ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

حملة الإعدامات الجديدة في إيران: تصفية حساب مع المعارضة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لا شكّ في أن الحرب الدائرة في الخليج بين إيران وأعدائها، صرفت الانتباه عن محنة السجناء السياسيين الإيرانيين وعن أحكام إعدامهم الجائرة، وبينما ينشغل العالم بلعبة فتح مضيق هرمز وإغلاقه ويضغط لتحرير النفط وأسواقه، يفقد كل يوم مواطن إيراني روحه في عتمة السجون، من دون أن يلتفت أحد إلى مأساته… فالنفط أغلى من الروح! 

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

بشكل شبه يومي، منذ بداية الحرب الأخيرة ضد طهران، يشنّ النظام الإيراني حملة إعدامات ممنهجة ضدّ سجناء الرأي والمعارضين السياسيين والمتظاهرين، وصفتها منظّمات حقوقية بأنها غير مسبوقة منذ عقود.

وأصدرت المحاكم الثورية خلال الـ 46 يوماً الماضية، أحكام إعدام مبرمة بحقّ 28 سجيناً، بينهم 13 اعتقلتهم الأجهزة الأمنية خلال الاحتجاجات التي شهدتها إيران بين 2025 و2026.

وعلى رغم فظاعته، فالخبر ليس بالجديد ولا حتى بالصادم! فالمعروف أن إيران تعدّ ثاني أكثر الدول تنفيذاً لأحكام الإعدام في العالم بعد الصين، وفقاً لمنظّمة حقوق الإنسان، ففي العام الماضي وحده أعدمت نحو 1500 معتقل في سجونها.

لكن هذه المرّة يبدو أن أحكام الإعدام دخلت مرحلة أكثر خطورة وإثارة للقلق، إذ إنها ركّزت بالكامل على تصفية المعتقلين السياسيين دون غيرهم، وكأن النظام استغلّ حالة الحرب كما استغلّ الهدنة، لتصفية حساباته مع معارضيه السياسيين، مبرّراً عمليّات الإعدام بأنها بدافع “حماية البلاد من فكر العملاء والخونة”، منوّعاً التهم بين “الاتّصال بالعدوّ” وإعطاء معلومات لأجهزة استخبارات أميركية وإسرائيلية عن أماكن حسّاسة مقابل تلقّي أموال والخيانة العظمى. وأعلن رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجه إي أنه بصدد الإسراع في تنفيذ ما تبقّى من أحكام الإعدام المتّخذة أخيراً ومصادرة ممتلكات المعتقلين، الذين وصفهم بـ”جنود العدو”، ودعا إلى عقد جلسات الاستجواب والتحقيق داخل السجون وليس في قاعات المحاكم، عقاباً لهم على “تأييدهم الحرب ضدّ بلادهم”. 

ومع ذلك، فهذه ليست المرّة الأولى التي يلجأ فيها النظام إلى مثل هذا التدبير، فلطالما استخدمت محاكمه الثورية سلاح الإعدام في أوقات الأزمات، بحيث يعمد إلى فرض هيبته داخلياً عبر إظهار مزيد من مشاهد العنف. وعلى سبيل المثال في العام 1988، تزامناً مع تجرّعه “كأس السمّ” بإنهاء الحرب مع العراق، أعدم النظام نحو 5 آلاف سجين سياسي، بهدف الالتفاف على هزيمته المعنوية أمام شعبه.

علاوة على صورته في الداخل، يوجّه النظام عبر هذه الإعدامات رسالة واضحة إلى الخارج بأنه سيُقابل أيّ معارضة سياسية بالموت، ويرفض رفضاً قاطعاً إطلاق سراح أيّ من معارضيه السياسيين، على رغم مخالفة هذا القرار نصّ مادّة أقرّها مجلس القضاء الأعلى، تقضي بإلزام السلطة القضائية في الحالات الحرجة كالحرب، باتّخاذ تدابير استثنائية كالإفراج المشروط عن “المدانين بجرائم غير عنفية”.

حتى اللحظة، كل أحكام الإعدام التي نُفّذت أتت بعد محاكمات سرّية صوَرية واستجوابات متعجّلة تفتقر إلى الحدّ الأدنى من معايير المحاكمة العادلة، وبعدما قطع الضحايا مرحلة سوداء من التعذيب الشديد والضغط النفسي لإجبارههم على الاعتراف بتهم وجرائم لم يرتكبوها، ومن دون إخطار مسبق لعائلاتهم أو محاميهم.

إضافة إلى ذلك، تنتظر مئات أحكام الإعدام الأخرى التنفيذ، من بينها أحكام بحقّ امرأتين وثلاثة فتيان دون الثامنة عشرة من العمر، بالتوزاي مع استمرار حملات الاعتقال التعسّفية في جميع أنحاء البلاد، حيث اعتُقل ما لا يقلّ عن 40 ألف شخص منذ بداية الحرب، وتمنع السلطة القضائية المحامين المستقلّين من تولّي قضاياهم. 

في جميع أنحاء إيران، من سجون طهران الرهيبة إلى سجون مريوان وزنجان وأصفهان وشيراز والأهواز وغيرها، يقبع السجناء بين خطرين: خطر الحرب وخطر انتقام النظام.

فالغارات العسكرية الإسرائيلية والأميركية لم توفّر السجون. في مدن إيرانية عدة تقع السجون بالقرب من قواعد الحرس الثوري أو حتى في داخلها، ما يجعل السجناء عرضة للخطر المباشر، وقد استهدفت الطائرات الإسرائيلية فعلياً في حرب الاثني عشر يوماً صيف العام الماضي سجن إوين في طهران، وتسبّب الهجوم بقتل وجرح عدد كبير من السجناء، وساعد النظام في الوقت نفسه، على التخلّص من معارضين سياسيين من دون كلفة معنوية.
في حين تُعدّ أوضاع السجون منذ ما قبل الحرب، سيّئة السمعة على الصعيد الإنساني والحقوقي، لا سيّما السجون الرئيسية الثلاثة في طهران: إوين وقزل حصار وفشافويه، التي تضمّ آلافاً من سجناء الرأي والناشطين السياسيين والمتظاهرين، والتي تُصنّف من بين أخطر السجون في إيران من حيث أساليب التعذيب والقتل العمد، إضافة إلى الاكتظاظ ونقص مياه الشرب والشروط الصحّية المعدومة، وإثر تصاعد حملات الإعدام وتداول معلومات عن نقل عدد من السجناء إلى أماكن مجهولة، وتعطيل إداراتها الزيارات الأسبوعية بحجّة الحرب، تضاعفت مخاوف عائلات السجناء المودعين فيها من فقدان أبنائهم وبناتهم. 

من بين السجناء الذين أُعدموا، خمسة متظاهرين اعتُقلوا خلال الاحتجاجات الدامية التي سبقت الحرب، واتُّهموا بالقيام بعمليّات تجسّس لصالح حكومتي الولايات المتّحدة وإسرائيل وجماعات مسلّحة معادية، والتآمر ضدّ الأمن القومي، وتضمّنت أحكام إعدامهم مصادرة جميع ممتلكاتهم، إضافة إلى 11 سجيناً اتُّهموا بقتل ضبّاط وعناصر من القوّات الخاصّة بالسلاح الأبيض، والمشاركة في قتل مدنيين، وإضرام النار عمداً في مساجد، وفي قواعد تابعة لتنظيم “البسيج”، وتخريب ممتلكات عامّة، ونُفّذت أحكام إعدام بحقّ منتمين إلى منظّمة “مجاهدي خلق” لصاحبتها مريم رجوي المقيمة في باريس، ومعتقل أمني بتهمة الانتماء إلى المنظّمة البلوشية المعارضة “جيش العدل”.

وأبلغت لجنة متابعة هؤلاء السجناء، أن الاعترافات المنسوبة إليهم انتُزعت منهم تحت وطأة التعذيب والتهديد، ولم يُسمح لهم بالدفاع عن أنفسهم أو تقديم أيّ تفسيرات.

أما السجناء الذين وُجّهت إليهم تهم تستوجب عقوبة الإعدام، بحسب القضاء الإيراني، فعددهم يرتفع يومياً، من بينهم مواطنان بهائيان (الأقلّية الدينية المحظورة)، وهما يتعرّضان لتعذيب جسدي ونفسي لانتزاع اعترافات بجرائم غير موثّقة، كما تفيد عائلتاهما، وآخرون اتُّهموا بالدعوة إلى الحرابة، التي يُعاقب عليها القضاء الإيراني بالإعدام.

من المؤكّد أن العدد الفعلي للمعارضين السياسيين الذين أُعدموا، أو أولئك الذين ينتظرون المصير نفسه، أعلى بكثير من الأرقام المتداولة، فانقطاع الإنترنت إضافة إلى الطابع السرّي للإعدامات وترهيب العائلات، عوائق تجعل الوصول إلى المعلومة الكاملة مهمّة شبه مستحيلة.

من ناحية أخرى، تكشف منظّمات حقوقية إيرانية أنه في الفترة الواقعة بين  احتجاجات كانون الثاني/ يناير وبداية الحرب الثانية، واجه المحامون المستقلّون صعوبة في الوصول إلى ملفّات المحكومين بالإعدام، وفي كثير من الحالات، مُنعوا من دخول قاعات المحاكم. وقد رفع محامون مؤيّدون للنظام دعاوى قضائية ضدّ المحاميين أمير ريسيان وميلاد بناهيبور بتهمة نشر معلومات كاذبة حول قضيّة أحد المتظاهرين، وتوقيعهما على بيان احتجاجي ضدّ آليّة التعامل في محاكمات معتقلي الاحتجاجات الأخيرة، ما أدّى إلى توقيفهما ومثولهما أمام المحكمة الثورية، ثم أُفرج عنهما لاحقاً بكفالة مالية. 

فيما وقّع 49 محامياً على بيان، احتجاجاً على انتهاك حقوق المتظاهرين المعتقلين، وإجبارهم على الإدلاء باعترافات تحت الضغط، وحرمانهم من حقّ الدفاع عن النفس والوصول إلى موكّليهم، واعتبروا هذه الإجراءات معاملة عنفية ومخالفة لقانون الإجراءات الجنائية، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومبادئ المحاكمة العادلة.

على صعيد متّصل، نقلت مصلحة السجون منذ يومين الناشطة الحقوقية الحائزة جائزة نوبل للسلام نرجس محمّدي إلى المستشفى، بعد تدهور حالتها الصحّية حدّ الاحتضار، وقال شقيقها حميد رضا محمّدي إنه “يخشى عليها من الموت المحتّم”، كونها تعاني من أمراض في القلب والشرايين، وإن مصلحة السجون تعرف ذلك لكنّها أخّرت علاجها عمداً. وأوضح أن السجناء السياسيين في إيران يعانون من إهمال متعمّد من الجسم القضائي، إذ يبدو أن “النظام قرّر تركهم ليموتوا في السجون… فالسجناء المجهولون يُعدمون، أمّا السجناء المعروفون عالمياً فيُحتجزون في ظروف تؤدّي إلى وفاتهم بصمت، بعدما يُحرمون من الحصول على الرعاية الطبّية اللازمة”.

لا شكّ في أن الحرب الدائرة في الخليج بين إيران وأعدائها، صرفت الانتباه عن محنة السجناء السياسيين الإيرانيين وعن أحكام إعدامهم الجائرة، وبينما ينشغل العالم بلعبة فتح مضيق هرمز وإغلاقه ويضغط لتحرير النفط وأسواقه، يفقد كل يوم مواطن إيراني روحه في عتمة السجون، من دون أن يلتفت أحد إلى مأساته… فالنفط أغلى من الروح! 

أيوب سعد - صحافي عراقي | 05.06.2026

عن النازع والمنزوع… فصائل تتّجه الى فكّ ارتباطها بالحشد الشعبي!

أعلنت حركة عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي، عبر بيانين منفصلين، الشروع بإجراءات فك الارتباط بتشكيلات الحشد الشعبي وحصر السلاح بيد الدولة، خطوة أثارت نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والأمنية، ليس فقط بسبب حجم الفصيلين وتأثيرهما، بل لأنها جاءت ضمن سياق أوسع يتحدث عن إعادة رسم خارطة القوة المسلّحة في العراق.

لا شكّ في أن الحرب الدائرة في الخليج بين إيران وأعدائها، صرفت الانتباه عن محنة السجناء السياسيين الإيرانيين وعن أحكام إعدامهم الجائرة، وبينما ينشغل العالم بلعبة فتح مضيق هرمز وإغلاقه ويضغط لتحرير النفط وأسواقه، يفقد كل يوم مواطن إيراني روحه في عتمة السجون، من دون أن يلتفت أحد إلى مأساته… فالنفط أغلى من الروح! 

بشكل شبه يومي، منذ بداية الحرب الأخيرة ضد طهران، يشنّ النظام الإيراني حملة إعدامات ممنهجة ضدّ سجناء الرأي والمعارضين السياسيين والمتظاهرين، وصفتها منظّمات حقوقية بأنها غير مسبوقة منذ عقود.

وأصدرت المحاكم الثورية خلال الـ 46 يوماً الماضية، أحكام إعدام مبرمة بحقّ 28 سجيناً، بينهم 13 اعتقلتهم الأجهزة الأمنية خلال الاحتجاجات التي شهدتها إيران بين 2025 و2026.

وعلى رغم فظاعته، فالخبر ليس بالجديد ولا حتى بالصادم! فالمعروف أن إيران تعدّ ثاني أكثر الدول تنفيذاً لأحكام الإعدام في العالم بعد الصين، وفقاً لمنظّمة حقوق الإنسان، ففي العام الماضي وحده أعدمت نحو 1500 معتقل في سجونها.

لكن هذه المرّة يبدو أن أحكام الإعدام دخلت مرحلة أكثر خطورة وإثارة للقلق، إذ إنها ركّزت بالكامل على تصفية المعتقلين السياسيين دون غيرهم، وكأن النظام استغلّ حالة الحرب كما استغلّ الهدنة، لتصفية حساباته مع معارضيه السياسيين، مبرّراً عمليّات الإعدام بأنها بدافع “حماية البلاد من فكر العملاء والخونة”، منوّعاً التهم بين “الاتّصال بالعدوّ” وإعطاء معلومات لأجهزة استخبارات أميركية وإسرائيلية عن أماكن حسّاسة مقابل تلقّي أموال والخيانة العظمى. وأعلن رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجه إي أنه بصدد الإسراع في تنفيذ ما تبقّى من أحكام الإعدام المتّخذة أخيراً ومصادرة ممتلكات المعتقلين، الذين وصفهم بـ”جنود العدو”، ودعا إلى عقد جلسات الاستجواب والتحقيق داخل السجون وليس في قاعات المحاكم، عقاباً لهم على “تأييدهم الحرب ضدّ بلادهم”. 

ومع ذلك، فهذه ليست المرّة الأولى التي يلجأ فيها النظام إلى مثل هذا التدبير، فلطالما استخدمت محاكمه الثورية سلاح الإعدام في أوقات الأزمات، بحيث يعمد إلى فرض هيبته داخلياً عبر إظهار مزيد من مشاهد العنف. وعلى سبيل المثال في العام 1988، تزامناً مع تجرّعه “كأس السمّ” بإنهاء الحرب مع العراق، أعدم النظام نحو 5 آلاف سجين سياسي، بهدف الالتفاف على هزيمته المعنوية أمام شعبه.

علاوة على صورته في الداخل، يوجّه النظام عبر هذه الإعدامات رسالة واضحة إلى الخارج بأنه سيُقابل أيّ معارضة سياسية بالموت، ويرفض رفضاً قاطعاً إطلاق سراح أيّ من معارضيه السياسيين، على رغم مخالفة هذا القرار نصّ مادّة أقرّها مجلس القضاء الأعلى، تقضي بإلزام السلطة القضائية في الحالات الحرجة كالحرب، باتّخاذ تدابير استثنائية كالإفراج المشروط عن “المدانين بجرائم غير عنفية”.

حتى اللحظة، كل أحكام الإعدام التي نُفّذت أتت بعد محاكمات سرّية صوَرية واستجوابات متعجّلة تفتقر إلى الحدّ الأدنى من معايير المحاكمة العادلة، وبعدما قطع الضحايا مرحلة سوداء من التعذيب الشديد والضغط النفسي لإجبارههم على الاعتراف بتهم وجرائم لم يرتكبوها، ومن دون إخطار مسبق لعائلاتهم أو محاميهم.

إضافة إلى ذلك، تنتظر مئات أحكام الإعدام الأخرى التنفيذ، من بينها أحكام بحقّ امرأتين وثلاثة فتيان دون الثامنة عشرة من العمر، بالتوزاي مع استمرار حملات الاعتقال التعسّفية في جميع أنحاء البلاد، حيث اعتُقل ما لا يقلّ عن 40 ألف شخص منذ بداية الحرب، وتمنع السلطة القضائية المحامين المستقلّين من تولّي قضاياهم. 

في جميع أنحاء إيران، من سجون طهران الرهيبة إلى سجون مريوان وزنجان وأصفهان وشيراز والأهواز وغيرها، يقبع السجناء بين خطرين: خطر الحرب وخطر انتقام النظام.

فالغارات العسكرية الإسرائيلية والأميركية لم توفّر السجون. في مدن إيرانية عدة تقع السجون بالقرب من قواعد الحرس الثوري أو حتى في داخلها، ما يجعل السجناء عرضة للخطر المباشر، وقد استهدفت الطائرات الإسرائيلية فعلياً في حرب الاثني عشر يوماً صيف العام الماضي سجن إوين في طهران، وتسبّب الهجوم بقتل وجرح عدد كبير من السجناء، وساعد النظام في الوقت نفسه، على التخلّص من معارضين سياسيين من دون كلفة معنوية.
في حين تُعدّ أوضاع السجون منذ ما قبل الحرب، سيّئة السمعة على الصعيد الإنساني والحقوقي، لا سيّما السجون الرئيسية الثلاثة في طهران: إوين وقزل حصار وفشافويه، التي تضمّ آلافاً من سجناء الرأي والناشطين السياسيين والمتظاهرين، والتي تُصنّف من بين أخطر السجون في إيران من حيث أساليب التعذيب والقتل العمد، إضافة إلى الاكتظاظ ونقص مياه الشرب والشروط الصحّية المعدومة، وإثر تصاعد حملات الإعدام وتداول معلومات عن نقل عدد من السجناء إلى أماكن مجهولة، وتعطيل إداراتها الزيارات الأسبوعية بحجّة الحرب، تضاعفت مخاوف عائلات السجناء المودعين فيها من فقدان أبنائهم وبناتهم. 

من بين السجناء الذين أُعدموا، خمسة متظاهرين اعتُقلوا خلال الاحتجاجات الدامية التي سبقت الحرب، واتُّهموا بالقيام بعمليّات تجسّس لصالح حكومتي الولايات المتّحدة وإسرائيل وجماعات مسلّحة معادية، والتآمر ضدّ الأمن القومي، وتضمّنت أحكام إعدامهم مصادرة جميع ممتلكاتهم، إضافة إلى 11 سجيناً اتُّهموا بقتل ضبّاط وعناصر من القوّات الخاصّة بالسلاح الأبيض، والمشاركة في قتل مدنيين، وإضرام النار عمداً في مساجد، وفي قواعد تابعة لتنظيم “البسيج”، وتخريب ممتلكات عامّة، ونُفّذت أحكام إعدام بحقّ منتمين إلى منظّمة “مجاهدي خلق” لصاحبتها مريم رجوي المقيمة في باريس، ومعتقل أمني بتهمة الانتماء إلى المنظّمة البلوشية المعارضة “جيش العدل”.

وأبلغت لجنة متابعة هؤلاء السجناء، أن الاعترافات المنسوبة إليهم انتُزعت منهم تحت وطأة التعذيب والتهديد، ولم يُسمح لهم بالدفاع عن أنفسهم أو تقديم أيّ تفسيرات.

أما السجناء الذين وُجّهت إليهم تهم تستوجب عقوبة الإعدام، بحسب القضاء الإيراني، فعددهم يرتفع يومياً، من بينهم مواطنان بهائيان (الأقلّية الدينية المحظورة)، وهما يتعرّضان لتعذيب جسدي ونفسي لانتزاع اعترافات بجرائم غير موثّقة، كما تفيد عائلتاهما، وآخرون اتُّهموا بالدعوة إلى الحرابة، التي يُعاقب عليها القضاء الإيراني بالإعدام.

من المؤكّد أن العدد الفعلي للمعارضين السياسيين الذين أُعدموا، أو أولئك الذين ينتظرون المصير نفسه، أعلى بكثير من الأرقام المتداولة، فانقطاع الإنترنت إضافة إلى الطابع السرّي للإعدامات وترهيب العائلات، عوائق تجعل الوصول إلى المعلومة الكاملة مهمّة شبه مستحيلة.

من ناحية أخرى، تكشف منظّمات حقوقية إيرانية أنه في الفترة الواقعة بين  احتجاجات كانون الثاني/ يناير وبداية الحرب الثانية، واجه المحامون المستقلّون صعوبة في الوصول إلى ملفّات المحكومين بالإعدام، وفي كثير من الحالات، مُنعوا من دخول قاعات المحاكم. وقد رفع محامون مؤيّدون للنظام دعاوى قضائية ضدّ المحاميين أمير ريسيان وميلاد بناهيبور بتهمة نشر معلومات كاذبة حول قضيّة أحد المتظاهرين، وتوقيعهما على بيان احتجاجي ضدّ آليّة التعامل في محاكمات معتقلي الاحتجاجات الأخيرة، ما أدّى إلى توقيفهما ومثولهما أمام المحكمة الثورية، ثم أُفرج عنهما لاحقاً بكفالة مالية. 

فيما وقّع 49 محامياً على بيان، احتجاجاً على انتهاك حقوق المتظاهرين المعتقلين، وإجبارهم على الإدلاء باعترافات تحت الضغط، وحرمانهم من حقّ الدفاع عن النفس والوصول إلى موكّليهم، واعتبروا هذه الإجراءات معاملة عنفية ومخالفة لقانون الإجراءات الجنائية، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومبادئ المحاكمة العادلة.

على صعيد متّصل، نقلت مصلحة السجون منذ يومين الناشطة الحقوقية الحائزة جائزة نوبل للسلام نرجس محمّدي إلى المستشفى، بعد تدهور حالتها الصحّية حدّ الاحتضار، وقال شقيقها حميد رضا محمّدي إنه “يخشى عليها من الموت المحتّم”، كونها تعاني من أمراض في القلب والشرايين، وإن مصلحة السجون تعرف ذلك لكنّها أخّرت علاجها عمداً. وأوضح أن السجناء السياسيين في إيران يعانون من إهمال متعمّد من الجسم القضائي، إذ يبدو أن “النظام قرّر تركهم ليموتوا في السجون… فالسجناء المجهولون يُعدمون، أمّا السجناء المعروفون عالمياً فيُحتجزون في ظروف تؤدّي إلى وفاتهم بصمت، بعدما يُحرمون من الحصول على الرعاية الطبّية اللازمة”.

لا شكّ في أن الحرب الدائرة في الخليج بين إيران وأعدائها، صرفت الانتباه عن محنة السجناء السياسيين الإيرانيين وعن أحكام إعدامهم الجائرة، وبينما ينشغل العالم بلعبة فتح مضيق هرمز وإغلاقه ويضغط لتحرير النفط وأسواقه، يفقد كل يوم مواطن إيراني روحه في عتمة السجون، من دون أن يلتفت أحد إلى مأساته… فالنفط أغلى من الروح!