توقّفت الحرب على غزة، وفتحت إسرائيل بعدها المعابر، وأدخلت أصنافًا محدّدة من البضائع التي وصلت إلى الأسواق، محاولةً إيهام العالم بانتهاء المجاعة وعودة أشكال الطعام المختلفة الى سكان القطاع.
تُنفّذ إسرائيل، كما رصد مراسل “درج”، خدعة واضحة عبر إدخال مواد غذائية غير أساسية إلى القطاع الذي يحتاج سكانه إلى الغذاء الضروري، خصوصًا اللحوم الحمراء والبيضاء، والأجبان، والطحين بوصفه المادة الأساسية لإعداد الخبز، بعد حرمان طويل خلال الحرب.
اليوم، تتربّع على أرفف المحال التجارية في غزة كميات كبيرة من الشوكولاتة والسكّريات والبسكويت والمشروبات الغازية والمُسليات ومكوّنات الحلويات والأجبان النباتية، بينما تغيب المواد الغذائية الأساسية.
يبدو أنّ السلطات الإسرائيلية تسعى عبر التحكّم بنوعية الغذاء الداخل إلى قطاع غزة، إلى الاستمرار في ضبط السعرات الحرارية التي تصل إلى كلّ فلسطيني هناك، ومنع أجسادهم من التعافي بعد مجاعة قاسية.
ومنذ وقف الحرب على غزة في 10 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، لم يدخل إلى القطاع سوى 3,203 شاحنات من أصل 13,200 شاحنة مفترضة، أي بنسبة لا تتجاوز الـ24 في المئة من الالتزام بالشاحنات المُتّفق عليها وفقًا لاتفاق وقف إطلاق النار، بحسب البيانات الحكومية.
تعود هذه السياسة الإسرائيلية في حساب أنواع الغذاء وكمياته التي تدخل غزة، إلى عام 2007، مع بداية الحصار على القطاع وتحكّم تل أبيب بحياة السكان عبر تحديد عدد السعرات الحرارية المسموح بها لكل شخص.
هذه السياسة، كشفت عنها للمرة الأولى في 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 2012، منظمة “غيشاه – مسلك” الحقوقية الإسرائيلية، بعد نشرها وثيقة سرّية أعدّها منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية بعنوان “الخطوط الحمراء”، تضمنت تفاصيل دقيقة لتجويع غزة وإدارة الحصار.
تضمنت الوثيقة، التي جاءت بتوجيه من رئيس الوزراء آنذاك إيهود أولمرت، تعليمات صارمة بتحديد كمية الطعام المسموح إدخاله، بحيث لا تتجاوز السعرات الحرارية للفرد 2,279 سعرة يوميًا فقط.
واحتسب الجيش هذه السعرات بعد دراسة شاملة، شملت أعمار السكان وجنسهم ونوعية غذائهم. وقدّرت الوثيقة أن الفرد يحصل على هذه السعرات من خلال 1,836 غرامًا من المواد الغذائية يوميًا، أو عبر إدخال 2,575 طنًا من الغذاء للقطاع يوميًا.
إقرأوا أيضاً:
كما حدّدت الوثيقة إدخال 170 شاحنة يوميًا، لكنّ الجيش لم يلتزم حتى بهذا الحدّ الأدنى، بل خفّض العدد إلى أقل من 68 شاحنة بذريعة وجود إنتاج غذائي محلي، وبحجّة أنّ الأطفال دون العامين يعتمدون على الرضاعة الطبيعية.
ولم تقتصر السياسة على الكمية فقط، بل شملت نوع الغذاء، إذ أُعطيت الأولوية لإدخال السكر والمحليات الصناعية، مقابل تقليل إدخال الخضروات والفواكه والحليب واللحوم والدواجن.
اليوم، يؤكّد رئيس غرفة تجارة وصناعة غزة عائد أبو رمضان، أن التجارة في القطاع تخضع بالكامل للتحكّم الإسرائيلي الذي يقرّر ما يُسمح بدخوله وما يُمنع.
ويقول إن ما يتم إدخاله يتراوح بين 150–200 شاحنة يوميًا، لكن معظمها لا يحمل مواد غذائية أساسية.
من جهته، يؤكد خبير التغذية العلاجية موسى عمارة أن سكان القطاع يعانون أزمة جوع كارثية أدت إلى انهيار الجهاز المناعي وانتشار واسع لسوء التغذية ونقص الفيتامينات والمعادن، خصوصًا البروتينات الضرورية لبناء الدم والعضلات.
ويشير إلى أن ما يدخل غزة اليوم هو في معظمه مواد سكّرية عالية السعرات لا تحتوي على قيم غذائية، ما يجعلها مؤذية خصوصًا للأطفال، حيث ترفع السكر وتُضعف الجسم وتُفاقم الإرهاق.
ويحذّر عمارة من أنّ تصدير إسرائيل الشوكولاتة والقهوة والدخان والمعسّل، مقابل منع الأسماك واللحوم والبيض، ليس مجرد خلل بل سياسة إفقار غذائي ممنهج.
أما الحقوقي عبد الله شرشرة فيرى أن إسرائيل تمارس “إبادة غذائية” عبر السماح بدخول سلع كمالية مرتفعة السعرات لإخفاء آثار الجوع، مؤكدًا أنه فقد 20 كيلوغرامًا خلال الحصار، وأن وزنه عاد الى الارتفاع بسبب اضطراره لتناول أطعمة عالية الدهون والسكريات تفتقر إلى البروتين والحديد.
الصحافي أحمد حمدان بدوره وصف المشهد بوضوح: “في غزة التي تُصارع الموت، تجد النسكافيه ولا تجد المضاد الحيوي، وتجد الشوكولاتة ولا تجد أساسيات الغذاء”. المستشفيات تعمل من دون أدوية ومسكنات، والصيدليات شبه فارغة، بينما الأسواق مليئة بمنتجات لا تنقذ حياة أحد.
ما يحصل ليس مجرد تجارة، بل حصار غذائي متنكر، يهدف إلى خلق مشهد زائف يوحي بعودة الحياة الطبيعية، فيما يستمر الغزيون بالعيش تحت وطأة الجوع والمرض، والعالم يكتفي بالمشاهدة.












