تعهّدت حكومة الرئيس نوّاف سلام في بيانها الوزاري، بإيجاد حلّ جذري ومستدام لمعضلة المقالع والكسّارات. وفي الثاني من أيّار/مايو 2025، اتّخذت الحكومة قراراً مفصلياً في هذا الملفّ، قضى بإلغاء القرار رقم 56/2024 الصادر عن حكومة تصريف الأعمال برئاسة نجيب ميقاتي، عقب إعلان وقف إطلاق النار. ومنح القرار الملغى شركات الترابة (الترابة الوطنية، إسمنت السبع، هولسيم، وسبلين) الإذن باستخراج الموادّ الأوّلية اللازمة لصناعة الإسمنت لمدّة سنتين، بحجّة تلبية الحاجة الملحّة لإعادة الإعمار وعودة النازحين إلى منازلهم. غير أن حكومة سلام شدّدت على ضرورة تقيّد هذه الشركات بأصول الترخيص، استناداً إلى أحكام المرسوم رقم 8803 الصادر بتاريخ 4 تشرين الأول/أكتوبر 2002، والخاصّ بتنظيم عمل المقالع والكسّارات.
وبحسب تقرير صادر عن “برنامج الحوكمة” بالتعاون مع وزارة البيئة، بلغ عدد الكسّارات 1247 كسّارة، منها واحدة مرخّصة فقط. يقول رئيس “لجنة كفرحزير البيئية” وعضو “الإئتلاف الشعبي ضدّ المقالع والكسّارات” جورج العيناتي لـ “درج”: “إنها أطول حرب إبادة جماعية عرفها العالم، وهي حرب صامتة سرّية لا تظهر آثارها إلا لدى وفاة الناس”.
قبل 29 عاماً، كلّفت الحكومة اللبنانية “دار الهندسة” بإجراء تقييم شامل لقطاع المقالع، الذي بلغ عددها حينها 710 مقالع، 64% منها كانت غير مرخّصة. ووفقاً لدراسة أجراها المهندس المتخصّص في التنظيم المدني أنطوان عطالله في عام 2018، فإن 60 مليون متر مربع من مساحة لبنان تُستخدم كمقالع وكسّارات، ويقع 95% منها خارج المخطّط التوجيهي. وفي عام 2019، أظهرت دراسة أعدّتها مديرية الشؤون الجغرافية في الجيش اللبناني، على الفترة الممتدّة بين 2007 و 2018 بناءً على تكليف من مجلس الوزراء، أن عدد الكسّارات قد ارتفع إلى 1235.

يُوضح المحامي نجيب فرحات لـ “درج” أن “القانون رقم 251/2014 يُعتبَر من الجرائم البيئية، الجرائم الناجمة عن مخالفة القوانين والأنظمة المتعلّقة بالمقالع و المرامل والكسّارات”. وخلال مؤتمر في الجامعة اليسوعية، وقّع وزير البيئة السابق ناصر ياسين أوّل أمر بتحصيل مستحقّات الدولة من أصحاب المقالع والكسّارات. ووفقاً للمفكّرة القانونية، حضرت وزارة البيئة 450 أمر تحصيل بقيمة نصف مليار دولار، لتوزيعها على المعنيّين بعد أن حصلت على عناوينهم وأرقامهم المالية من وزارة البيئة. ويُعتبَر هذا القرار كأوّل تطبيق لمبدأ الملوّث، يدفع الهادف إلى تحمّل المستفيدين مسؤولية الضرر البيئي. وأُصدرت هذه الأوامر بدعم من برنامج “شباب للحوكمة” الذي ساهم فيه الطلّاب، لوضع آلية تسهّل العمل على وزارة البيئة. ويهدف المشروع إلى مراقبة الكسّارات والمقالع، بالاعتماد على الصور الفضائية المدعومة بالذكاء الصناعي، للكشف عن توسّع المحاجر وتتبّع التغيّرات في حجمها وأحجام الاستخراج. وفقاً لدراسة صادرة عن وزارة البيئة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بلغت مستحقّات الدولة اللبنانية من أصحاب المقالع والكسّارات 2.4 مليارات دولار، بينها 1.9 ملايين دولار قيمة إعادة تأهيل، و 588 مليون دولار قيمة الضرر البيئي.
حاول موقع “درج” التواصل مع وزيرة البيئة تمارا الزين للاستفسار عن الخطوات، التي تعتزم الوزارة اتّخاذها، خصوصاً في أعقاب قرار مجلس الوزراء بوقف العمل بقرار الحكومة السابقة، إضافة إلى مسألة تحصيل مستحقّات الدولة من أصحاب المقالع والكسّارات، إلا أنه لم يتلقّ أي ردّ حتى تاريخ النشر.
شرعنة الجريمة البيئية
على مدى عقدين، سعت الحكومات المتعاقبة إلى شرعنة الكسّارات والمقالع عبر إصدار قرارات تمديد، آخرها قرار حكومة ميقاتي، وأتت هذه القرارات بعد نشر وزارة البيئة دراسة تناولت الأضرار الناجمة عن المقالع والكسّارات، والتي قدّرت مستحقّات الدولة منها بنحو 2.4 مليارات دولار.
كانت العاصمة بيروت تُلقّب بـ”أم الشرائع”، لكن هذا الإرث القانوني لم يصمد أمام منطق المحاصصة والتسويات السياسية، ما فتح الباب أمام فوضى عمرانية وبيئية، شرّعت قضم الجبال وتجريفها تحت غطاء القانون. وأدّت هذه الظروف إلى “تقاسم البحص”، وتحويل الجبال إلى غنائم موزّعة بين القوى النافذة. وتصف المستشارة في الشؤون البيئية فدوى كلّاب الأمر لـ “درج ” بأنه “تخطيط منظّم لإبقاء هذا القطاع (الكسّارات والمقالع) غير منظّم”.
تُعَدُّ “حالة الطوارئ” في التشريع اللبناني مشكلة رئيسية في موضوع الكسّارات، والحجر الأساس لتمديد الجريمة البيئية الحاصلة. بقيت معظم التشريعات قديمة لا تُجاري التطوّر الدولي في مقاربة الشأن البيئي، أو ناقصة لا تُساهم في سدّ الفجوة الحاصلة بين الأبحاث الأكاديمية والتطبيقات العملية على الأرض. “هذه التشريعات غير قادرة على التنظيم أو ردع الجرائم البيئية”، بحسب ما قال المحامي نجيب فرحات لموقع “درج”.
تتطلّب المقالع والمرامل دراسة تقييم أثر بيئي وفقاً للمرسوم رقم 8366/2012. لكنّ العمل بدأ في مواقع الكسّارات قبل صدور المرسوم، الذي تأخّر إصداره لمدّة عشر سنوات، مما أدّى إلى تدهور بيئي خطير. فقد أسفر هذا الإجراء غير العلمي والنفعي تجاه الطبيعة، عن وقوع جرائم بيئية نتيجة الانتشار العشوائي للكسّارات، مما أدّى إلى تلوث المياه والهواء والتربة. ورغم صدور القرار رقم 15/ب الذي قضى بإغلاق جميع الكسّارات على الأراضي اللبنانية، بحلول نهاية العام 1995، فإن هذا القرار أُلغي لاحقاً بذريعة تلبية متطلّبات السوق في ظلّ طفرة إعادة الإعمار التي أعقبت الحرب.
اتّخذت حكومة الرئيس رفيق الحريري الأولى خطوة مهمّة في تنظيم المقالع والكسّارات، من خلال إصدار المرسوم رقم 8803/2002، الذي “يحظر استثمار مقالع الصخور للكسّارات والردميات، ومحافر البحص المفتّت طبيعياً، والمقالع الخاصّة بصناعة الترابة في المواقع الطبيعية، والمحميات الطبيعية، والمتنزّهات الإقليمية والوطنية، ومجاري الأنهار”. ويُشير المحامي نجيب فرحات إلى أن “هناك مرجعيّتين لإعطاء التراخيص للمقالع والكسّارات: إما المحافظ بناءً على موافقة المجلس الوطني للمقالع، وإما استثنائياً بقرار من المجلس الوطني للمقالع، لبعض المناطق المحدّدة في المرسوم 8803، وكذلك لمحافر الرمل الصناعي، ومقالع الحجر التزييني، والموزاييك”.
لكن تمّ الموافقة على إنشاء كسّارات جديدة من دون العودة إلى المجلس الوطني للمقالع والكسّارات، مما أدّى إلى انتشار الكسّارات بشكل عشوائي، خصوصاً بالقرب من مصادر المياه السطحية والجوفية. “يعكس هذا الوضع الفراغ التشريعي والفلتان البيئي واستشراء الفساد”، وفقاً لما قالته المستشارة في الشؤون البيئية فدوى كلّاب لـ “درج”.”وبحسب المرسوم 8803، يجب إحالة طلب الترخيص إلى عدّة جهات ووزارات وبلديات مختصّة، التي تقوم بإطلاع الجمهور وتلقّي الاعتراضات قبل اتّخاذ القرار المناسب. وفي حال عدم موافقتها، يكون قرارها ملزماً”، يضيف فرحات.

يقول جورج العيناتي لـ “درج”: “إن الكسّارات عملت من دون أي تراخيص رسمية من المجلس الوطني للمقالع والكسّارات، لأنها لم تتمكّن من الحصول على تراخيص فعلية، بل استعاضت عن ذلك بدفع الرشى لضمان استمرار عملها غير القانوني”. ويضيف: “لا يمكن للمقالع الحصول على تراخيص فعلية لأنها تقع في أراضٍ زراعية تتمتّع بقرارات حماية، مثل بدبهون وشكّا، أو فوق خزان المياه الجوفي، وبين الينابيع، وعلى مجاري الأنهار، مثل مجرى نهر العصفور في الكورة، الذي تعرض للتدمير”.
حدّد المرسوم 8803/2002 أربعة مناطق يُسمح فيها بإنشاء الكسّارات: عرسال، الطفيل، قوسايا، وراشيا. وقد أُضيفت لاحقاً إحدى عشرة منطقة أخرى حيث يُسمح بالحفر والتكسير فقط خارج المحميات الطبيعية وبعيداً عن الأنهار. وفي عام 2009، صدرت الخطّة الوطنية الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية، التي كان من المفترض أن تحلّ محلّ جميع القوانين السابقة المتعلّقة بالمقالع والكسّارات. غير أن الدراسة التي أعدّها المهندس أنطوان عطالله، أظهرت أن انتشار الكسّارات استمر في مواقع مخالفة للقانون، ما يعكس الفجوة بين التخطيط والتطبيق.

والمواقع المخالفة للقوانين باللون الأصفر. المصدر: دراسة المهندس أنطوان عطالله 2018
تغطية حكومية على جريمة بيئية
لم تكتفِ الحكومات بغضّ النظر عن مخالفات المقالع والكسّارات، بل فصّلت القوانين على مقاس أصحاب النفوذ، وحوّلت المخالفات إلى أعراف، والجرائم البيئية إلى قرارات رسمية. وساهمت في تنظيم القطاع بشكل يحمي المصالح المالية والسياسة.
أصدر مجلس شورى الدولة أربعة قرارات (270/2024، 480/2023، 210/2022، 344/2022، 217/2022) تؤكّد أن منح مهلة إدارية لترخيص استثمار المقالع، يتعارض مع أحكام مرسوم تنظيم المقالع والكسّارات الصادر في عام 2002. ويشير مجلس شورى الدولة، إلى أن تمديد المهَل مخالف لأحكام المادّة الثالثة من قانون حماية البيئة، التي تنصّ على “الحقّ ببيئة سليمة ومستقرّة”، وكذلك لقانون المياه، حيث سمح بالعمل للكسّارات في مناطق تحتوي على أنهار وينابيع. وبحسب العيناتي “ألغى مجلس شورى الدولة قرارات لمجلس الوزراء السابق، ومنع وجود أي مقالع، لكن كيف تستمرّ هذه الكسّارات في العمل؟ يتمّ ذلك عبر الرشى والحصص وبونات الإسمنت، التي تُمنح للعديد من الأحزاب والفئات والطوائف في لبنان”.
خالفت قرارات التمديد قانون تنظيم عمل المقالع والكسّارات، إذ مدّدت فعلياً لكسّارات غير مرخّصة تعمل خارج إطار القانون، وهو ما يعتبره مجلس شورى الدولة “تغطية حكومية لجريمة بيئية”. بالإضافة إلى ذلك، تعارض التمديد مع المرسوم المتعلّق بتقييم الأثر البيئي، الذي يشترط حصول المشاريع على دراسة تقييم الأثر البيئي، كشرط للحصول على ترخيص. كما تتعارض مع الخطّة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية. وبناءً على ذلك، فإن جميع المهل الإدارية لاستثمار المقالع والكسّارات والمرامل التي منحتها الحكومات المتعاقبة، ووزارة الداخلية والبلديات، ووزارة البيئة، تُعتبر مخالفة للقانون.

المصدر: دراسة أنطوان عطالله (2018).
حصص البحص
تُظهر البيانات التي حصلت عليها “البديل” أن السياسيين أو الأشخاص المعرّضين سياسياً (Politically Exposed Persons – PEP) امتلكوا ما لا يقلّ عن ربع المقالع منذ العام 1990. وتُستخدم الموادّ المستخرجة من كارتيل الإسمنت المتمثّل بثلاث شركات: “سيمنتري ناشيونال ش.م.م”، و”لافارج هولسيم ليمتد”، و”إسمنت سيبلين ش.م.م”. استفاد هؤلاء من طفرة البناء العشوائي خلال الحرب الأهلية (1975-1990) وطفرة إعادة الإعمار بين العامين 1992 و2005، وبعد حرب تموز/ يوليو 2006، وكذلك خلال الفترة بين 2011 و2019، إضافة إلى حملات إعادة إعمار خجولة بعد حادثة انفجار مرفأ بيروت في آب/ أغسطس 2020.
يقول العيناتي لـ “درج”: “هناك أرباح هائلة من صناعة الإسمنت، فهم ينتجونه من دون تكلفة تقريباً، ويُباع بأعلى ثمن في العالم. وهذا يُتيح لأصحابه دفع رشى كبيرة للاستمرار في تدمير مقوّمات وجودهم وبيئاتهم وحياتهم، فضلاً عن تدمير المُناخ في لبنان”.
وبحسب “البديل” تملك الرهبانية المارونية في إنطاكية، التي يمثّلها الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، 5% من حصص شركة “هولسيم (لبنان) ش.م.ل”، التي أسّسها في عام 1929 البطريرك عريضة والرهبانية المارونية، ويشغل المطران بولس عبد الساتر راعي أبرشية بيروت المارونية، منصب عضو مجلس الإدارة في الشركة.
كما يظهر تتبّع ملكية شركة “سيمنتيري ناسيونال” أن الأشخاص المرتبطين بالسياسيين الحاليين والسابقين، يملكون حصصاً من خلال شبكة معقّدة من الشركات الوهمية. تملك شركة “سيمنتيري ناسيونال” الذي يملك الوزير السابق ميشال إده حصصاً فيها، نحو 90% من مقلع بدبهون في الكورة، الذي يقع خارج المناطق المحدّدة قانونياً لاستخراج الأحجار، بينما تملك الشركة النسبة المتبقيّة من المقلع بالتشارك مع شركة استثمار عقاري تُدعى “دافيكو فوندسيير ش.م.ل”.
تّعتبَر شركة “MIB Investment S.A.L. Holding” أكبر مساهم في شركة “سبلين“، يملكها “بنك ميد”، الذي يملكه رئيس الوزراء السابق سعد الحريري بنسبة 42%، والزوجة الثانية للرئيس رفيق الحريري نازك الحريري بنسبة 16%. وتُعدّ شركة “المال للاستثمار هولدينغ ش.م.ل”، التي يملك سعد الحريري 78% من أسهمها، ثاني أكبر مساهم في “سبلين”، بينما يملك أيمن رفيق الحريري 20%، ومحمد أحمد مختار الحريري 2%. ويشغل النائب السابق وليد جنبلاط زعيم الحزب “التقدّمي الاشتراكي”، منصب رئيس مجلس إدارة “سبلين”، بينما يشغل رئيس “اللقاء الديمقراطي” النائب تيمور جنبلاط والنائب نقولا نحاس الذي يملك أسهماً في الشركة، منصب عضو مجلس الإدارة.
وفي قطاع الكسّارات، يبرز اسم الوزير السابق نقولا فتوش، الذي يشغل منصباً في شركات مثل “شركة المحاجر والكسّارات المتّحدة ش.م.ل” و”شركة السلام للتطوير العقاري”، بحسب “البديل”. وتشغل الشركتان مقالع في ضهر البيدر وصنين. أما شركة الأرز الذي يملكها شقيق النائب فتوش، بيار فتوش، فتشغل مقالع في عين دارة.
ويبرز اسم جهاد العرب، عبر شركته”أراكو اللبنانية للإسفلت ش.م.ل” التي وبحسب “البديل”، تشغل مقالع في عين دارة وسبلين وضهر البيدر. وتشغل “مؤسّسة رشيد الخازن” التي يملكها رشيد الخازن، شقيق النائب فريد هيكل الخازن كسّارات في شننعير. وماجد ترو، شقيق النائب علاء الدين ترو، يشغل كسّارات في منطقة سبلين. وفقًا لدراسة “البديل”، هناك شركات أخرى استثمرت في مقالع وكسّارات خارج نطاق القانون في دورس، غزّة، صيدا، شتورة، الزعرور، أبو ميزان، كفرحزير، بدبهون، وحراجل.
تأثير الكسّارات على المياه في لبنان
تشكّل المياه الجوفية نحو ثلاثة أرباع الثروة المائية في لبنان، إلا أن الكسّارات والمقالع والمرامل تؤثّر سلباً على هذه الثروة الحيوية. ويشرح الجيولوجي والهيدروجيولوجي سمير زعاطيطي لموقع “درج” أن التفجيرات في الكسّارات والمقالع “تؤدّي إلى حدوث اهتزازات شبيهة بالزلازل، مما يتسبّب في إغلاق المجاري المائية في موقع معين وتحويلها إلى موقع آخر”، ويُوضح أن “الصخر الكربوناتي الكارستي المتشقّق، الذي يشكّل 70% من مساحة لبنان، هو مخزن للمياه الجوفية، حيث يسمح بتسرّب مياه الأمطار بواسطة الشقوق والكسور إلى جوف الأرض”. وتؤكّد فدوى كلّاب لـ”درج” مسألة “اختفاء المجاري المائية عن السطح وتغيّر مجاريها في العمق مثل وادي الجرينات وعين إيقاش في الكورة”، وهذا قد يؤدّي إلى تلوّث المياه بفعل تغيّر مسارها، بحسب زعاطيطي.
لا توجد دراسات منشورة تتناول بشكل مباشر موضوع تأثير الكسّارات والمقالع والمرامل في لبنان على قطاع المياه، إلا أن دراسة أجراها باحثون على كسّارات في الخارج، أظهرت أن “التفجيرات في المقالع قد تؤدّي إلى تدمير أو تعطيل مسارات تدفّق المياه الجوفية، وتغيير نمط حركة المياه الجوفية، وتغيير كميّة المياه المتدفّقة عبر النظام الكارستي”، ولاحظت الدراسة أن الينابيع التي تقع بجانب الكسّارات كانت ملوّثة ميكروبيولوجياً.
وأظهرت دراسات أن أنشطة المقالع أدّت إلى انخفاض إنتاجية الآبار الجوفية، وتناولت دراسة أخرى إمكانية تسرّب عصارة النفايات إلى المياه الجوفية، ما يشكّل قلقاً فعلياً في ظلّ وجود أكثر من 941 مكبّ نفايات موزّعة على الأراضي اللبنانية.
زوّد زعاطيطي موقع “درج” بدراسة أجراها حول موقع بئر ارتوازي في عرسال، التي تقع في محافظة بعلبك- الهرمل. وأظهرت تحاليل المياه التي أُجريت في مختبر تل العمارة التابع لوزارة الزراعة، أنها تحتوي على النيترات والمغنيسيوم بكميّات أعلى من الحدّ الأقصى المسموح به في لبنان، وهي غير مطابقة لمعايير LIBNOR لمياه الشرب. وتُشير الدراسة إلى أن هذه الكميّات من النترات “تعود بشكل أساسي إلى ذوبان الأسمدة الآزوتية المستعملة كموادّ مساعدة في التفجيرات في المقالع، ووصولها إلى المخزن الجوفي”.
شارك لبنان في عام 1948 في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، لكنّ المسار التشريعي الذي اتّبعته الحكومات والمجالس النيابية المتعاقبة منذ الحرب الأهلية، شرّع تدمير البيئة ومهّد لانتكاسة حقّ الإنسان في المياه، والسكن، والعيش في بيئة نظيفة وسليمة وصحّية. استمرار عمل الكسّارات والمقالع جريمة بيئية واضحة، خصوصاً أنها مخالفة للقانون ولقرارات مجلس شورى الدولة، فهل تلتزم الدولة بتطبيق قراراتها؟ أم يبقى القانون مجرّد ورقة أمام سطوة المصالح والصفقات؟










