في سلوك نبيه بري ما يشي بأنه ضنين بالجنوبيين، وهذا من حسن ظننا به، لكن حسن الظن سرعان ما يبدده ظنٌّ سيئ. وكأن بري لا يرغب في أن يرى في “حزب الله” إلا حزب المحاربين، فـ”حزب الله”، في نظر بري، حزبٌ متقشف عن السلطة، وهذا التقشف يُكثِّف في رئيس المجلس وزعيم حركة أمل نزعته السلطوية.
فرضية خروج الحزب من ثوب الحرب إلى السياسة وأثوابها، هي قلقٌ مزمن عند القطب السياسي لثنائي أمل – حزب الله، وعمرها من عمر التحالف المديد بينهما. ففي نظام طائفي تُنفق فيه المكاسب السياسية بهذا المعيار، يدرك نبيه بري أن “حزب الله” السياسي هو، بالضرورة، إفضاءٌ إلى تكسُّبه مواقع سلطوية كثيرة كان الرجل، ومنذ أكثر من ثلاثين عاماً، وصياً عليها. والظن أيضاً أن بري، الذي تبدّى خلال هذه السنوات الثابتَ الوحيد في السلطة، يصعب عليه أن يرى نفسه مجرداً من أكثرها.
وغالباً ما صُوِّر بري، ومن خصومه تحديداً، شخصيةً استثنائيةً مهمتها “لبننة” الحزب، وهو نفسه من يبدد، في كل مرة، هذه المهمة، مسكوناً بالقلق منها.
منذ عقدين بدا “حزب الله” المحارب قلقاً لبنانياً راجحاً، ومنذ عقدين بدا أن نبيه بري يتنكب مهمةً سوداء. يقرع “حزب الله” طبول الحرب، أو يخوضها، ويقف نبيه بري أول “المطبلين” لها، وأوحدهم راهناً. فكل حرب انغماسية للحزب تمنح الرجل حظين: الأول أن حروب الحزب هي مكثف لانعدام السياسة فيه، فيما حظه الثاني أنه يُمنح وكالةً سياسية، ومن الحزب نفسه. بهذا المعنى، كلما ذهب “حزب الله” إلى الحرب، احتاجت السياسة أكثر إلى بري، فيصير الحزب والحرب صانعين لكثافته السياسية.
نعم، لاستعادة الدولة وسيادتها، لا تراهنوا على نبيه بري وقد صار أسير “التورية”. الرجل الذي يحب من اللغة أعذبها، غالباً ما يحب أكذبها.
نحن إذاً أمام شخصية “سوبر” سياسية، لكنها تُكثر من تورية السياسة بالشعر حيناً، وبالحكمة أحياناً، والبديعان اللغويان عند بري مفضيان غالباً إلى التأويل. راهناً، وبعد اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، وجد بري ضالته في الاتفاق المذكور في الفتنة، وفي حكمة لعلي ابن أبي طالب. وعلى جاري عادة الرجل المواري، ترك بري للبنانيين تأويل الاستعارة وفق أهوائهم قبل أن يشيح عن قصده بالمفتنين.
كثيرون، على الأرجح، وقعوا ضحية الحكمة وهي تخرج من البيت المقدس لبري في “عين التينة”، والكثرة هذه هي، بالضرورة، من معارضي “حزب الله”. هؤلاء بدوا، مرة جديدة، ضحايا رهانهم على ساكن القصر، وهم يصوبون “فتنته” على ما تلا الاتفاق من مسيرات لمناصري “الحزب” على طريق المطار، وأمام السراي الحكومي. مسيرات اختزلتها المشهدية الرائجة عنها: مجاميع بشرية تقود دراجات نارية تجوب شوارع بيروت، ولا تترك مجالاً لالتباس هويتها. وأي التباس في هوية صارت أهزوجة “شيعة شيعة شيعة” هويتها اليتيمة؟
والحال، لم يتأخر بري في إصابة خصومه بخذلان جديد يستحقونه. فبري، حين تحدث عن صنّاع الفتنة، لم يقصد إلا السلطة التي وقّعت الاتفاق، سلطةٌ قوامها جوزاف عون ونواف سلام.
صحيح أن بري، في محاكمته للسلطة وفتنتها، بدا ناصحاً لبيئته بتلافيها، لكن الرجل يعرف أنه يخاطب بيئةً مسكونة بالحقد عليها، وأن ضنَّه بالفتنة يكاد يتلاشى أمام خطاب أكثر قابلية لها، ومن حليف لا ينفك ينفخ في نارها يومياً.
في اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل الكثير من الاعتلال، والاختلال أيضاً، والذل ربما، لكن بري أكثر من يعرف أن اتفاقاً كهذا هو انعكاس لموازين الحرب، للنصر والهزيمة، حتى لو تبرأ “حزب الله” من الأخيرة ثلاثاً قبل صياح الديك، أو أصابت بري لوثة الانتصارات.
كان نبيه بري يدين جوزاف عون ونواف سلام كمفتنين، ويطلق حكماً مبرماً بحقهما، لكنه لا يلبث أن يخلع ثوب القاضي ويرتدي ثوب الناسك الضنين بالفتن وأوزارها، وفي الحالتين كثير على بري أن ينطق الإدانة والحكم، ثم يتخفف من تبعاتهما.
فالرجل الذي وضع إطار التفاوض البحري، ونكَب وحليفه هذا اللبنان بما نُكب، كان الأدعى به أن يصمت على محاولة تجفيف موت يعرف مسراه، فيما عون وسلام يحاولان تلافيه، ولو بضعفهما، وباتفاق نتقاطع جميعاً على سوءته التي لم تصنعها إلا الحرب ومدعوها.
وقد ينتبه نبيه بري إلى أن اتفاق الترسيم البحري، وعلى اعتلاله، بقي في الحربين الأخيرتين مصاناً، وبقيت جغرافيته خارجهما، وهو إفضاءٌ إلى احترام بري، وقبله “حزب الله”، للمواثيق والاتفاقات الخاسرة، وقد ضنّ به عن اتفاقٍ آخر خاسر لمجرد أنه من صنائع السلطة، وليس من صنائعهما أو من صنائع إيران.
وبري الذي صمت طويلاً في الحرب وعنها، كإيحاءٍ متهافتٍ برفضها، هو بري الذي إذا تكلم، يتكلم كضامنٍ لحليفٍ لا تلبث الوقائع أن تودي بضمانته إلى التهلكة. هو بري الذي يدّعي مُلك ما لا يملك، وآخرها ضمانة تعسفية بإخلاء جنوب الليطاني من سلاح “حزب الله” في مقابل انسحاب إسرائيل من الجنوب. والأرجح أيضاً أن بري لا يضمن حتى الاطلاع على خطابات أمين عام الحزب ومسؤوليه، كمبددات لضمانة يعرف هو والحزب طبعاً أنها في مكان آخر.
كم مرة يُفترض بالمرء أن يراهن على “حكمة” بري حين تكون ضالته، و تكون غالباً ظلال ممتدحيه فيه.
ديدن نبيه بري هو البحث عن السلطة، في حين يبحث الجنوبيون عن أمانهم. تُكثِّف مواقف نبيه بري الحرب، ويُكثِّف معظم الجنوبيين اجتنابها. لم يرَ نبيه بري الفرح على وجوه الجنوبيين وهم يعودون إلى قراهم، ويرممون بيوتهم كيفما اتفق ليسكنوا إليها. نبيه بري يرى، لكن مرئييه هم الوجوه التي تعتمر قصره من سفراء ووزراء ونواب لتثبيت سلطتهم، أو أثرياء يبحثون عنها. لو عاين بري وجوه الجنوبيين في متاهتهم الأخيرة، وأدرك أنهم ضحايا حرب فُرضت عليهم من خارج إرادتهم، لما عاجلهم بصمتٍ كصمت القبور قبل حديثه عن الفتنة. هو نبيه بري الذي كلما لاح في الأفق ما يرفع عن الجنوبيين الخوف من عودة الحرب، يستعين بحكمةٍ ضالّة تحيلنا إلى ضنّ بري بـ”حزب الله” بما لا يقاس بضنّه بهم.
حين انتُخب جوزاف عون رئيساً للجمهورية، ادّعى نبيه بري أنه ربح ورقة يانصيب. سنة ونصف السنة بدا فيهما تعاطي عون في ملف الحزب وسلاحه، كما مع تسييل ما اعتاده بري من شراكة مضاربة في السلطة، واقعاً يغذّي “حكمة” بري عن اليانصيب.
راهناً، جوزاف عون هو صانع فتن على ما قال بري. وراهناً، في التهمة ما يشي بأن ورقة اليانصيب الآنفة الذكر لم تكن على ما اشتهى الرجل، الذي يظن أن البلد والسياسة يُداران كما تُدار دواليب الحظ.
لبنان ورقة يانصيب؟ نعم، أقله في وعي شخص يظن أن الوطن حظٌّ سلطوي لا يستحقه إلا هو، ولا يستحقه إلا إذا استحال ساحة حرب يستنزفها “حزب الله” وإيران. هذا الشخص هو نبيه بري.
إقرأوا أيضاً:












