ليس حسن النيّات هو ما يفترض دعوة ما إلى الحوار، الوهن أيضاً يفترض ذلك. فأغلب الظنّ أن الدعوة إلى الحوار في وقت مستقطع من الحرب، هو مرادف للقبول المشروط بوقفها، وهذه حال “حزب الله” في الوهنين، حوار مفترض مع المملكة العربية السعودية، ووقف واقعي للحرب مع إسرائيل.
لنستحسن والحال مبادرة الأمين العامّ لـ”حزب الله” للدعوة إلى الحوار مع المملكة العربية السعودية، تماماً كاستحساننا كناجين من الموت، تلك اللحظة التي ساقته إلى طلب وقف الحرب الأخيرة مع إسرائيل، لكنّ الاستحسان في الحالين يفترض بالضرورة أن نكون أمام حزب يُخضع نفسه طوعاً للوقائع، التي أفضت إلى وقف الحرب، وتُفضي راهناً إلى دعوة إلى حوار سعودي معه.
يقيم “حزب الله” في راهنه إذاً بين وهنين، وبعلّتين مختلفتين، لكنّهما يتقاطعان في تأتّيهما من مآل حربه الأخيرة. فالوهن الذي تشي به دعوته المملكة العربية السعودية إلى الحوار، تفرضه مشهديّة الدمار في الجنوب والضاحية، وعجز الحزب، كما الدولة اللبنانية، عن الإعمار والترميم، والمملكة في إدراك الشيخ نعيم قاسم تندرج كمساهم أوّل فيهما.
الوهن الآخر يقتضي رتقه الخروج نهائياً من الحرب، ويُفضي إلى التسليم بقرار السلطة اللبنانية في مسألة حصر السلاح بيدها، وبالتالي اقتناعه أنه مكوّن من مكوّناتها، وليس طرفاً في مواجهتها، أو في أهون الأحوال حائزاً على “فيتو” يُشهره في وجهها دائماً.
هل يفعلها “حزب الله”؟ على الأرجح لا. فحين يدعو الشيخ نعيم قاسم وعلناً إلى حوار بين المملكة و”المقاومة”، فإنه بدلالات الأخيرة سعودياً يحيل الحوار على أوّل استعصاءاته، ودون الأخذ باعتبار آخر أن “السعوديين يفاوضون أساساً سلطة لبنانية يندرج فيها “حزب الله” ضمناً، وبشروط صارت معلنة”.
والمرء إذ يفهم أسباب الدعوة، يفهم أيضاً أنها دعوة قائمة بين حالين، التباسها وحقيقتها.
دعوة السعودية إلى الحوار متأتّية من صحوة براغماتية متأخّرة، تفترض وبواقعية، أن إعمار ما هدّمته الحرب الأخيرة هو قدرة سعودية، بقدر ما هو عجز لبناني، لكنّ الدعوة تفترض أيضاً أن الداعي لا يفوته أن من ينتدب دعوتها إلى الحوار هي دولة لا تُحسن الظنّ بحزبه، وتفترض أيضاً إدراكاً منه أن للسعودية شروطها، وهي شروط ترتبط حصراً بـ”حزب الله” كحزب مسلَّح، كان قاسم نفسه وإعلام حزبه يُدرجون مبعوثها إلى لبنان (يزيد بن فرحان) كمؤثّر أوّل وسلبي، وقبل الأميركيين والإسرائيليين حتى، في تكثيف مسألة حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية.
والشروط السعودية على الحزب تتجاوز قطعاً لبنان وجغرافيته، إنها شروط ترتبط بأمن المملكة أكثر من ارتباطها على الأرجح بلبنان، وتتقاطع الجغرافيتان عند “حزب الله” وسلاحه. إذ سيباشر السعوديون بفتح باب الشروط من بند أوّل يُساق من حرب اليمن بين الحوثيين والمملكة العربية السعودية، وإدراج الأخيرة للحزب كشريك لـ”أنصار الله” في تهديد أمنها، معطوفاً على ماضٍ شديد الخصومة بين الحزب والمملكة. من هنا يُفهم إصرار السعودية على “نزع” سلاح الحزب، سواء بحوار مفترض معها، أو من دونه.
والحال، يعرف الشيخ نعيم قاسم أن مقاربته لحوار مع السعودية، يُباشر من “المقاومة” كمسلّمة لديه، هو نقيض مقاربة سعودية تدَّعي أن مال الإعمار هو حصراً مقابل سلاح الأخيرة.
وأغلب الظنّ أن دعوة قاسم اليوم لا تحتمل هذا الكمّ من النيّات الحسنة لملاقاة المقاربة السعودية، إلا…
الاستثناء كحسن ظنّ تفترضه العلاقة المرمّمة بين المملكة وإيران، وأن ولاية الأخيرة على الحزب وسلاحه افترضت دعوة الأمين العامّ لـ”حزب الله” إلى حوارمع السعودية، أتى من خارج المسار الاتّهامي المتواتر لها برعاية سلطة لبنانية تريد “نزع ” سلاحه، وفي مناخ يشي أن الجميع يريد تدارك حرب إقليمية يريدها فقط بنيامين نتانياهو.
لكنّ الاستثناء المذكور يقتضي أن الشيخ نعيم قاسم وهو يدعو السعودية إلى حوار مع “المقاومة”، يفترض أن الأخيرة سيقت في الدعوة مجرّدة من معناها لبنانياً وإيرانياً.











