يطرح لينين واحدة من أكثر الأطروحات إلحاحاً على الصعيد الأخلاقي في الفكر السياسي الحديث، حين جادل في مكان ما في مقالاته حول حق تقرير المصير بأن على الأكثرية أن تدافع عن الحق غير المشروط للأقلية في تقرير المصير، حتى لو بلغ حد الانفصال، فيما يُفترض بالأقلية أن تسعى، طوعاً، الى البقاء ضمن الجماعة السياسية الأوسع.
ويشرح لينين ذلك بقوله إن من ينتمون إلى الأكثرية يتحملون التزاماً أخلاقياً وسياسياً خاصاً، إذ عليهم أن يدافعوا بفاعلية عن حق الجماعة المقهورة في الانفصال. وبعبارة أخرى، لا يكفي أن يتسامح الديمقراطيون الحقيقيون في الأمة القوية مع المعارضة، بل يجب أن يتبنوا إمكانية الانفصال ويؤكدوا أن الأقلية تملك الحق في تقرير مستقبلها بنفسها. فالوحدة لا شرعية لها إذا حُرم الطرف الأضعف من خيار الخروج.
لكنه يسارع، في الوقت نفسه، إلى التشديد على أن أعضاء الأمة المقهورة يواجهون مسؤولية مختلفة لكنها مكمّلة. فمعركتهم من أجل التحرر، كما كتب، ينبغي أن تضع في الأولوية بناء أوثق الروابط الممكنة مع القوى التقدمية في الأمة المهيمنة. وبدلاً من الانكفاء إلى عزلة أو قومية رومانسية، عليهم أن يسعوا إلى التضامن ضمن مؤسسات مشتركة والنضال السياسي الموحد، لا لأنهم مكرهون على ذلك، بل لأن التحرر المتبادل أكثر قوة من الانفصال.
وقد عاد لينين إلى هذه الفكرة مراراً، مؤكداً أن الدعوة إلى الانفصال ليست احتفاء بالتجزئة. بل إن الهدف هو ضمان أن أي اتحاد بين الأمم يقوم على الرضى لا على الإكراه. فالدول الكبرى التعددية يمكن أن تزدهر، ولكن فقط حين تُبنى على مساواة حقيقية، وشراكة طوعية، ومبادئ أممية صادقة. كان الدفاع عن حق المغادرة، في مفارقة لافتة، الشرط المسبق لاختيار البقاء.
منذ عقود طلّقتُ الأفكار اللينينية طلاقاً بائناً لا رجعة فيه، ولكنني لا أزال أحتفظ لقلّة منها ببعض الود. وأزعم أن أفكار لينين حول حق تقرير المصير كانت على الدوام من الأفكار التي شاغلتني وشغلتني طويلاً، وأرى أنها لا تزال راهنة بشكل أو بآخر. ولا تزال موضوعاته حول المسألة القومية موجودة في النقاشات السياسية في فضاءات أبعد بكثير من العالم الذي عاش فيه.
سيبدو المفهوم المطروح أعلاه، إذا ما نُزع من سياقه الماركسي، بسيطاً على نحو خادع. فالوحدة لا معنى لها إلا حين يكون باب الخروج موجوداً ومفتوحاً. والأمة التي يُحافَظ على وحدتها بالتسلّط ليست أمة، بل سجن كبير. ومع ذلك، بالنسبة إلى لينين، لم يكن تقرير المصير مقدمة للتفكك، بل شرطاً مسبقاً لاتحاد صادق قائم على القناعة والاتفاق والرضى المشترك.
سؤال لينين يعود في سوريا
هذا المبدأ يتردد اليوم بوضوح مقلق في سوريا، التي لم يفضِ انتهاء حقبة استبدادية فيها إلى خيال سياسي مشترك. الدولة السورية ما زالت قائمة، لكن معناها – جغرافياً وأخلاقياً وقانونياً – موضع نزاع. وفي قلب هذا الغموض، تتقدم ثلاث جماعات أقلية، مثخنة بجراح التاريخ والجغرافيا، لتتكلم بلغة البقاء والحقوق والإمكان: العلويون على الساحل، الدروز في السويداء، والأكراد في الشمال الشرقي.
كل واحدة من هذه المجموعات تطرح صيغة من السؤال ذاته الذي طرحه لينين عام 1914: ما معنى الانتماء حين تنهار ضمانات المواطنة؟
تواجه السلطات الانتقالية في سوريا مأزقاً كثيراً ما تتجاهله الدول الخارجة من النزاعات. الاختبار الأخلاقي لأي نظام سياسي جديد لا يكمن في كيفية تعامله مع الأكثرية، بل في كيفية انخراطه مع من يملكون أقل وزن ديموغرافي. والدستور، مهما يكن علمانياً أو ديمقراطياً، لا يستطيع وحده ترميم الثقة، فالدولة يجب أن تذهب أبعد: لا أن تعترف بحقوق الأقليات فحسب، بل أن تؤكد، من دون تهديد أو تردد، حقها النظري في المغادرة. أي تقصير في ذلك ينذر بإعادة إنتاج عادات الاستبداد تحت راية أخرى.
إقرأوا أيضاً:
بالنسبة إلى سوريا، يتطلب الأمر قطيعة ليس فقط مع نظام الأسد، بل مع المنطق السياسي الذي أتاح له البقاء، منطق الوحدة التي تُعرّف بالطاعة، والمواطنة التي تُمنح كمكافأة، والتنوع الذي يُحتمل فقط حين يكون ملائماً سياسياً للسلطة. نظام الأسد كان على الدوام يتحدث عن “التماسك الوطني” فيما حكم بالخوف والزبائنية وتوظيف الطائفية. قلْبُ هذا الإرث يحتاج أكثر من إصلاح مؤسساتي؛ يحتاج شجاعة أخلاقية تمنح المواطنين وكالة سياسية حقيقية.
3 حالات وسؤال واحد عن الدولة
هذا التوتر ظهر بقوة في مطلع نيسان/ أبريل، حين ظهر عيسى إبراهيم ـ المستشار الدستوري ورئيس حركة العمل المدني ـ على فيسبوك وهو يتلو بياناً منسوباً إلى علويين في اللاذقية وطرطوس وحمص وغرب حماة. الوثيقة جاءت شاملة في مضمونها ونبرتها، واتهمت السلطة والميليشيات التابعة لها بالقيام بعمليات قتل منهجية وخطف وتهجير ونهب اقتصادي وتعذيب وحرمان طبي وإجبار الناس على تأييد السلطة عنوة واستبعادهم من حقوق المواطنة. استعمل البيان مصطلح “إبادة جماعية”، واستند إلى القانون الإنساني الدولي، ودعا إلى استفتاء بإشراف الأمم المتحدة حول تقرير المصير ونشر قوات حفظ سلام، بل وحتى إنشاء كيان علماني مستقل.
جغرافيا عاطفية مشابهة تتجلى في السويداء. ففي 16 آب/ أغسطس 2025، خرج مئات المحتجين الدروز إلى ساحة الكرامة، يهتفون “حق تقرير المصير،” ويرفعون رايات الطائفة (الحدود الخمسة)، ومعها – في مشهد صادم – أعلام إسرائيل. لم تكن المسيرة تحدياً فحسب، بل كانت أيضاً تعبيراً عن الحزن؛ أكثر من 1600 شخص قُتلوا في شهر واحد نتيجة العنف الذي اجتاح المحافظة. وعلى المنصة، رفضت النساء المتحدثات الحكم الذاتي والفيدرالية معاً، مطالبات بـ”الاستقلال الكامل”، فقوبلن بعاصفة من الهتاف والتصفيق.
مطالب السويداء لا تنبع من نزعة انفصالية أيديولوجية، بل من إنهاك سياسي. فالمحافظة تشعر بأنها متروكة – محرومة من الكهرباء والماء والغذاء والدواء والأمن، محاصرة بين إهمال الدولة، انتهازية الميليشيات، وتوظيف إقليمي. لينين لم يكن ليسأل ما إذا كان الدروز يملكون الحق في الاختيار، بل ما إذا كانت الدولة السورية قد أدت واجبها في جعل الانتماء ممكناً. يصبح تقرير المصير جذاباً حين لا يبقى للمواطنة ما تقدمه.
أما التجربة الكردية فقد عبرت بالفعل مراحل سياسية متعددة ـ إنكار، صمود، تجريب، تفاوض. لأكثر من عقد، أدارت الإدارة الكردية في شمال سوريا وشرقها أراضي ومؤسسات، قاتلت تنظيم الدولة، تفاوضت مع دمشق وواشنطن، وحاولت بناء مشروع سياسي من دون المطالبة بالانفصال. المسؤولون الأكراد يؤكدون أنهم يسعون إلى ديمقراطية لا مركزية، لا إلى علم وحدود. وواشنطن تعزز هذا الموقف، محذرة مراراً من التقسيم.
لكن التاريخ جعل الأكراد حذرين. فهم يعرفون أن الضمانات الدولية تتبخر بسرعة. ويعرفون أن لغة “الوحدة الوطنية” قد تتحول إلى مقدمة لاستيعاب قسري. واليوم، وقد رأوا بأعينهم حرائق السويداء، يتساءل كثير منهم ما إذا كان منطق الحصار والاحتواء العقابي قد ينتقل شمالاً. وصية لينين الثانية – أن على الأقليات أن تكافح للبقاء ضمن الكل الأكبر – تقوم على افتراض أساسي: المساواة. من دونها، يصبح التوقع إكراهاً لا تعاوناً.
الدولة التي يمكن الوثوق بها
هذه الحالات الثلاث تكشف التشخيص البنيوي ذاته: المركز السياسي في سوريا ما زال هشاً ومحلّ ريبة، وهو لا يزال عاجزاً عن إقناع الأطراف بأن الوحدة مصدر حماية للجميع وليست مصدر خطر لأي فرد أو جماعة. وحين تفقد الدولة هذه القدرة، يصبح خطاب تقرير المصير انعكاساً لغياب العقد الاجتماعي أو انهياره، لا مؤشراً إلى تفكك الدولة.
هذا بالضبط هو المستقبل الذي خشيه لينين: دولة تدافع عن حدودها بينما تفقد شرعيتها. “الوحدة” المفروضة بالتهديد تولّد حتماً حركات تسعى إلى الانفصال و”الوطنية” المستدعاة كأداة انضباط تتحول في النهاية إلى حجة للرحيل.
لذلك، إذا أرادت سوريا أن تتفادى هذا المسار، عليها أن تحتضن المفارقة بكامل أبعادها. فالدولة السورية التي تستحق الثقة ينبغي أن تعترف، علناً ومن خلال الدستور، وبلا ارتباك دفاعي، بأن للعلويين والدروز والأكراد، وربما لغيرهم أيضًا، حقاً أخلاقياً وسياسياً في تقرير مصيرهم الجماعي. ويجب أن يُوضع هذا الحق خارج نطاق التفاوض. بعد ذلك، ينبغي على الدولة أن تبني جمهورية لا يكاد يرغب أحد داخلها في ممارسة هذا الحق.
لكن هذا يتطلب ما هو أعمق من اللامركزية أو تقاسم السلطة. هو يتطلب اقتصاداً لا يعاقب الجغرافيا، وقضاء لا يميز بين الطوائف، وقطاعاً أمنياً منزوعاً من الانتقام، وسردية وطنية رحبة بما يكفي لاحتضان هويات متعددة من دون تراتبية. يعني أن يُعامل الحكم المحلي لا كمقدمة للانفصال، بل كدليل على الثقة.
فإذا ما تحقق ذلك، فلن يكون الحق في تقرير المصير، في هذا الفهم، وهماً انفصالياً، بل أساس الانتماء الحديث. القدرة على المغادرة هي ما يجعل البقاء ذا معنى.
من هنا يمكن أن نقلب النقاشات التي تتكشف من بلدات الساحل في اللاذقية إلى قرى السويداء المحاصرة إلى ممرات الإدارة في القامشلي، فنجعل منها دعوات إلى إعادة التفكير في سوريا ذاتها بدل أن نرى فيها أعراضاً لانهيار سوريا. الدولة السورية المقبلة لن تُبنى على قمع الاختلاف، بل على مؤسساته، ولن تُصان بالحدود، بل بجعلها غير ذات صلة بالكرامة.
لا تحتاج سوريا إلى خريطة جديدة. إنها تحتاج إلى عقد أخلاقي جديد، عقد يفهم أن الوحدة الوحيدة الجديرة بالحفاظ هي تلك التي يملك الناس حرية رفضها. الدولة الواثقة بما يكفي لحماية حق جماعاتها في المغادرة ستكتشف، في الغالب، أنهم يختارون بدلاً من ذلك المضي معاً إلى الأمام.
مدى صمود هذه الادعاءات أمام التدقيق القانوني مسألة ثانوية. ما يهم حقاً هو الخوف – الغريزي والموروث والمشروط تاريخياً – الذي يغذي مثل هذه اللغة. فعلى مدى عقود، خلط نظام الأسد نفسه بالجماعة العلوية، وجعلها قابلة للقراءة السياسية فقط من خلاله. ومع سقوط ذلك النظام، وجد كثر من العلويين أنفسهم أمام سؤال وجودي لا يُحتمل: ماذا يتبقى؟ جماعة لها كيانها، أم ذاكرة مثقلة، أم مظلمة مفتوحة، أم مجرد اتهام؟
هنا يقدّم إطار لينين وضوحاً. على الأكثرية السورية أن تأخذ هذه المخاوف على محمل الجد، من دون أن تستخف بها باعتبارها تلاعباً أو انتهازية. عليها أن تحمي حق العلويين والدروز والكرد في التعبير عن مطالبهم، حتى لو بلغت حد تقرير المصير، من دون إدانة أخلاقية. لكن لينين كان سيذكّر العلويين أيضاً بأن الأمن الجماعي نادراً ما يُصان بسياسة الحصون. الضمانة الأوثق تكمن لا في الانسحاب، بل في شراكة تفاوضية طوعية مع الكيان السوري الأوسع.
إقرأوا أيضاً:












