“قرّرنا أن نضع حدّاً لكلّ العربدة الإسرائيلية وبدأنا الضربة الأولى بخمسة آلاف صاروخ وقذيفة استهدفت مواقع العدو. اليوم يجب أن يفهم العدو أنه انتهى زمنه، أزيلوا أيها المجاهدون هذا الدنس عن أرضكم ومقدّساتكم، قاتلوا والملائكة سيقاتلون معكم مردفين”.
من بيان قائد “حماس” العسكري محمّد ضيف يوم 7 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023.
ودعا بيان “طوفان الأقصى” الشباب في الضفّة الغربية إلى “كنس الاحتلال ومستوطناته وطرد قوّات الاحتلال والمستوطنين وهدم الجدران في القدس، وإشعال الأرض لهيباً تحت أقدام المحتلّين والغاصبين قتلاً وحرقاً وتدميراً وإغلاقاً للطرقات في مناطق 48”.
كما دعا المقاومة الإسلامية في لبنان وسوريا والعراق واليمن إلى “دخول المعركة”، وطلب من الشعوب العربية والإسلامية “الزحف نحو فلسطين من أجل إنهاء الاحتلال الأخير ونظام الفصل العنصري الأخير، ومن أجل العودة وإقامة الدولة بالدم والشهادة”.
بعد الهجوم، قال خالد مشعل: “إن الهجوم المفاجئ على إسرائيل كان محسوباً، وإن “حماس” تدرك عواقبه”، وفي الشهر الثامن من الحرب قال مشعل: “نحن أمام لحظة تاريخية وفرصة لهزيمة إسرائيل وتفكيك المشروع الصهيوني”، مؤكّداً أن “عدونا يتقهقر ويفقد ثقته بنفسه”.
بدوره، رأى موسى أبو مرزوق أن “المعادلة تغيّرت، و”حماس” في موقع قوّة، وأصبح القتل بالقتل والهدم بالهدم”، وعلى جبهة الفكر رأى منير شفيق أن ” 7 أكتوبر وضع تحرير فلسطين على الأجندة، وليس الأراضي المحتلّة في عام 67 فقط”.
تحوّلات ما قبل الطوفان
مع تزايد نفوذ الإسلام السياسي في فلسطين كما في العالم العربي، والدعم بملايين الدولارات للفضائيات والمساجد ومراكز الأبحاث وغيرها من المؤسّسات المنتشرة في المنطقة العربية والعالم، صعدت حركة “حماس” مسلّحة بفكر “الإخوان المسلمين” الخلاصي، الذي يُعرِّف فلسطين بأنها “أرض وقف إسلامي وحقّ حصري للمسلمين ولا يجوز التنازل عن أيّ جزء منها”.
إثر هذه الهيمنة بالمال والدعاية، تحوّل النضال الفلسطيني من تحرّر وطني في مواجهة احتلال كولونيالي، إلى صراع ديني بين أصحاب أيديولوجيتين متضادّتين. عبّأت “حماس” الشعب الفلسطيني من أجل انتصار حاسم يهزم إسرائيل، عبر صراع مفتوح رافض للحلّ الدولي – دولتين لشعبين- وقد ساهمت فعلاً في إفشال اتّفاق أوسلو الذي كان خطوة أولى في مسار حلّ الصراع المزمن .
أمام اختلال ميزان القوى الفادح طغت الأيديولوجيا والتخييل في قراءة مآل الصراع على ما هو قائم على أرض الواقع، فكان التنبّؤ بانهيار إسرائيل في تاريخ متحرّك، ما إن يقترب حتى يبتعد، وجرى الاستعاضة عن الانكسار الفعلي في أربع حروب في قطاع غزّة بانتصارات ربانية متخيّلة، ليساهم ذلك في تخليق سيكولوجية خلاص مدعومة من السماء.
قال يحيى السنوار في مؤتمر “وعد الآخرة” الذي عقد دورته الرابعة في عام 2021: “إن حالة الصراع لا يمكن أن تنتهي إلا بتنفيذ وعد الله لنا بالنصر والتمكين”، وأضاف: “إننا نرى التحرير رأي العين، ولذا نُعِدّ لما بعده باعتباره الحقيقة التي لا شكّ فيها، والمستقبل الذي لا يأتي غيره”، مذكّراً بالرؤية الاستراتيجية لحركة “حماس” التي تنصّ على “التحرير الشامل لفلسطين من البحر إلى النهر”.
أما رئيس مؤتمر “وعد الآخرة” كنعان عبيد، فقد عرض سجلّات حول أعداد الشقق والمؤسّسات الإسرائيلية ودور التعليم والمدارس ومحطّات الوقود والكهرباء والصرف الصحّي، التي “لا بدّ من التجهيز لإدارتها” ما بعد إسرائيل، ودعا المواطنين إلى “التخلّص من عملة الشيكل الإسرائيلية نظراً لتدني قيمتها المرتقب”.
وتفاخر رئيس المؤتمر بأن بعض موظّفي “الأونروا” قدّموا استقالتهم اعتقاداً منهم أن اللاجئين سيعودون إلى ديارهم و”الأونروا” ستُحلّ بعد عودتهم .
وكان مؤتمر “وعد الآخرة” السابق قد طرح ملفّ السلاح النووي الإسرائيلي وكيفية التعامل معه، وكذلك الخيارات المطروحة على اليهود بعد تحرير فلسطين وزوال إسرائيل.
الهزائم التي قلبت انتصارات…
الخطاب التعبوي لحركة “حماس” يقلب التفوّق الإسرائيلي الهائل رأساً على عقب، ويتشارك قادة محور المقاومة مع “حماس” في هذا المفهوم الذي يحوّل الهزائم إلى انتصارات، ويبالغ في قدرات المحور، فإيران تستطيع تدمير إسرائيل في 7 دقائق، وإسرائيل أوهن من بيت العنكبوت بحسب نصر الله!
لكنّ النتائج على أرض الواقع مغايرة تماماً لوعود الخطاب التعبوي، فقد تعاملت قيادة المحور مع صراع مفتوح يغلب عليه صمت المدافع والرصاص والمغطّى بهدنات طويلة، على سبيل المثال مجموع الأيّام التي قاتلت فيها “حماس” في أربع حروب منذ عام سيطرتها على قطاع غزّة 2007 وحتى 2023، أي خلال 16 عاماً، أقلّ من 3 أشهر، وفي كلّ مرّة كانت تستجدي الوسطاء لوقف إطلاق النار، الذي يتمّ دائما بشروط إسرائيلية وبعد تدمير بنية المجتمع التحتية في قطاع غزّة، بينما تعلن “حماس” عن انتصاراتها، ما يعزّز الاعتقاد بأن سلاح المقاومة له وظائف أخرى غير محاربة إسرائيل، وهي السيطرة على المجتمع والسلطة مع استخدام المسألة الوطنية بانتظار وعد السماء.
تغييب حلّ المسألة الوطنية ينسجم مع مواقف “الإخوان المسلمين” وفرعهم في فلسطين، الذي تجلّى في مهادنة إسرائيل منذ 67 وحتى 87، حيث مارس “الإخوان” نشاطهم في الأراضي الخاضعة لإسرائيل بترخيص رسمي، وانصبّ على مناهضة منظّمة التحرير وفصائلها، وتحويل المجتمع من حالة التديّن العاقل والتعايش إلى تديّن متعصّب ومهيمن.
لم يشارك إخوان فلسطين في الثورة الفلسطينية داخل فلسطين وعبر الخارج طوال 20 عاماً، في الوقت الذي شاركوا في مقاومة السوفييت داخل أفغانستان بدعم أميركي، وعندما بدأوا المقاومة في عام 87 في الأراضي المحتلّة، كان لمقاومتهم أهداف أخرى، فقد ساهموا في إسقاط حزبي “العمل” و”ميرتس” الإسرائيليين، وبرنامجهما الذي اعتمد على اتّفاق أوسلو، لصالح حزب “الليكود” ونتانياهو واليمين الإسرائيلي الرافض لأي حلّ، وبعدئذ أسقطوا سلطة أوسلو في غزّة .
تجاهلت قيادة “حماس” ومعها محور المقاومة حقيقة أن وعودهم الخطابية بهزيمة إسرائيل وإزالتها ورفض الحلّ السياسي الدولي للصراع، استخدمتها الحكومات الإسرائيلية لتعميق الاحتلال والاستيطان وتدمير مقوّمات بقاء المجتمع الفلسطيني وتطوّره، وشطب الحقوق الفلسطينية المشروعة، عدا تبرير حربها اللاحقة ضدّ المحور وفصائله وقياداته وضدّ الوجود الفلسطيني على أرض وطنه.
سيادة فكر “الإخوان” وثقافتهم
في ظلّ تقهقر الوطنية الفلسطينية الممثّلة بـ”حركة فتح” وتنظيمات اليسار فكراً وممارسة، ساد فكر الإسلام السياسي وثقافته – نسخة “الإخوان المسلمين” – تلك الثقافة القائمة على تبنّي رؤية خلاصية لحلّ الصراع، المترافق مع تبنّي الإسلام عقيدة وفكراً ومنهجاً وسلوكاً بمفهوم سيّد قطب والمودودي وابن تيمية والوهابية، ومن عناوينه: الحاكمية الإلهية، والولاء والبراء، والاستخلاف، والابتلاء، والموت في سبيل الله أسمى الأمنيات، والتكفير والتحريم والتخوين، وتقديم قسم الولاء الذي يحوّل القيادي إلى كافر إذا عارض سياسة التنظيم علناً أو انشقّ عنه، ومناهضة الحداثة، واعتماد الدين المهيمن، والتمييز ضدّ النساء، والانتقال من السيطرة على المجتمع إلى السيطرة على الدولة وتحويلها إلى دولة دينية، والسعي للاستحواذ على القرار والتمثيل الفلسطينيين.
ما كان لهذه الثقافة المتزمّتة أن تسود بدون تواطؤ التنظيمات الوطنية الفلسطينية وتماهيها وعجزها؛ فتح واليسار، والنخب الثقافية والأكاديمية والإعلامية، وبدون فشل السلطة الفلسطينية التي قدّمت نموذجاً سلبياً للمواطنين .
لم تدافع منظّمة التحرير وفصائلها وسلطتها عن المشروع الوطني الواقعي، وعن العلمانية والحداثة الذي جسّدته وثيقة “إعلان الاستقلال” إبّان الانتفاضة الثانية 1988، ولم تطوّر فكراً تحرّرياً يربط التحرّر الوطني بالتحرّر الاجتماعي، بل تماهت مع فكر “حماس” وانتقلت إلى خندقها.
كان الإنجاز السياسي الكارثي الذي حقّقته “حماس”، هو إقناعها أكثرية الشعب الفلسطيني بأن خيار إقامة دولة فلسطينية على الأراضي الفلسطينية المحتلّة في عام 67 كجزء من حلّ الدولتين، هو “استسلام للعدو” بالتنازل عن 78 % من أراضي فلسطين التاريخية، ويُعدّ ذلك خيانة لا تُغتفَر، حدث ذلك، بعدما كانت أغلبية الشعب الفلسطيني توافق على حلّ الدولتين وإنهاء الاحتلال.
مقابل ذلك، قدّمت “حماس” حلّ الدولة الإسلامية على كامل الأراضي الفلسطينية، وعندما وافقت من قبيل المناورة على إقامة الدولة في حدود 67، رهنته بشروط تؤدّي إلى نتيجة عكسية معطّلة للحلّ، وفي الوقت نفسه حذت حذو مركز “الإخوان المسلمين” الدولي في تقديم طبقات من الخطاب، الذي يجمع بين مرونة وتكيّف ولا يخلو من مراوغة، مع استمرار التشدّد في المضمون، بحسب مصلحة التنظيم وقوّته وضعفه.
صكّ استسلام ووصاية
كلّ الأهداف التي وضعتها قيادة “الطوفان” في بيانها الأوّل يوم 7 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023، لم تتحقّق، بل حقّقت إسرائيل نقيضها بعدما ردّت على الهجوم بحرب إبادة هدّدت الوجود الفلسطيني برمّته، وعرّضت بنية المجتمع التحتية ومؤسّساته المدنية للتدمير والتفكيك، كان المستهدف الرئيسي هو المجتمع الفلسطيني بأشكال من حرب الإبادة والمحو والتهجير القسري من المكان، توطئة للتهجير خارج فلسطين.
خسر الشعب الفلسطيني آلاف القتلى والمفقودين إضافة إلى آلاف الجرحى في هذه الحرب، ودمّرت إسرائيل 85% من المنازل والعمران في أبشع عمليّة محو للمكان، ولم تسلم المستشفيات من التدمير، واستهدفت الأفران والمزارع وقوارب الصيد والاقتصاد المنتج والتجارة، ودمّرت أكثرية المدارس والجامعات والمساجد وعدداً من الكنائس، وتوقّف التعليم طوال عامي الحرب، وشُطبت المؤسّسات والروابط المادّية والاجتماعية، ما أحدث تفكّكاً في نسيج المجتمع، وفي غياب المؤسّسة الجامعة، عاد المواطنون إلى العائلة والعشيرة والعصابات المسلّحة.
باختصار، حُوِّل قطاع غزّة إلى مكان غير صالح للحياة… حصاد كارثي بدأ منذ اليوم الأوّل، وتصاعد بمرور الوقت، من دون أن تستخلص قيادة “حماس” الدرس، وتنسحب من حرب الإبادة لحماية شعبها كما وعدت في خطابها، فتركته تحت رحمة الصواريخ والمدافع والجوع والمرض، واعتبرت ذلك صموداً.
بعد عامين من حرب الإبادة، وافقت “حماس” على خطّة ترامب التي تنصّ على نزع السلاح، وتدمير الأنفاق والصواريخ والمعامل التي تنتجها، وإنهاء حكمها للقطاع، ونقله إلى إدارة غزّية مستقلّة من التكنوقراط، تخضع لوصاية “مجلس سلام” بقيادة ترامب.
إقرأوا أيضاً:
بمعنى أكثر وضوحاً، وافقت “حماس” والفصائل التي تدور في فلكها، على صكّ استسلام ووصاية كثمن لوقف الحرب، ووجه الغرابة أن الحركة دخلت في مساومة عبر قطر وتركيا، هدفها بقاء سلاحها الفردي مقابل الحفاظ على أمن مستوطنات غلاف غزّة، وفي مواجهة قوى إسلامية متطرّفة تهدّد الاستقرار الداخلي، كما شرح خالد مشعل وموسى أبو مرزوق بالصوت والصورة ومن دون مواربة، والآن، تتفاوض على تسليم السلاح وخروج قيادات وكوادر من قطاع غزّة، مقابل ضمان سلامتها.
أخطاء من العيار الثقيل
اعتمدت “حماس” المقاومة المسلّحة كأسلوب وحيد للنضال، بعد فشل تلك التي قادتها منظّمة التحرير منذ العام 1967 وحتى العام 1993، وانتقلت إلى العسكرة في صيغة جيش تقليدي، بصواريخ محلّية الصنع محدودة التأثير، وبعض المسيّرات، ومدافع الهاون المحدودة.
حيّدت العسكرة دور المجتمع وانتفاضاته واحتجاجاته السلمية، التي صارت الشكل الرئيسي للنضال الفلسطيني بعد هزيمة آخر معقل للمقاومة المسلّحة في عام 1982. ولم تتوقّف “حماس” عند نجاح المقاومة اللاعنفية – كالانتفاضة الأولى التي حيّدت عناصر القوّة الإسرائيلية، وانتفاضات القدس، والنضال الاحتجاجي ضدّ جدار الفصل العنصري في عشرات المواقع – التي حقّقت مكاسب صغيرة ومتوسّطة لم تستطع المقاومة المسلّحة تحقيقها، وقفزت عن حقيقة تحكّم إسرائيل في كلّ ما يحتاجه المجتمع، كالغذاء والدواء والوقود والكهرباء والماء والحركة والاتّصالات، وكانت إسرائيل جاهزة لاستخدام هذه الأساسيات كسلاح ضاغط، وقد استخدمتها فعلاً.
كان خطأ قيادة “حماس” الفادح الدخول في حرب مفتوحة بين جيشين، يستطيع أحدهما؛ وهو الإسرائيلي، تدمير الآخر وتدمير مجتمعه. هكذا تغاضت عن كلّ الشروط المادّية والسياسية وقواعد المقاومة وأصولها، وعلاقتها بعوامل خارجية وداخلية، بينها دور معسكر السلام الإسرائيلي؛ الذي ساهمت في تقهقره، واستعاضت عن ذلك كلّه بالأيديولوجيا التي ستسدّ الفجوة الضخمة في ميزان القوى من وجهة نظرها، ووظّفت فشل خيار التفاوض الفلسطيني؛ الذي ساهمت في إفشاله، في تبرير خيارها المقاوم.
قدّمت “حماس” كمّاً من التقديرات الخاطئة، من نوع أن جيش الاحتلال لا يستطيع دخول قطاع غزّة، ولا يحتمل الخسائر البشرية، ولا يستطيع احتمال خسارة الرهائن، ولا يحتمل حرباً طويلة، وعندما ثبت العكس، اختلقت رواية قالت فيها إن “هجوم 7 أكتوبر استبق ضربة إسرائيلية كانت على الأبواب”.
كانت حكومة نتانياهو تتبّع سياسة احتواء “حماس” وتكريس سلطتها في قطاع غزّة، بدعم 30 مليون دولار شهرياً، كانت تُنقل بالحقائب من الدوحة إلى مطار اللد/ بن غوريون، ومن ثم إلى “حماس” في قطاع غزّة، وكانت تغضّ النظر عن الإسمنت والحديد المستخدمين في بناء الأنفاق، ورفضت تنفيذ عمليّة لاغتيال قادة “حماس” اقترحها الشاباك، وكانت تعدّ العدّة لإبرام اتّفاق معها يؤدّي إلى هدنة طويلة الأمد تكرّس فصل الضفّة عن القطاع نهائياً، وتعتبر سلطة “حماس” في غزّة هي الدولة الفلسطينية.
حرصت قيادة “حماس” على نقل تجربة غزّة الفاشلة في المقاومة إلى الضفّة الغربية، بدءاً من مخيّم جنين، فبادرت إلى تجنيد شبّان متحمّسين واستخدمتهم في استعراضات عسكرية من دون تدريب أو خبرة أو معرفة، وكان الهدف انتزاع السيطرة على المخيّمات والمدن والبلدات من السلطة الفلسطينية تحت ذريعة مقاومة الاحتلال.
وعندما حاول الشبّان ترجمة الخطاب المقاوم، تعرّضوا لخسائر كبيرة، وكان الردّ الإسرائيلي بإعلان حرب تصفية المقاومة، فسقط أكثر من ألف شهيد، أكثر من ثلثهم دون الـ18 عاماً، ودمّرت قوّات الاحتلال أجزاء من مخيّمات شمال الضفّة، وشرّدت عشرات الآلاف من سكّانها اللاجئين، واستخدمت إسرائيل مغامرة “حماس” والجهاد في الضفّة الغربية ذريعة للاستباحة والتطهير العرقي والغزو الاستيطاني، بأضعاف ما كانت عليه قبل 7 أكتوبر.
كأنهم لا يعرفون عدوّهم
كان تعامل “حماس” مع الإسرائيليين، مجتمعاً ودولة، قاصراً ومختلاً، حين أعلنت يوم 7 أكتوبر 2023 حرباً شاملة على إسرائيل المسكونة بعقدة أمن مزمنة، وتملك أحدث ترسانة حرب. وحّد هجوم “حماس” إسرائيل في حرب إبادة وتدمير وتهجير بقيادة نتانياهو، ووضعت إسرائيل حدّاً للصراع الداخلي الذي كان يقترب من هزيمة حكومة نتانياهو ومعسكرها الكاهاني الفاشي.
لم تتوقّف “حماس” عند الرؤية الإسرائيلية للصراع مع الشعب الفلسطيني، وواقع أن المجتمع والدولة والمؤسّسة الحزبية والعسكرية تتبنّى ثقافة امتلاك المكان كهبة من السماء للشعب المختار، وهو ما استمرّ وتعمّق على رغم تهافت الادّعاءات بعد إخضاعها لعلم الآثار والدراسات التاريخية والهستوغرافية، وقد فنّدها بالفعل علماء آثار وباحثون ومؤرّخون غربيون وإسرائيليون، كان أبرزهم شلومو ساند في ثلاثيته الشهيرة: اختراع الشعب اليهودي، واختراع أرض إسرائيل، ولماذا لم أعد يهودياً؟
يتجاهل الإسلام السياسي و”حماس” هذا التعقيد الذي يوحّد المجتمع الإسرائيلي مع الدولة والمؤسّسة العسكرية على هذه الرؤية، التي تخفي حقيقة الاستعمار الصهيوني، لا سيّما وأن المؤسّسة أوجدت مصالح لغالبية الإسرائيليين جرّاء نهب معظم الموارد الفلسطينية.
لم تستوعب “حماس” أن إسرائيل مشروع استعماري يمتلك رؤوساً نووية، ويحظى بدعم غير محدود من الدولة العظمى الأولى ومعظم دول الغرب، وباعتراف روسيا والصين، ولا يمكن فرض تراجع كامل عليه كما حدث مع الاستعمار التقليدي، ولا يمكن شطبه والانتصار عليه بالقوّة.
وعندما تتحدّث “حماس” عن “وعد الآخرة” أو ما بعد إسرائيل، وتقوم بهجوم 7 أكتوبر الذي تعامل معه السواد الأعظم من الإسرائيليين على أنه تهديد لوجودهم، فإن الطرف المرشح للإزالة والشطب والتهجير هو الشعب الفلسطيني.
لقد استخرج 7 أكتوبر كلّ السلبية والتوحّش والعنصرية والعدمية لدى الإسرائيليين في مواجهة الشعب الفلسطيني كلّه من دون تمييز، مقابل تجاهل الإسلام السياسي مسألة أن الحلّ الوحيد الممكن هو الحلّ الدولي، الذي لا يمكن أن يرى النور ويتحقّق إلا بموافقة غالبية من الإسرائيليين.
الخسائر البشرية قدر وابتلاء
لم توفّر “حماس” الحدّ الأدنى من احتياجات المواطنين في مجال الغذاء والدواء وحماية الأبرياء، فيما أعدّت شبكة أنفاق محصّنة بطول 500 كيلومتر، خلت من ملجأ واحد للأطفال والمسنّين والنساء الحوامل، وتنصّلت من مهمة تأمين الحماية لمواطنيها وتوفير احتياجاتهم، وأحالتها إلى “الأونروا” والأمم المتّحدة.
وقالت قيادة “حماس” إن “الخسائر الكبيرة التي لحقت بالمدنيين تكتيكية، ويمكن تعويض مئة ألف أو مئتي ألف ضحيّة بالإنجاب”، وإن “الشعوب تقدّم تضحيات كبيرة مقابل حرّيتها”؛ نموذج الجزائر وفيتنام، ولم تشرح لشعبها أهداف هجومها وآفاقه ومخاطره والصعوبات والتوقّعات المترافقة مع خسائر وعذابات فوق طاقة البشر، بل اعتبرت الخسائر البشرية ابتلاءً من عند الله الذي سيكافئ الصابرين.
لم تميّز “حماس” مقاتليها عن المدنيين أثناء الحرب، ما جعل دولة الاحتلال تبرّر استهداف المدنيين والمستشفيات والمدارس والمنازل والخيام، باستخدام “حماس” تلك الأماكن.
ومع أنه لا يمكن التسليم بالرواية الإسرائيلية، فإن “حماس” لم تحرص على فصل جهازها العسكري عن المدنيين، والأنكى أن بعض قادتهها كانوا يرون في المجازر “تورّطاً” لإسرائيل، يساهم في ممارسة الضغوط عليها لوقف الحرب والدخول في هدنة جديدة على غرار الحروب السابقة.
ما بعد الإبادة
بعد عامين من الحرب، لم تعترف “حماس” بالمسؤولية عن أكبر مغامرة غير مدروسة في التاريخ الفلسطيني، هي التي قدّمت الذرائع لدولة الاحتلال لشنّ حرب الإبادة وما أفضت إليه من نتائج كارثية ومأساوية،ولم تعترف بأخطائها الفادحة أثناء الحرب، وبخاصّة استخدام أطفال ومسنّين إسرائيليين وعمّال أجانب كرهائن، واستهداف مدنيين إسرائيليين في “طوفانها”، كما لم تعترف بتوريط محور المقاومة والممانعة في حرب شرسة قادت إلى دحر المحور، ولا بمحاولة توريط الأردن وإحراج مصر، ولا بمحاولة بناء جسم عسكري على الأراضي اللبنانية من دون موافقة الدولة اللبنانية.
كشفت الحرب اختلالات فادحة في تعريف “حماس” مصلحة شعبها الوطنية والوجودية، ومعرفة عدوها، ومعرفة حلفائها في محور المقاومة، ومعرفة التحوّلات الجيوسياسية، وذلك كلّه جعلها غير مؤهّلة لاتّخاذ قرارات مصيرية، وغير مؤهّلة للحكم وتحمّل مسؤولية شعب، والأهم أن نتائج الحرب وضعت فكر الإسلام السياسي وثقافته، ومن ضمنهما تديين القضيّة الفلسطينية، على محكّ التغيير.
بعد الهزيمة النكراء، بدأ نقد “حماس” والانفضاض التدريجي عنها من داخل قطاع غزّة، الذي ذاق مواطنوه ويلات الحرب، وكان الانفضاض أقلّ في الضفّة الغربية والشتات الفلسطيني، والسؤال الأهمّ: هل هُزم فكر الإسلام السياسي السائد المختبئ خلف المقاومة؟
منطق الأمور يقول نعم، نظرياً، فكما هُزم الفكر القومي بعد هزيمة 1967، وكما هُزم الفكر الشيوعي بعد انهيار الاتّحاد السوفياتي، من المنطقي أن يُهزم فكر الإسلام السياسي، فكر “الإخوان المسلمين” وفكر الإمام الفقيه، لكن ثمة مسافة بين الهزيمة السياسية والعسكرية وبين هزيمة الفكر، وطول هذه المسافة أو قصرها يعتمد على مستوى النقد والسجال والمراجعة.
سؤال التغيير الفلسطيني الذي تأخّر، لن يكون له معنى وجدوى ما لم يحمل روح التحرّر الواقعي القادر على تجاوز اختلالات ما قبله، ومن الطبيعي أن يأتي التغيير من خارج الوصاية التي فرضها ترامب، وأن يحمل روح الفكر الديمقراطي العالمي، ومن ضمنه التفكير اليهودي الجديد في الغرب، المنحاز إلى حرّية الشعب الفلسطيني، في مواجهة الحلّ الفاشي المدمّر الذي تتبنّاه المؤسّسة الإسرائيلية وأحزابها في السلطة والمعارضة.
إقرأوا أيضاً:












