ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

حملة جديدة ضدّ “التيكتوكرز” في مصر… وجينيفر لوبيز في شرم الشيخ!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

حملة القبض على “التيكتوكرز” في مصر هي فصل جديد في قصّة السيطرة الاجتماعية والرقابية على الفضاء الإلكتروني. وهذه الحملات تعكس ارتباكاً بين ما يسمّى بـ “القيم” وبين حرّية التعبير الفردية.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

لم تعلم “التيك توكر” المصرية أمّ مكّة أن سيّارتها “الإم جي” الزرقاء ستثير حفيظة “محامي القيم المصرية”، كذلك لم تعلم “التيك توكر” سوزي وهي سعيدة بفتح صناديق الهدايا الملأى بالبراندات، أنها بعدها بساعات ستنام على أرضيّة السجن، ولا أمّ سجدة وهي تتباهي بأساورها الذهبية وفيلر الشفاه، أنها ستواجه الجريمة الأخطر وهي تجتمع مع نظيراتها. حيث أنهن واجهن حملة أمنية بزعم تهديد “قيم الأسرة المصرية”.

منذ العام 2020، أصبحت حملة القبض على مستخدمي تطبيق “تيك توك” في مصر، علامة مميّزة في سجلّ ما صار يُسمّى بـ”حرب الأخلاق على الإنترنت”.

لكن قبل يومين جاءت الحملة الأعنف، فقد أعلنت “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية”، عن اعتقال سبعة صانعي محتوى عبر “تيك توك”، من بينهم فتاة قاصر “سوزي ١٨ عاماً”، وجميعهم أصحاب قاعدة جماهيرية كبيرة على منصّة “تيك توك” التي يستخدمها ٣٢ مليون مصري. 

وزارة الداخلية قالت إنها ألقت القبض عليهم على خلفية بلاغات من 32 محامياً، تتّهمهم بـ”نشر فيديوهات لا تليق”، “واستغلال الشهرة الزائفة لتحقيق مكاسب مالية غير مشروعة”.

في التوقيت نفسه تقريباً، نشرت الفنانة جينيفر لوبيز صوراً لها في شرم الشيخ، وهي ترتدي تربوناً للشعر وفستاناً يشبه فساتين الطبقة الوسطى في مصر، طويلاً ومحتشماً، لكنّها أحدثت تعديلاً كبيراً فيه يُظهر جسدها بجرأة، الصورة نُشرت في الصحف المصرية دون نقد أو اتّهام، وللمفارقة أن الصحف ذاتها اتّهمت فتيات “التيك توك” بعباءاتهن السوداء البسيطة وحجابهن بـ”الفسق والفجور”، رغم أن الفتيات المصريات يُحاكَمن على فيديوهات ضحك لا تتعدّى حدود العُرف.

طبقية “قيم الأسرة”

في مصر، لا يُقاس “خرق قيم الأسرة” بما يُقال أو يُعرض فقط، بل بمن يقوله أو يعرضه. هذه الحقيقة تتجلّى في سلسلة محاكمات طالت فتيات “تيك توك” من الطبقات الشعبية والمتوسّطة، بذرائع أخلاقية، فيما تغيب تماماً عن مشهد العدالة أي مساءلة – رغم عدم قانونيتها أيضاً – لمحتوى أكثر جرأة تقدّمه مؤثّرات من طبقة “الساحل”، فقط لأنهن يأتين من خلفيّة اجتماعية محمية.

هذه المفارقة ليست مجرّد ملاحظة مجتمعية، بل هي بنية طبقية مكرّسة في تطبيق القانون نفسه. فحين تظهر فتاة من المطرية أو العتبة ترقص على “تيك توك”، يُحاكم جسدها، لكن حين ترقص فتاة من حيّ الزمالك أو فيلا في الساحل، يُحتفى بها كرمز للجمال والتحرّر، التمييز هنا لا علاقة له بالقيم بل بـ”الطبقة”، الفتاة الفقيرة تُرى كتهديد، والثرية تُرى كواجهة جميلة، لأن أجسادهن تُعامل كـ”تسلية ترفيهية”، وليست ككيانات مستقلّة تتحدّى قيم “المجتمع المحافظ”، مثل فتيات “التيك توك”.

في ظلّ منظومة تعليمية متدهورة وفرص محدودة في سوق عمل لا يرحم، لم تحظَ مؤثّرات مثل أمّ مكّة وأمّ سجدة بتعليم عالٍ أو تأهيل مهني يضمن لهن مساراً اجتماعياً آمناً. نشأن في بيئات فقيرة، حيث يُعتبر الصعود الطبقي حلماً مؤجّلاً أو مستحيلاً. ومع ظهور “تيك توك”، وجدن في المنصّة فرصة نادرة لبناء جمهور، وتحقيق دخل لم يكن في متناولهن عبر الطرق التقليدية. ما قدّمنه لم يكن سوى محتوى بسيط، أقرب إلى الترفيه الشعبي والتعبير عن الذات والترويج لمنتجات، حتى لو أتى في سياق يراه المتعلّمون أصحاب الأكثر من لغة، مبتذلاً، لكنّه يعبّر عن لغتهن ومعالجتهن للأمور دون جريمة أو استهداف سياسي.

 لكنّ المفارقة الصادمة أنهن لم يواجهن فقط باستهزاء الطبقات الأعلى، بل بحقد طبقي من أبناء طبقتهن أنفسهم، وبدلاً من أن يُحتفى بهن كنماذج للنجاة من الفقر، تمّ تجريمهن والقبض عليهن، في مشهد يعكس عدالة مشروطة بالسياق الطبقي، لا بالقانون أو المنطق.

الاستقواء على الأضعف!

بدلاً من أن يتّجه السخط الطبقي الشعبي في مصر نحو مواطن الفساد الحقيقية – من مسؤولين ينهبون المال العامّ، إلى رجال أعمال يحتكرون السوق، إلى من راكموا الثروات عبر علاقات مشبوهة مع السلطة – نجده يُصبّ بكامل حدّته على امرأة بسيطة تجلس على الأرض تصنع الفسيخ بيديها، هي وزوجها، منذ سنوات داخل بيت شبه مهدّم، بالكاد يستوعبهما. هذه المرأة لم تسرق، لم تفسد، لم تُزوّر شهادة، ولم تقفز على الوظائف أو الفرص. 

كلّ ما فعلته هو أنها وجدت في هاتفها وكاميرته وسيلة تُتيح لها عرض منتجاتها ومهنتها التقليدية لجمهور رقمي، تحوّل سريعاً إلى مصدر دخل يُنقذها من دائرة الفقر. ورغم ذلك، لم يُنظر إلى قصّتها باعتبارها محاولة للارتقاء، بل كتهديد لما يُسمّى “القيم”، أو كـ “تشويه لصورة مصر”، في حين تُرك الفاسدون الحقيقيون، أولئك الذين يسرقون باسم القانون، ويخدعون باسم الوطنية، بلا حساب.

توجيه الغضب الشعبي نحو أمّ سجدة أو أمّ مكّة – بدلاً من تسليطه على ناهبي الثروات وناشري البؤس الحقيقي – هو في جوهره إعادة إنتاج لمنظومة طبقية ظالمة، تسحق من يحاول النجاة من القاع، وتُحصّن من صنعوا القاع نفسه.

هل تُدفع الطبقات الأفقر نحو الظلّ؟

اللافت في حملة الاعتقالات الأمنية الأخيرة ضدّ مؤثّرات مثل أمّ مكّة وقمر الوكالة، أنهن لم يرتكبن ما ارتكبه غيرهن ممن سبقنهن إلى السجون – بعقوبة ٦ سنوات على الأقلّ – بتهم تتعلّق بالرقص مثل حنين حسام أو مودة الأدهم. فهؤلاء النساء، وبعد سنوات من حملات الترهيب والملاحقة القضائية التي استهدفت فتيات “تيك توك” في بداية 2020، التزمن بشكل واضح بما يُسمى “ضوابط القيم المصرية”.

 لم نرَ أمّ مكّة ترقص، ولم تتعرَّ قمر الوكالة، بل كان محتواهما يدور حول عرض منتجات الفسيخ ومستحضرات التجميل، أو مشاركة تفاصيل يومية بسيطة تتعلّق بالأكل أو الأسرة أو الحرف البسيطة، دون خرق للقانون. 

ورغم هذا الالتزام الظاهري والتجنّب التامّ لأي محتوى قد يُعتبر مثيراً للجدل، لم تنجوان من الملاحقة، ما يكشف أن القضيّة لم تكن أبداً مرتبطة بسلوك رقمي، بل بمكانة اجتماعية، وصعود غير مرغوب فيه من فئات “مفترض أن تبقى في الظلّ”. هؤلاء النسوة لم يتحدّين القانون، بل تحدّين صورة المجتمع عمّن يحقّ له الظهور، ومن عليه أن يظلّ مختفياً.

قبل القبض على قمر الوكالة كانت قد أعلنت عن شرائها مساحة صغيرة في الساحل الشمالي، وافتتاحها لما أطلقت عليه اسم “شاطئ الليمون”، وانفجرت موجة من التعليقات الساخرة والمشحونة بالغضب. هذا الشاطئ، الذي لم يكن منتجعاً فخماً ولا مشروعاً استثمارياً ضخماً، بل مجرّد مكان بسيط أرادت من خلاله قمر أن تضع قدمها في دائرة النجاح، تحوّل فجأة إلى ساحة لجلدها مجازياً، فقط لأنها “ليست من النوع الذي يُفترض أن يشتري في الساحل”.

الخطاب الشعبي لم يناقش جدوى المشروع، أو نوعيّته، أو حتى جدّية إدارته. بل ركّز على “كيف لواحدة من الوكالة، أمّيّة، لا تستطيع نطق أسماء البراندات بشكل صحيح أن تجلس وسط أولاد الناس في الساحل؟”، وكأن النجاح محصور في طبقات معيّنة، وأن من نشأت في الحارات الشعبية يجب أن تبقى في دور الخادمة أو المساعدة.

ما أغضب البعض لم يكن الشاطئ نفسه، بل الصورة التي كسرتها قمر: أن امرأة بسيطة، دون شهادات أو علاقات نافذة، يمكنها أن تصل، وتربح، وتضع لافتة باسمها على مدخل في أحد أكثر الأماكن رمزية للطبقة المرفّهة. لقد أرادت أن تُثبت أن النجاح لا يحتاج إلى واسطة أو ألقاب، فقط اجتهاد وفرصة. لكنّ المجتمع – بشقّيه المحافظ والطبقي – لم يغفر لها ذلك. وهكذا، عادت إلى مرمى النار، لا بسبب “فسق” أو “قيمة أسرية منهارة”، بل فقط لأنها تجرّأت أن تقول: “أنا هنا… على شاطئ الساحل الشرير”.

“الانضباط” بـحرّية التعبير

هذه الأزمة أثارت أيضاً جدلاً واسعاً عن الحقّ في الحرّية الرقمية والتعبير الشخصي، وبين جزء من المجتمع المصري رأى أن هؤلاء المؤثرين ليسوا سوى علامة للفساد الثقافي، تستدعي القبض عليهم وإنزال العقاب بهم.

اعتبرت مؤسّسة “دعم القانون والديموقراطية” في بيانها أن “هذه الحملة لا تُعبّر فقط عن استهداف للحرّيات، بل تُجسّد محاولة ممنهجة لإعادة قولبة المجتمع وفق تصوّر أحادي للهوّية والسلوك الأخلاقي، يُقصي أي تعبير يخرج عن هذا القالب، حتى لو كان فردياً أو رقمياً أو شكلياً. وهذا يتعارض مع التزامات مصر الدولية بحماية الحقّ في حرّية التعبير، والتنوّع الثقافي، وحرّية المظهر الشخصي، كما نصّت عليها مواثيق الأمم المتّحدة والتقارير التفسيرية الصادرة عن المقرّرين الخاصّين المعنيّين بحرّية الرأي والتعبير”.

أقرّت السلطات المصرية استخدام قانون مكافحة جرائم الإنترنت (2018) لتبرير القبض على أصحاب الحسابات التي تتجاوز 5,000 متابع. تُستخدم بنود مثل ما في ذلك الاعتداء على حرمة الحياة الخاصّة، والمحتوى غير المشروع على الإنترنت بتهم فضفاضة تشمل “المساس بالقيم الأسرية” أو “التحريض على الرذيلة”، مع إتباعها بتعريفات غامضة وغير محدّدة في القانون.

بنود الفقرة 25 من قانون الإنترنت تمنح النيابة صلاحيّات واسعة لتأويل “القيم” بأحكام فضفاضة وأحياناً سياسية، وهذا يفتح الباب أمام استغلال القانون كأداة للقمع. 

أغلب المحتجزين نساء شابّات لهن جمهور جارف، والسلطات المصرية تبدو مهووسة برقابتهن، وتبرّر القبض عليهن كأنهن “خطاب تحذيري للآخرين. لأن الحكومة المصرية منذ سنوات تنظر إلى الإنترنت كـمنطقة خطر، وترى أن هذه الحسابات تُهدّد البنية الاجتماعية الذكورية والتقاليد المحافظة، وربما الوضع القائم. القبض عليهم يرسل رسالة إلى الراغبين في كسب المال والشهرة سريعاً، بأن هذه ليست منصّة بلا ضوابط”.

ما يزيد الوضع جنوناً هو تحرّك البرلمان المصري فقد تقدّم النائب البرلماني عصام دياب عضو لجنة الصناعة في مجلس النواب، بطلب إحاطة إلى مجلس النواب؛ لإغلاق تطبيق “تيك توك” في مصر.

لاحظت سوزي الأردنية المهزلة في فيديو ساخر كعادتها قبل أن يتمّ القبض عليها، وهي فتاة قاصر، حين قالت: “يا جدعان أنا بقيت بقعد في القسم أكتر ما بقعد في بيتنا سيبوني أعيش سنّي بقى”. 

منذ 2020، اختفى ما يُسّمى “مساحة الحرّيات الرقمية” التي كان بعض الشباب يستخدمها للتعبير، وأحسّ الجميع أن الدولة تتّجه إلى تغليب صوتها على حساب المجتمع الإلكتروني – حتى لو رآه البعض فجّاً وترويجياً – لكن تكرار أوصاف مثل “التحريض على الفسق” أو “نشر الأكاذيب” أو حتى “الانتماء إلى جماعة إرهابية”، يعكس غياب معايير تميّز بين المحتوى العادي والتواصل السلمي، وبين المحتوى الإجرامي، مما يُنتج حالة من التخويف العامّ للمحتوى الرقمي. 

حملة القبض على “التيكتوكرز” في مصر هي فصل جديد في قصّة السيطرة الاجتماعية والرقابية على الفضاء الإلكتروني. وهذه الحملات تعكس ارتباكاً بين ما يسمّى بـ “القيم” وبين حرّية التعبير الفردية.

إدانة هؤلاء الشباب على أنهم “خطاب ثقافي دخيل”، هو جزء من رفض أوسع للتحوّلات الاجتماعية والاقتصادية التي يوفّرها الإنترنت. لكنّ الحالة الضرورية الآن هي أن المجتمع الرقمي في مصر بحاجة فقط إلى حماية قانونية لا تطمع في محاربته.

05.08.2025
زمن القراءة: 7 minutes

حملة القبض على “التيكتوكرز” في مصر هي فصل جديد في قصّة السيطرة الاجتماعية والرقابية على الفضاء الإلكتروني. وهذه الحملات تعكس ارتباكاً بين ما يسمّى بـ “القيم” وبين حرّية التعبير الفردية.

لم تعلم “التيك توكر” المصرية أمّ مكّة أن سيّارتها “الإم جي” الزرقاء ستثير حفيظة “محامي القيم المصرية”، كذلك لم تعلم “التيك توكر” سوزي وهي سعيدة بفتح صناديق الهدايا الملأى بالبراندات، أنها بعدها بساعات ستنام على أرضيّة السجن، ولا أمّ سجدة وهي تتباهي بأساورها الذهبية وفيلر الشفاه، أنها ستواجه الجريمة الأخطر وهي تجتمع مع نظيراتها. حيث أنهن واجهن حملة أمنية بزعم تهديد “قيم الأسرة المصرية”.

منذ العام 2020، أصبحت حملة القبض على مستخدمي تطبيق “تيك توك” في مصر، علامة مميّزة في سجلّ ما صار يُسمّى بـ”حرب الأخلاق على الإنترنت”.

لكن قبل يومين جاءت الحملة الأعنف، فقد أعلنت “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية”، عن اعتقال سبعة صانعي محتوى عبر “تيك توك”، من بينهم فتاة قاصر “سوزي ١٨ عاماً”، وجميعهم أصحاب قاعدة جماهيرية كبيرة على منصّة “تيك توك” التي يستخدمها ٣٢ مليون مصري. 

وزارة الداخلية قالت إنها ألقت القبض عليهم على خلفية بلاغات من 32 محامياً، تتّهمهم بـ”نشر فيديوهات لا تليق”، “واستغلال الشهرة الزائفة لتحقيق مكاسب مالية غير مشروعة”.

في التوقيت نفسه تقريباً، نشرت الفنانة جينيفر لوبيز صوراً لها في شرم الشيخ، وهي ترتدي تربوناً للشعر وفستاناً يشبه فساتين الطبقة الوسطى في مصر، طويلاً ومحتشماً، لكنّها أحدثت تعديلاً كبيراً فيه يُظهر جسدها بجرأة، الصورة نُشرت في الصحف المصرية دون نقد أو اتّهام، وللمفارقة أن الصحف ذاتها اتّهمت فتيات “التيك توك” بعباءاتهن السوداء البسيطة وحجابهن بـ”الفسق والفجور”، رغم أن الفتيات المصريات يُحاكَمن على فيديوهات ضحك لا تتعدّى حدود العُرف.

طبقية “قيم الأسرة”

في مصر، لا يُقاس “خرق قيم الأسرة” بما يُقال أو يُعرض فقط، بل بمن يقوله أو يعرضه. هذه الحقيقة تتجلّى في سلسلة محاكمات طالت فتيات “تيك توك” من الطبقات الشعبية والمتوسّطة، بذرائع أخلاقية، فيما تغيب تماماً عن مشهد العدالة أي مساءلة – رغم عدم قانونيتها أيضاً – لمحتوى أكثر جرأة تقدّمه مؤثّرات من طبقة “الساحل”، فقط لأنهن يأتين من خلفيّة اجتماعية محمية.

هذه المفارقة ليست مجرّد ملاحظة مجتمعية، بل هي بنية طبقية مكرّسة في تطبيق القانون نفسه. فحين تظهر فتاة من المطرية أو العتبة ترقص على “تيك توك”، يُحاكم جسدها، لكن حين ترقص فتاة من حيّ الزمالك أو فيلا في الساحل، يُحتفى بها كرمز للجمال والتحرّر، التمييز هنا لا علاقة له بالقيم بل بـ”الطبقة”، الفتاة الفقيرة تُرى كتهديد، والثرية تُرى كواجهة جميلة، لأن أجسادهن تُعامل كـ”تسلية ترفيهية”، وليست ككيانات مستقلّة تتحدّى قيم “المجتمع المحافظ”، مثل فتيات “التيك توك”.

في ظلّ منظومة تعليمية متدهورة وفرص محدودة في سوق عمل لا يرحم، لم تحظَ مؤثّرات مثل أمّ مكّة وأمّ سجدة بتعليم عالٍ أو تأهيل مهني يضمن لهن مساراً اجتماعياً آمناً. نشأن في بيئات فقيرة، حيث يُعتبر الصعود الطبقي حلماً مؤجّلاً أو مستحيلاً. ومع ظهور “تيك توك”، وجدن في المنصّة فرصة نادرة لبناء جمهور، وتحقيق دخل لم يكن في متناولهن عبر الطرق التقليدية. ما قدّمنه لم يكن سوى محتوى بسيط، أقرب إلى الترفيه الشعبي والتعبير عن الذات والترويج لمنتجات، حتى لو أتى في سياق يراه المتعلّمون أصحاب الأكثر من لغة، مبتذلاً، لكنّه يعبّر عن لغتهن ومعالجتهن للأمور دون جريمة أو استهداف سياسي.

 لكنّ المفارقة الصادمة أنهن لم يواجهن فقط باستهزاء الطبقات الأعلى، بل بحقد طبقي من أبناء طبقتهن أنفسهم، وبدلاً من أن يُحتفى بهن كنماذج للنجاة من الفقر، تمّ تجريمهن والقبض عليهن، في مشهد يعكس عدالة مشروطة بالسياق الطبقي، لا بالقانون أو المنطق.

الاستقواء على الأضعف!

بدلاً من أن يتّجه السخط الطبقي الشعبي في مصر نحو مواطن الفساد الحقيقية – من مسؤولين ينهبون المال العامّ، إلى رجال أعمال يحتكرون السوق، إلى من راكموا الثروات عبر علاقات مشبوهة مع السلطة – نجده يُصبّ بكامل حدّته على امرأة بسيطة تجلس على الأرض تصنع الفسيخ بيديها، هي وزوجها، منذ سنوات داخل بيت شبه مهدّم، بالكاد يستوعبهما. هذه المرأة لم تسرق، لم تفسد، لم تُزوّر شهادة، ولم تقفز على الوظائف أو الفرص. 

كلّ ما فعلته هو أنها وجدت في هاتفها وكاميرته وسيلة تُتيح لها عرض منتجاتها ومهنتها التقليدية لجمهور رقمي، تحوّل سريعاً إلى مصدر دخل يُنقذها من دائرة الفقر. ورغم ذلك، لم يُنظر إلى قصّتها باعتبارها محاولة للارتقاء، بل كتهديد لما يُسمّى “القيم”، أو كـ “تشويه لصورة مصر”، في حين تُرك الفاسدون الحقيقيون، أولئك الذين يسرقون باسم القانون، ويخدعون باسم الوطنية، بلا حساب.

توجيه الغضب الشعبي نحو أمّ سجدة أو أمّ مكّة – بدلاً من تسليطه على ناهبي الثروات وناشري البؤس الحقيقي – هو في جوهره إعادة إنتاج لمنظومة طبقية ظالمة، تسحق من يحاول النجاة من القاع، وتُحصّن من صنعوا القاع نفسه.

هل تُدفع الطبقات الأفقر نحو الظلّ؟

اللافت في حملة الاعتقالات الأمنية الأخيرة ضدّ مؤثّرات مثل أمّ مكّة وقمر الوكالة، أنهن لم يرتكبن ما ارتكبه غيرهن ممن سبقنهن إلى السجون – بعقوبة ٦ سنوات على الأقلّ – بتهم تتعلّق بالرقص مثل حنين حسام أو مودة الأدهم. فهؤلاء النساء، وبعد سنوات من حملات الترهيب والملاحقة القضائية التي استهدفت فتيات “تيك توك” في بداية 2020، التزمن بشكل واضح بما يُسمى “ضوابط القيم المصرية”.

 لم نرَ أمّ مكّة ترقص، ولم تتعرَّ قمر الوكالة، بل كان محتواهما يدور حول عرض منتجات الفسيخ ومستحضرات التجميل، أو مشاركة تفاصيل يومية بسيطة تتعلّق بالأكل أو الأسرة أو الحرف البسيطة، دون خرق للقانون. 

ورغم هذا الالتزام الظاهري والتجنّب التامّ لأي محتوى قد يُعتبر مثيراً للجدل، لم تنجوان من الملاحقة، ما يكشف أن القضيّة لم تكن أبداً مرتبطة بسلوك رقمي، بل بمكانة اجتماعية، وصعود غير مرغوب فيه من فئات “مفترض أن تبقى في الظلّ”. هؤلاء النسوة لم يتحدّين القانون، بل تحدّين صورة المجتمع عمّن يحقّ له الظهور، ومن عليه أن يظلّ مختفياً.

قبل القبض على قمر الوكالة كانت قد أعلنت عن شرائها مساحة صغيرة في الساحل الشمالي، وافتتاحها لما أطلقت عليه اسم “شاطئ الليمون”، وانفجرت موجة من التعليقات الساخرة والمشحونة بالغضب. هذا الشاطئ، الذي لم يكن منتجعاً فخماً ولا مشروعاً استثمارياً ضخماً، بل مجرّد مكان بسيط أرادت من خلاله قمر أن تضع قدمها في دائرة النجاح، تحوّل فجأة إلى ساحة لجلدها مجازياً، فقط لأنها “ليست من النوع الذي يُفترض أن يشتري في الساحل”.

الخطاب الشعبي لم يناقش جدوى المشروع، أو نوعيّته، أو حتى جدّية إدارته. بل ركّز على “كيف لواحدة من الوكالة، أمّيّة، لا تستطيع نطق أسماء البراندات بشكل صحيح أن تجلس وسط أولاد الناس في الساحل؟”، وكأن النجاح محصور في طبقات معيّنة، وأن من نشأت في الحارات الشعبية يجب أن تبقى في دور الخادمة أو المساعدة.

ما أغضب البعض لم يكن الشاطئ نفسه، بل الصورة التي كسرتها قمر: أن امرأة بسيطة، دون شهادات أو علاقات نافذة، يمكنها أن تصل، وتربح، وتضع لافتة باسمها على مدخل في أحد أكثر الأماكن رمزية للطبقة المرفّهة. لقد أرادت أن تُثبت أن النجاح لا يحتاج إلى واسطة أو ألقاب، فقط اجتهاد وفرصة. لكنّ المجتمع – بشقّيه المحافظ والطبقي – لم يغفر لها ذلك. وهكذا، عادت إلى مرمى النار، لا بسبب “فسق” أو “قيمة أسرية منهارة”، بل فقط لأنها تجرّأت أن تقول: “أنا هنا… على شاطئ الساحل الشرير”.

“الانضباط” بـحرّية التعبير

هذه الأزمة أثارت أيضاً جدلاً واسعاً عن الحقّ في الحرّية الرقمية والتعبير الشخصي، وبين جزء من المجتمع المصري رأى أن هؤلاء المؤثرين ليسوا سوى علامة للفساد الثقافي، تستدعي القبض عليهم وإنزال العقاب بهم.

اعتبرت مؤسّسة “دعم القانون والديموقراطية” في بيانها أن “هذه الحملة لا تُعبّر فقط عن استهداف للحرّيات، بل تُجسّد محاولة ممنهجة لإعادة قولبة المجتمع وفق تصوّر أحادي للهوّية والسلوك الأخلاقي، يُقصي أي تعبير يخرج عن هذا القالب، حتى لو كان فردياً أو رقمياً أو شكلياً. وهذا يتعارض مع التزامات مصر الدولية بحماية الحقّ في حرّية التعبير، والتنوّع الثقافي، وحرّية المظهر الشخصي، كما نصّت عليها مواثيق الأمم المتّحدة والتقارير التفسيرية الصادرة عن المقرّرين الخاصّين المعنيّين بحرّية الرأي والتعبير”.

أقرّت السلطات المصرية استخدام قانون مكافحة جرائم الإنترنت (2018) لتبرير القبض على أصحاب الحسابات التي تتجاوز 5,000 متابع. تُستخدم بنود مثل ما في ذلك الاعتداء على حرمة الحياة الخاصّة، والمحتوى غير المشروع على الإنترنت بتهم فضفاضة تشمل “المساس بالقيم الأسرية” أو “التحريض على الرذيلة”، مع إتباعها بتعريفات غامضة وغير محدّدة في القانون.

بنود الفقرة 25 من قانون الإنترنت تمنح النيابة صلاحيّات واسعة لتأويل “القيم” بأحكام فضفاضة وأحياناً سياسية، وهذا يفتح الباب أمام استغلال القانون كأداة للقمع. 

أغلب المحتجزين نساء شابّات لهن جمهور جارف، والسلطات المصرية تبدو مهووسة برقابتهن، وتبرّر القبض عليهن كأنهن “خطاب تحذيري للآخرين. لأن الحكومة المصرية منذ سنوات تنظر إلى الإنترنت كـمنطقة خطر، وترى أن هذه الحسابات تُهدّد البنية الاجتماعية الذكورية والتقاليد المحافظة، وربما الوضع القائم. القبض عليهم يرسل رسالة إلى الراغبين في كسب المال والشهرة سريعاً، بأن هذه ليست منصّة بلا ضوابط”.

ما يزيد الوضع جنوناً هو تحرّك البرلمان المصري فقد تقدّم النائب البرلماني عصام دياب عضو لجنة الصناعة في مجلس النواب، بطلب إحاطة إلى مجلس النواب؛ لإغلاق تطبيق “تيك توك” في مصر.

لاحظت سوزي الأردنية المهزلة في فيديو ساخر كعادتها قبل أن يتمّ القبض عليها، وهي فتاة قاصر، حين قالت: “يا جدعان أنا بقيت بقعد في القسم أكتر ما بقعد في بيتنا سيبوني أعيش سنّي بقى”. 

منذ 2020، اختفى ما يُسّمى “مساحة الحرّيات الرقمية” التي كان بعض الشباب يستخدمها للتعبير، وأحسّ الجميع أن الدولة تتّجه إلى تغليب صوتها على حساب المجتمع الإلكتروني – حتى لو رآه البعض فجّاً وترويجياً – لكن تكرار أوصاف مثل “التحريض على الفسق” أو “نشر الأكاذيب” أو حتى “الانتماء إلى جماعة إرهابية”، يعكس غياب معايير تميّز بين المحتوى العادي والتواصل السلمي، وبين المحتوى الإجرامي، مما يُنتج حالة من التخويف العامّ للمحتوى الرقمي. 

حملة القبض على “التيكتوكرز” في مصر هي فصل جديد في قصّة السيطرة الاجتماعية والرقابية على الفضاء الإلكتروني. وهذه الحملات تعكس ارتباكاً بين ما يسمّى بـ “القيم” وبين حرّية التعبير الفردية.

إدانة هؤلاء الشباب على أنهم “خطاب ثقافي دخيل”، هو جزء من رفض أوسع للتحوّلات الاجتماعية والاقتصادية التي يوفّرها الإنترنت. لكنّ الحالة الضرورية الآن هي أن المجتمع الرقمي في مصر بحاجة فقط إلى حماية قانونية لا تطمع في محاربته.

05.08.2025
زمن القراءة: 7 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية