لنبدأ من حيث انتهت كلمة الرئيس نوّاف سلام في شباط/ فبراير من العام الماضي، وهو يتلو البيان الوزاري بعد نيل حكومة “الإصلاح والإنقاذ” الثقة في المجلس النيابي:
“يحدونا الأمل أن نعمل معاً في سبيل عقد اجتماعي جديد، بين دولة مُهابة ومجتمع خلّاق”.
ولكن لا شيء يدلّ في الأفق على أننا أمام عقد اجتماعي جديد. نحن طبعاً أمام دولة ليست مُهابة، ولكنّ حكومتها بالتأكيد خلاّقة. فمن يحاول تصوير زيادة في الضريبة على القيمة المضافة على أنها تطال الأغنياء أكثر من الفقراء، فلا بدّ أنه اخترق حاجز البدع في التنظير الاقتصادي، وأصبح يلعب في مرحلة خلّاقة.
هي حكومة لا تَعد وعودها معدومة، وربما هذا هو الشيء الإيجابي الوحيد فيها. ففي كانون الثاني/ يناير ٢٠٢٦، شارك وزير الاقتصاد عامر البساط في منتدى دافوس، وقال في إحدى الندوات إنه يعمل “ضمن رؤية اقتصادية طويلة الأمد، تقوم على الواقعية لا الوعود السياسية”.
إذاً، المقاربة تغيّرت.
نحن أمام حكومة “الإصلاح والإنقاذ” إلا أنها لم تعدْ تريد أن تلعب لا دور المُصلح ولا دور المُنقذ. نحن أمام حكومة تقوم على الواقعية، ويريد رئيسها أن يؤمّن مبلغ ٨٠٠ مليون دولار “بكرا ” و”فورا”، بحسب تصريح نوّاف سلام عندما سئل عن قرار رفع سعر البنزين ورفع الضريبة على القيمة المضافة.
هذا الأسلوب في التعاطي مع المال، يشبه أسلوب الربا لا إدارة موارد بلاد. فواقعياً نحن أمام مُرابٍ لا يملك مالاً، بل يأخذه سطوة من الأكثر فقراً، عبر أدوات تُقدّم إلينا على أنها مؤسّساتية وقانونية ودستورية… وواقعية!
فماذا حتّمت الواقعية على الحكومة هذه المرّة؟ زيادة الرسوم على البنزين ورفع ضريبة القيمة المضافة بنسبة 1 في المائة. ولن أسترسل هنا في شرح تفاصيل هذا القرار، فقد فنّد خبراء كيف يُعتبَر ما قامت به الحكومة إجراء رجعياً يضرب الفئات الأكثر فقراً في لبنان…
وعندما شدّد نوّاف سلام في تصريحه من طرابلس، على أن القرارات التي اتّخذتها حكومته لا تطال الأكثر فقراً، وأن حكومته تهتمّ بالفقراء، استند إلى برنامج “أمان”، وهو برنامج تديره وزارة التنمية الاجتماعية التي كانت الوزيرة حنين السيّد – وهي التي كانت تقف إلى جانب نوّاف سلام عند تصريحه – قد سعت إلى تغيير اسمها من وزارة الشؤون الاجتماعية، إلى هذا الاسم التنموي المعاصر في تشرين الثاني/ نوفمبر من العام ٢٠٢٥.
وبحسب تقديرات البنك الدولي التي تستند إليها حنين السيّد في استراتيجية وزارتها، تتراوح معدّلات الفقر المتعدّد الأبعاد ما بين ٤٣٪ في جبل لبنان و٥٣٪ في بيروت وصولاً إلى ٧٠٪ في عكار. وهي تقديرات تعود إلى مسح الأسر ٢٠٢٢-٢٠٢٣، كما يشير هذا المسح إلى أن ٣٣٪ من اللبنانيين يعيشون تحت خطّ الفقر. كذلك تشير استراتيجية التنمية الاجتماعية ٢٠٢٦-٢٠٢٣ إلى أن الإنفاق الاجتماعي في لبنان يبقى منخفضاً مقارنة بدول مجاورة مثل مصر والعراق وتونس والمغرب، ومعدّل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي يريد منّا بعض وزراء هذه الحكومة أن نقارن لبنان بها!
إقرأوا أيضاً:
من هنا يهدف برنامج “أمان” الذي ذكره نوّاف سلام، إلى تحويل مساعدات مالية شهرية تصل إلى ١٦٦ ألف أسرة (ما يُقارب ٨٠٠ ألف فرد) تبلغ قيمتها ٢٢ مليون دولار شهرياً، وبحسب الاستراتيجية يحصل كلّ فرد على مبلغ عشرين دولار شهرياً، لغاية ستّة أفراد، إضافة إلى مبلغ ٢٥ دولار للأسرة الواحدة.
أمام اختلال التوازن بين حجم الفقر المدقع وبساطة برنامج “أمان” ومحدوديته، كيف يمكن لرئيس حكومة أن يستند إلى هذا البرنامج المموّل عبر قروض من قِبل البنك الدولي، وهو يحاول أن يُظهر جهود الحكومة لانتشال الفقراء من فقر مدقع؟
وممّا يزيد الطين بلّة، أنه في الوقت الحالي لا يمكن التسجيل في برنامج “أمان”، إذ إن المهلة المخصّصة للتسجيل انتهت، بحسب موقع وزارة الشؤون الاجتماعية.
لكن، ربما يُفتح باب تقديم الطلبات لأسر جديدة قريباً، فقد أعلن البنك الدولي في بداية هذا العام عن قرض جديد بقيمة ٣٥٠ مليون دولار، لدعم مشروعين بهدف “تعزيز الحماية الاجتماعية والتمكين الاقتصادي والتحوّل الرقمي”، بحسب صفحته الإلكترونية، ولكن ليس واضحاً ماهيّة الشقّ التمكيني من القرض، عندما ندقّق أكثر في التفاصيل.
فالمشروع الأوّل بقيمة ٢٠٠ مليون دولار، يهدف إلى تأمين التحويلات النقدية عبر برنامج “أمان”، أمّا المشروع الثاني، وهو “تسريع التحوّل الرقمي في لبنان” بقيمة (150 مليون دولار)، فيهدف إلى “تحسين حصول المواطنين على الخدمات الحكومية الأساسية والفرص الاقتصادية، وتمكين عمل الشركات وروّاد الأعمال من خلال بيئة رقمية أكثر أماناً، وتسهيل آفاق النفاذ إلى الأسواق”.
وتجربتنا في لبنان مع برامج دعم روّاد الأعمال ليست مشجّعة من ناحية قدرتها على الوصول، ودعم الفئات الأكثر فقرا والأكثر هشاشة، وهذا طبعاً من باب الواقعية السياسية التي أرادنا عامر البساط أن نتحلّى بها.
ولكن كيف يمكن لهذه التحويلات النقدية الشهرية أن تسدّ حاجات هذه الأسر في بلد يؤكّد فيه وزيرا المال والاقتصاد أن “التضخّم يمثّل تحدّياً كبيراً” فيه؟ لا أحد يعرف. أكثر الدراسات الاقتصادية طبعاً تشير إلى تفوّق برامج التحويلات النقدية على برامج دعم السلع، من حيث كفاءتها كأداة دعم، وحفاظها على كرامة الفرد عبر إعطائه فرصة أن ينفق على نفسه، ولكن ليس عندما نكون في بلد مثل لبنان، يغيب فيه الحدّ الأدنى من الرعاية الإجتماعية والتقديمات الصحّية والبنى التحتية ويعاني من تضخّم مرتفع.
بالإضافة إلى برنامج “أمان”، ماذا تفعل هذه الحكومة للفقراء والفئات الأكثر هشاشة؟ وعود تطمينية خيّرة من وحي الأجواء الرمضانية. وعود مبنية على الوجه الخيري لأصحاب المصالح، وهذا ما يحصل مثلاً في قضيّة حماية المستهلك، التي تسعى الوزارات المعنيّة إلى تأمينها بالموْنة لا بالقانون، فقانون المنافسة رقم 281 الذي صدر في عام 2022 ما زال معطّلاً بسبب عدم صدور مراسيمه التطبيقية، ممّا يحول دون تشكيل الهيئة الوطنية للمنافسة.
وقبل خمسة أيّام، أطلق عامر البساط مبادرة “سوا رمضان”، أثنى فيها على “تجاوب النقابات وتعاونها، كنموذج إيجابي للشراكة حين تتوحّد الجهود بين القطاعين العامّ والخاصّ في موضوع الغلاء المعيشي”، وقال: “في هذه الأيّام المباركة، نعمل على ترجمة قيم التضامن إلى أفعال”، ولكن عن أيّ أفعال يتحدّث؟ أفعال خيرية وتعهّدات من قِبل نقابات أصحاب السوبرماركت واتّحاد نقابات الأفران بالالتزام بالأسعار السائدة حالياً؟ أفعال تعتمد على الموْنة لا على القانون؟
إذاً، نحن أمام عقد اجتماعي جديد غير ريعي، ولكنّه خيري، يعتمد على قدرة الحكومة على انتزاع تطمينات رمضانية وتكافل اجتماعي من القطاع الخاصّ، وتجيير مبلغ عشرين دولار لكلّ فرد يعيش تحت خطّ الفقر.
إقرأوا أيضاً:












