على وقع المتغيّرات المتسارعة في سوريا والمنطقة، وبعد ما تردّد من انتقال أفراد وربما مجموعات من لبنان الى سوريا للقتال الى جانب العشائر العربية، أو عملياً إلى جانب مقاتلين محسوبين على الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، يبرز الردّ الضعيف للبنان، أو لنقل عدم تعامل لبنان الرسمي مع هذه الأحداث بجدّية كافية.
في لبنان تتصاعد مخاوف قديمة جديدة من عودة تنظيم “داعش” أو تنظيمات جهادية مشابهة في العقيدة والسلوك إلى الواجهة. هذه المخاوف تعزّزت بعد وصول التيّارات الإسلامية المتشدّدة إلى السلطة في دمشق، وعلى رأسها “هيئة تحرير الشام”، التي تُظهر النتائج على الأرض، لا سيّما بعد مجازر الساحل وهجوم السويداء، فشلها في إقامة التوازن بين منطق الدولة الحديثة والعقل الجهادي الميليشياوي، رغم حصولها على العديد من الفرص، سواء من قِبل السوريين أنفسهم، أو من قِبل المجتمع الدولي.
هذه المخاوف تدعمها بعض الأدلّة القليلة هنا وهناك، رغم أن هذه الأدلّة تستند إلى حالات فردية لا تزال خجولة داخل لبنان، ولم تتجاوز الإطار المألوف منذ العام 2014.
بالنظر إلى الواقع، لم يشهد المستوى المحلّي في لبنان تغيّرات كبيرة منذ تلك الفترة، سوى أن الإعلام الموجّه سياسياً بدأ بتضخيم “الظاهرة الداعشية”، والتركيز بشكل غير مسبوق على الحالات الفردية منها، مستثمراً في صعود الإسلام السياسي الجهادي، والتطبيع المستجد مع الدمج بين الدولة والفكر المتشدّد في سوريا، وهي حالات لطالما كانت موجودة وتتعرّض للملاحقة والتحييد من قِبل الأجهزة الأمنية، وتظهر بينها وبين تموضعات الإسلام السياسي التقليدية والتاريخية في لبنان تباينات عديدة وجوهرية.
منذ عدّة أسابيع، يتعرّض عدد كبير من السوريين للتوقيف من قبل الأجهزة الأمنية اللبنانية، ولكن الإعلام الموجّه و”خلايا الواتساب” الإعلامية سارعت في كلّ مرة إلى إطلاق تهم بحقّهم، تشمل انتماءهم إلى تنظيم “داعش”، وأحياناً إلى جهاز “الموساد” الإسرائيلي، دون أن تتوفّر أي معطيات أمنية فعلية. ومن المُلاحظ أن هذه الحملات الإعلامية تتفاعل بقوّة حتى انتهاء التحقيقات، لتصدر لاحقاً بيانات من الأجهزة المعنيّة تنفي معظم تلك التهم، ويُطلق سراح معظم الذين أُلقي القبض عليهم. أما التقارير الأمنية، فمعظمها يشير إلى أن التهم متعلّقة بدخول لبنان بطريقة غير شرعية، أو دون أوراق رسمية.
رغم أن عمليّة المداهمة الأخيرة التي قام بها الجيش اللبناني في بلدة بتبيات في المتن الأعلى يوم الأحد الماضي، نتج عنها توقيف 8 مواطنين لبنانيين وشخصين من جنسيّات أخرى، كما ذكرت قيادة الجيش – مديرية التوجيه في بيانٍ لها على موقع الجيش اللبناني، فقد تبيّن نتيجة التحقيق الأوّلي عدم ارتباطهم بتنظيمات إرهابية، ليعود فيتبيّن لاحقاً أنهم ينتمون إلى حركة “حماس”. في حين وضعت “خلايا الواتساب” الإعلامية اللبنانيين في مناخ من التوتّر الشديد، وجعلتهم يشعرون بأن “الغزو الداعشي” للبنان قد بدأ بالفعل. كما صدرت بيانات عديدة عن قيادة الجيش أيضاً، نفت كلّ ما أشيع على مواقع التواصل الاجتماعي حول دخول مسلّحين إلى لبنان، وانسحاب الجيش اللبناني من المناطق الحدودية.
تُظهِر التحقيقات الأمنية أن عدداً قليلاً جدّاً من الأفراد الذين يتمّ القبض عليهم، أو ما يُسمى عادةً بـ “الذئاب المنفردة”، مرتبطون بتنظيم “داعش”، أو بالأيديولوجية التي يحملها التنظيم، دون أن يكون هناك ارتباط تنظيمي أو تواصل مباشر. ومع ذلك، تستمرّ بعض وسائل الإعلام والخلايا الإعلامية الحزبية في نشر صور من يُقبض عليهم وتوزيعها بشكل تلقائي، مرفَقةً بإهانات ولصق تهم بالإرهاب وما شابه.
جميع من يُلقى القبض عليهم يصبحون إرهابيين حتى إثبات العكس، فقط لأنهم يحملون الجنسيّة السورية، مما يذكّر بكيفية معاملة اللبنانيين في المطارات والمعابر الحدودية حول العالم، بعد الهجمات الإرهابية في الولايات المتّحدة الأميركية في 11 أيلول/ سبتمبر 2001، بسبب مشاركة الإرهابي اللبناني زياد جرّاح في تلك الهجمات. بالإضافة إلى ذلك، هناك محاولات حثيثة لـ “دعشنة” جزء من المجتمع اللبناني، وربما – ولا أجزم في ذلك – يكون الهدف من هذه المحاولات تحويل الضغط المتصاعد ضدّ “حزب الله”، من أجل استيعاب مسألة السلاح خارج الدولة، وجرّه إلى تقديم تنازلات في هذا الشأن، إلى ضغط معاكس من قبل الحزب على جميع اللبنانيين لجرّهم إلى تقديم التنازلات له.
الواضح أن قراراً بزرع الخوف والتهويل في المجتمع اللبناني قد اتُخذ على أكثر من مستوى، داخلياً وخارجياً، ومن قِبل جهات متناحرة في الوقت نفسه، والهدف السياسي المرجّح هو إبقاء الوضع اللبناني مفتوحاً على جميع الاحتمالات.
وبالفعل، فإن جميعها واردة دوماً، ولم يعد هناك إمكانيّة لاستبعاد أي احتمال كان بشكل نهائي، من أفضلها إلى أسوأها على الإطلاق، وذلك بما يناسب مصالح أطراف إقليمية مختلفة، بدءاً من سوريا وإسرائيل، بينما يتعارض فقط مع مصلحة الشعب والدولة اللبنانية التي تحاول أن تنهض وتخرج من قبرها، مفتقرةً إلى القدرة على الحسم وتوحيد القوى والطاقات.
الحملات الإعلامية التي يشهدها لبنان مؤخّراً تتناقض مع معظم الحقائق المادّية على أرض الواقع. وها هي تصريحات المبعوث الأميركي توماس برّاك المثيرة للجدل، حول مواجهة لبنان لتهديدات وجودية من شرقه وشماله، واحتمالات تفجّر حرب أهلية لبنانية جديدة، تتقاطع مع رغبة “حزب الله” في المماطلة أكثر في حلّ قضيّة حصر السلاح بيد الدولة. والأنكى أن بعض الجهات الإعلامية السورية تشارك في حفلة التهويل هذه، في حين أن سوريا نفسها تتهدّدها الانقسامات والصراعات الداخلية من أقصاها إلى أقصاها.
مع أن البداية الفعلية لهذه الحملات انطلقت في نيسان/ أبريل الماضي، حين رُوِّج لتأسيس فصيل عسكري باسم “لواء أحمد الأسير” في طرابلس، ليتبيّن لاحقاً أنه صُوِّر في الأراضي السورية ولا وجود لمثل هذا التنظيم في لبنان. الأمر الذي لا يناسب الشيخ أحمد الأسير شخصياً في الأصل، فيما هو يطالب بتخفيض عقوبته. وما يذكّر بفبركات أمنية سابقة، من بينها “توريطة” الشابّ المدعو عمر العاصي من قِبل مسؤولين أمنيين، لمحاولة تفجير مقهى الكوستا في شارع الحمراء في عام 2017. في هذا السياق، يبرز السؤال حول تأثير تنظيم “داعش”، وتيّارات الإسلام الجهادي بشكل عامّ على اللبنانيين، وكيفية تعامل المجتمع اللبناني مع هذه الظاهرة، التي يفرض بعض الإعلام الموجّه سياسياً وحزبياً أن يجعل منها خطراً وشيكاً يتربّص بلبنان واللبنانيين، مما يعزّز الانطباع بأنها تمثّل حالة عامّة لدى المجتمعات السنّية في مناطق عدّة.
لكن هذا التضخيم الإعلامي لا ينبغي أن يقابله تسخيف إعلامي، لأنه، كما ورد أعلاه، لم يعد يمكن تجاهل جميع الاحتمالات، بخاصّة مع تأثّر شرائح كبيرة من المجتمع اللبناني بالمتغيّرات السياسية الإقليمية. إلا أن المبالغات يجب أن تُعالج نقدياً، ولم يعد من المقبول أن يبقى اللبنانيون أسرى حملات التهويل الإعلامية بشكل يومي. على هذا الأساس، جمع “درج” معلومات من مختلف المناطق التي تضمّ التجمّعات السنّية الأكبر في لبنان، مثل عكّار وطرابلس وبيروت والبقاع الغربي وصيدا وإقليم الخروب، في محاولة لفهم هذه الحالة السنّية المتطرّفة داخل لبنان على الصعيد التنظيمي، وأبعادها السياسية والاجتماعية والثقافية، وتحليل العلاقة بينها وبين المجتمعات المحلّية ذات الغالبية السنّية.
عكّار
نشأت مجموعات جهادية مسلّحة عديدة في طرابلس والمنية وعكّار في سياق عمليّات “الذئاب المنفردة” في طرابلس، وفي أوج مرحلة الصراع بين “حزب الله” والفصائل الإسلامية داخل سوريا خلال العقد السابق. كانت هذه المجموعات كبيرة وعلنية، حيث ذهب العديد من المقاتلين إلى سوريا والعراق أيضاً، وعاد بعضهم بمظهر جديد وبأفكار مختلفة بعد أن تجذّرت لديهم الأفكار الجهادية.
في عكّار، مثّلت “شرعية القتال في سوريا” بعداً مركزياً بالنسبة إلى هذه المجموعات، فكما قاتل “حزب الله” في سوريا دفاعاً عن نظام الأسد، اعتبرت هذه المجموعات أن “أهل السنّة والجماعة” معنيّون أيضاً بالقتال ضدّ “حزب الله” والفصائل الأخرى المدعومة من إيران. اتّخذ هذا القتال صبغة دينية أكثر من كونه صبغة سياسية مناهضة لديكتاتورية آل الأسد. واستُخدِمت أدوات كثيرة لترغيب الشباب في القتال والانضمام إلى صفوف التنظيمات المتطرّفة، من بينها “داعش”، من خلال إرسال فيديوهات من سوريا والعراق تُظهِر حجم الأراضي والغنائم المستولى عليها.
الشبّان الذين عادوا من سوريا بعضهم حاول تشكيل خلايا تنظيمية، لكنّ معظمهم التزم فقط بالأفكار الدينية المتطرّفة دون الانخراط في عمليات تنظيمية جديدة. قُتل العديد من الشبّان من الشمال اللبناني في الموصل في العراق حين كانوا يقاتلون مع “داعش”، بالإضافة إلى عدد كبير من المقاتلين الأجانب من بلدان أخرى. ووقع عدد كبير من العائدين إلى لبنان في فخّ السجن أو التوقيف لفترة معيّنة، وبعد إخراجهم كانوا تحت المراقبة الأمنية، ورغم ذلك، حاول بعضهم تشكيل خلايا تنظيمية.
لكنّ آخر عمليّات أمنية منظمة مرتبطة بتنظيم “داعش”، أو من قِبل “ذئاب منفردة” كانت عمليّات الكورة والقبّة، وعمليّة طرابلس في ليلة عيد الفطر. الباقي هو عبارة عن مشاكل فردية أو مداهمات بسبب جرائم أمنية غير متّصلة بالإرهاب. ولم تشهد مناطق عكّار والشمال أي خطاب علني مرتبط بتنظيم “داعش” منذ سنوات، إذ تلاشى هذا الخطاب حتى اختفى تماماً على وقع الانتفاضة اللبنانية الشعبية في تشرين الأول/ أكتوبر 2019. أنهت الانتفاضة “الخطاب الداعشي” على المستوى الاجتماعي واستبدلته لمدّة سنوات بخطاب مناهض للنظام الطائفي، كما حصل في مناطق لبنانية أخرى.
بعد سقوط نظام الأسد، ظهرت جماعات في البقاع الغربي وطرابلس وعكّار تعتبر أحمد الشرع “قائد السنّة”. ويمكن العثور على صور معلّقة في أماكن عديدة لأحمد الشرع، بنفس الكميّة التي نرى فيها صوراً لحسن نصر الله في الضاحية الجنوبية لبيروت. ويبرّر مؤيّدو نظام الشرع في الشمال اللبناني دعوتهم للالتحاق به بكونه النظام الإسلامي الحاكم، الذي يتطلّع إليه جزء كبير من السنّة، بدلاً من “داعش” التقليدية، ويستندون في تبريرهم إلى كونه نظاماً يتمتّع بقبول دولي.
هناك خطابان متناقضان في مناطق عكّار بخصوص ضمّ أجزاء من الشمال اللبناني إلى سوريا. الخطاب الظاهر (وليس السائد) أكثر هو تقبّل الانضمام إلى سوريا، أو عدم استنكار ضمّ مناطق الشمال، ويمكن إرجاع السبب الأساسي في ذلك إلى التهميش التاريخي لهذه المناطق من قِبل السلطات اللبنانية. اختلف الخطاب في البيئة السنّية تجاه إسرائيل أيضاً بعد إبداء أحمد الشرع قبولاً للتعاون معها، وتصريحه بشكل متكرّر أنها ليست العدوّ الرئيسي له. بينما ترى إسرائيل أن المدخل البديل عن السعودية، التي لا تزال تشترط حلّ القضيّة الفلسطينية مقابل السلام، لإقناع “الأمّة” بالسلام معها هو نظام الشرع. لكنّ أحداث السويداء الأخيرة أعادت خلط الأوراق في ما يخصّ هذه المسألة.
الأمر الغريب هو غياب استنكار الجهات النيابية الشمالية لخطاب ضمّ الشمال اللبناني لسوريا. فمن المنتظر، بحسب التوقّعات، أن يكون الخطاب السائد خلال الانتخابات النيابية المقبلة في الشمال مرتبطاً بالواقع السوري مباشرة، فالأمور في الشمال اللبناني تختلف حسب اختلاف الظروف السياسية الإقليمية، ولم يعد هناك وزن للتوجّهات الإنمائية والسياسية المحلّية بعد زمنٍ طويل من الإهمال، الذي تعرّضت له هذه المنطقة. وهذا الأمر برسم الدولة اللبنانية لتعيد ترتيب الأولويات الإنمائية.
بشكل عامّ، لا وجود لتنظيمات “داعشية” في الشمال في الوقت الحالي، رغم وجود أفراد منتمين إلى “الفكر الداعشي”. لكنّ أولئك الأفراد تحت المراقبة الأمنية وأعين الدولة، ولا يستطيعون تشكيل خلايا تنظيمية بسهولة. هذه الرقابة الأمنية المشدّدة موجودة أيضاً في مخيّم نهر البارد، في حين أن مخيّم البداوي لا يزال تحت سيطرة الفصائل الفلسطينية.
إقرأوا أيضاً:
طرابلس
ينقسم المجتمع الطرابلسي في ما يخصّ التنظيمات الأصولية بشكل عامّ إلى ثلاث فئات؛ فئة متقبّلة ومحتضنة، وفئة حيادية وغير مكترثة، وفئة ثالثة تعبّر عن نفورها. تبرز الفئات المتفاعلة إيجابياً مع هذه الأيديولوجيات بشكل خاصّ في المناطق المهمّشة اجتماعياً، التي كانت على صدام مباشر مع التنظيمات المرتبطة بنظام الأسد، في المدينة وضواحيها، مثل باب التبانة والقبّة والمنكوبين ووادي النحلة والبداوي، وخصوصاً في المناطق المحيطة بمنطقة جبل محسن. في هذه المناطق، هناك تقبل واحتضان لمجموعات تُعتبر جهادية، على الأقلّ من حيث الفكر والثقافة، غير أن التيّار السائد هو التيّار السلفي غير الجهادي. رغم أن هذا التيّار يضمّ أغلبية سلفية غير تقليدية وغير “داعشية”، ويتبنّى العديد من أفكار سيد قطب دون الانتماء إلى تنظيم “الإخوان المسلمين”، فإنه يغذّي كلا الاتجاهين، الوسطي والأقصوي، سواءً من خلال القاعدة المؤيّدة أو المقاتلين.
أدى وصول “هيئة تحرير الشام” إلى السلطة في دمشق إلى انتعاش الحالة السلفية الجهادية، بينما عبّر كثر عن قبولهم بالفكرة التي انتشرت مؤخّراً حول ضمّ مدينة طرابلس إلى سوريا. في الوقت نفسه، تعتبر الأوساط المقرّبة من الاتّجاه “الداعشي” هذا الصعود فرصة للتعبير عن معارضتها للإسلام الجهادي “المهادِن”. ويتجلّى امتعاض الأفراد المتأثرين بهذا الاتجاه من سيطرة “هيئة تحرير الشام” على السلطة في دمشق، وظهور بيئة حاضنة في طرابلس لهذا التيّار “الخائن”. ولكن عند وقوع أحداث تصنّف كعمليّات إرهابية، ينقسم هذا الاحتضان على نفسه بين مؤيّد ومعارض، حيث يعود مفهوم “جلب المصلحة ودرء المفسدة”، الذي يعتمده التيّار السلفي التقليدي المتعايش نسبياً مع الدولة إلى السطح مجدداً.
هناك تواجد لمثل هذا المناخ المتقبّل للأفكار المتطرّفة في مناطق أخرى من المدينة، مثل الزاهرية والمينا وعزمي والبوليفار، لكنه أضعف بكثير. وذلك بسبب الوضع الاجتماعي الأفضل قليلاً والتفاعل بين ثقافات دينية وطائفية مختلفة، حيث يغلب في هذه المناطق الجانب السلفي الدعوي على العمل التنظيمي المباشر. بالتالي، فإن التنظيمات الجهادية في مدينة طرابلس تجد الأرضية الخصبة للاستقطاب والتجنيد حيث يتوفّر عاملان: ظروف حياتية قاسية وأحادية ثقافية واجتماعية.
تؤكّد المعلومات ما ذُكِر سابقاً حول عكّار، أن عدداً كبيراً من الشباب من مناطق طرابلس وعكّار والضنية منذ العام 2012، اتّجهوا إلى سوريا للقتال ضدّ نظام بشار الأسد. لكنّهم لم يجدوا سوى التيّارات الإسلامية الجهادية لاستقطابهم وتجنيدهم لهذه المهمّة. ولا يزال هناك المئات منهم على قيد الحياة، ومن الممكن أن يعودوا في أي وقت إلى لبنان. وهنا يكمن الخطر الفعلي، لأن هؤلاء يملكون تجارب قتالية طويلة الأمد، ومسلّحون بالأفكار المتطرّفة قبل أي شيء آخر.
هذه المجموعات موجودة طالما أن الأفكار الدينية المتطرّفة موجودة، لكنّ حجمها وقدرتها على التحرّك لا يزالان أقلّ بكثير مما تحاول بعض الجهات تصويره. كما أن الوعي الأمني لدى غالبية أبناء طرابلس، والحذر من تفاقم الوضع الأمني بما لا يخدم مصلحة المدينة، يشكّلان رادعاً فعّالاً. وتكشف المعلومات المتواردة أن عدد الأفراد المستعدّين فعلياً للانخراط في أعمال إرهابية قليل جدّاً، مقارنة بعدد الأشخاص الذين يعتنقون الأفكار الأصولية والسلفية. ورغم انتشار الأفكار المتشدّدة في طرابلس منذ عقود، فإنها لم تُترجَم إلى حالة واسعة تسعى إلى ممارسة العنف الطائفي المسلّح، فالولاء للدولة اللبنانية وجيشها لا يزال موجوداً، رغم التناقض بين الاتّجاهين، وربما يكون السبب في ذلك تجارب الحرب الأهلية في القرن الماضي، بالإضافة إلى انخراط عدد كبير من أبناء المدينة والشمال بشكل عامّ في الأسلاك الأمنية والعسكرية. أما ظاهرة “التطبيل” للسلطة الجديدة في دمشق، فتبدو عابرة ولا تتجاوز إطار الشعور الديني، وتعتبر تنفيساً لحالة احتقان متراكم غذّاها تدخّل “حزب الله” في الوحول السورية.
تاريخياً، نشأت مجموعات مسلّحة في فلك تنظيم “فتح الإسلام” الذي ظهر في عام 2006 في مخيّم نهر البارد، ومجموعات أخرى مرتبطة بتنظيم “القاعدة”، لكنّ معظمها تعرّض للتفكيك، إما بمبادرات ذاتية بعد معركة نهر البارد، أو من قِبل الأجهزة الأمنية التي اعتقلت العشرات. عدد المجموعات الجهادية في طرابلس قليل، وليس هناك تواصل دائم بينها، بل حالة من التنافس وغياب الثقة، رغم وجود حلقات وصل في حالات معيّنة. كما يسجّل أيضاً وجود مسلّح محدود لتنظيم “الجماعة الإسلامية”، الذي يتميّز بانضباط أعلى ويولي اهتماماً أكبر بالالتزام بالقوانين اللبنانية. وعلى الرغم من ترحبيها بصعود الإسلام السياسي الجديد في سوريا، تبقى “الجماعة الإسلامية” عالقة في دوامة تنافسية مع التنظيمات المتأثّرة بسلطة أحمد الشرع في دمشق، بسبب تباينات فكرية قديمة بين “القاعدة” و”الإخوان المسلمين”. كما أن لـ “الجماعة الإسلامية” حسابات محلّية تطغى في الكثير من الأحيان، أي أنها “ملبننة” إلى حد بعيد مقارنة بباقي تنظيمات الإسلام السياسي.
بيروت
في العاصمة بيروت، تشير المعلومات إلى أن الحالات المتطرّفة بدأت بمحاولة تنظيم نفسها منذ العام 2006، لا سيّما في الأحياء الأشدّ فقراً في طريق الجديدة والمزرعة، ومخيّمي شاتيلا وصبرا، والمناطق المحيطة بهما. وعلى الرغم من ذلك، لم تتمكّن هذه الجماعات حتى اليوم من تشكيل حاضنة شعبية. إذ يسود في أحياء بيروت الشعبية مناخ محافظ دينياً إلى حدّ معيّن، ولم تنجح محاولات نقله إلى التطرّف رغم كلّ الظروف التي شهدتها بيروت تحديداً، بما في ذلك هجمات “حزب الله” وحركة “أمل” في 7 أيّار/ مايو 2008.
بعض الجماعات المتطرّفة اتّخذت من بعض الجيوب في مخيّم شاتيلا مركزاً لها، حيث انطلقت منه في مساعي الاستقطاب والتجنيد التي تستهدف الأفراد بشكل مركّز. بين العامين 2007-2008، تطوّرت هذه الجهود عبر المدعو “الشيخ فادي”، الذي أسّس مجموعة تُدعى “أهل الدعوة”، وضمّت عدداً من رجال الدين اللبنانيين والفلسطينيين وحتى من جنسيّات آسيوية.
من خلال هذه المجموعة، كان يُضغَط على الشبّان الملتزمين دينياً في أحياء طريق الجديدة لإقامة الصلاة معهم في المساجد، حيث كان يتمّ اختيار مسجد معيّن في كلّ فترة مثل مسجد الخاشقجي أو الشهداء أو حمد أو الإمام علي، من بين مساجد أخرى. استغلال المشاعر الدينية كان كافياً في تلك الفترة لتحويل الدعوة الدينية إلى عمليات استقطاب منظّمة ذات طابع أيديولوجي متطرّف.
رغم ذلك، لم تكن محاولات الاستقطاب تنجح في معظم الأحيان، فقد كان نفور الأغلبية من الشبّان الملتزمين دينياً من توجّهات تنظيم “القاعدة” متفوّقاً. لكنّ الأفراد الذين تمّ استقطابهم بنجاح، كانوا يحصلون على وظيفة أو مكان عمل خاصّ وامرأة للزواج، وذلك لتثبيت بقائهم تحت ضغط المغريات. هذه الأساليب ما زالت تتواصل بشكل حثيث حتى يومنا هذا، رغم عدم تحقيقها نجاحاً ملحوظاً.
بعد انسحاب سعد الحريري من الساحة السياسية اللبنانية، وخصوصاً المشهد السنّي السياسي في بيروت، وفي ظلّ غياب القيادات البيروتية الصريحة عن الساحة، تجدّد الرهان وعادت هذه المجموعات “الدعوية” إلى الظهور بشكل أكثر علنية.
وقد اتّجهت هذه المجموعات نحو تعليق اللافتات ذات النزعة الدينية المتشدّدة، والدخول في مبادرات للصلح بين الأفراد والعائلات، مما ساهم في تكريس حيثيتها الاجتماعية. ومؤخّراً، بدأت هذه المجموعات بالترويج للسلطة الجديدة في دمشق على اعتبار أنها المرجعية السياسية الأساسية. بلغ التأثر الحالي بسلطة الشرع في سوريا ذروته بين عدد من الشبّان في بعض أحياء طريق الجديدة. ومع تزايد المداهمات الأمنية للمجموعات المشتبه فيها على امتداد الأراضي اللبنانية، بدأ عدد من المرتبطين بالمجموعات الجهادية الصغيرة ببيع ممتلكاتهم والتواري عن الأنظار.
البقاع الغربي وراشيا وحاصبيا
في مناطق البقاع الغربي وراشيا، لا وجود تنظيمي لـ “داعش” أو تنظيمات إسلامية متطرّفة أخرى. فقد كان النفوذ في المناطق ذات الأغلبية السنّية في البقاع الغربي وراشيا، ينقسم تاريخياً بين “تيّار المستقبل” بشكل أساسي وحزب “الاتّحاد اللبناني” بقيادة عبد الرحيم مراد. ومع تراجع نفوذ التيّار، عزّزت “الجماعة الإسلامية” حضورها السياسي، واعتمدت نهجاً مستداماً للاستقطاب من خلال “جمعيّة الكشّاف المسلم”. اليوم، تمثّل “الجماعة الإسلامية” الحالة التنظيمية الوحيدة الجدّية على مستوى العمل السياسي الإسلامي في مناطق البقاع الغربي وراشيا، ولكن لا يمكن استبعاد احتمال وجود خلايا منظّمة تعمل بشكل سرّي بشكل مطلق، رغم عدم وجود حاضنة شعبية لها. فإذا وُجدت، ستكون متعارضة مع النسيج المجتمعي.
تاريخياً، وفي ضوء صعود تيّارات الإسلام المتشدّد في سوريا في عام 2014، انطلق أفراد غير منظّمين بدافع من مشاعر طائفية اختلطت بنقمة مبرّرة تجاه تدخّل “حزب الله” في سوريا نصرةً لنظام الأسد، إلى تعليق رايات “جبهة النصرة” وتنظيمات إسلامية متشدّدة أخرى في مناطق مثل الصويري ومجدل عنجر، وحتى في بعض مناطق البقاع الأوسط مثل بر الياس. لكنّ هذه الظاهرة تراجعت بشكل كبير بعد معركة عرسال في البقاع الشمالي بين الجيش اللبناني و”جبهة النصرة”. ما يمكن تفسيره أن الغالبية الحاسمة من سنّة البقاع غرباً وشمالاً عادةً ما يلتفون حول الدولة اللبنانية، معتبرين أنها مرجعهم الحقيقي في اللحظات الحرجة، رغم التهميش الاقتصادي والاجتماعي التاريخي لبلداتهم، وتداخل المشاعر وتصاعد الحساسيات الدينية في فترات معيّنة.
إن المناخ الحالي في المناطق الحدودية ذات الغالبية السنّية هو مناخ إسلامي، لكن لا علاقة له بالتوجّهات الإسلامية المتطرّفة، حيث لا يسعى المعتنقون لهذه الأفكار إلى إنشاء تنظيمات جهادية، لأن العقل السائد أقرب إلى البراغماتية والنفعية منه إلى الفكر الجهادي، ويعود ذلك خاصّة إلى أن هذه المناطق الحدودية، وبشكل خاصّ منطقتي مجدل عنجر والصويري، يهيمن فيها منطق الربح السريع والتجارة، لا سيّما عبر تهريب البضائع وحتى البشر.
مع العلم أن آخر العمليّات الإرهابية التي شهدتها المنطقة، كانت حادث تفجير كسارة- زحلة في عام 2016، الذي نتج عن خليّة لتنظيم “داعش” مكوّنة من ثلاثة أشخاص من البقاع الغربي. وبعد خروج هؤلاء من السجن، انصرفوا إلى أعمالهم الخاصّة، حيث يعمل أحدهم في الزراعة، والآخر في مطعم، بينما لم تتوفّر معلومات دقيقة حول الثالث.
وفي منطقة حاصبيا، تؤكّد المعلومات أن النفوذ السياسي كان موزّعاً بين “تيّار المستقبل” والأحزاب الناصرية والقومية والشيوعية، قبل أن تتمكّن “الجماعة الإسلامية” من توسيع نفوذها على حساب “تيّار المستقبل” بعد تراجعه. لكنّها تشير أيضاً إلى أن تنظيم “الجماعة الإسلامية” في حاصبيا، لا يشجّع الميول المغالية في التطرّف، ويعارض تشكيل خلايا مسلّحة ذات طابع جهادي على طريقة “داعش” و”القاعدة”، رغم وجود تيّارات سلفية داخل التنظيم نفسه.
صيدا وإقليم الخروب
في صيدا، لم تُرصَد ظواهر “داعشية”، لكن هناك قوى إسلامية تاريخية تعتبر صيدا مدينةً “محافِظة”، وتحاول فرض إبقاء المدينة في هذا الإطار. الظواهر المتطرّفة التي شهدتها المدينة سابقاً، مثل ظهور تنظيم “جند الشام” التابع لتنظيم “القاعدة” في مخيّم عين الحلوة في عام 2005، أو جماعة أحمد الأسير في منطقة عبرا، كانت لفترة محدودة وانتهت. الغالبية التي تعتنق الفكر الإسلامي في المدينة ومحيطها تلتفّ حول “الجماعة الإسلامية”، وحركة “حماس” في مخيّم عين الحلوة.
تُعتبر “الجماعة الإسلامية” التنظيم الأكبر الذي تتفرّع منه بقيّة التيّارات الإسلامية في صيدا. وعلى الرغم من وجود تيّارات إسلامية متطرّفة ومسلّحة في مخيّم عين الحلوة، فإن القوى السياسية الإسلامية داخل صيدا لا تزال تحتفظ بطابع تقليدي دعوي.
أما جماعة الأسير، فلم تحاول إعادة تنظيم نفسها بعد معركة عبرا، حيث يوجد فقط مجموعة تُسمّي نفسها “أهالي الموقوفين الإسلاميين”، وتطالب بالإفراج عن المعتقلين الإسلاميين، خصوصاً معتقلي معركة عبرا الذين انتهت مدّة محكوميّتهم. ومنذ معركة عبرا في عام 2013 لم تبرز أي ظاهرة إسلامية متطرّفة جديدة في المدينة.
بينما يُظهر أغلب المنتمين إلى “الجماعة الإسلامية” تأييداً لأحمد الشرع، لا يتمّ التعبير عن هذا التأييد بشكل علني، كما أن الوضع في صيدا يختلف عن مناطق أخرى مثل طرابلس أو عرسال، حيث تتّسم أجواء المدينة بتنوّع ثقافي واجتماعي أكبر. ولا يمكن الجزم بوجود أو عدم وجود خلايا سرّية لأي تنظيم جهادي، حيث لا يشي المناخ العامّ بذلك، ولا يتقبّل المجتمع الشعبي في صيدا احتضان مثل هذه الظواهر على نطاق واسع، رغم وجود تأييد محدود لها في السابق.
وتؤكّد المعلومات عدم وجود حاضنة شعبية لتنظيمات الإسلام الجهادي في إقليم الخروب، خصوصاً في البلدات الكبيرة مثل برجا وكترمايا وشحيم، التي تمتلك تاريخاً متّصلاً بالحركة الوطنية، ويوجد فيها عدد ضخم من موظّفي الدولة في جميع الأجهزة وعلى جميع المستويات. لكنّها تشير أيضاً إلى وجود مناخ مؤيّد محدود ومجموعات متفرّقة وغير منظّمة، في البلدات الأصغر وبعض القرى المحاذية للبلدات الرئيسية، التي شهدت نموّاً عمرانياً حديثاً مثل جدرا والسعديات. هذه البلدات استقبلت لبنانيين نزحوا من جميع المناطق، ولا يوجد فيها مجتمعات محلّية حقيقية، بالإضافة إلى بلدات أخرى مثل داريا وبعاصير وسبلين ودلهون المتّصلة بمنطقة داود العلي.
بدأت هذه التوجّهات بالظهور في منطقة إقليم الخروب تزامناً مع صعود “الحالة الأسيرية” في صيدا منذ العام 2011. وفي أعقاب معركة عبرا، تعرّض عدد من الشبّان للاعتقال في أكثر من منطقة. لكن بشكل عامّ، لا وجود جدّي للتنظيمات الإسلامية المتطرّفة المستعدّة للانخراط في أي أعمال عنفية في مناطق إقليم الخروب كافّة، ولم يُسجل أي استنفار أو مخاوف لدى الأهالي المناهضين لمثل هذه التوجّهات حتى الآن.
أما الحالات الفردية فهي تحدث دائماً وليست أمراً استثنائياً، لكنّ ذلك لا يمنع وجود هواجس لدى الأهالي مرتبطة بالعدد الكبير من الأفراد من التابعية السورية، الذين لا يعرف الأهالي شيئاً عنهم. وهذه المخاوف من شأنها أن تفتح الباب أيضاً أمام انتهاكات عنصرية محتملة. بينما تشير معلومات من مصادر أخرى في إقليم الخروب، إلى وجود بيئات متطرّفة نوعاً ما منذ أكثر من عشر سنوات في مناطق جدرا وبرجا وسبلين وكترمايا، وأيضاً في مناطق عرمون وخلدة في قضاء عاليه، بعد موجة النزوح الكبيرة من مناطق بيروت صوبها، لكن لم ينتُج داخلها أي محاولات تنظيمية معروفة تترجم الأفكار الجهادية إلى ميدان الممارسة.
في ظل هذا المشهد على الصعيد المحلّي، يبدو أن الخطر الحقيقي لا يكمن في عودة “داعش” أو التنظيمات الجهادية إلى لبنان، إنما في استمرار استغلال هذه الورقة سياسياً وإعلامياً لخدمة أجندات متعدّدة من شأنها أن تتسبّب في إحداث شرخ طائفي واسع، تفوق خطورته كلّ ما يجري الحديث حوله في الوقت الحالي. فبين التضخيم الإعلامي المفرط والتهويل الأمني المبالغ فيه من جهة، والتسخيف المتكرّر للمخاطر من جهة أخرى، يضيع اللبنانيون في متاهة من التخويف والاستقطاب الذي لا يُنتج سوى مزيد من الانقسام. الخطوة الأهمّ اليوم هي الخروج من فخّ التهويل والانتقال إلى معالجة جذرية تُعيد الاعتبار لمفهوم الدولة الوطنية في مواجهة هيمنة الطوائف والقبائل، ويكون الممرّ الأساسي نحو ذلك عن طريق حصر السلاح، كلّ السلاح، بيد الدولة.
لن يتمكّن لبنان من مواجهة أي تهديد حقيقي إلا ببناء دولة قادرة على توحيد أبنائها، بدلاً من تركهم رهائن للولاءات الضيّقة والخطابات الطائفية والأجندات الخارجية. معركة لبنان الحقيقية ليست مع تنظيمات متطرّفة عابرة، بل مع ثقافة التجزئة التي بدأت بالتحوّل إلى أنظمة حكم سياسي، ومع عقليّة “القبيلة” التي تتفوّق على منطق الدولة في الوعي الجمعي.
إقرأوا أيضاً:












