “معلماً سياحياً”، ليحاول تخفيف وطأة سقوطها والأثر المعنوي المهين لمشاهد جنود إسرائيليين يرفعون علمهم على القلعة. لكنّ هذا الكلام يصطدم بواقع سياسي ومعنوي أعمق، فالقلعة كانت جزءاً من ذاكرة الحزب ورمزيته بعد الانسحاب الإسرائيلي في عام 2000، وتحوّلت، في المخيال العامّ، إلى واحدة من علامات “التحرير”، لذلك، فإن سقوطها ليس تفصيلاً سياحياً، بل ضربة رمزية تكشف حدود خطاب الردع الذي بناه الحزب طويلاً.

وبعد جلسات المفاوضات الاخيرة أشار الرئيس دونالد ترامب إلى حصول تواصل غير مباشر مع “حزب الله” عبر ممثّلين أو وسطاء، لكنّ النتيجة جاءت كما كان متوقّعاً، رفض الحزب البيان المشترك الأخير. وهكذا عدنا إلى الحلقة نفسها أي دولة تفاوض لأنها لا تملك خياراً آخر، إسرائيل تضغط عسكرياً وتفرض شروطاً قاسية، و”حزب الله” يرفض أن يخسر امتيازه العسكري حتى لو كان الثمن استمرار تهجير الجنوبيين وتعميق الاحتلال والدمار.

المسألة لا تتعلّق بتبرئة إسرائيل. فإسرائيل تحتلّ وتقصف وتدمّر وتتعامل مع لبنان كمساحة ضغط مفتوحة. لكنّ نقد إسرائيل لا يُعفي “حزب الله” من مسؤوليته اللبنانية. فهو لم يحمِ الجنوب من الاحتلال، ولم يمنع التدمير، ولم يفرض توازناً يحمي المدنيين، بل أسهم، بسلاحه المنفلت وارتباطه الإيراني، في إيصال لبنان إلى تفاوض من موقع شديد الهشاشة.

وفي المقابل، لا يجوز أن يتحوّل نقد “حزب الله” إلى تبرئة للسلطة اللبنانية. فالدولة التي تعرف أنها تفاوض من موقع ضعف كان عليها، على الأقلّ، أن تخوض معركة الخطاب والحقوق بصلابة أكبر. كان عليها أن تقول إن الانسحاب الإسرائيلي الكامل ليس جائزة تمنحها تل أبيب للبنان إذا أحسن السلوك، بل واجب قانوني وسيادي. وكان عليها أن تضع عودة السكان، ووقف القصف، ومنع الاحتلال، وحماية الأرض، في قلب أيّ بيان أو محضر أو تحرّك دبلوماسي عربي ودولي.

بهذا المعنى، لم يكن “حزب الله” مجرّد معترض على اتّفاق مذلّ. لقد كان أحد صانعي الشروط التي جعلت الاتّفاق مذلّاً حين جعل السلاح فوق الدولة، والحرب فوق السياسة، وإيران فوق لبنان.