أنجز هذا التحقيق ابراهيم هلال من “مجتمع التحقّق العربي”
في 26 كانون الأول/ ديسمبر 2025، كانت المنطقة العربية والقارة الأفريقية على موعد مع تطور سياسي مثير للجدل، بعدما أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو اعتراف إسرائيل بما يُعرف بـ “جمهورية أرض الصومال” ككيان مستقل.
وأوضح مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي أن الإعلان جاء بتوقيع مشترك بين نتانياهو ووزير الخارجية جدعون ساعر ورئيس أرض الصومال عبد الرحمن محمد عبد الله، في خطوة قُدّمت بوصفها متماشية مع اتفاقيات أبراهام التي أُبرمت بمبادرة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وسرعان ما قوبل الإعلان بإدانات واسعة، إذ أعربت مصر والسعودية ومجلس التعاون الخليجي وتركيا والاتحاد الأفريقي عن رفضها هذه الخطوة. واعتبرت وزارة الخارجية المصرية، في بيان أعقب اتصالات هاتفية أجراها وزير الخارجية بدر عبد العاطي مع نظرائه الصومالي والجيبوتي والتركي، أن الاعتراف “باستقلال أجزاء من أراضي الدول” يشكل “سابقة خطيرة وتهديداً للسلم والأمن الدوليين ولمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة”.
ترحيب محليّ وحملة رقميّة موازية
على الجانب الآخر، رحبت حكومة إقليم أرض الصومال بإعلان إسرائيل، معتبرة الاعتراف خطوة مهمة نحو تعزيز شرعيتها الدولية، ومؤكدة رغبتها في إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل والانضمام إلى اتفاقيات أبراهام.
تزامن هذا الترحيب مع نشاط رقمي لافت على منصات التواصل الاجتماعي تتبعه مجتمع التحقق العربي بعدما قادته حسابات صومالية وإسرائيلية وأخرى محسوبة على الإمارات، أظهر كثير منها دعماً واضحاً لإسرائيل، وتبيّن لاحقاً أن عدداً منها حسابات غير أصلية.
نشاط مبكر قبل الإعلان الرسمي

في 25 كانون الأول/ ديسمبر، أي قبل يوم واحد من الإعلان الرسمي، رُصد نشاط لافت لحسابات تفاعلت مع وسمَي #Somaliland و #SomalilandRecognition بخاصة على منصة “أكس”.

من بين هذه الحسابات، حساب صومالي باسم Mohamoud Walaaleye @Ladhka، ظهر على أداة التحليل Brand Mention بصورة شخصية تجمع بين علمَي أرض الصومال وإسرائيل، قبل أن تُحذف لاحقًا. وعلى رغم وضعه اسم “فلسطين” في خانة التعريف، أظهرت مراجعة تفاعلاته دعماً صريحاً لإسرائيل، وامتنانًا لنتانياهو على اعترافه بأرض الصومال.

في منتصف نهار يوم 25 كانون الأول/ ديسمبر، ظهر حساب باسم ✨Hamza Ahmed✨”@ham0ooz”، وهو حساب يعود إلى 2017، لا يضع صورة شخصية حقيقية وحدد موقعه في أفريقيا، وتفاعل مع حساب الناشط الإماراتي المؤيد والداعم لإسرائيل “أمجد طه”، ونشر تغريدة تدعم انفصال جنوب اليمن بالتوزاي مع دعم انفصال أرض الصومال.
في التوقيت نفسه، أعاد هذا الحساب نشر مقطع مصور للقاء تلفزيوني، وصف الضيف فيه بـ”الخونة”، وأعاد النشر من حساب يدعى bhlub @thebhlub، وهو حساب يعود أيضاً إلى عام 2017، ولا يضع صورة شخصية حقيقية، ويحدّد موقعه في أوروبا، ويظهر نمط تفاعله دعماً واضحاً لإسرائيل، مع غياب أي مؤشرات إلى هوية حقيقية.

في منتصف يوم 25 كانون الأول/ ديسمبر، نُشرت أول تغريدة تتحدث صراحة عن اعتراف إسرائيل بأرض الصومال، عبر حساب Ali Jibril@AliJibrilMedia الذي أضاف لاحقاً تفاصيل عن اتفاق محتمل لبناء قاعدة عسكرية إسرائيلية على البحر الأحمر مقابل الاعتراف.
يُعرّف علي جبريل نفسه بأنه متخصص في الإعلام من إقليم أرض الصومال، ويدير شركة إنتاج إعلامي في هرجيسا، تُدعى Ali Jibril Media Productions and Training Center، وتُظهر مراجعة محتواه تركيزاً على الترويج لانفصال الإقليم، ودعماً واضحاً لإسرائيل، إذ يتفاعل مع حسابات داعمة لإسرائيل، مثل حساب “صفاء صبحي”، كما أنه ينشر تغريدات مؤيدة لسياسات الإمارات.

مؤشرات إلى حسابات غير أصلية
بعد تغريدة “علي جبريل”، توالت تغريدات كثيرة تردد الخبر نفسه، محتفية ومحتفلة بالاعتراف الأول بأرض الصومال أياً كان مصدره حتى لو كان من إسرائيل، التي ارتكبت جريمة إبادة جماعية حسب توصيف محكمة العدل الدولية. من بين هذه التغريدات، برزت تغريدات عدة نشرتها حسابات إسرائيلية أو موالية لإسرائيل بشكل واضح.

برز ضمن هذه الحسابات حساب @KaadiBadane، وهو حساب حديث النشأة (2025)، يستخدم صورة تجمع بين علمي أرض الصومال وإسرائيل ونتانياهو وعبد الرحمن محمد كصورة شخصية، وتغريداته كلها تدعم انفصال أرض الصومال عن الصومال، وتعيد نشر تغريدات حسابات إسرائيلية.
وما أثار مزيداً من الشكوك حول الحساب هو خاصية الشفافية لمنصة “إكس”، التي بينت أن صاحب الحساب مقيم في هولندا، لكنه يستخدم التطبيق من المملكة المتحدة، على رغم أن الحساب حدد موقعه بالصومال!
وعلى رغم أن الحساب نشأ في أيلول/ سبتمبر 2025، إلا أنه بدل اسم الحساب ثلاث مرات، أي مرة كل شهر تقريباً، وهي مؤشرات تجتمع على أنه حساب وهمي وغير حقيقي.

كما نشر حساب @cityofhargeisa، تغريدة مرفق بها علم أرض الصومال وراية “المجلس الانتقالي الجنوبي” المدعومة من الإمارات في اليمن، والتي تسعى الى انفصال جنوب اليمن، وعلق عليها بـ “قريباً جداً”!
بفحص الحساب، تبين أنه ينشر تغريدات مؤيدة للإمارات وإسرائيل، كما أن خاصية الشفافية على منصة “إكس” بينت أن الحساب يُدار من شمال أميركا وليس من أرض الصومال كما يدعي الحساب!

وتكررت هذه الأنماط مع حسابات أخرى منها @FAbdirahman77، وهو حساب صومالي حديث يرجع تاريخ نشأته إلى عام 2022، وحدد موقعه بفنلندا، ويضع العلم الإسرائيلي في خلفية صورته الشخصية.
كل هذه الحسابات الداعمة لإسرائيل نشطت قبل أن تعلن إسرائيل رسمياً الاعتراف بإقليم أرض الصومال كجمهورية مستقلة، ما ينبه الى وجود حملة منسقة قادتها حسابات تنتحل الهوية الصومالية أو صومالية داعمة لإسرائيل، وضخمتها حسابات وهمية.
حجم التفاعل ونمط التضخيم
بين 25 كانون الأول/ ديسمبر 2025 ومطلع كانون الثاني/ يناير، بلغ عدد المنشورات المتعلقة بـ #Somaliland و #SomalilandRecognition نحو 30,400 منشور، حققت وصولاً تقديرياً بلغ 8.4 مليار مرة، وأكثر من 109 ملايين تفاعل.

ويُعد هذا الحجم من التفاعل مرتفعًا مقارنة بعدد المنشورات والفترة الزمنية القصيرة، ما يشير إلى نمط تضخيم غير اعتيادي. وقد استحوذت منصة «إكس» على نحو نصف هذا المحتوى، تلتها «فيسبوك»، ثم «إنستغرام» و«تيك توك».



وسيطر على المحتوى اتجاهان متناقضان: اتجاه يحتفي بالاعتراف الإسرائيلي، وآخر يعبّر عن الغضب والرفض، داخل محتوى المنشورات المرتبط بـ #Somaliland و#SomalilandRecognition، اتجاه يعبر عن الفرحة بإعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي باعترافه بأرض الصومال كجمهورية مستقلة، واتجاه يعبر عن غضبه من هذا الإعلان، بخاصة أنه توافق مع حديث عن توقيع اتفاق لإنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية بأرض الصومال.

وقد انعكست هذه الاتجاهات على السحابة الكلامية لأكثر الوسوم والكلمات ظهوراً في المنشورات، إذ يمكننا أن نرى وسم #Israel كثاني أكثر وسم ظهوراً، قبلها جاء وسم #Somaliland وبعدها وسم #Somalia، وتلاها وسم خاص بالاعتراف بأرض الصومال #SomalilandRecognition .

وعلى رغم وجود اللغة العربية بالصومال كلغة ثقافية، تتحدثها نسبة غير قليلة من السكان، إلا أن اللغة الإنكليزية سيطرت على غالبية محتوى المنشورات بنسبة 97 في المئة، بينما لم تتعدّ المنشورات باللغة العربية نسبة الـ3 في المئة.

وهو ما يبدو منطقياً عندما نرى خريطة تحدد موقع أكثر الحسابات تفاعلاً، إذ جاءت الولايات المتحدة في المركز الأول، تلتها المملكة المتحدة، ثم الصومال نفسه في المركز الثالث!

حسابات وهمية وأخرى غير صومالية تضخّم الحملة

بلغت الحملة ذروتها الأولى في 28 كانون الأول/ ديسمبر، ثم بلغت ذروتها الثانية في 30 كانون الأول، حددنا منصة “إكس” بما أنها استحوذت على نحو نصف حجم المحتوى، وقد شارك في النشر عليها 7339 حساباً.

تصدرها Grok الذي نشر 433 منشوراً، حسب تساؤلات المستخدمين حول الوضع السياسي لإقليم أرض الصومال، وموقف إسرائيل والإمارات منه، وعن علاقته بالحكومة المركزية بالصومال.

جاء بالمركز الثاني في قائمة الحسابات الأكثر نشراً، حساب يُدعى @MrMaker14 نشر 61 منشوراً، وهو حساب يُعرف نفسه بأنه من أرض الصومال لكنه مقيم بالمملكة المتحدة، ولا يضع اسماً حقيقياً ولا صورة شخصية حقيقية.
في الوقت نفسه، نشر الحساب تغريدات عدة مؤيدة لاعتراف إسرائيل بانفصال أرض الصومال، وتغريدات مؤيدة لإسرائيل نفسها، كما أنه أعاد نشر تغريدة لحساب إسرائيلي ودعا الى انفصال جنوب اليمن لحصار الحوثيين!

تساوى عدد التغريدات التي نشرها حساب @MrMaker14 مع حساب آخر يُدعى @GriseldaBlanc06، وهو حساب حديث، يعود تاريخ نشأته الى نيسان/ أبريل 2025، وعلى رغم ذلك عدّل الحساب اسمه ثلاث مرات، ويضع صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لفتاة تبدو صومالية.
وقد نشط الحساب في نشر دعاية إسرائيلية خالصة، وتعمد ذكر “إسرائيل” في كل تغريداته، مع إظهار تأييد واضح لسياسات الإمارات.

ثم ظهر في القائمة حساب ✨️Hamza Ahmed✨️ @ham0ooz الذي نشر 57 منشوراً، وكان من أوائل الحسابات التي تفاعلت مع الحملة -كما ذكرنا سابقا- وهو من الحسابات القليلة التي تفاعلت باللغة العربية، كما أنه نشر تأييداً واضحاً لإسرائيل وأعاد نشر تغريدات حسابات إسرائيلية، إلا أنه مثل باقي الحسابات التي فحصناها، أبدى تفاعلاً ملحوظاً مع أحداث اليمن، وتأييداً للمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً.

في المركز الخامس بقائمة الحسابات الأكثر تفاعلاً، ظهر حساب @recognizeSL، وهو حساب ليس حديثاً، لكنه لا يستخدم اسماً حقيقياً، ويضع صورة غير حقيقة مولدة بالذكاء الاصطناعي، كما أنه من الحسابات التي اتضح أنها تستخدم Grok في توليد عدد من التغريدات حول موضوع معين، عبر اختلاق نقاش غير حقيقي لكنه يزيد من التعليقات ومن وصول المحتوى.
عبر فحص الحساب، تبين أنه _ كذلك _ مؤيد وداعم لإسرائيل بشكل كامل، ويعيد نشر تغريدات حسابات إسرائيلية، مثل حساب الموساد حين تفاعل مع قضية انفصال أرض الصومال عن الصومال الفيدرالية.

تلاها في القائمة، حساب يدعى African Index @africanindex_ نشر 49 تغريدة، وهو حساب متخصّص بنشر ما يتعلق بأفريقيا، وقد حدد موقعه بأثيوبيا، إلا أن خاصية الشفافية بمنصة “أكس” أظهرت أن موقع الحساب في أستراليا، ويتفاعل الحساب مع تغريدات لحسابات إسرائيلية، منها حساب إسرائيلي نشر مقطعاً مصوراً قال إنه لشاب من أرض الصومال يتكلم العبرية ويشكر إسرائيل ونتانياهو على موقفهما من أرض الصومال.
كما أعاد الحساب نشر تغريدة لسفير إسرائيل للأمم المتحدة، الذي قال فيها إن الدول العربية مثل الجزائر تدعم إقامة دولة للفلسطينيين فقط وتتجاهل إقامة دولة أرض الصومال!

كما نشر حساب @MMSomalitv 49 تغريدة، وهو حساب حديث ظهر عام 2020، وحدد موقعه بهرجسيا عاصمة أرض الصومال، وقد أظهرت تغريداته تأييداً واضحاً لإسرائيل، إلا أن فحص خاصية الشفافية للحساب أظهرت أنه يُدار من الهند!

وهو ما تكرر مع عدد من الحسابات في قائمة الحسابات الأكثر نشراً، فقد أظهر فحص الحسابات والتحقق من خاصية الشفافية لديها أنها في غالبيتها غير حقيقية، مؤيدة لإسرائيل، تغرد من خارج الصومال!
من يقود حملة الاحتفاء باعتراف إسرائيل بانفصال أرض الصومال
عبر سحب بيانات منشورات منصة “إكس” وعددها 15871 منشوراً، ثم إجراء تحليل شبكي استناداً إلى تلك البيانات، تبين وجود حسابات مركزية عدة جمعت حولها ما يشبه المجتمعات، وهي عبارة عن مجموعة حسابات تعلق وتتفاعل باستمرار مع هذه الحسابات لتضخيم محتواها، أو تمريره إلى بقية المجتمعات وشبكة الحملة ككل.

ثم، عبر إجراء تحليل إحصائي، تبين أن درجة التماسك والتواصل بين الحسابات مرتفع جداً، كما ظهرت هذه المجتمعات التي تشكل عقد التضخيم داخل الحملة.

أول هذه المجتمعات، قادها حساب مركزي يدعى @RepOfSomaliland، وهو حساب حديث، نشأ عام 2022، ونال توثيقاً رسمياً من منصة “إكس” عام 2025، وعلى رغم أن الحساب حدد موقعه بأرض الصومال، إلا أن خاصية الشفافية في منصة “إكس” حددت موقعه في غرب آسيا.

كما وضع الحساب رابطاً لموقع إلكتروني يحمل الاسم نفسه، وعند فحص نطاقه الإلكتروني، أظهرت أداة فحص النطاقات الإلكترونية أنه كان مسجلاً عام 2023 بالولايات المتحدة!


من الحسابات المركزية -كذلك- التي نالت تفاعلاً كبيراً من الحسابات المشاركة في الحملة حساب @georgegallowa، ويعود الى حساب سياسي وإعلامي بريطاني، وعضو البرلمان البريطاني لسبع مرات، وهو معارض للسياسات الغربية في الشرق الأوسط.

مثّل حساب @georgegallowa واحداً من الحسابات المركزية الممثلة للاتجاه الآخر المعارض لاعتراف إسرائيل بأرض الصومال كجمهورية مستقلة، ومعارض لانفصال أرض الصومال، إلا أن الحساب بدا مندمجاً تماماً مع بقية الشبكة ومجتمعاتها، ما يشير إلى أن الحسابات المؤيدة للانفصال والمتفاعلة مع الحملة هي نفسها التي تفاعلت مع حساب @georgegalloway وهاجمته.

على الجهة الأخرى، نشط حساب @nivcalderon كحساب مركزي داخل الحملة، وهو حساب صحافي إسرائيلي مقيم في نيويورك، بعد إعلان إسرائيل اعترافها بأرض الصومال كجمهورية مستقلة، تفاعل Niv Calderon مع الموضوع ومع عدد من الحسابات الصومالية، كما رحّب بنفسه على حسابه بتفاعل الحسابات من أرض الصومال.

يخلص هذا التحليل إلى أن التفاعل الرقمي الذي سبق ورافق إعلان إسرائيل الاعتراف بأرض الصومال، اتسم بدرجة عالية من التنسيق والتضخيم، وقادته شبكة حسابات داعمة لإسرائيل وأخرى تتظاهر أنها صومالية، غالبيتها تُدار من خارج الصومال.
وتُظهر هذه الشبكة تبنّياً واضحاً لسرديات سياسية داعمة لإسرائيل، ومتقاطعة مع مواقف إماراتية في القرن الأفريقي، إضافة إلى دعم مشاريع انفصالية أخرى في الإقليم، ما يقدّم نموذجاً لكيفية توظيف الحملات الرقمية العابرة للحدود لإعادة تشكيل النقاش العام حول قضايا سيادية حسّاسة.










