ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

حزب الله وسلاح الـ”عقيدة” الذي لا يُمسّ

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

ما يحصل هو مجهودٌ منظّم لقتل أي مسافةٍ سجال بين معتقد الشيعة الديني وبين حزب الله، بحيث يُعاد تعريف السلاح لا كقضيةٍ سياسية أمنية تمسّ الدولة والسيادة، بل كقضية “هوية” و”عقيدة”.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

يبذل محسوبون على حزب الله جهداً هائلاً لإلغاء أي مسافة نقد أو نقاش بين قناعات الشيعة الدينية وبين الحزب. تُملأ الفضاءات العامة بنقاشات حادة وحملات تحريض رخيصة لأي نقد لفكرة استغلال حزب الله الأيديولوجي للدين لتعويم سلاحه وتحويله شأناً مقدساً لا شأنا سياسيا أمنيا بامتياز.

هذا ليس سجالاً عادياً، فما يحصل هو مجهودٌ منظّم لقتل أي مسافةٍ سجال بين معتقد الشيعة الديني وبين حزب الله، بحيث يُعاد تعريف السلاح لا كقضيةٍ سياسية أمنية تمسّ الدولة والسيادة، بل كقضية “هوية” و”عقيدة”. عندها يصبح أي نقاش أو اعتراض على هذا السلاح تجديفاً على طائفةٍ بكاملها، لا نقاشاً مشروعاً في شؤون الحكم والقرار العام.

تبدّت هذه الاستراتيجية أخيراً عبر حملات متكررة آخرها الحملة على النائبة بولا يعقوبيان بعد انتقادها “الأدلجة العقائدية” لخطاب الحزب في تبرير السلاح. قُدّم كلامها كعداءٍ للطائفة لا كدعوةٍ لإعادة الملف إلى مرجعيته الطبيعية: الدولة والقانون.

ما يفعله الحزب، بتقنيات واضحة تصاعدية هو نقل السلاح من منطقة “السياسة” إلى منطقة “القداسة” والهوية الجمعية. وهذا لم يحصل فجأة، فالحزب يعي أهمية ربط كل سياساته بسلاسل مقدسة، وهو ما فعله منذ تأسيسه في مطلع الثمانينيات، وتحويل حواضنه الشعبية الى مناطق مسيّجة بشعارات وصور وضبط أيديولوجي صارم لا تترك مجالاً لتأويل آخر.

وحديثاً، انضمّ رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى جوقة تقديس السلاح عبر قوله “سلاح المقاومة عزنا وكرامتنا”، وفي هذا الانضمام إشهار أننا لسنا حيال “سلاح سياسي لبناني” إنما سلاح بوظيفة “مقدّسة” ومَهدوية.   

في السياسة كما في الدين، نكاد لا نجد فصلاً في اللغة التي تُعتمد في موسم انتخابي عن تلك التي تُعتمد في المواسم الدينية الكبرى كعاشوراء.  تُدمج مفردات غيبية مثل “التكليف الشرعي” و”كربلاء” مع حديث الردع والسلاح، فيتكرّس السلاح كجزء من طقس اجتماعي ديني يصعب الاقتراب منه، ويُصوَّر النقد كخيانة لـ”أمانة الشهداء” أو كخدمةٍ لخصومٍ متربّصين. هذا ليس استنتاجاً من خارج خطاب الحزب؛ فوسائله ومنابره الرسمية والمنابر الموازية تربط بوضوح بين واقعة “المقاومة” ومقتضياتٍ دينية وأخلاقية تُعلي من شأن التمسّك بالسلاح وتعتبر التراجع عنه مساً بالكرامة والواجب. حتى في الانتخابات، غالباً ما تُستخدم شعارات تربط كل شأن سياسي بالسلاح، كشعار “نحمي ونبني” الانتخابي، عدا عن مسألة التكليف الشرعي التي غالباً ما تستخدم لتعويم مرشح يتبناه الحزب، وتشيطن أي خصم. 

بل حتى خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة ومع اندفاع مواطنين جنوبيين الى قراهم بعد بدايات وقف إطلاق النار، انتشرت فيديوهات لشابة اقتربت من مناطق لا يزال الجنود الإسرائيليون يسيطرون عليها، وكانت تصرخ بـ”أننا لم نتلقّ تكليفاً شرعياً بالمغادرة”.

لكن ماذا عن الآن؟ 

اللحظة الإقليمية والدولية تدفع ملف السلاح إلى ما يشبه الحائط، الارتطام به قاتل وتجاوزه يبدو مستحيلاً. إسرائيل تربط أي خفضٍ لقواتها أو انسحابٍ من الجنوب بمسارٍ جدي لنزع سلاح حزب الله، وهو ما ظهر صراحة في تصريحاتٍ رسمية خلال الأسابيع الأخيرة. بالتوازي، تمضي واشنطن في الضغط على بيروت لتقديم خطةٍ واضحة بشأن السلاح، في إطار مبادراتٍ تربط وقف الاستهداف الإسرائيلي بإجراءاتِ دولةٍ لبنانية تستعيد احتكار العنف الشرعي. 

يتعزّز هذا المسار بقرارٍ دولي غير مسبوق: مجلس الأمن مدّد لليونيفيل “لمرةٍ أخيرة” حتى نهاية 2026، وطالب ببدء سحبٍ منظّم خلال عامٍ، بما يعني – سياسياً على الأقل – وضع مهلةٍ لانتقال الأمن جنوباً إلى الدولة اللبنانية وحدها. هذه الإشارة تغيّر شروط اللعبة: أمام بيروت موعدٌ نهائي لتسلّم زمام الجنوب، وأمام الحزب طوقٌ دوليٌ يضيّق فضاء “المنطقة الرمادية” التي طالما تحرّك فيها.

إزاء هذا الضغط المركّب، يضاعف حزب الله جرعة “التلاصق الوجودي” بين الطائفة والسلاح. يَظهر ذلك في خطاب قيادته التي تُصوّر الدعوات إلى الحصرية بيد الدولة كجزءٍ من “مشروعٍ أميركي – إسرائيلي”، وتحذّر من “تسليم البلد” إذا مُسّ بالسلاح، وتعدّ أي نقاشٍ بالتجريد خيانة أو عملاً في خدمة “العدو”. هنا لا يعود الاختلاف السياسي ممكناً إلا على هامشٍ ضيق: إمّا قبولٌ بالسردية الأمنية للحزب بوصفها عقيدةً جمعية، وإمّا اتهامٌ بالخروج على الجماعة.

النتيجة المباشرة لهذا التديين أنّ السياسة تُقفل. تتحوّل الأسئلة البسيطة مثل: مَن يقرّر الحرب والسلم؟ وفق أي استراتيجية؟ ما كلفة الردع ومن يتحمّلها؟ إلى محرّمات. تتعرّض شخصيات سياسية وإعلامية لحملات تشهيرٍ منظّمة تُجزِّئ كلامها وتقتطعه من سياقه، فتغدو إدارة الرأي العام أقرب إلى محاكم تفتيش رقمية منها إلى نقاشٍ عمومي. ومع الوقت، تُغَرَّب البيئات الشيعية نفسها عن الدولة: يُربط أمنها وكرامتها ببنيةٍ حزبية عسكرية متعالية على المؤسسات، لا بمنطق المواطنة الذي يحمي الجميع تحت سقفٍ واحد. حينها تطول إقامة لبنان في “اللا – دولة”، وتزداد هشاشته التفاوضية كلّما ازداد “تقديس” سلاحٍ لا يخضع للمساءلة أو التخطيط العام.

لا يعني تفكيك هذه الاستراتيجية الارتهان لقاموس الخارج، ولا تبنّي سرديةٍ مضادّة ذات طابع شيطاني. على العكس، يبدأ التفكيك من إعادة التوصيف: السلاح شأنٌ عام تُحدّده الدولة والجيش والرقابة البرلمانية، لا شأنٌ مذهبي. الطائفة ليست الحزب؛ إيمان الناس ومعتقداتهم مصونة، وما يُناقَش هو احتكار العنف خارج الدولة. من هنا يمكن قلب عبء الإثبات عبر أسئلةٍ دقيقة تُبقي الملف في السياسة لا في العقيدة: ما الهدف المحدّد للسلاح اليوم؟ كيف يُقاس الردع؟ مَن يُحاسَب على الخسائر والكُلف؟ وكيف تُدار العلاقة بين الجنوب والاقتصاد والهجرة والاستثمار في ظلّ قرار أمنٍ مستقلّ عن مؤسسات الدولة؟

وهل السلاح أصلاً قادر على استعادة النقاط التي احتلّتها إسرائيل في الحرب الأخيرة؟

ولكي لا يُستعمل خوف الجمهور ذريعةً لإدامة المحرّمات، يلزم طرحُ ضماناتٍ عمليّة تُحاكي هواجسه: خارطةُ انتقالٍ تدريجية تضع قرار السلاح جنوباً تحت إمرة الجيش، برامجُ تعويضٍ وإدماجٍ للمقاتلين، حمايةٌ اجتماعية ومشاريعُ إنعاشٍ محلي تُدار عبر الدولة لا عبر الزبائنية. بذلك يُسحب من يد الحزب سلاحُ “الابتزاز الهويّاتي”، ويُعاد فتحُ السياسة على تفاوضٍ داخلي، لا على إملاءات. حتى الدعوات إلى حوارٍ وطني حول السلاح، بمن فيهم من حلفاء الحزب، يمكن قراءتها كدليلٍ على إمكان استعادة المسار السيادي إلى مؤسسات الدولة، بعيداً عن معادلة القداسة/الخيانة التي لا تُنتج سوى الاستقطاب.

أقصر الطرق إلى انفجارٍ أهلي أو وصايةٍ دائمة، هو تحويل سؤال السلاح إلى امتحان إيمان. وأقصر الطرق إلى بناء دولةٍ قابلة للحياة هو العكس تماماً: إعادة الملف إلى طبيعته الأولى، شأنٌ سيادي تُقرّره مؤسساتٌ منتخَبة وتُسائل نتائجه، لا نصّ عقائدي محروس بالمحرّمات. من حقّ اللبنانيين ومن ضمنهم جمهورٌ شيعي واسع ومتنوّع، أن يُحاجّوا في الكلفة والجدوى والبدائل، بلا تخوينٍ ولا تقديس. ففي بلدٍ خرج لتوّه من حربٍ قاسية ومن قرارٍ دولي يُهيّئ لانسحاب قوةٍ أممية، يصبح توسيع الهامش للنقاش مسؤوليةً وطنية لا ترفاً أخلاقياً.

ديانا مقلد - صحافية وكاتبة لبنانية | 06.12.2025

من نكتة إلى ملفّ أمني… قراءة في عاصفة ماريو مبارك

في العالم العربي، تفاقم هذا المنطق حين خرجت السخرية السياسية أيضاً من المسموح إلى الممنوع، وفي لبنان، الذي يُفترض أن يكون مساحة أكثر انفتاحاً، يتكرّر المشهد نفسه بأساليب مختلفة: استدعاءات، ملاحقات قضائية، ضغط طائفي، وتحريض رقمي يحوّل الكوميدي إلى هدف مشروع. 

ما يحصل هو مجهودٌ منظّم لقتل أي مسافةٍ سجال بين معتقد الشيعة الديني وبين حزب الله، بحيث يُعاد تعريف السلاح لا كقضيةٍ سياسية أمنية تمسّ الدولة والسيادة، بل كقضية “هوية” و”عقيدة”.

يبذل محسوبون على حزب الله جهداً هائلاً لإلغاء أي مسافة نقد أو نقاش بين قناعات الشيعة الدينية وبين الحزب. تُملأ الفضاءات العامة بنقاشات حادة وحملات تحريض رخيصة لأي نقد لفكرة استغلال حزب الله الأيديولوجي للدين لتعويم سلاحه وتحويله شأناً مقدساً لا شأنا سياسيا أمنيا بامتياز.

هذا ليس سجالاً عادياً، فما يحصل هو مجهودٌ منظّم لقتل أي مسافةٍ سجال بين معتقد الشيعة الديني وبين حزب الله، بحيث يُعاد تعريف السلاح لا كقضيةٍ سياسية أمنية تمسّ الدولة والسيادة، بل كقضية “هوية” و”عقيدة”. عندها يصبح أي نقاش أو اعتراض على هذا السلاح تجديفاً على طائفةٍ بكاملها، لا نقاشاً مشروعاً في شؤون الحكم والقرار العام.

تبدّت هذه الاستراتيجية أخيراً عبر حملات متكررة آخرها الحملة على النائبة بولا يعقوبيان بعد انتقادها “الأدلجة العقائدية” لخطاب الحزب في تبرير السلاح. قُدّم كلامها كعداءٍ للطائفة لا كدعوةٍ لإعادة الملف إلى مرجعيته الطبيعية: الدولة والقانون.

ما يفعله الحزب، بتقنيات واضحة تصاعدية هو نقل السلاح من منطقة “السياسة” إلى منطقة “القداسة” والهوية الجمعية. وهذا لم يحصل فجأة، فالحزب يعي أهمية ربط كل سياساته بسلاسل مقدسة، وهو ما فعله منذ تأسيسه في مطلع الثمانينيات، وتحويل حواضنه الشعبية الى مناطق مسيّجة بشعارات وصور وضبط أيديولوجي صارم لا تترك مجالاً لتأويل آخر.

وحديثاً، انضمّ رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى جوقة تقديس السلاح عبر قوله “سلاح المقاومة عزنا وكرامتنا”، وفي هذا الانضمام إشهار أننا لسنا حيال “سلاح سياسي لبناني” إنما سلاح بوظيفة “مقدّسة” ومَهدوية.   

في السياسة كما في الدين، نكاد لا نجد فصلاً في اللغة التي تُعتمد في موسم انتخابي عن تلك التي تُعتمد في المواسم الدينية الكبرى كعاشوراء.  تُدمج مفردات غيبية مثل “التكليف الشرعي” و”كربلاء” مع حديث الردع والسلاح، فيتكرّس السلاح كجزء من طقس اجتماعي ديني يصعب الاقتراب منه، ويُصوَّر النقد كخيانة لـ”أمانة الشهداء” أو كخدمةٍ لخصومٍ متربّصين. هذا ليس استنتاجاً من خارج خطاب الحزب؛ فوسائله ومنابره الرسمية والمنابر الموازية تربط بوضوح بين واقعة “المقاومة” ومقتضياتٍ دينية وأخلاقية تُعلي من شأن التمسّك بالسلاح وتعتبر التراجع عنه مساً بالكرامة والواجب. حتى في الانتخابات، غالباً ما تُستخدم شعارات تربط كل شأن سياسي بالسلاح، كشعار “نحمي ونبني” الانتخابي، عدا عن مسألة التكليف الشرعي التي غالباً ما تستخدم لتعويم مرشح يتبناه الحزب، وتشيطن أي خصم. 

بل حتى خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة ومع اندفاع مواطنين جنوبيين الى قراهم بعد بدايات وقف إطلاق النار، انتشرت فيديوهات لشابة اقتربت من مناطق لا يزال الجنود الإسرائيليون يسيطرون عليها، وكانت تصرخ بـ”أننا لم نتلقّ تكليفاً شرعياً بالمغادرة”.

لكن ماذا عن الآن؟ 

اللحظة الإقليمية والدولية تدفع ملف السلاح إلى ما يشبه الحائط، الارتطام به قاتل وتجاوزه يبدو مستحيلاً. إسرائيل تربط أي خفضٍ لقواتها أو انسحابٍ من الجنوب بمسارٍ جدي لنزع سلاح حزب الله، وهو ما ظهر صراحة في تصريحاتٍ رسمية خلال الأسابيع الأخيرة. بالتوازي، تمضي واشنطن في الضغط على بيروت لتقديم خطةٍ واضحة بشأن السلاح، في إطار مبادراتٍ تربط وقف الاستهداف الإسرائيلي بإجراءاتِ دولةٍ لبنانية تستعيد احتكار العنف الشرعي. 

يتعزّز هذا المسار بقرارٍ دولي غير مسبوق: مجلس الأمن مدّد لليونيفيل “لمرةٍ أخيرة” حتى نهاية 2026، وطالب ببدء سحبٍ منظّم خلال عامٍ، بما يعني – سياسياً على الأقل – وضع مهلةٍ لانتقال الأمن جنوباً إلى الدولة اللبنانية وحدها. هذه الإشارة تغيّر شروط اللعبة: أمام بيروت موعدٌ نهائي لتسلّم زمام الجنوب، وأمام الحزب طوقٌ دوليٌ يضيّق فضاء “المنطقة الرمادية” التي طالما تحرّك فيها.

إزاء هذا الضغط المركّب، يضاعف حزب الله جرعة “التلاصق الوجودي” بين الطائفة والسلاح. يَظهر ذلك في خطاب قيادته التي تُصوّر الدعوات إلى الحصرية بيد الدولة كجزءٍ من “مشروعٍ أميركي – إسرائيلي”، وتحذّر من “تسليم البلد” إذا مُسّ بالسلاح، وتعدّ أي نقاشٍ بالتجريد خيانة أو عملاً في خدمة “العدو”. هنا لا يعود الاختلاف السياسي ممكناً إلا على هامشٍ ضيق: إمّا قبولٌ بالسردية الأمنية للحزب بوصفها عقيدةً جمعية، وإمّا اتهامٌ بالخروج على الجماعة.

النتيجة المباشرة لهذا التديين أنّ السياسة تُقفل. تتحوّل الأسئلة البسيطة مثل: مَن يقرّر الحرب والسلم؟ وفق أي استراتيجية؟ ما كلفة الردع ومن يتحمّلها؟ إلى محرّمات. تتعرّض شخصيات سياسية وإعلامية لحملات تشهيرٍ منظّمة تُجزِّئ كلامها وتقتطعه من سياقه، فتغدو إدارة الرأي العام أقرب إلى محاكم تفتيش رقمية منها إلى نقاشٍ عمومي. ومع الوقت، تُغَرَّب البيئات الشيعية نفسها عن الدولة: يُربط أمنها وكرامتها ببنيةٍ حزبية عسكرية متعالية على المؤسسات، لا بمنطق المواطنة الذي يحمي الجميع تحت سقفٍ واحد. حينها تطول إقامة لبنان في “اللا – دولة”، وتزداد هشاشته التفاوضية كلّما ازداد “تقديس” سلاحٍ لا يخضع للمساءلة أو التخطيط العام.

لا يعني تفكيك هذه الاستراتيجية الارتهان لقاموس الخارج، ولا تبنّي سرديةٍ مضادّة ذات طابع شيطاني. على العكس، يبدأ التفكيك من إعادة التوصيف: السلاح شأنٌ عام تُحدّده الدولة والجيش والرقابة البرلمانية، لا شأنٌ مذهبي. الطائفة ليست الحزب؛ إيمان الناس ومعتقداتهم مصونة، وما يُناقَش هو احتكار العنف خارج الدولة. من هنا يمكن قلب عبء الإثبات عبر أسئلةٍ دقيقة تُبقي الملف في السياسة لا في العقيدة: ما الهدف المحدّد للسلاح اليوم؟ كيف يُقاس الردع؟ مَن يُحاسَب على الخسائر والكُلف؟ وكيف تُدار العلاقة بين الجنوب والاقتصاد والهجرة والاستثمار في ظلّ قرار أمنٍ مستقلّ عن مؤسسات الدولة؟

وهل السلاح أصلاً قادر على استعادة النقاط التي احتلّتها إسرائيل في الحرب الأخيرة؟

ولكي لا يُستعمل خوف الجمهور ذريعةً لإدامة المحرّمات، يلزم طرحُ ضماناتٍ عمليّة تُحاكي هواجسه: خارطةُ انتقالٍ تدريجية تضع قرار السلاح جنوباً تحت إمرة الجيش، برامجُ تعويضٍ وإدماجٍ للمقاتلين، حمايةٌ اجتماعية ومشاريعُ إنعاشٍ محلي تُدار عبر الدولة لا عبر الزبائنية. بذلك يُسحب من يد الحزب سلاحُ “الابتزاز الهويّاتي”، ويُعاد فتحُ السياسة على تفاوضٍ داخلي، لا على إملاءات. حتى الدعوات إلى حوارٍ وطني حول السلاح، بمن فيهم من حلفاء الحزب، يمكن قراءتها كدليلٍ على إمكان استعادة المسار السيادي إلى مؤسسات الدولة، بعيداً عن معادلة القداسة/الخيانة التي لا تُنتج سوى الاستقطاب.

أقصر الطرق إلى انفجارٍ أهلي أو وصايةٍ دائمة، هو تحويل سؤال السلاح إلى امتحان إيمان. وأقصر الطرق إلى بناء دولةٍ قابلة للحياة هو العكس تماماً: إعادة الملف إلى طبيعته الأولى، شأنٌ سيادي تُقرّره مؤسساتٌ منتخَبة وتُسائل نتائجه، لا نصّ عقائدي محروس بالمحرّمات. من حقّ اللبنانيين ومن ضمنهم جمهورٌ شيعي واسع ومتنوّع، أن يُحاجّوا في الكلفة والجدوى والبدائل، بلا تخوينٍ ولا تقديس. ففي بلدٍ خرج لتوّه من حربٍ قاسية ومن قرارٍ دولي يُهيّئ لانسحاب قوةٍ أممية، يصبح توسيع الهامش للنقاش مسؤوليةً وطنية لا ترفاً أخلاقياً.

|

اشترك بنشرتنا البريدية