ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

 حق السكن في مصر: هل ينجو الفقراء بعد التعديلات الجديدة؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تقول ملكة: “أمشي الآن في الشارع وأنظر إلى البناية، كيف سأصبح ممنوعة من دخول شقتي، كيف سأنقل كل إرث عائلتي من الأثاث والذكريات حتى شقوق الحائط المألوفة، كيف يتم التصديق على اقتلاعي من جذوري بهذه البساطة”.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

“احنا قاعدين منتظرين زيادة المعاش 400 جنيه، لو مكناش قاعدين في شقة إيجار قديم كنا تسولنا، في بديهيات في المعيشة استغنينا عنها، لكن هنوصل أننا نطرد من بيوتنا، دا كابوس”.

لم تواجه” ملكة علي” وحدها الخبر الذي سقط عليها بالغم والهم، بل يواجهه مئات الآلاف ربما الملايين من الأسر المصرية، وذلك بعدما صدّق مجلس النواب المصري على قانون لتعديل مواد الإيجار القديم للوحدات السكنية والتجارية ، بحيث يتم تحرير العلاقة الإيجارية تدريجيًا خلال فترة انتقالية لخروج السكان من وحداتهم السكنية تصل إلى سبع سنوات، وإلغاء الامتداد التوريثي للعقود، وإقرار زيادة تدريجية في القيمة الإيجارية تصل إلى 15 في المئة سنويًا.

في الستينات، اشتري والد “ملكة علي” شقتهم في وسط البلد بالقاهرة، و”اشترى” هنا هي مفردة دقيقة وليست دقيقة في الوقت ذاته، فقد عهدت شريحة كبيرة من أجداد المصريين على دفع مبلغ كبير “خلو” للحصول على شقق مع دفع إيجار رمزي مدى الحياة، على أن يتم الامتداد التوريثي للشقة الى الأبناء، وبهذا يكون الأهالي أمّن سكناً مستقراً لهم ولأبنائهم، يشعرون بالملكية الرمزية، واستمرار الإحساس بالأمان والاستقرار مشروط بدفع الإيجار.

 لكن كان ضرباً من الخيال والجنون أن يتخيل الجدود أن الخمسين جنيهاً التي كانوا ينفقونها للإيجار لن تكفي لشراء أربعة سندويتشات فول الآن، وسيستاء الملاك الأصليون للشقق ويطالبون باستردادها، ليصبح مصير الأبناء والأحفاد الطرد.

منذ صدور قوانين الإيجار في نسخها القديمة بدءاً من القانون رقم 49 لسنة 1977، ثم القانون رقم 136 لسنة 1981، وحتى التعديلات المقترحة حديثاً في البرلمان المصري عام 2024، ظلّت فلسفة القانون منحازة الى الاستقرار الاجتماعي، وإنْ كان ذلك على حساب الملكية الخاصة كما يرى البعض. فقد فرضت القوانين القديمة تثبيت القيمة الإيجارية لعقود، وفي كثير من الحالات تُورَّث العقود من جيل إلى آخر، في ظل انعدام آليات مرنة للتفاوض أو التحديث، وظل قانون الإيجار القديم حامياً لملايين الأسر من التشرد، لكن يرى آخرون أنه انتهك حق المالك وأفرغ العقار من قيمته الاقتصادية.

سابقاً، كانت “ملكة علي” تسمع عن الأسعار المبالغ فيها للإيجارات الجديدة التي تبدأ في بعض المناطق المتوسطة من 300 دولار، وكانت تشعر بالامتنان لروح والدها الذي أنقذها وشقيقتها في هذا العمر من كابوس الإيجار الجديد، لكن بعد التصديق على تعديل قانون الإيجار القديم شعرت أنها ليست فقط أمام خطر فقدانها شقة ولدت وشابت فيها، بل أمام فقدان الأمان النسبي الذي كانت تحتمي به، وأصبح هذا الأمان كما لو كان فقاعة وتم التصديق على فقأها.

تقول ملكة: “أمشي الآن في الشارع وأنظر إلى البناية، كيف سأصبح ممنوعة من دخول شقتي، كيف سأنقل كل إرث عائلتي من الأثاث والذكريات حتى شقوق الحائط المألوفة، كيف يتم التصديق على اقتلاعي من جذوري بهذه البساطة”.

عبد الحميد شرف الدين، مستشار رئيس الجهاز المركزي لجهاز التعبئة العامة والإحصاء، قال إن هناك حصراً بالوحدات الخاضعة لـقانون الإيجار القديم بموجب تعداد الجهاز الأخير، بواقع 3 ملايين وحدة و19 ألف وحدة سكنية للسكن وغير السكن ومصنفة وفقاً للحضر والريف.

هذه الأعداد الكبيرة للأسر تواجه الآن كابوس الطرد بعدما امتلكوا جذورًا تاريخية ومعيشية في العقارات المؤجرة، وخروجهم غير مشروط بضمانات أو بدائل أو تعويضات واضحة حتى الآن، سواء من خلال وعود محددة من وزارة التضامن الاجتماعي أو من وزارة الإسكان.

الإصرار على “تحرير العلاقة الإيجارية” من دون توفير بدائل سكنية آمنة ومستدامة يُعد ضربًا من ضروب العنف الاجتماعي الممنهج، إذ لم تُوفّر الدولة على مدار سنوات طويلة أي حلول واقعية لإسكان محدودي الدخل، بل على العكس، توسّعت في المشروعات العقارية التي تخدم الشرائح الأعلى دخلًا.

المستأجرون: هاجس الطرد في زمن الغلاء

في زمن ترتفع فيه أسعار الإيجارات بشكل غير مسبوق، ويعاني ملايين المصريين من أزمة اقتصادية خانقة، يصبح بقاء الأسر في مساكنهم القديمة أحد أشكال البقاء ذاته. الطرد هنا ليس فقط طردًا من حي أو من بناية، بل من طبقة اجتماعية، ومن هوية، ومن إمكانية الحفاظ على صورة الحياة كما عرفوها.

كذلك، النساء المسنات اللواتي يعتمدن على معاش ضئيل لا يتجاوز الألف جنيه شهريًا، لا يحتملن أي تغيير مفاجئ في ظروف السكن. وبالنسبة الى الكثيرات منهن، يمثل المنزل أكثر من مجرد مأوى، بل هو حائط الصد الأخير أمام الإهانة أو العوز. 

شيماء سامي تعيش مع والدتها وشقيقتها في شقة إيجار قديم بمنطقة الإبراهيمية الراقية في الإسكندرية، تقول إن والدتها وشقيقتها لا تزالان تتعاملان مع التصديق على تعديلات قانون الإيجار القديم أنه غير حقيقي، وترفضان الحديث عن بدائل تشمل ترك المنزل الذي اشتراه والدهما في فترة النكسة، وهو يدفع من عمره ست سنوات مستعداً على الجبهة ليصبح أحد أبطال حرب أكتوبر.

تقول شيماء إن شقتهم دخلتها والدتها وهي بعمر الخامسة والعشرين عاماً “عندما تزوجت والدي وأنجبتنا فيها ومات والدي في شباط/ فبراير الماضي، ترفض والدتي أي تغيير في تفاصيل البيت لأن هذه التفاصيل هي عمرها وعمر والدي وذكرياتهما، كيف أقنعها بأنها ستترك كل هذا وترحل بعد هذا العمر”.

تسأل شيماء عن روح القوانين وتعديلها التي لا تنتبه الى التفاصيل بل تسقط على رقاب الناس كالسيف: “والدي أنفق على تجديد هذه الشقة نحو مليون ونصف المليون جنيه مصري، عوضاً عن الخلو الذي دفعه في البداية، الشقة كانت خرابة، من يعوضنا عن هذا الإنفاق والمالك لن يدفع هذه الأموال بالطبع”.

تقول شيماء: “إذا فكرنا في شراء شقة في المنطقة ذاتها لن يقل سعرها عن أربعة مليون جنيه مصري، وإلا سنسقط اجتماعياً وطبقياً لنبحث في المناطق الفقيرة، التي لن تناسبنا اجتماعياً كفتيات عازبات اعتدنا نمط حياة مختلفاً ومألوفاً أكثر مع منطقة الإبراهيمية”.

حرص المشرع المصري على تضمين الحق في السكن الملائم في دستور 2014، إذ نص الدستور على ”تكفل الدولة للمواطنين الحق في السكن الملائم والآمن والصحي بما يحفظ الكرامة الإنسانية ويحقق العدالة الاجتماعية“.

 وتسأل شيماء: “أي كرامة إنسانية في طردنا وطرد سيدة مسنة في هذا العمر؟ أنا أسافر خارج مصر وحين أعود أتجول في كل ركن في البيت وألقي السلام عليه، البيت ليس مكاناً من السهل استبداله ولسنا دواجن كي يتم نقلنا إلى قفص مجهول”.

الرأي العام في الشارع المصري، منقسم بحدة. كثر من المستأجرين يعتبرون أن استمرار الوضع الراهن ليس رفاهية، بل ضرورة لبقائهم في المدن التي لا يستطيعون شراء وحدات فيها. بينما يشكو الملاك من أنهم يُحرَمون من التصرف في ممتلكاتهم، ولا يستطيعون إصلاح العقارات أو تطويرها بسبب تدنّي العوائد.

الشق الاقتصادي في القضية بالغ الأهمية أيضًا. لأن تحرير الإيجار القديم قد يرفع معدلات التضخم، بسبب الارتفاع المفاجئ في قيمة الإيجارات، ما سينعكس على موازنات الأسر الفقيرة.

يشير تقرير صادر عن البنك الدولي عام 2022، الى أن مصر تواجه أزمة مزدوجة في قطاع الإسكان: فائض في المعروض السكني غير المستخدم، مقابل عجز حقيقي في الوحدات المناسبة لمحدودي الدخل. ويُرجع التقرير ذلك إلى تشوهات هيكلية وتضخم واضح في سوق الإيجارات.

وكي تخرج الدولة من هذا المأزق، فإن الحل لا يكمن في تعديل قانون فقط، بل في رؤية شاملة للإسكان، تشمل تخطيطًا عمرانيًا عادلًا، واستثمارًا في بناء وحدات منخفضة الكلفة، وبرامج دعم متكاملة، وإصلاحًا جذريًا للبنية القانونية والتنفيذية لمنظومة السكن في مصر.

النساء والمطلقات والمسنون: ضحايا الهشاشة الإسكانية

“جوزي باع نصف فدان كي يدفع خلو البيت الذي نعيش فيه الآن أنا وأبنائي، البرلمان أقر بطردنا من بيتنا، لكن من يعوضنا عن المال الذي دفعه زوجه في البداية، والأموال التي صرفناها لتجديد البيت على مدار كل هذه السنوات؟ اليوم أنا أعيش بالكاد وأبيع الجوارب، كيف أتخيل أن أخرج من بيتي وأنا بهذا العمر”.

تبقى سناء وغيرها في مأزق كبير وكل الفئات الهشة من النساء المستقلات، والمطلقات، والمسنين، ومحدودات الدخل، فهؤلاء يعيشون في الغالب من دون دعم أسري أو مالي ثابت، ويعتمدون على استقرار سكنهم كشرط لاستمرار حياتهم بكرامة.

 لذلك، فإن أي تعديل مفاجئ أو تحرير غير محسوب قد يؤدي إلى طرد هذه الفئات من مساكنها، ويضعها في مواجهة مباشرة مع التشرد أو الإقامة في مساكن غير لائقة.

تشير تقارير وزارة التضامن الاجتماعي إلى أن نسبة النساء المعيلات في مصر تصل إلى نحو 34 في المئة من إجمالي الأسر، وكثيرات منهن يعشن في وحدات إيجار قديم منخفض التكلفة. وبالتالي، فإن أي مساس بهذا الوضع من دون بدائل مناسبة مثل الإسكان الاجتماعي أو الدعم النقدي سيؤدي إلى كارثة اجتماعية

أما المسنون، الذين تجاوزوا الستين أو السبعين من العمر، فإن مجرد التفكير في الانتقال من المسكن الحالي يمثل لهم تهديدًا نفسيًا وجسديًا، بخاصة مع ضعف إمكاناتهم الصحية أو المادية. هؤلاء بحاجة إلى حماية قانونية واضحة تضمن بقاءهم في مساكنهم أو تأمين مساكن بديلة تليق بأوضاعهم.

أي تعديل في قوانين الإيجارات يجب أن يترافق مع خرائط استهداف دقيقة للفئات الهشة، وخطط دعم متعددة المستويات، تشمل الإعفاءات، والدعم المالي، وتوفير مساكن انتقالية. أما في مصر، فلا يزال الحديث عن هذه البدائل محدودًا، ما يعزز مخاوف أن يؤدي القانون الجديد إلى موجة إخلاء قسري صامتة.

على رغم أهمية النقاش القانوني، إلا أن التعديلات المقترحة يجب ألا تغفل الأبعاد الاجتماعية والإنسانية، فالفئات المستهدفة بالتعديل ليست متجانسة؛ فمنهم الفقير والمتقاعد، ومحدود الدخل، ومنهم من يعيش في عقار فاخر لا يدفع سوى بضعة جنيهات.

11.07.2025
زمن القراءة: 7 minutes

تقول ملكة: “أمشي الآن في الشارع وأنظر إلى البناية، كيف سأصبح ممنوعة من دخول شقتي، كيف سأنقل كل إرث عائلتي من الأثاث والذكريات حتى شقوق الحائط المألوفة، كيف يتم التصديق على اقتلاعي من جذوري بهذه البساطة”.


“احنا قاعدين منتظرين زيادة المعاش 400 جنيه، لو مكناش قاعدين في شقة إيجار قديم كنا تسولنا، في بديهيات في المعيشة استغنينا عنها، لكن هنوصل أننا نطرد من بيوتنا، دا كابوس”.

لم تواجه” ملكة علي” وحدها الخبر الذي سقط عليها بالغم والهم، بل يواجهه مئات الآلاف ربما الملايين من الأسر المصرية، وذلك بعدما صدّق مجلس النواب المصري على قانون لتعديل مواد الإيجار القديم للوحدات السكنية والتجارية ، بحيث يتم تحرير العلاقة الإيجارية تدريجيًا خلال فترة انتقالية لخروج السكان من وحداتهم السكنية تصل إلى سبع سنوات، وإلغاء الامتداد التوريثي للعقود، وإقرار زيادة تدريجية في القيمة الإيجارية تصل إلى 15 في المئة سنويًا.

في الستينات، اشتري والد “ملكة علي” شقتهم في وسط البلد بالقاهرة، و”اشترى” هنا هي مفردة دقيقة وليست دقيقة في الوقت ذاته، فقد عهدت شريحة كبيرة من أجداد المصريين على دفع مبلغ كبير “خلو” للحصول على شقق مع دفع إيجار رمزي مدى الحياة، على أن يتم الامتداد التوريثي للشقة الى الأبناء، وبهذا يكون الأهالي أمّن سكناً مستقراً لهم ولأبنائهم، يشعرون بالملكية الرمزية، واستمرار الإحساس بالأمان والاستقرار مشروط بدفع الإيجار.

 لكن كان ضرباً من الخيال والجنون أن يتخيل الجدود أن الخمسين جنيهاً التي كانوا ينفقونها للإيجار لن تكفي لشراء أربعة سندويتشات فول الآن، وسيستاء الملاك الأصليون للشقق ويطالبون باستردادها، ليصبح مصير الأبناء والأحفاد الطرد.

منذ صدور قوانين الإيجار في نسخها القديمة بدءاً من القانون رقم 49 لسنة 1977، ثم القانون رقم 136 لسنة 1981، وحتى التعديلات المقترحة حديثاً في البرلمان المصري عام 2024، ظلّت فلسفة القانون منحازة الى الاستقرار الاجتماعي، وإنْ كان ذلك على حساب الملكية الخاصة كما يرى البعض. فقد فرضت القوانين القديمة تثبيت القيمة الإيجارية لعقود، وفي كثير من الحالات تُورَّث العقود من جيل إلى آخر، في ظل انعدام آليات مرنة للتفاوض أو التحديث، وظل قانون الإيجار القديم حامياً لملايين الأسر من التشرد، لكن يرى آخرون أنه انتهك حق المالك وأفرغ العقار من قيمته الاقتصادية.

سابقاً، كانت “ملكة علي” تسمع عن الأسعار المبالغ فيها للإيجارات الجديدة التي تبدأ في بعض المناطق المتوسطة من 300 دولار، وكانت تشعر بالامتنان لروح والدها الذي أنقذها وشقيقتها في هذا العمر من كابوس الإيجار الجديد، لكن بعد التصديق على تعديل قانون الإيجار القديم شعرت أنها ليست فقط أمام خطر فقدانها شقة ولدت وشابت فيها، بل أمام فقدان الأمان النسبي الذي كانت تحتمي به، وأصبح هذا الأمان كما لو كان فقاعة وتم التصديق على فقأها.

تقول ملكة: “أمشي الآن في الشارع وأنظر إلى البناية، كيف سأصبح ممنوعة من دخول شقتي، كيف سأنقل كل إرث عائلتي من الأثاث والذكريات حتى شقوق الحائط المألوفة، كيف يتم التصديق على اقتلاعي من جذوري بهذه البساطة”.

عبد الحميد شرف الدين، مستشار رئيس الجهاز المركزي لجهاز التعبئة العامة والإحصاء، قال إن هناك حصراً بالوحدات الخاضعة لـقانون الإيجار القديم بموجب تعداد الجهاز الأخير، بواقع 3 ملايين وحدة و19 ألف وحدة سكنية للسكن وغير السكن ومصنفة وفقاً للحضر والريف.

هذه الأعداد الكبيرة للأسر تواجه الآن كابوس الطرد بعدما امتلكوا جذورًا تاريخية ومعيشية في العقارات المؤجرة، وخروجهم غير مشروط بضمانات أو بدائل أو تعويضات واضحة حتى الآن، سواء من خلال وعود محددة من وزارة التضامن الاجتماعي أو من وزارة الإسكان.

الإصرار على “تحرير العلاقة الإيجارية” من دون توفير بدائل سكنية آمنة ومستدامة يُعد ضربًا من ضروب العنف الاجتماعي الممنهج، إذ لم تُوفّر الدولة على مدار سنوات طويلة أي حلول واقعية لإسكان محدودي الدخل، بل على العكس، توسّعت في المشروعات العقارية التي تخدم الشرائح الأعلى دخلًا.

المستأجرون: هاجس الطرد في زمن الغلاء

في زمن ترتفع فيه أسعار الإيجارات بشكل غير مسبوق، ويعاني ملايين المصريين من أزمة اقتصادية خانقة، يصبح بقاء الأسر في مساكنهم القديمة أحد أشكال البقاء ذاته. الطرد هنا ليس فقط طردًا من حي أو من بناية، بل من طبقة اجتماعية، ومن هوية، ومن إمكانية الحفاظ على صورة الحياة كما عرفوها.

كذلك، النساء المسنات اللواتي يعتمدن على معاش ضئيل لا يتجاوز الألف جنيه شهريًا، لا يحتملن أي تغيير مفاجئ في ظروف السكن. وبالنسبة الى الكثيرات منهن، يمثل المنزل أكثر من مجرد مأوى، بل هو حائط الصد الأخير أمام الإهانة أو العوز. 

شيماء سامي تعيش مع والدتها وشقيقتها في شقة إيجار قديم بمنطقة الإبراهيمية الراقية في الإسكندرية، تقول إن والدتها وشقيقتها لا تزالان تتعاملان مع التصديق على تعديلات قانون الإيجار القديم أنه غير حقيقي، وترفضان الحديث عن بدائل تشمل ترك المنزل الذي اشتراه والدهما في فترة النكسة، وهو يدفع من عمره ست سنوات مستعداً على الجبهة ليصبح أحد أبطال حرب أكتوبر.

تقول شيماء إن شقتهم دخلتها والدتها وهي بعمر الخامسة والعشرين عاماً “عندما تزوجت والدي وأنجبتنا فيها ومات والدي في شباط/ فبراير الماضي، ترفض والدتي أي تغيير في تفاصيل البيت لأن هذه التفاصيل هي عمرها وعمر والدي وذكرياتهما، كيف أقنعها بأنها ستترك كل هذا وترحل بعد هذا العمر”.

تسأل شيماء عن روح القوانين وتعديلها التي لا تنتبه الى التفاصيل بل تسقط على رقاب الناس كالسيف: “والدي أنفق على تجديد هذه الشقة نحو مليون ونصف المليون جنيه مصري، عوضاً عن الخلو الذي دفعه في البداية، الشقة كانت خرابة، من يعوضنا عن هذا الإنفاق والمالك لن يدفع هذه الأموال بالطبع”.

تقول شيماء: “إذا فكرنا في شراء شقة في المنطقة ذاتها لن يقل سعرها عن أربعة مليون جنيه مصري، وإلا سنسقط اجتماعياً وطبقياً لنبحث في المناطق الفقيرة، التي لن تناسبنا اجتماعياً كفتيات عازبات اعتدنا نمط حياة مختلفاً ومألوفاً أكثر مع منطقة الإبراهيمية”.

حرص المشرع المصري على تضمين الحق في السكن الملائم في دستور 2014، إذ نص الدستور على ”تكفل الدولة للمواطنين الحق في السكن الملائم والآمن والصحي بما يحفظ الكرامة الإنسانية ويحقق العدالة الاجتماعية“.

 وتسأل شيماء: “أي كرامة إنسانية في طردنا وطرد سيدة مسنة في هذا العمر؟ أنا أسافر خارج مصر وحين أعود أتجول في كل ركن في البيت وألقي السلام عليه، البيت ليس مكاناً من السهل استبداله ولسنا دواجن كي يتم نقلنا إلى قفص مجهول”.

الرأي العام في الشارع المصري، منقسم بحدة. كثر من المستأجرين يعتبرون أن استمرار الوضع الراهن ليس رفاهية، بل ضرورة لبقائهم في المدن التي لا يستطيعون شراء وحدات فيها. بينما يشكو الملاك من أنهم يُحرَمون من التصرف في ممتلكاتهم، ولا يستطيعون إصلاح العقارات أو تطويرها بسبب تدنّي العوائد.

الشق الاقتصادي في القضية بالغ الأهمية أيضًا. لأن تحرير الإيجار القديم قد يرفع معدلات التضخم، بسبب الارتفاع المفاجئ في قيمة الإيجارات، ما سينعكس على موازنات الأسر الفقيرة.

يشير تقرير صادر عن البنك الدولي عام 2022، الى أن مصر تواجه أزمة مزدوجة في قطاع الإسكان: فائض في المعروض السكني غير المستخدم، مقابل عجز حقيقي في الوحدات المناسبة لمحدودي الدخل. ويُرجع التقرير ذلك إلى تشوهات هيكلية وتضخم واضح في سوق الإيجارات.

وكي تخرج الدولة من هذا المأزق، فإن الحل لا يكمن في تعديل قانون فقط، بل في رؤية شاملة للإسكان، تشمل تخطيطًا عمرانيًا عادلًا، واستثمارًا في بناء وحدات منخفضة الكلفة، وبرامج دعم متكاملة، وإصلاحًا جذريًا للبنية القانونية والتنفيذية لمنظومة السكن في مصر.

النساء والمطلقات والمسنون: ضحايا الهشاشة الإسكانية

“جوزي باع نصف فدان كي يدفع خلو البيت الذي نعيش فيه الآن أنا وأبنائي، البرلمان أقر بطردنا من بيتنا، لكن من يعوضنا عن المال الذي دفعه زوجه في البداية، والأموال التي صرفناها لتجديد البيت على مدار كل هذه السنوات؟ اليوم أنا أعيش بالكاد وأبيع الجوارب، كيف أتخيل أن أخرج من بيتي وأنا بهذا العمر”.

تبقى سناء وغيرها في مأزق كبير وكل الفئات الهشة من النساء المستقلات، والمطلقات، والمسنين، ومحدودات الدخل، فهؤلاء يعيشون في الغالب من دون دعم أسري أو مالي ثابت، ويعتمدون على استقرار سكنهم كشرط لاستمرار حياتهم بكرامة.

 لذلك، فإن أي تعديل مفاجئ أو تحرير غير محسوب قد يؤدي إلى طرد هذه الفئات من مساكنها، ويضعها في مواجهة مباشرة مع التشرد أو الإقامة في مساكن غير لائقة.

تشير تقارير وزارة التضامن الاجتماعي إلى أن نسبة النساء المعيلات في مصر تصل إلى نحو 34 في المئة من إجمالي الأسر، وكثيرات منهن يعشن في وحدات إيجار قديم منخفض التكلفة. وبالتالي، فإن أي مساس بهذا الوضع من دون بدائل مناسبة مثل الإسكان الاجتماعي أو الدعم النقدي سيؤدي إلى كارثة اجتماعية

أما المسنون، الذين تجاوزوا الستين أو السبعين من العمر، فإن مجرد التفكير في الانتقال من المسكن الحالي يمثل لهم تهديدًا نفسيًا وجسديًا، بخاصة مع ضعف إمكاناتهم الصحية أو المادية. هؤلاء بحاجة إلى حماية قانونية واضحة تضمن بقاءهم في مساكنهم أو تأمين مساكن بديلة تليق بأوضاعهم.

أي تعديل في قوانين الإيجارات يجب أن يترافق مع خرائط استهداف دقيقة للفئات الهشة، وخطط دعم متعددة المستويات، تشمل الإعفاءات، والدعم المالي، وتوفير مساكن انتقالية. أما في مصر، فلا يزال الحديث عن هذه البدائل محدودًا، ما يعزز مخاوف أن يؤدي القانون الجديد إلى موجة إخلاء قسري صامتة.

على رغم أهمية النقاش القانوني، إلا أن التعديلات المقترحة يجب ألا تغفل الأبعاد الاجتماعية والإنسانية، فالفئات المستهدفة بالتعديل ليست متجانسة؛ فمنهم الفقير والمتقاعد، ومحدود الدخل، ومنهم من يعيش في عقار فاخر لا يدفع سوى بضعة جنيهات.