“صار عنا أرض على مدّ العين والنظر، أرض كلها شجر وزرع وفاكية وبهيمة وخدم…”
المخرز- “ليالي الصالحية “- فانتازيا تاريخيّة/ 2004
“أنا من ملّاك أرض كيوان…استملكها نظام حافظ الأسد المقبور، وهلق جايين عم يبيعوها لشركات استثمار ليعملو عليها منشآت سياحية، هذا ما بيجوز من الله !” يقول أحد المالكين في أرض كيوان. في فيديو آخر يقول منذر سعيد، أحد ملاك أرض كيوان، “الحكومة الحالية تتوجه لتوقيع عقود استثمار مع شركات خاصة لبناء فنادق ومبانٍ فاخرة… هذا نفع خاص على أرضنا، أليس هذا بظلم ؟”.
عشرات الفيديوهات انتشرت على صفحة “مالكي وورثة مالكي أرض كيوان”، المساحة الخضراء في وسط العاصمة، التي استملكها حافظ الأسد في السبعينات بهدف إنشاء فنادق سياحية، وأعلنت وزارة السياحة الحالية، التمسك بملكية الأرض وفق مرسوم الأسد، والإعلان عن مشروع “ذا بومونت” بقيمة 300 مليون دولار.
تأتي هذه التسجيلات والاحتجاجات بعدما وجد عشرات الملاك في سقوط نظام الأسد فرصة لاستعادة حقوقهم التي صادرها مرسوم الاستملاك الذي أصدره الأسد الأب. وبعد الإعلان عن مشروع “ذا بومونت” حاول بعضهم تنظيم وقفة احتجاجية في دمشق، تشرح مطالبهم، تقول إيمان العكّ، واحدة من منظمي الوقفة الاحتجاجية المفترضة ضد قرار محافظة دمشق بإقامة مشاريع استثمارية فوق أرض كيوان: “أنا من اللجنة التي ذهبت للحصول على موافقة لأجل الوقفة الاحتجاجية، ذهبنا إلى محافظة دمشق بداية، ثم تم تحويلنا إلى وزارة الداخلية، هناك أرسلونا إلى فرع الداخلية في المرجة، وهناك قالوا علينا الاتجاه إلى إدارة العلاقات العامة، وبعد أن وثقنا الطلب الذي نريده، طلبوا أن نعيد الأمر منذ البداية”.
تضيف العكّ: “اتجهنا إلى محافظة دمشق مرة أخرى، هناك اتضح لنا أنه لا توجد موافقة، هي عملية تسويف، ثم قالوا لنا بوضوح: “موافقات مافي!”، يضيف عضو آخر في اللجنة: “هي ترخيص الوقفة مثل الضحك على اللحى… ما حدا فادنا بشي وما حدا خدمنا”…
ملخص استملاك أرض كيوان
يُعتبر ما تبقى من أرض كيوان في دمشق، واحداً من أبرز “اللا-المعالم” في العاصمة السورية دمشق، المساحة الخضراء في قلب العاصمة، والتي كانت معروفة باسم “بساتين كيوان”، تعرضت للكثير من “التغيرات” عبر تاريخها، وتحول جزء منها إلى ساحة الأمويين، وقسم آخر إلى “حديقة تشرين”، وقسم دخل فيه الملّاك في نزاع قضائي مع وزارة السياحة، نزاع ما زالت آثاره ممتدة إلى الآن، بدأه حافظ الأسد وانتهى بحفرة في منتصف العاصمة، ثم مشروع عملاق أعلنت عنه وزارة السياحة في الحكومة المؤقتة باسم “ذا بومونت”، وتغير اسم حديقة تشرين إلى “حديقة الأمويين”.
أرض كيوان ليست فقط جزءاً من الثقافة الشعبية في دمشق، بل علامة على سطوة حافظ الأسد على مؤسسات الدولة التي هضمت حقوق سوريين من أصحاب الأرض، وأجبرت الكثيرين على التنازل عن ممتلكاتهم لصالح وزارة السياحة، مقابل “تعويض مالي” وتهديدات من مكتب حافظ الأسد في بعض الأحيان.
واحدة من هذه الحكايات، تخص محمد رمزي سليماني، صاحب (المحضر 2071) في أرض كيوان، حيث أنشأ مسبح “السيريانا”، وحين أصدر حافظ الأسد مرسوم استملاك الأرض عام 1972، انتقلت ملكية الأرض إلى وزارة السياحة وهُدم المسبح والمطعم حوله، وأودع في البنك المركزي ثمن الأسهم، وضغط على رمزي سليماني لتحصيل المبلغ لاستكمال الاستملاك.
هنا حكاية رمزي على لسان ابنه ابراهيم سليماني، الذي يستعيد ذكرياته حول مسبح “السيريانا” الذي لم يبقَ منه سوى حكايات وذكريات قديمة، حكاية استملاك وإذعان، واستخفاف بحقوق الملّاك بعد سقوط الأسد، وحفرة في وسط العاصمة دمشق.
مسبح “السيريانا” الذي هدمه حافظ الأسد!
اشترى رمزي سليماني محضراً في أرض كيوان نهاية الخمسينات من القرن العشرين، وأنشأ مسبحاً ومطعماً افتتحا مطلع ستينات القرن الماضي. يُخبرنا ابراهيم الذي كان حينها طفلاً، أن المسابح كانت مساحة استجمام للدمشقيين، ومحط الفنانين السوريين والمصريين حينها، منهم منى واصف، وفهد بلان، والملحن عبد الفتاح سكر. يقول: “كانت منشأة رياضية ترفيهية راقية في قلب دمشق، وملتقى اجتماعياً معروفاً”.
عام 1979، كان ابراهيم بعمر الـ8 سنوات، يذكر كيف تلقى والده قرار الاستملاك من وزارة السياحة، المبني على المرسوم التشريعي رقم (1976) الذي أصدره حافظ الأسد عام 1972، وجاء قرار الاستملاك بهدف إنشاء “فنادق سياحيّة”، وهنا بدأ الصراع بين الملّاك ومحافظة دمشق ووزارة السياحة، صراع يختصر حسب سيريا ريبورت بـ” أبقت مديرية التنظيم والتخطيط العمراني في محافظة دمشق توصيف أرض كيوان زراعية، ومنعت البناء عليها، بغرض الحفاظ على الرقعة الخضراء في العاصمة. بالنتيجة، لم تنفذ وزارة السياحة أي مشروع على الأرض، بينما أوقفت المحافظة إصدار رخص البناء في المنطقة، ومنعت ترميم الأبنية القائمة. ما تسبب بظهور عشوائية في المنطقة”.

يخبرنا ابراهيم أنه بين عامي 1980 و1981، عرضت شركة InterContinental على والده إقامة فندق على أرض المسبح، العرض المغري لاقى رواجاً لدى الأسرة، لكن لم تكن هناك وسيلة لإلغاء قرار الاستملاك. يخبرنا ابراهيم أن والده تواصل مع ذو الهمة شاليش، أحد المقرّبين من حافظ الأسد، الذي وافق على محاولة استعادة الأرض، بشرط المشاركة بالمشروع بنسبة تزيد عن النصف، وافق والد ابراهيم، لكن “حافظ الأسد لم يقبل بالنقاش بموضوع أرض كيوان” .
هُدمت المنشأة بالكامل عام 1983، وأودع مبلغ التعويض في المصرف، حاول والد ابراهيم المناورة، ولمْ يسحب المبلغ من البنك دفعة واحدة، لكنه أُجبر على استيفاء المبلغ تحت التهديد، فتدهورت صحته إثر خسارته هذه، وتوفي بعدها بسنوات قليلة.
أرض كيوان اليباب!
لم تنشئ وزارة السياحة أياً من “المشاريع الاستثمارية” على أرض سليماني منذ تاريخ الاستملاك، لكن صور القمر الصناعي تكشف إقامة مشاريع صغيرة عدة، ومنذ عام 2009، حاولت عائلة سليماني وغيرها، الاستفادة من اجتهادات القضاء الإداري السوري، تلك التي تصم “الاستملاك بعيب جسيم ينحدر به إلى درجة الانعدام”، لأن الجهة التي استملكت الأرض، لم تباشر بأي من المشاريع التي من المفترض أن تقوم بها، لكن، وهنا المفارقة، الأرض مستملكة حسب المرسوم لإنشاء مشاريع استثمارية لا مشاريع تعود بالنفع العام.
في عهد بشار الأسد، كثر الحديث عن المشاريع التي ستقام في أرض كيوان. في عام 2006، أسست الشركة الكويتية – السورية القابضة مع شركة محمد عبدالمحسن الخرافي وأولاده “شركة كيوان العقارية”، ووضع حجر أساس المشروع حينها رئيس مجلس الوزراء السوري محمد ناجي عطري، وعام 2010 أعيد انتخاب مجلس إدارة الشركة، وتكرر الحديث عن إنشاء فندق الإنتركونتيننتال.

في عهد بشار الأسد، كثر الحديث عن المشاريع التي ستقام في أرض كيوان. في عام 2006، أسست الشركة الكويتية – السورية القابضة مع شركة محمد عبدالمحسن الخرافي وأولاده “شركة كيوان العقارية”، ووضع حجر أساس المشروع حينها رئيس مجلس الوزراء السوري محمد ناجي عطري، وعام 2010 أعيد انتخاب مجلس إدارة الشركة، وتكرر الحديث عن إنشاء فندق الإنتركونتيننتال.
ماذا يقول فقه القانون الإداري في قضايا الاستملاك؟
بعد مرور عقود على استملاك الأرض، وعدم إقامة مشاريع عليها، حاولت أسرة سليماني استعادة الأرض عبر الطرق القانونيّة، لكن وصلهم تحذير واضح: “لا تطالبوا بهذه الأرض لتبعتيها لبشار وماهر الأسد”.
اشتعلت الثورة في سوريا عام 2011، وتعطلت أعمال البناء في الأرض، وعام 2016 أكّد وزير السياحة حينها بشر يازجي، أن أرض كيوان ستقام عليها مشاريع سياحية وأنها ملكية الوزارة، وعام 2019 عاد الحديث على لسان وزارة السياحة عن إقامة حديقة بيئية في الأرض، وتعويض السكان بمساكن بديلة.
المفارقة هنا أن محاولة مُلّاك أراضي كيوان الاستفادة من خاصية “انعدام الاستملاك” تُواجَه دائماً بحجة أن صاحب العقار قبض ثمنه الذي وُضع في البنك، في تجاهل تام للضغط والإجبار اللذين يتعرّض لهما المُلّاك. إذ من يستطيع تجاهل الضغوط الأمنية في سوريا، خصوصاً أمام فشل ذو الهمة شاليش في المشاركة؟
ثم سقط النظام… وبدأت المشاريع الكبرى!
بعد سقوط النظام، سارعت أسرة ابراهيم عام 2025 إلى رفع دعوى جديدة، في محكمة القضاء الإداري ضد وزارة السياحة، لتطالب بحقها واستعادة الملكيّة، مستفيدة من الفقه القضائي الخاص بـ”الانعدام”، لكن جاء الرد بعد أقل من شهرين من تاريخ الدعوى من محامي الدولة، روفحواه :”ننكر دعوى الجهة المدعية جملة وتفصيلاً، نعارض طلباتها الفاقدة لمؤيدها القانوني”.
ما زالت وزارة السياحة، حسب القرار، المالك القانوني، وأضاف محامي الوزارة أن قانون الاستملاك، لم يحدد المدة الزمنية لـ”تنفيذ الغاية التي تم الاستملاك لأجلها”، لأن قرارات الاستملاك “لا تسقط بالتقادم”، وذلك بناء على اجتهاد قضائي يعود الى عام 1976، والأهم تأكيد “تسديد بدل الاستملاك”، أي المبلغ الذي حصل عليه والد ابراهيم.
ياسر شالتي، محقق متخصص بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، يصف تمسك الوزارة بقرارات الاستملاك التي أصدرها الأسدين، بأنه ضمن منطق “استمرارية الدولية” الذي اتبعته السلطة الحالية، المقاربة التي يصفها بـ”سبب رئيسي لمشاكل عدة نراها الآن، كالالتزام بالديون الدولية والعقود طويلة الأمد، ومنها قرارات الاستملاك وغيرها، لأن هذه القرارات لا تسقط مع سقوط السلطة الحاكمة”.
أما محمد علبي، الخبير الاقتصادي السوري، فيرى أنه “من حيث المبدأ القانوني، يفترض أن يكون الاستملاك إجراءً استثنائياً مرتبطاً بمنفعة عامة واضحة ومباشرة، كشق طريق أو بناء مدرسة أو مرفق عام يخدم المجتمع ككل. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الأرض المستملكة لاحقاً إلى أصل استثماري يدر أرباحاً تجارية وسياحية وسكنية، كما يحدث في أرض كيوان اليوم”.
يضيف علبي: “في هذه الحالة، تصبح شرعية الاستملاك موضع شك أخلاقي وقانوني، بخاصة إذا كان المالكون الأصليون قد حُرموا من حقهم في الاستفادة من الارتفاع الهائل في قيمة الأرض عبر العقود. لذلك، يمكن القول إن استمرار العمل بمراسيم استملاك تعود إلى عهد حافظ الأسد من دون مراجعتها في ضوء الاستخدام الاستثماري الحالي، يعني عملياً إعادة تدوير أدوات السلطة القديمة لخدمة نموذج ريعي جديد”.
يتجاهل القضاء (الجديد) في سوريا، مفهوم الإجبار والترهيب الذي كانت تمارسه سلطات الأسد على المستوى الأمني والقضائي، والتمسك بحرفية القانون ومراسيم حافظ الأسد نفسها. هذا التجاهل نراه أيضاً في ما يخص المرسوم 66 الذي أصدره الأسد، وتمسك محافظة دمشق بملكية الأراضي، بحجة أن الملاك الأصليين حصلوا على تعويضات، ووصف المرسوم بأنه “تنظيمي” وليس مرسوم “استملاك”، من دون الإشارة الى أنه يساهم في التغطية على جرائم حرب حسب أمنيستي.
يقول ياسر شالتي: “الطعن بعدم عدالة التعويض يمكن أن يكون حجة قانونية، بالإضافة إلى إكراه الشخص تحت الضغط، لكن أقوى حجة قانونية هي عدم تنفيذ المشروع، وأيضاً عدم استخدام الأرض للمشروع الذي استملكت لأجله، ما يعني أنه يحق للمالك استردادها أو طلب تعويضات إضافية، لكن لا بد من نص قانوني يسمح بذلك”.
تنوي أسرة سليماني استئناف الحكم الصادر ومحاولة استعادة الأرض، أو على الأقل لعب دور شريك في مستقبلها الاستثماري، لكن، وفي أحد صباحات شهر نيسان/ إبريل 2026، استيقظ ابراهيم على خبر “ذا بومنت دمشق”، الذي يرعاه أحمد الشرع، مشروع أطلقته “هيئة الاستثمار السوريّة، وشركة “ازدهار القابضة” لمؤسسها وفيق رضا سعيد، ووزارة السياحة.
المشروع يمتد على مساحة (77 ألف متر مربع) وقيمته (300 مليون دولار أميركي)، والهدف منه حسب وزير السياحة مازن الصالحاني: “تنشيط القطاع السياحي وتعزيز جاذبية سوريا كوجهة استثمارية واعدة، ومن شأنه أن يغير وجه السياحة في البلاد، “، مؤكداً “أن الوزارة تولي أهمية قصوى لترسيخ مبادئ الحوكمة المؤسسية في إدارة أملاك الدولة واستثمارها، انطلاقاً من التزامها بالشفافية المطلقة في جميع مراحل التعاقد والتنفيذ”.
حاولنا البحث عن شركة “ازدهار” في سوريا وتسجيلها، خصوصاً أن الشركة السعودية التي تحمل الاسم نفسه تستخدم شعاراً مختلفاً، ولا تشير ضمن مشاريعها إلى المشروع الموجود في سوريا، لكننا لم نعثر على أي أثر للشركة السورية.
في المقابل، تشير سانا، في خبرها عن المشروع، إلى أن رضا سعيد أعلن عن مبادرة “تتضمن تخصيص منحة تدريبية مجانية لـ30 موظفاً من وزارة السياحة للمشاركة في برامج تدريبية مكثفة في كلية سعيد لإدارة الأعمال بجامعة أكسفورد، تشمل مجالات الضيافة وإدارة المشاريع والاستثمار السياحي”.
تواصلنا مع كلية سعيد لإدارة الأعمال، التي أكدت “ألا علاقة لنا بمشروع ذا بومونت، ولم نوقع مذكرة تفاهم مع شركة ازدهار”.
يعلق محمد العلبي: “الوزارة لا تتعامل مع مراسيم الأسد باعتبارها ملفات حقوقية قابلة للمراجعة، وإنما باعتبارها «أصولاً عقارية جاهزة للاستثمار». أي أن الدولة ترى نفسها الوريث القانوني الكامل لقرارات الاستملاك القديمة، بغض النظر عن طبيعة النظام الذي أصدرها أو مدى عدالتها”.
ويضيف “في حالة «أرض كيوان» تحديداً، نرى أن الأرض بقيت لعقود ضمن مسار استثماري متكرر، من مشاريع سابقة في عهد الأسد إلى المشاريع الحالية. وهذا يدل على أن وظيفة الاستملاك لم تكن مؤقتة أو مرتبطة بحاجة عامة طارئة، بل أصبحت جزءاً من سياسة طويلة الأمد للسيطرة على الأراضي ذات القيمة العالية وإعادة توظيفها اقتصادياً”.
التمسك بمرسوم حافظ الأسد باستملاك الأرض، والحفاظ على الصيغة الاستثمارية، تركا ابراهيم أمام تساؤلات عدة، منها: “أليس من المنطق إعادة الحقوق لأصحابها، علماً أن وزارة السياحة ليس من صلاحياتها بيع أراض استملكتها للنفع العام و بيعها لاستثمارات عقارية و مكاتب تجارية”، ويضيف: “نحن قادرون على إدارة و استثمار أراضينا بالطريقة المناسبة لنا”.
من جهة أخرى، أشار معمّر الدكاك، معاون محافظ دمشق للقطاع الفني، في لقاء على التلفزيون الرسمي، إلى الحجة التي تكرر دوماً في ما يخص أي تغيير قانوني أو تشريعي في سوريا: “بانتظار مجلس الشعب، لأن هناك قوانين ستسن بخصوص هذا الموضوع بالذات”، في إشارة إلى موضوع الاستملاك.
يقدم شالتي تفسيراً سياياً لما يحصل الآن، إذ يرى أن “استلام الحكومة من محمد غازي الجلالي، آخر رئيس وزراء في عهد بشار الأسد، وعدم إعلان إسقاط الحكومة، وبالتالي القطيعة التي تؤدي الى الطعن بكل ما سبق من اتفاقيات دولية ثنائية أو مشاريع دولية أو قرارات أو اتفاقيات أو مراسيم، هو شأن مقصود ، لإعطاء الشرعية للسلطة السابقة، بالتالي استمرار قراراتها وقوانينها، وهذا ما نراه بوضوح في المراسيم والتعميمات التي تصدر، والتي تستند إلى القوانين المجحفة التي أقرّها الأسدان”.
ماذا ردت وزارة السياحة وهيئة العدالة الانتقالية في سوريا؟
تواصلنا مع وزارة السياحة السورية التي أكدت أن “ملف أرض كيوان يُدار ضمن إطار قانوني ومؤسساتي متكامل، وبما ينسجم مع أحكام قانون الاستملاك والغايات المرتبطة بالنفع العام والتنمية السياحية المستدامة. فالوزارة لم تتخلَّ عن الغاية التي تم الاستملاك من أجلها، بل تعمل حالياً على استكمال تنفيذ مشاريع سياحية وتنموية ضمن الموقع، بما يحقق قيمة اقتصادية وخدمية واجتماعية وبيئية لمدينة دمشق وللمجتمع المحلي بصورة عامة”، وأضافت “أن أي معالجة تتعلق برفع الاستملاك أو تعديل صفته تخضع حصراً للأصول القانونية والإجراءات السيادية المحددة بموجب القوانين والأنظمة النافذة”
أضافت الوزارة: “أنها التزمت، منذ استكمال إجراءات الاستملاك، بكافة الالتزامات القانونية والإنسانية المترتبة عليها، من تسديد بدلات الاستملاك أصولاً ونقل الملكية في السجل العقاري وفق الإجراءات القانونية، إضافة إلى العمل بالتنسيق مع الجهات العامة المختصة لتأمين مساكن بديلة للأسر المستحقة. كما اعتمدت الوزارة لاحقاً مقاربة إنسانية واجتماعية موسعة راعت أوضاع العديد من العائلات المقيمة في الموقع، بما يعكس حرص الدولة على تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية واعتبارات الاستقرار الاجتماعي والإنساني”.
توضح الوزارة أن “التشريعات السورية الناظمة للاستـملاك والاجتهادات القضائية المستقرة لم تربط صحة الاستملاك بمدة زمنية محددة لتنفيذ المشروع، نظراً لارتباط المشاريع التنموية الكبرى باعتبارات تخطيطية واقتصادية وإجرائية متغيرة قد تؤثر على توقيت التنفيذ ومراحله”.
تواصلنا مع الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية لسؤالها عن حقوق المالكين والمشروع الجديد فأجابت: “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية تولي ملف حقوق الملكية والسكن اهتماماً منذ اللحظات الأولى لتشكيلها، باعتباره من الملفات المرتبطة مباشرة بمسارات كشف الحقيقة والإنصاف وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار. ومن بين أبرز الانتهاكات التي رُصدت خلال العقود الماضية مسألة الاستملاكات القسرية وتعدد أوجهها في مختلف المناطق السورية. لذلك تعمل الهيئة حالياً على دراسة موسعة لهذا الملف، بهدف وضع استراتيجية متكاملة تحدد دور الهيئة ضمن ولايتها الزمنية والموضوعية، إضافة إلى مراجعة القوانين والتشريعات التي ينبغي إدراجها ضمن قانون العدالة الانتقالية لضمان إنصاف المتضررين من انتهاكات حقوق الملكية والسكن”.
سألنا الهيئة عن بند “العقود المعدومة” حسب فقه المحكمة الإدارية السورية، وهل يمكن الاعتماد على هذه المرجعيات القانونية لتحصيل حقوق الملاك السابقين، فأجابت:”من حيث المبدأ، فإن المرجعيات القانونية والاجتهادات القضائية، بما فيها اجتهادات المحكمة الإدارية السورية، تشكل جزءاً مهماً من أي مسار قانوني متعلق بحقوق الملكية والاستملاك، بخاصة في الحالات التي لم تتحقق فيها الغاية التي تم الاستملاك لأجلها. لكن الهيئة لا تتدخل في عمل القضاء أو في الفصل بالنزاعات القضائية القائمة، وإنما تعمل على مقاربة أوسع تتعلق برصد الانتهاكات التي مست حقوق الملكية، ودراسة آثارها، والعمل على تطوير أطر قانونية وإنصافية تضمن معالجة هذه الملفات ضمن سياق العدالة الانتقالية”.
ختمت الهيئة حديثها معنا بـأن “العدالة الانتقالية لا تقتصر على المساءلة فقط، بل تشمل أيضاً معالجة آثار السياسات السابقة على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وحقوق الملكية بشكل عام. ومن هذا المنطلق، تعمل الهيئة على إعداد وثيقة تتعلق بشروط إعادة الإعمار من منظور العدالة الانتقالية، بما يضمن ألا تتم أي مشاريع مستقبلية على حساب حقوق الضحايا والملاك. كما أن العمل جار على رصد الأضرار والانتهاكات التي طاولت الملكيات، ودراسة القوانين والإجراءات التي مست حقوق الملكية خلال المرحلة السابقة، تمهيداً لوضع برامج وخطط تسعى إلى رد الحقوق وإنصاف المتضررين وفق أولويات ومعايير تراعي حجم الضرر والهشاشة والإمكانات المتاحة”.










