مع تصعيد إسرائيل حربها على لبنان عبر تفجيرات أجهزة النداء “البيجر” واللاسلكي “ووكي توكي”، وصولاً إلى اغتيال قيادات بارزة في “حزب الله” بمن فيهم زعيم الجماعة حسن نصرالله، عاودت بعض الوسوم السعودية القديمة الظهور بقوة من جديد.
ومن أبرز هذه الوسوم وسم #حسن_نصر_الشيطان، الذي جمع في الأسبوعين الأخيرين من سبتمبر/أيلول أكثر من 172 ألف تدوينة، شوهدت 82.5 ملايين مرة، وحصدت 596 ألف حالة تفاعل (إعجابات، إعادة مشاركة، ردود، وتعليقات مقتبسة) وفقاً لإحصاءات شركة ” Meltwater” الرائدة في تحليل محتوى الشبكات الاجتماعية.
ظهر هذا الوسم لأول مرة عبر منصة “إكس/ تويتر سابقاً”، في مايو/ أيار 2012، بعد مرور نحو عام على اندلاع الثورة السورية. وقتها، تعاطت حسابات سعودية بعضها وهمي مع ما يجري في سوريا، ووجهت انتقادات ل”حزب الله” وزعيمه؛ لتورط مقاتليه في معارك حلب والقصير التي دارت بين الجيش السوري والمجموعات المسلحة المؤيدة للثورة ضد بشار الأسد.
ونشرت أقدم تدوينة على الوسم عبر حساب Majid_Alenazy@، الذي يواصل مشاركته في الأنشطة الإلكترونية المنسقة حتى الآن.
عاد الوسم إلى الواجهة مرة أخرى في ظل تواتر أنباء أولية عن مقتل الأمين العام ل”حزب الله”، وشهد قفزة مفاجئة بنشر 74,046 تدوينة عليه يوم 28 أيلول/ سبتمبر 2024.
فترة نشاط وسم #حسن_نصر_الشيطان خلال الأسبوعين الأخيرين من سبتمبر/ أيلول – Meltwater
صقور رقمية
على هامش هذا الزخم، برزت تكتلات افتراضية سعودية، تُعرف عادة بنشاطها في حملات الدعاية السياسية للمملكة، إضافة إلى التلاعب بسياسات استخدام المنصات الاجتماعية عبر أنشطة منسقة، تهدف إلى التأثير وتضخيم الرواية الرسمية أو إطلاق حملات تشهير وتصيد ضد المنتقدين.
سجّل الحشد المنسق حول وفاة نصر الله، نشاطاً لافتاً لما يسمى بـ “الجيش السلماني الإلكتروني“، الذي يضم مئات الأعضاء، ويعمل كمجموعة ضغط بالتنسيق مع شخصيات سعودية في الفضاء الإلكتروني، فضلاً عن امتلاكه جيشاً من الحسابات الوهمية. وإلى جانب الحملات، يضم هذا التكتل العديد من الأقسام للقيام بمهام مختلفة؛ مثل عمليات الاختراق والاستيلاء على الحسابات.
وفي 4 أيلول/ سبتمبر 2024، انضم تكتل آخر بعنوان “الصقور الرقمية السعودية” إلى ساحة الأنشطة الإلكترونية المنسقة في المملكة. وينشط على مجموعة هذا التكتل على منصة “إكس” نحو 16 ألف عضو.
ويدير هذا التكتل الرقمي حساب سلمان بن حثلين، الذي ينشط منذ سنوات في حملات البروباغندا السعودية، ويتابعه أكثر من 517 ألف حساب.
ومن غير المعروف ما إذا كان الحساب مملوكاً لشخصية حقيقية أم لا، لكن معرّف حسابه (S_H_188@) يتشابه أيضاً مع معرف حساب الردع السعودي (s_hm2030@)، الذي يعرّف نفسه أنه مؤثر اجتماعي، ويضع صورة غلاف تتطابق مع صورة غلاف مجموعة “الصقور الرقمية السعودية”.
يقدّم مقال، تم تكرار نشره في مواقع سعودية مغمورة، نظرة على ماهية مجموعة “الصقور الرقمية”. كتب المقال أحمد بن عبد الغني الثقفي، الموظف في وكالة العلاقات الإعلامية الدولية في وزارة الإعلام السعودية والمستشار الإعلامي أيضاً.
يقول الثقفي في مقاله، الذي شاركه عبر حسابه في منصة “إكس“، إن “الصقور الرقمية السعودية هي مجموعة من الكوادر الوطنية المتميزة في مجال الأمن السيبراني، تمثل جهوداً وطنية مكثفة؛ لحماية الأنظمة الحكومية والخاصة، وتعمل على تطوير الأدوات والتقنيات الحديثة لمواجهة التهديدات السيبرانية المتزايدة. هذه المبادرة تعكس رؤية المملكة 2030 التي تسعى إلى تحقيق الريادة في المجال الرقمي وجعل السعودية من أكثر الدول أماناً في العالم في مجال الفضاء السيبراني”.
وليس واضحاً ما إذا كان الثقفي جزءاً من هذا التكتل، لكنه حدد في مقاله أهداف مجموعة “الصقور الرقمية” التي تتمثل في “حماية الأنظمة الحساسة في القطاعات الحكومية والخاصة، بما في ذلك أنظمة البنوك، والطاقة، والتعليم، والصحة”.
إلى جانب “تدريب وتطوير كوادر وطنية شابة قادرة على التعامل مع التحديات السيبرانية المعاصرة، من خلال برامج تدريبية متقدمة وشراكات مع المؤسسات التعليمية الدولية”، و”زيادة وعي المواطنين والمقيمين بأهمية الأمن الرقمي”.
وأشار الثقفي إلى أن “الصقور الرقمية مجهزة بأحدث التقنيات والأدوات التي تمكنها من التصدي للهجمات السيبرانية المعقدة. وتسهم في رصد التهديدات الرقمية في وقت مبكر والتعامل معها بسرعة وفعالية”.
يشير واقع الأمر إلى أن تعريف ‘التهديدات الرقمية’ في السعودية يشمل الروايات السلبية أو الانتقادات الموجهة إلى المملكة على الشبكات الاجتماعية، مما يستدعي إطلاق حملات مضادة للرد عليها أو إحباطها، بما في ذلك محاولة إغلاق أو اختراق حسابات الأشخاص؛ وهي ممارسة متكررة تُعد من بين مهام تكتلات سعودية أخرى مماثلة.
محتوى متكرر ومعلومات مضللة
غمرت المنصات الاجتماعية، لا سيما منصة “إكس”، بمعلومات مضللة مع انتشار أنباء عن استهداف غارة إسرائيلية حسن نصرالله في 27 سبتمبر/ أيلول 2021، إلى جانب انتشار واسع للمحتوى المتكرر الذي يتضمن رسائل موجهة.
من بين الصور المضللة المتداولة، صورة لخاتم محطم منسوب إلى نصرالله. لكن في الواقع، هي صورة قديمة، ويعاد ترويجها عقب اغتيال كبار القيادات في “حزب الله”.
ومن أبرز تلك المنشورات الرائجة مقطع فيديو أظهر فتاة وهي تبكي، مصحوباً بمزاعم تقول إنها ابنة الأمين العام السابق ل”حزب الله”.
في حين اتضح أن الفيديو لابنة أحد عناصر الحزب، حسن علي حسين، الذي قٌتل في إحدى الغارات الإسرائيلية قبل أيام معدودة من مقتل نصرالله. وظهرت الفتاة ذاتها في إحدى الصور الملتقطة من جنازة والدها.
وأسهم حساب الكويتي حمد الدوسري llskeet@ في رواج الفيديو، الذي حصد في حسابه فقط أكثر من ثلاثة ملايين مشاهدة.
إذا حاولت البحث في منصة “إكس” بعبارة “رقية العصر ترثي أباها السيد حسن نصرالله”، وستلاحظ نسخاً عديدة متكررة من الفيديو المنشور في حساب حمد.
كما روجت بعض الحسابات صورة مع رواية مضللة تفيد بأن المرشد الإيراني علي خامنئي خلع عباءته واستبدلها بزي عسكري، في ظل الأنباء الأولية عن مقتل نصرالله.
كما نُشرت الصورة في حساب الأحداث الإيرانية M_B_H_N@، وهو واحد من حسابات تحمل الاسم نفسه، مثل “الأحداث الأميركية”، الذي يديره مواطن سعودي، وسبق أن نشر هو الآخر مزاعم خاطئة.
واتضح بعد ذلك أن الصورة اقتُطعت من صورة كبيرة تُظهر خامنئي لدى تلقيه لقاح فيروس كورونا في 25 حزيران/ يونيو 2021.
وعبر وسم #حسن_نصر_الشيطان، كررت حسابات سعودية نشر صورة خضعت لتعديلات بصرية لتبدو وكأنها تُظهر وجه نصر الله بعد مقتله.
وعند البحث عن الصورة وجدنا أنها تُظهر وجه شخص آخر، ونٌشرت للمرة الأولى في 12 نوفمبر/ تشرين الثاني 2017. وأمكن لمحرك “بينغ” من “مايكروسوفت” وأداة “Tineye” أن تميز التعديلات.
كانت الصورة مصحوبة بعبارات التشفي، مثل “بقيت الدول العربية شامخة وذهبوا أعوان المجوس”.
على مدار سنوات، وجه نصرالله انتقادات لاذعة للسعودية، وسبق أن اتهم قادتها في كانون الأول/ ديسمبر 2020، بـ”تحريض” الولايات المتحدة على اغتياله. في الوقت نفسه، تحظر المملكة المشاركة في أية أنشطة أو التعبير عن تأييد “حزب الله”.
حضور مصري
كما أطلقت حسابات مصرية حملة منسقة عبر منصة “إكس” بعد يوم من الحادثة على وسم #المرشد_بيرشد_علي_اصحابه، الذي صعد إلى قائمة أكثر الموضوعات تداولاً على مستوى مصر في موقع “إكس”.
وحتى 2 تشرين الأول/ أكتوبر 2024، احتوى الوسم على 1476 تدوينة، شوهدت 248 ألف مرة على الأقل، وولّدت حالات تفاعلات تزيد عن 3600، بحسب إحصاءات “Meltwater”.
فترات نشاط وسم #المرشد_بيرشد_علي_اصحابه – Meltwater
وقف وراء هذا الجهد المنظم مجموعة معروفة بتورطها في حملات عديدة هدفها الدعاية للحكومة، وتصيد معارضيها، والتشهير بهم. وفي أنشطتها، تستند المجموعة إلى حسابات حقيقية وأخرى وهمية.
يقود المجموعة شخصية باسم المايسترو (باسم بخيت) أحد أبرز مُطلقي صافرة الحملات الإلكترونية في مصر، الذي نشر وحده 14 تدوينة، أغلبها في صورة ردود.
روج الوسم، الذي شارك في تضخيمه 926 حساباً، لرواية غير موثوقة تفيد بأن تسريبات إيرانية كانت السبب في حصول إسرائيل على معلومات بشأن مكان نصرالله.
كما نشرت هذه الحسابات محتوى مكرر يحمل سخرية من “حزب الله” وإيران، ويشمت بمقتل حسن نصر الله.
واللافت أن بعض هذه الحسابات شاركت في حملة أخرى شمتت بمقتل هنية وروّجت معلومات مضللة بشأنه، وسبق أن حلل هذه الحملة مجتمع التحقق العربي.
استند الوسم -على ما يبدو- إلى ما أوردته مواقع إخبارية عربية نقلاً عن صحيفة “لو باريزيان” الفرنسية، بأن إسرائيل تلقت معلومات من جاسوس إيراني عن مكان وجود نصرالله، قبل ساعات من مقتله.

















































