تُشير الأرقام المتناقلة على لسان الوزراء الحاليين في “حكومة الإصلاح والإنقاذ”، إلى أن نسبة الشغور في الإدارات اللبنانية العامّة تتراوح ما بين الستين والسبعين في المئة، وبلغت السبعين في المئة في الفئة الثانية، التي غالباً ما يتمّ ملؤها من موظّفي الفئة الثالثة.
فما العمل؟ وكيف يمكن ملء هذا الشغور لتفعيل دور الإدارات العامّة في عملية الإصلاح، ومواكبة تطلّعات الحكومة الاقتصادية؟ جواب واحد يأتينا: المغتربون اللبنانيون. هجرة أدمغة معاكسة، هي رؤية الوزراء الحاليين ورئيس الحكومة اللبنانية نوّاف سلام، وفق ما نقتطفه من تصريحات إعلامية، وكلمات تختتم مؤتمرات دولية وإقليمية ومحلّية.
المغترب اللبناني الكفوء والناجح، الذي تقدّم في مناصبه خارج البلد وفق مسار مهني تنافسي بعيد كلّ البعد عن المحسوبيات والعلاقات الزبائنية، ذو السجلّ الناصع البياض والملمّ بالرقمنة والذكاء الصناعي.
بعض الوزراء في الحكومة اللبنانية يطلّون علينا بشكل دوري، ليخبرونا عن ضرورة جذب المغتربين اللبنانيين، وحثّهم على العودة إلى لبنان كيدٍ عاملة تتمتّع بمهارات متقدّمة، وأن هذه العودة ضرورية للمضي قدماً في أجندة الإصلاح الاقتصادي. هذه الأجندة التي تتبلور وفق ما يترتّب عليه من اتفاقات مع صندوق النقد الدولي. وما نعرفه حتى هذه اللحظة، أن الصندوق بات يتوقّع إقرار مشروع قانون إصلاح أوضاع المصارف، ومن بعده مشروع قانون الانتظام المالي.
عدا ذلك، لم يتحدّد بعد وجه لبنان الاقتصادي، باستثناء رغبات ونوايا طيّبة نسمعها، ولن نشكّك في صدقها حتى هذه اللحظة.
فمثلاً، نسمع أنه من الضروري نقل اقتصاد لبنان نحو اقتصاد منتِج، ومضاعفة الناتج المحلّي بحيث يصل إلى حدود الستين مليار دولار، بحسب وزير الاقتصاد والتجارة اللبناني عامر البساط، في مقابلة مع “الشرق” على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين في نيسان/ أبريل ٢٠٢٥.
طبعاً، يمكننا أن نحصل على لائحة أشمل من النوايا، إن عدنا إلى البيان الحكومي وكلمة نوّاف سلام عند نيل حكومته الثقة في مجلس النواب يوم ٢٦ شباط/ فبراير ٢٠٢٥.
وإصلاح الإدارات العامّة إحدى هذه النوايا، حيث اعتبر سلام أن من أولى مهام حكومته إصلاح مؤسّسات الدولة، وأنه سيبدأ قريباً جدّاً بملء الشواغر الأساسية بأشخاص من ذوي الكفاءة والجدارة، عبر آلية شفّافة ترتكز على مجلس الخدمة المدنية، وتتيح حسن التقييم والاختيار بين المرشحين.
وفي آذار/ مارس الماضي عاد وأعلن اعتماد آلية التعيينات، التي عمل عليها مجلس الوزراء في إطار ورشة الإصلاح الإداري التي أطلقتها الحكومة، وتتكوّن هذه الآلية من تسعة مبادئ تؤكّد الجدارة والكفاءة.
ولكن ليس مفهوماً لماذا يطغى حديث الوزراء الحاليين ورئيس الحكومة، على ضرورة جذب المغتربين وملء الشواغر بهم عندما يتعلّق الأمر بالإدارة العامّة؟ فبعد اجتماعات الحكومة مع بعثة صندوق النقد الدولي في حزيران/ يونيو الحالي، شدّد وزير المالية ياسين جابر على ضرورة مكننة مؤسّسات الدولة، ولكنّه قال “لدينا العناصر البشرية اللازمة، فكلّ العناصر البشرية تعمل في الخارج، وأكبر رأس مال لدينا هو العنصر البشري الذي يخدم في كلّ العالم، وآن الأوان الآن أن يخدم بلده”.
وكان سبق لوزارة التنمية الإدارية أن نوّهت أيضاً بنجاحها في جذب المغتربين. ففي 8 نيسان/ أبريل الماضي، أعلن مكتب الإعلام في وزارة التنمية الإدارية، أن أكثر من 650 طلباً للتقدّم إلى مناصب في مجلس الإنماء والإعمار، بينهم عدد كبير من المغتربين. وبدوره، شدّد وزير الاقتصاد على ضرورة إعادة بناء الإدارات العامّة في لبنان، التي وصفها بـ”المهترئة”، واعتبر أن “المغتربين اللبنانيين هم في صدارة الجهات المعوّل عليها للاستثمار في لبنان”.
وكذلك الأمر بالنسبة إلى رئيس الحكومة نواف سلام. ففي أيّار/ مايو الماضي، وعندما سألته باكي أندرسون ضمن مقابلة للـCNN عن الرسالة التي يحبّ أن يوجّهها إلى اللبنانيين، أجاب: “بما أنني موجود حالياً في الإمارات، فرسالتي إلى اللبنانيين المقيمين فيها: بلدكم بحاجة إليكم”. وسبق لسلام أن وجّه رسائل مشابهة إلى المغتربين في مؤتمرات عديدة، منها في لقاء عُقد في السراي في آذار/ مارس الماضي، مضمونها أن “لبنان بحاجة إليهم، بما يمثلونه من تنوّع ثقافي، وغنى معرفي، وقدرات اقتصادية ومالية، فهم القادرون على تعزيز الأواصر، ورفع الطاقات الاستثمارية الكبيرة”.
إذاً، المطلوب تفعيل مسار مضادّ لهجرة الأدمغة، وإطلاق مشروع وطني لعودة الأدمغة لإنقاذ البلد، ممّن بقي فيه من السياسيين و”موظّفي الدولة” المحسوبين عليهم، فأسباب فشل البلد هي هجرة هذه الأدمغة، وسيطرة قوى عاملة لم تغترب.
وبصورة غير مباشرة، كأن بهذه الحكومة تقول للبنانيين الذين بقوا أنهم بقوا لأنهم لم يجدوا الفرصة للفرار، بسبب انعدام كفاءتهم، أو بسبب استفادتهم من النظام القائم المهترئ والمتعثّر.
هذه الحكومة تعوّل على المغتربين للعمل في دوائر المؤسّسات العامّة لإنقاذها من الاهتراء الفكري، وسدّ الفجوة الخبراتية المواكبة لعصر الرقمنة، وتعوّل أيضاً على المغتربين اللبنانيين للاستثمار في البلد، ربما لأنها تظنّ – وعن حقّ – أن لبنانيي الداخل أُفقروا عندما سُرقت ودائعهم.
ولكن غابت عن الحكومة وأعضائها أمور كثيرة.
غاب عنهما أن المغتربين اللبنانيين تعرّضوا أيضاً لأكبر سرقة ودائع في التاريخ الحديث، وأنهم ينتظرون أن يعرفوا مصير ودائعهم مثلهم مثل لبنانيي الداخل.
غاب عنهما أن النوايا الطيّبة لا تبني اقتصاداً، وأن هذه الحكومة ما زالت تعمل ضمن فترة عادة ما تعتبرها شركات القطاع الخاصّ probation period (أي مهلة تقييمية للأداء).
وغاب عنهما أن وزير الاقتصاد اللبناني السابق الموقوف في السجن أمين سلام المتّهم بملفّات فساد كبيرة، كان يصنّف من ضمن المغتربين قبل يوم من تعيينه وزيراً، مثله مثل كثيرين.
وغاب عنها أيضاً، أن الكثير من المغتربين يناصرون أحزاباً تقليدية تتبنّى المحسوبية والزبائنية نهجاّ للاستقطاب، وأنه عندما شارك المغتربون في الانتخابات النيابية، لم يتغيّر شيء يُذكر في النتيجة المعتادة.
غاب عنهما أشياء كثيرة، بديهية، ومن المؤسف التذكير بها، وما أشير إليه ليس انتقاصاً من دور المغتربين، ولا تشكيكاً في كفاءتهم وقدراتهم، ولكنّه محاولة نقد مقاربة قاصرة حول إصلاح المؤسّسات العامّة بالصورة التي تتطابق مع النوايا المعلنة، والتي أعتبرها صادقة، حتى هذه اللحظة.
إقرأوا أيضاً:










