ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

حياد من ورق: كيف يساهم الإعلام السوري في إقصاء النساء من المشهد الإعلامي

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

في الوقت الذي تُطالَب فيه النساء بالرصانة والانضباط على الهواء، يُمنح بعض موظّفي القنوات هامشاً واسعاً للتحريض خارج أوقات البثّ. نرى إعلاميين يكتبون منشورات على صفحاتهم الشخصية يصفون فيها النساء بـ”العاهرات” أو يلمّحون إلى حياتهن الخاصّة بطريقة مُهينة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

ثمّة فراغ ينمو في المشهد، لا يُرى لكنّه يُحسّ، فراغ يشبه أشباح الخوف التي تحيط بالنساء من كلّ صوب، يلتفتن ليمسكن بها لكنّها تنساب من بين أصابعهن حتى يعتقدن أنهن مخطئات، ولا وجود لتلك الأشباح. 

تدور السوريات حول ذواتهن بحثاً عن تلك الخيالات حتى يتعبن، و يُقال عنهن ممسوسات بالجنّ، فيعتزلن في بيوتهن ويختفين من الفضاء الإعلامي دون صخب في الغياب، ولا إعلان. بل خفوت بطيء، وتراجع محسوب، يترك خلفه صدى صوت يكاد أن يختنق. 

أين كلّ تلك المساحات التي تحدّثت مراراً عن ضرورة مشاركة النساء؟ أين الاتّفاقيات الدولية التي تتكّلم عن المناصفة؟ أين شروط المموّلين بوجود النساء؟ لا يوجد واحدة من الوسائل الإعلامية تقول للنساء لا تظهرن في موادّنا المكتوبة أو المرئية ولا على شاشاتنا، لكن شيئاً فشيئاً، تحوّلت معظم تلك المنابر إلى أفخاخ، وأصبحت  مشاركة النساء باباً لاختبارات خفيّة: كم تتحمّلين من الإهانات؟ كم من الشتائم تمرّ دون أن تُمسح؟ كم مرّة يجب أن تُكذّبي علناً قبل أن تتردّدي في الظهور مجدّداً؟

  معظم وسائل إعلامنا السورية لم تكن يوماً صديقة، لا للرجال ولا للنساء، إذاً، ما الجديد في خطابات وعظ النساء وهجائهن؟ الجديد أن الوعظ استُبدل بالتشهير الشخصي، والهجاء أصبح شتماً. فأن تُسبّ امرأة بعد ظهورها في مقابلة لم يعد مفاجئاً، بل أمر معتاد، والمؤسّسة التي استضافتها تمضي في جدول نشرها، كما لو أن شيئاً لم يكن. كأن البذاءة جزء من البثّ، و كأن التحريض لا يعنيها، وكأن الشتائم تقع في مكان آخر، لا في ساحة هي من فتحتها. وهكذا، بدأ الغياب،  وانسحب بعض النساء لأن الفضاء صار أكثر ضيقاً مما يحتمل صوتهن، ووسائل الإعلام أقلّ مهنية من أن تحميهن. غادرن لأن البقاء، على هذا النحو، يشبه الموت وقوفاً، في الوقت الذي سئمت الأرض من المزيد من الموت.

من المؤلم أن وسائل الإعلام السورية، في معظمها، تحوّلت إلى واجهات تملأها الأصوات التي تُجيد اللعب داخل هوامش الأمان، وتُقصي كلّ من تتجاوز الخطوط التي لم تُرسَم، لكنّها مفهومة ضمناً. بهذا المعنى، ربما تُقصى النساء لأنهن دخلن الفضاء محمّلات بأسئلة لا تحتملها البنية: عن العدالة، والمحاسبة، والذكورية والذات النسوية. 

وحتى يُقال إنهم ” جندريون” يُسلَّم  أحياناً الميكروفون للمرأة، لكنّها تظلّ وحدها في المواجهة. لا ميثاق حماية، لا آليّات ردّ على العنف الرقمي، لا تدخّل من المنصّة حين تتحوّل المقابلة إلى ساحة إعدام علني.

 تُترك المرأة لتواجه جمهوراً  شرساً، وحين تنتقد ضيفة ما هذا التواطؤ، تُنبَذ، و تُخلق بنية كاملة من منظومة الطرد الناعم التي لا تقول علناً لن نستضيف النساء، لكنّها تُبقي الأرضيّة مائلة، تنزلق منها النساء واحدة تلو الأخرى دون أثر، ودون ضجيج.

الفضاء المادّي والرقمي: تلك المساحات التي نُرى فيها ونُحاسب

الفضاء العامّ، في تعريفه البسيط، هو كلّ مكان نتقاطع فيه مع الآخر خارج حدودنا الشخصية. في صورته المادّية، هو الساحة، الشارع، مقهى الحيّ، مكتب العمل، قاعة الاجتماعات، أو حتى ندوة في مدينة مُنهكة. أما في صورته الرقمية، فهو صفحتك على “فيسبوك”، حساب “تويتر”، التعليقات تحت منشور، شاشة “زووم”، أو بثّ مباشر يعبر القارات في لحظات. لكن بالنسبة إلى النساء، هذا الفضاء لم يكن يوماً “عامّاً” بالكامل. 

ففي حين يُفترض أن يتيح حرّية التعبير والمشاركة، يصبح فجأة محاطاً بأسلاك غير مرئية من التهديد والتضييق. الفضاء العامّ إلى النساء غالباً ما يُعاد ترسيم حدوده وفق مزاج المجتمع، وغالباً ما يُفتح بشرط، ويُغلق بتحريض، ويُراقَب بعدسة ذكورية لا تهدأ.

في السياق السوري، حملت النساء أجسادهن وأسئلتهن إلى تلك المساحات، مادّية كانت أم افتراضية، وظنن أن باب المشاركة فُتح لهن، فإذا به باب اختبار. فكلّ ظهور يُقابل بحساب، وكلّ رأي يُقاس بدرجة “التحمّل” لا المضمون. الفضاء الرقمي، رغم ما يدّعيه من حرّية، غالباً ما يتحوّل إلى مسرح مفتوح للعنف: يُقرأ الجسد قبل الفكرة، وتُهاجم النوايا قبل الكلمات. أما الفضاء المادّي، فيُطالب النساء بالصمت كي يُبقين على “سلامتهن”.

ربما كانت لحظة عدم الدخول إلى “الطوق” هي الأكثر رمزية. ذلك الطوق الذي شكّله بعض المتظاهرين من الرجال حول النساء في المظاهرات، بذريعة الحماية، لكنّه كان أيضاً عزلاً ناعماً، حدّاً مرئيّاً للفصل بين من يُسمح لهن بالهتاف، ومن يُطلب منهن الصمت باسم الأمان. أو تلك اللحظة التي علت فيها عبارة “الحرائر لورا!”، لأنها تُعيد إنتاج مكانهن خلف الصفوف، بعيداً عن موقع الفعل.

رغم ذلك، دخلت النساء الفضاء العامّ كما يُكسر قيد، كما يدخلن بيتاً ليس لهن فيه إرث، لكنّهن يحملن مفاتيحه. دخلنه بشغف المساهمة، وبأمل أن تكون الثورة بداية لإعادة توزيع الصوت، لا فقط للسلطة.

 ظهرت النساء كناشطات يهتفن في الساحات، كمصوّرات خلف العدسات، ككاتبات ينسجن الحكاية، وكخبيرات يشرحن المعنى من قلب الفوضى. في البدايات، ظنّت النساء السوريات أن الفضاء بات لهن أيضاً، و بأن الثورة أعادت رسم الخريطة، وحرّرت الصوت من شروطه القديمة. لكن سريعاً، تبيّن أن الفضاء قد فُتح جزئياً، بحدود غير مكتوبة: يمكنك أن تتكلّمي، ما لم تنتقدي البنية. يمكنك أن تظهري في الواقع وفي الإعلام، ما لم تُربكي السردية الذكورية. يمكنك أن تكوني طالما بقي وجودك قابلاً للهضم ضمن سردية “المناضلة الصامتة”. 

ومع الوقت، أصبحت المنصّات الإعلامية نفسها تُعيد إنتاج الإقصاء، لكن هذه المرّة بلغة أكثر نعومة: تُدعى المرأة لتكملة المشهد، لا لصناعته. تُقدَّم كوجه “يمثّل المرأة”، لكنّها لا تُدعم حين تُهاجَم، ولا تُحمى حينما تصبح حياتها الشخصية مسرحاً للجريمة بحجّة ” السياسات التحريرية الصارمة” أو  “حرّية الرأي”. تفتح المنصّة باب التعليقات، فينهال سيل من الشتائم: أكثر من ألف تعليق يصف الضيفة بـ”العاهرة”، يتّهمها بـ”السفالة”، يلاحق اسم عائلتها، ويخوض في تفاصيلها الشخصية، مكان سكنها، مظهرها، وحتى أسماء أفراد عائلتها. 

ولا تُزال هذه التعليقات، حتى لو أبلغت الضيفة عنها، حتى لو طلبت حذفها. يُقال لها إن المنصّة “لا تتدخّل في حرّية التعبير”، أو إن “سياسة المؤسّسة تمنع تعديل محتوى الجمهور”. يُترك خطاب الكراهية ليعيش، بينما تُطالب الضحيّة بالصبر. و هكذا تتحوّل وسائل الإعلام إلى شريك صامت، يتواطأ باسم الحياد، ويغضّ النظر عن الجريمة لأنها “لا تملك وقتاً للمراقبة”، أو لأنها تخشى أن تُتّهم بالرقابة. 

لا تُمسح الإهانة، بل تُؤرشف. لا يُردّ على العنف، بل يُعاد تدويره، وتُصبح كلّ مشاركة لامرأة اختباراً جديداً لتحمّل الأذى والتشهر علناً.

الشخصي… مؤسّساتي أيضاً

أستطيع القول واثقة، إن كثيراً من منصّات الإعلام السورية المعروفة في الوسط، سواء كانت مرئية أو مكتوبة، تسلك النهج نفسه، يشكون عدم وجود نساء كضيفات، بحجّة افتقاد الخبرة المناسبة للكلام أو في الظهور الإعلامي، في الوقت الذي ساهموا هم أنفسهم في ” تطفيش النساء من منصّاتهم”. 

ولا يقف الأمر هنا عند السياسات التحريرية الصارمة أو حرّية الرأي للجمهور، بل إن التحريض من قِبل بعض موظّفي تلك المنصّات على النساء علناً عبر صفحاتهم الشخصية، أصبح يندرح أيضاً تحت بند الحرّية الشخصية. 

 وفي الوقت الذي تُطالَب فيه النساء بالرصانة والانضباط على الهواء، يُمنح بعض موظّفي القنوات هامشاً واسعاً للتحريض خارج أوقات البثّ. نرى إعلاميين يكتبون منشورات على صفحاتهم الشخصية يصفون فيها النساء بـ”العاهرات” أو يلمّحون إلى حياتهن الخاصّة بطريقة مُهينة، أو ينشرون معلومات مضلّلة تنال من سمعتهن، متذرّعين بامتلاكهم “رأياً شخصياً”. 

وحين يُسأل مديرو المؤسّسات الإعلامية عن ذلك، يأتي الردّ جاهزاً: “هذه صفحة شخصية، لا تمثّل القناة”. وكأن العامل في الإعلام يتخلّى عن صفته المهنية بمجرّد مغادرته مبنى القناة. وكأن المسؤوليّة الأخلاقية تُعلّق عند باب الاستوديو، ويُسمح بما دونه خارج أوقات الدوام.

 لكن من المجدّي أيضاً أن نقول إنه حين يعمل الصحافي أو المقدّم أو المحرّر في مؤسّسة إعلامية، فإنه لا يتخلّى عن صفته المهنية حين يُغلق الكاميرا أو يخرج من الاستوديو. صفحته الشخصية ليست جزيرة معزولة عن منصّته، إنها امتداد لصوته، وسلطته، وتأثيره، خاصّة حين يعرّف نفسه في الوصف المهني بـ”مراسل في كذا”، أو “مقدّم في قناة كذا”، أو حين يستخدم شعارات القناة، أو يستند إلى جمهور تمّ جمعه عبر عمله الإعلامي، ثم إن هذا الادّعاء لا يصمد أمام أي ميثاق صحافي محترم.

 وفق المعايير المهنية العالمية، المسؤوليّة لا تتجزأ، فالمؤسّسات الإعلامية مسؤولة عن موظّفيها، ليس فقط أثناء ساعات الدوام، بل أيضاً عندما يستغلّ هؤلاء الموظّفون مكانتهم لإلحاق الضرر بالآخرين. لا يمكن لمؤسّسة أن تستثمر في “اسم” صحافي، وتفخر بعدد متابعيه، ثم تتنصّل من مسؤوليّة ما يفعله بهذا الاسم، ولا يمكن اعتبار منصّة عامّة، يتابعها جمهور واسع تشكّل بفعل الحضور الإعلامي كـ”مساحة شخصية” معفاة من الأخلاقيات.

وحتى حين لا يكتب الإعلامي في صفحته الشخصية اسم المؤسّسة التي يعمل فيها، لا تُرفع عن المنصّة مسؤوليّتها. لأن السلطة الإعلامية لا تُبنى فقط من توقيع البريد الإلكتروني، بل من التراكم، من الحلقات التي قدّمها، من ظهوره المتكرّر على الشاشة، من صورته المنتشرة، ومن ذلك الجمهور الذي يتابعه لا لأنه صديق شخصي، بل لأنه “فلان الذي يظهر على القناة الفلانية”.

 نفترض مثلاً أن مذيعاً يعمل في محطّة إخبارية، وفي المساء ينشر على صفحته الشخصية منشوراً يحرّض فيه ضدّ إحدى الضيفات، أو يشكّك في أخلاقياتها، أو يُطلق عليها وصفاً مهيناً. حتى إن لم يكتب صراحة اسم القناة في تعريفه، فالجمهور يعرف تماماً من هو، ومن أين تأتي سلطته التي تمنحه هذه القدرة على التأثير. فهل تصبح الإهانة أقلّ فتكاً فقط لأنه لم يكتب اسم مكان عمله؟ وهل يسقط عنه واجب التحفّظ المهني فقط لأنه غيّر اللغة من الرسمية إلى العامية؟

و هنا، لا يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تختبئ خلف حجج تقنية، وأن تقول “لا يمثلنا”، بينما لا تحرّك ساكناً أمام التحريض، ولا تضع مدوّنة سلوك داخلية، ولا تُفعّل آليّات المحاسبة، ولا تحمي الضحايا. فالصمت هنا شراكة والتغاضي تزكية. ثم ما معنى أن تُطلق يد الإعلامي خارج دوامه ليشتم ويُحرّض ويُفبرك، بينما تمنعه القناة فقط من الحديث باسمها؟ كأنما نقول له: إفعل ما تشاء، فقط لا توقّع باسمنا.

الرأي الشخصي: الرخصة الأخطر في إعلام بلا قواعد

 لعلّ ما يغيب هنا هو مصطلح المسؤوليّة الأخلاقية التي تسمو على المهنية، والأمثلة على الميثاق الأخلاقي ومسؤوليّة المؤسّسات الإعلامية عن سلوك موظّفيها كثيرة، وموجودة بوضوح في سياسات قنوات عالمية كبرى. مثلاً، في العام 2021، لم تكتفِ هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) بإصدار مدوّنة سلوك صارمة، بل فعّلتها بمعاقبة أربعة صحافيين لمخالفتهم قواعد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، رغم أن منشوراتهم لم تذكر اسم المؤسّسة، ولم تُنشر على قنواتها الرسمية.

حينها لم تقل BBC إن “هذه صفحاتهم الشخصية”، ولم تتنصّل من تبعات سلوكهم، بل اعتبرت أن الحياد والمسؤوليّة لا يسقطان عن الصحافي بمجرّد انتهاء وقت دوامه. لأن الصحافي لا يتوقّف عن التأثير حين يُغلق الكاميرا، ولا يخلع صفته المهنية حين يُغلق التطبيق. ولهذا، شدّدت BBC على أن الإعجاب بمنشور، أو مشاركة تغريدة، أو حتى استخدام وجه تعبيري ساخر، قد يُعدّ خرقاً لقواعد الحياد. في هيئة الإذاعة البريطانية، يُلزم الصحافيون بعدم نشر أي محتوى على حساباتهم الخاصّة، يمكن أن يُفهم على أنه انحياز أو انتهاك لقيم الاستقلاليّة والحياد، حتى لو لم يُذكر اسم المؤسّسة. و هذا ما حدث في عام 2021 عندما نُشرت تغريدة سياسية من حساب أحد مراسليها حول غزّة، فقوبلت بالتحقيق والاعتذار العلني.

و في العام 2017 قامت شبكة CNN الأميركية بإنهاء عقد الإعلامي والباحث رضا أصلان بعد أن نشر تغريدة وصفت الرئيس الأميركي آنذاك دونالد ترامب بعبارات نابية على حسابه الشخصي. رغم أن أصلان لم يكتب باسم القناة، ولم يظهر في برنامجه عند نشر تلك التغريدة، إلا أن CNN رأت أن ما كتبه يتعارض مع صورتها العامّة كمنصّة إخبارية ملتزمة بالانضباط المهني. أصلان نفسه قال في بيان لاحق: “أفهم أن على CNN حماية علامتها كوسيلة غير منحازة، تماماً كما يجب عليّ أن أعبّر عن صوتي الحرّ. أنا لست صحافياً، بل معلّق اجتماعي”، ومع ذلك، لم تُعفِه القناة من المحاسبة، لأن الثقة المهنية لا تُجزّأ، والمسؤوليّة لا تتوقّف بانتهاء وقت البثّ.

كما أن صحيفة نيويورك تايمز، أنهت تعاونها مع الصحفية لورين وولف في عام 2021، فقط لأنها عبّرت عن مشاعرها تجاه تنصيب بايدن بتغريدة اعتُبرت “غير محايدة”. التغريدة كانت شخصية تماماً، لكنّها كلّفتها وظيفتها. لأن الانطباع العامّ أهمّ من النيّة، والمهنية تُقاس بما يُبثّ للجمهور، لا بما يُشرح في الاجتماعات المغلقة. 

قناة France 24  كذلك، استدعت إحدى مذيعاتها بسبب مشاركة سياسية مثيرة للجدل على حسابها الشخصي، ورغم أنها لم تُفصل، اعتُبرت تصرفاتها خرقاً لمدوّنة السلوك الداخلي، واعتذرت لاحقاً علناً.

هذه الأمثلة تؤكّد أن المنصّات الإعلامية حول العالم، لم تعد تفرّق بين الخاصّ والمهني حين يتعلّق الأمر بالتأثير على الرأي العامّ، أو بنشر خطاب كراهية، أو باستهداف فئات مهمّشة كالنساء. فلماذا إذاً لا تُحاسب بعض وسائل الإعلام السورية موظّفيها حين يحرضون على النساء، أو يشاركون في التنمّر الجماعي عليهن؟ ولماذا لا تُفعّل أي مؤسّسة محلّية مدوّنة سلوك واضحة تحدّد حدود حرّية التعبير حين تتحوّل إلى أداة للعنف؟ وإذا كانت كبرى المؤسّسات العالمية تحمّل موظّفيها ثمن الكلمة حتى خارج ساعات البثّ، فكيف يُسمح بالكراهية عندنا تحت غطاء “الرأي الشخصي”؟

التواطؤ باسم الحياد

من المفارقات الفجّة في سلوك مؤسّسات الإعلام السورية أنها غالباً ما تتحجّج بـ”السياسات الصارمة” لتمنع ظهور رمز سياسي، أو لمجرّد تحفّظ الضيفة على جهة فاعلة. يُمنع الرمز، تُمنع العبارة، يُقصّ المقطع، وتُعدّل الأسئلة. لكن المؤسّسة ذاتها التي تدّعي الحياد، تُبقي ساحة التعليقات مفتوحة على مصراعيها لكلّ ما هو مهين، عنيف، وجنسي حين تكون الضيفة امرأة. آلاف التعليقات المسيئة لا تُمس، ولا تُراجع، وكأن كرامة الضيفة لا تستحقّ الحماية نفسها التي تُمنح لاسم مسؤول سياسي.

هذه الانتقائيّة في ضبط الخطاب، تكشف عن خلل بنيوي: حماية الرموز، لا الأفراد. حماية المنصّة، لا من تُستضاف فيها. بينما العالم يناقش اليوم مفهوم “الرعاية الرقمية” (Digital Care) ومسؤوليّة المنصّات عن بيئة النقاش، تكتفي مؤسّساتنا بـ”المراقبة الصامتة”، التي تتحوّل مع الوقت إلى تواطؤ ممنهج في ترهيب النساء وطردهن من الفضاء العامّ.

لا توجد سياسات واضحة للحماية الرقمية داخل غرف الأخبار، لا فرق بين ضيفة وصورة، لا دليل إجرائي للتعامل مع البلاغات، ولا مسؤول عن إزالة الأذى. وغالباً، يُطلب من النساء أن “يتفهّمن طبيعة الفضاء العامّ”، كما لو أن العنف هو ضريبة الظهور. و هذا التخاذل المؤسّساتي يُجبر النساء اللواتي جرّبن الظهور الإعلامي في سياق معادٍ على الانسحاب بصمت، لأنه أيضاً في كثير من الحالات يمتدّ التقريع الرقمي إلى ضغوط اجتماعية، قطيعة عائلية، تهديدات أمنية، ووصمة قد تلاحق المرأة في بيئتها ومحيطها. هناك نساء غيّرن أماكن سكنهن، أو أغلقن حساباتهن، أو قرّرن مغادرة العمل العامّ تماماً بسبب حلقة واحدة. وهناك من تُعرّض حيواتهن للخطر لأن المؤسّسة لم تحذف تعليقاً يصف عنوان سكنها.

لماذا؟

في النهاية، لا يعود السؤال عن امرأة ظهرت في مقابلة ثم انهالت عليها الشتائم، ولا عن إعلامي كتب منشوراً محمّلاً بالإهانة وتوارى خلف عبارة “رأيي الشخصي”، ولا حتى عن منصّة مرّت فوق ألف تعليق كأنها لا تسمع، ولا ترى، ولا يعنيها الأمر. يصير السؤال سلسلة من ” لماذا”؟ لماذا تُترك النساء وحدهن؟ لماذا كلما ظهرت واحدة على الشاشة وقالت ما لا يروق، تُرمى للكلام الجارح كمن يُرمى للذئاب؟ لماذا تصير التعليقات ميدان جلد، ولا أحد يحذف؟ لا أحد يعتذر؟ لماذا تشاع مشاركة امرأة وكأنها جريمة؟ ولماذا حين تُسأل المؤسّسة، تكتفي بجملة باهتة: “هذه صفحته الشخصية”؟ وكأن الصفحة لا تكتبها اليد ذاتها، التي تُصافح الضيوف وتقدّم الأسئلة. 

أكتب هذه الخاتمة لأنني تعبت من رؤية النساء يسلّمن أنفسهن للكاميرا، ثم يتكسّرن في الكواليس. أكتبها لأن مسؤوليّة الإعلام لا تنتهي حين يُغلق المايك، بل تبدأ من بعده. لأن المؤسّسات التي تفخر بأسماء موظّفيها، عليها أيضاً أن تتحمّل ما يُقال باسمهم. ما نطلبه ليس كثيراً، فقط أن تتحلّى المؤسّسات بأخلاق المهنة، و لا أعلم إن كان هذا كثيراً.

21.08.2025
زمن القراءة: 11 minutes

في الوقت الذي تُطالَب فيه النساء بالرصانة والانضباط على الهواء، يُمنح بعض موظّفي القنوات هامشاً واسعاً للتحريض خارج أوقات البثّ. نرى إعلاميين يكتبون منشورات على صفحاتهم الشخصية يصفون فيها النساء بـ”العاهرات” أو يلمّحون إلى حياتهن الخاصّة بطريقة مُهينة.

ثمّة فراغ ينمو في المشهد، لا يُرى لكنّه يُحسّ، فراغ يشبه أشباح الخوف التي تحيط بالنساء من كلّ صوب، يلتفتن ليمسكن بها لكنّها تنساب من بين أصابعهن حتى يعتقدن أنهن مخطئات، ولا وجود لتلك الأشباح. 

تدور السوريات حول ذواتهن بحثاً عن تلك الخيالات حتى يتعبن، و يُقال عنهن ممسوسات بالجنّ، فيعتزلن في بيوتهن ويختفين من الفضاء الإعلامي دون صخب في الغياب، ولا إعلان. بل خفوت بطيء، وتراجع محسوب، يترك خلفه صدى صوت يكاد أن يختنق. 

أين كلّ تلك المساحات التي تحدّثت مراراً عن ضرورة مشاركة النساء؟ أين الاتّفاقيات الدولية التي تتكّلم عن المناصفة؟ أين شروط المموّلين بوجود النساء؟ لا يوجد واحدة من الوسائل الإعلامية تقول للنساء لا تظهرن في موادّنا المكتوبة أو المرئية ولا على شاشاتنا، لكن شيئاً فشيئاً، تحوّلت معظم تلك المنابر إلى أفخاخ، وأصبحت  مشاركة النساء باباً لاختبارات خفيّة: كم تتحمّلين من الإهانات؟ كم من الشتائم تمرّ دون أن تُمسح؟ كم مرّة يجب أن تُكذّبي علناً قبل أن تتردّدي في الظهور مجدّداً؟

  معظم وسائل إعلامنا السورية لم تكن يوماً صديقة، لا للرجال ولا للنساء، إذاً، ما الجديد في خطابات وعظ النساء وهجائهن؟ الجديد أن الوعظ استُبدل بالتشهير الشخصي، والهجاء أصبح شتماً. فأن تُسبّ امرأة بعد ظهورها في مقابلة لم يعد مفاجئاً، بل أمر معتاد، والمؤسّسة التي استضافتها تمضي في جدول نشرها، كما لو أن شيئاً لم يكن. كأن البذاءة جزء من البثّ، و كأن التحريض لا يعنيها، وكأن الشتائم تقع في مكان آخر، لا في ساحة هي من فتحتها. وهكذا، بدأ الغياب،  وانسحب بعض النساء لأن الفضاء صار أكثر ضيقاً مما يحتمل صوتهن، ووسائل الإعلام أقلّ مهنية من أن تحميهن. غادرن لأن البقاء، على هذا النحو، يشبه الموت وقوفاً، في الوقت الذي سئمت الأرض من المزيد من الموت.

من المؤلم أن وسائل الإعلام السورية، في معظمها، تحوّلت إلى واجهات تملأها الأصوات التي تُجيد اللعب داخل هوامش الأمان، وتُقصي كلّ من تتجاوز الخطوط التي لم تُرسَم، لكنّها مفهومة ضمناً. بهذا المعنى، ربما تُقصى النساء لأنهن دخلن الفضاء محمّلات بأسئلة لا تحتملها البنية: عن العدالة، والمحاسبة، والذكورية والذات النسوية. 

وحتى يُقال إنهم ” جندريون” يُسلَّم  أحياناً الميكروفون للمرأة، لكنّها تظلّ وحدها في المواجهة. لا ميثاق حماية، لا آليّات ردّ على العنف الرقمي، لا تدخّل من المنصّة حين تتحوّل المقابلة إلى ساحة إعدام علني.

 تُترك المرأة لتواجه جمهوراً  شرساً، وحين تنتقد ضيفة ما هذا التواطؤ، تُنبَذ، و تُخلق بنية كاملة من منظومة الطرد الناعم التي لا تقول علناً لن نستضيف النساء، لكنّها تُبقي الأرضيّة مائلة، تنزلق منها النساء واحدة تلو الأخرى دون أثر، ودون ضجيج.

الفضاء المادّي والرقمي: تلك المساحات التي نُرى فيها ونُحاسب

الفضاء العامّ، في تعريفه البسيط، هو كلّ مكان نتقاطع فيه مع الآخر خارج حدودنا الشخصية. في صورته المادّية، هو الساحة، الشارع، مقهى الحيّ، مكتب العمل، قاعة الاجتماعات، أو حتى ندوة في مدينة مُنهكة. أما في صورته الرقمية، فهو صفحتك على “فيسبوك”، حساب “تويتر”، التعليقات تحت منشور، شاشة “زووم”، أو بثّ مباشر يعبر القارات في لحظات. لكن بالنسبة إلى النساء، هذا الفضاء لم يكن يوماً “عامّاً” بالكامل. 

ففي حين يُفترض أن يتيح حرّية التعبير والمشاركة، يصبح فجأة محاطاً بأسلاك غير مرئية من التهديد والتضييق. الفضاء العامّ إلى النساء غالباً ما يُعاد ترسيم حدوده وفق مزاج المجتمع، وغالباً ما يُفتح بشرط، ويُغلق بتحريض، ويُراقَب بعدسة ذكورية لا تهدأ.

في السياق السوري، حملت النساء أجسادهن وأسئلتهن إلى تلك المساحات، مادّية كانت أم افتراضية، وظنن أن باب المشاركة فُتح لهن، فإذا به باب اختبار. فكلّ ظهور يُقابل بحساب، وكلّ رأي يُقاس بدرجة “التحمّل” لا المضمون. الفضاء الرقمي، رغم ما يدّعيه من حرّية، غالباً ما يتحوّل إلى مسرح مفتوح للعنف: يُقرأ الجسد قبل الفكرة، وتُهاجم النوايا قبل الكلمات. أما الفضاء المادّي، فيُطالب النساء بالصمت كي يُبقين على “سلامتهن”.

ربما كانت لحظة عدم الدخول إلى “الطوق” هي الأكثر رمزية. ذلك الطوق الذي شكّله بعض المتظاهرين من الرجال حول النساء في المظاهرات، بذريعة الحماية، لكنّه كان أيضاً عزلاً ناعماً، حدّاً مرئيّاً للفصل بين من يُسمح لهن بالهتاف، ومن يُطلب منهن الصمت باسم الأمان. أو تلك اللحظة التي علت فيها عبارة “الحرائر لورا!”، لأنها تُعيد إنتاج مكانهن خلف الصفوف، بعيداً عن موقع الفعل.

رغم ذلك، دخلت النساء الفضاء العامّ كما يُكسر قيد، كما يدخلن بيتاً ليس لهن فيه إرث، لكنّهن يحملن مفاتيحه. دخلنه بشغف المساهمة، وبأمل أن تكون الثورة بداية لإعادة توزيع الصوت، لا فقط للسلطة.

 ظهرت النساء كناشطات يهتفن في الساحات، كمصوّرات خلف العدسات، ككاتبات ينسجن الحكاية، وكخبيرات يشرحن المعنى من قلب الفوضى. في البدايات، ظنّت النساء السوريات أن الفضاء بات لهن أيضاً، و بأن الثورة أعادت رسم الخريطة، وحرّرت الصوت من شروطه القديمة. لكن سريعاً، تبيّن أن الفضاء قد فُتح جزئياً، بحدود غير مكتوبة: يمكنك أن تتكلّمي، ما لم تنتقدي البنية. يمكنك أن تظهري في الواقع وفي الإعلام، ما لم تُربكي السردية الذكورية. يمكنك أن تكوني طالما بقي وجودك قابلاً للهضم ضمن سردية “المناضلة الصامتة”. 

ومع الوقت، أصبحت المنصّات الإعلامية نفسها تُعيد إنتاج الإقصاء، لكن هذه المرّة بلغة أكثر نعومة: تُدعى المرأة لتكملة المشهد، لا لصناعته. تُقدَّم كوجه “يمثّل المرأة”، لكنّها لا تُدعم حين تُهاجَم، ولا تُحمى حينما تصبح حياتها الشخصية مسرحاً للجريمة بحجّة ” السياسات التحريرية الصارمة” أو  “حرّية الرأي”. تفتح المنصّة باب التعليقات، فينهال سيل من الشتائم: أكثر من ألف تعليق يصف الضيفة بـ”العاهرة”، يتّهمها بـ”السفالة”، يلاحق اسم عائلتها، ويخوض في تفاصيلها الشخصية، مكان سكنها، مظهرها، وحتى أسماء أفراد عائلتها. 

ولا تُزال هذه التعليقات، حتى لو أبلغت الضيفة عنها، حتى لو طلبت حذفها. يُقال لها إن المنصّة “لا تتدخّل في حرّية التعبير”، أو إن “سياسة المؤسّسة تمنع تعديل محتوى الجمهور”. يُترك خطاب الكراهية ليعيش، بينما تُطالب الضحيّة بالصبر. و هكذا تتحوّل وسائل الإعلام إلى شريك صامت، يتواطأ باسم الحياد، ويغضّ النظر عن الجريمة لأنها “لا تملك وقتاً للمراقبة”، أو لأنها تخشى أن تُتّهم بالرقابة. 

لا تُمسح الإهانة، بل تُؤرشف. لا يُردّ على العنف، بل يُعاد تدويره، وتُصبح كلّ مشاركة لامرأة اختباراً جديداً لتحمّل الأذى والتشهر علناً.

الشخصي… مؤسّساتي أيضاً

أستطيع القول واثقة، إن كثيراً من منصّات الإعلام السورية المعروفة في الوسط، سواء كانت مرئية أو مكتوبة، تسلك النهج نفسه، يشكون عدم وجود نساء كضيفات، بحجّة افتقاد الخبرة المناسبة للكلام أو في الظهور الإعلامي، في الوقت الذي ساهموا هم أنفسهم في ” تطفيش النساء من منصّاتهم”. 

ولا يقف الأمر هنا عند السياسات التحريرية الصارمة أو حرّية الرأي للجمهور، بل إن التحريض من قِبل بعض موظّفي تلك المنصّات على النساء علناً عبر صفحاتهم الشخصية، أصبح يندرح أيضاً تحت بند الحرّية الشخصية. 

 وفي الوقت الذي تُطالَب فيه النساء بالرصانة والانضباط على الهواء، يُمنح بعض موظّفي القنوات هامشاً واسعاً للتحريض خارج أوقات البثّ. نرى إعلاميين يكتبون منشورات على صفحاتهم الشخصية يصفون فيها النساء بـ”العاهرات” أو يلمّحون إلى حياتهن الخاصّة بطريقة مُهينة، أو ينشرون معلومات مضلّلة تنال من سمعتهن، متذرّعين بامتلاكهم “رأياً شخصياً”. 

وحين يُسأل مديرو المؤسّسات الإعلامية عن ذلك، يأتي الردّ جاهزاً: “هذه صفحة شخصية، لا تمثّل القناة”. وكأن العامل في الإعلام يتخلّى عن صفته المهنية بمجرّد مغادرته مبنى القناة. وكأن المسؤوليّة الأخلاقية تُعلّق عند باب الاستوديو، ويُسمح بما دونه خارج أوقات الدوام.

 لكن من المجدّي أيضاً أن نقول إنه حين يعمل الصحافي أو المقدّم أو المحرّر في مؤسّسة إعلامية، فإنه لا يتخلّى عن صفته المهنية حين يُغلق الكاميرا أو يخرج من الاستوديو. صفحته الشخصية ليست جزيرة معزولة عن منصّته، إنها امتداد لصوته، وسلطته، وتأثيره، خاصّة حين يعرّف نفسه في الوصف المهني بـ”مراسل في كذا”، أو “مقدّم في قناة كذا”، أو حين يستخدم شعارات القناة، أو يستند إلى جمهور تمّ جمعه عبر عمله الإعلامي، ثم إن هذا الادّعاء لا يصمد أمام أي ميثاق صحافي محترم.

 وفق المعايير المهنية العالمية، المسؤوليّة لا تتجزأ، فالمؤسّسات الإعلامية مسؤولة عن موظّفيها، ليس فقط أثناء ساعات الدوام، بل أيضاً عندما يستغلّ هؤلاء الموظّفون مكانتهم لإلحاق الضرر بالآخرين. لا يمكن لمؤسّسة أن تستثمر في “اسم” صحافي، وتفخر بعدد متابعيه، ثم تتنصّل من مسؤوليّة ما يفعله بهذا الاسم، ولا يمكن اعتبار منصّة عامّة، يتابعها جمهور واسع تشكّل بفعل الحضور الإعلامي كـ”مساحة شخصية” معفاة من الأخلاقيات.

وحتى حين لا يكتب الإعلامي في صفحته الشخصية اسم المؤسّسة التي يعمل فيها، لا تُرفع عن المنصّة مسؤوليّتها. لأن السلطة الإعلامية لا تُبنى فقط من توقيع البريد الإلكتروني، بل من التراكم، من الحلقات التي قدّمها، من ظهوره المتكرّر على الشاشة، من صورته المنتشرة، ومن ذلك الجمهور الذي يتابعه لا لأنه صديق شخصي، بل لأنه “فلان الذي يظهر على القناة الفلانية”.

 نفترض مثلاً أن مذيعاً يعمل في محطّة إخبارية، وفي المساء ينشر على صفحته الشخصية منشوراً يحرّض فيه ضدّ إحدى الضيفات، أو يشكّك في أخلاقياتها، أو يُطلق عليها وصفاً مهيناً. حتى إن لم يكتب صراحة اسم القناة في تعريفه، فالجمهور يعرف تماماً من هو، ومن أين تأتي سلطته التي تمنحه هذه القدرة على التأثير. فهل تصبح الإهانة أقلّ فتكاً فقط لأنه لم يكتب اسم مكان عمله؟ وهل يسقط عنه واجب التحفّظ المهني فقط لأنه غيّر اللغة من الرسمية إلى العامية؟

و هنا، لا يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تختبئ خلف حجج تقنية، وأن تقول “لا يمثلنا”، بينما لا تحرّك ساكناً أمام التحريض، ولا تضع مدوّنة سلوك داخلية، ولا تُفعّل آليّات المحاسبة، ولا تحمي الضحايا. فالصمت هنا شراكة والتغاضي تزكية. ثم ما معنى أن تُطلق يد الإعلامي خارج دوامه ليشتم ويُحرّض ويُفبرك، بينما تمنعه القناة فقط من الحديث باسمها؟ كأنما نقول له: إفعل ما تشاء، فقط لا توقّع باسمنا.

الرأي الشخصي: الرخصة الأخطر في إعلام بلا قواعد

 لعلّ ما يغيب هنا هو مصطلح المسؤوليّة الأخلاقية التي تسمو على المهنية، والأمثلة على الميثاق الأخلاقي ومسؤوليّة المؤسّسات الإعلامية عن سلوك موظّفيها كثيرة، وموجودة بوضوح في سياسات قنوات عالمية كبرى. مثلاً، في العام 2021، لم تكتفِ هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) بإصدار مدوّنة سلوك صارمة، بل فعّلتها بمعاقبة أربعة صحافيين لمخالفتهم قواعد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، رغم أن منشوراتهم لم تذكر اسم المؤسّسة، ولم تُنشر على قنواتها الرسمية.

حينها لم تقل BBC إن “هذه صفحاتهم الشخصية”، ولم تتنصّل من تبعات سلوكهم، بل اعتبرت أن الحياد والمسؤوليّة لا يسقطان عن الصحافي بمجرّد انتهاء وقت دوامه. لأن الصحافي لا يتوقّف عن التأثير حين يُغلق الكاميرا، ولا يخلع صفته المهنية حين يُغلق التطبيق. ولهذا، شدّدت BBC على أن الإعجاب بمنشور، أو مشاركة تغريدة، أو حتى استخدام وجه تعبيري ساخر، قد يُعدّ خرقاً لقواعد الحياد. في هيئة الإذاعة البريطانية، يُلزم الصحافيون بعدم نشر أي محتوى على حساباتهم الخاصّة، يمكن أن يُفهم على أنه انحياز أو انتهاك لقيم الاستقلاليّة والحياد، حتى لو لم يُذكر اسم المؤسّسة. و هذا ما حدث في عام 2021 عندما نُشرت تغريدة سياسية من حساب أحد مراسليها حول غزّة، فقوبلت بالتحقيق والاعتذار العلني.

و في العام 2017 قامت شبكة CNN الأميركية بإنهاء عقد الإعلامي والباحث رضا أصلان بعد أن نشر تغريدة وصفت الرئيس الأميركي آنذاك دونالد ترامب بعبارات نابية على حسابه الشخصي. رغم أن أصلان لم يكتب باسم القناة، ولم يظهر في برنامجه عند نشر تلك التغريدة، إلا أن CNN رأت أن ما كتبه يتعارض مع صورتها العامّة كمنصّة إخبارية ملتزمة بالانضباط المهني. أصلان نفسه قال في بيان لاحق: “أفهم أن على CNN حماية علامتها كوسيلة غير منحازة، تماماً كما يجب عليّ أن أعبّر عن صوتي الحرّ. أنا لست صحافياً، بل معلّق اجتماعي”، ومع ذلك، لم تُعفِه القناة من المحاسبة، لأن الثقة المهنية لا تُجزّأ، والمسؤوليّة لا تتوقّف بانتهاء وقت البثّ.

كما أن صحيفة نيويورك تايمز، أنهت تعاونها مع الصحفية لورين وولف في عام 2021، فقط لأنها عبّرت عن مشاعرها تجاه تنصيب بايدن بتغريدة اعتُبرت “غير محايدة”. التغريدة كانت شخصية تماماً، لكنّها كلّفتها وظيفتها. لأن الانطباع العامّ أهمّ من النيّة، والمهنية تُقاس بما يُبثّ للجمهور، لا بما يُشرح في الاجتماعات المغلقة. 

قناة France 24  كذلك، استدعت إحدى مذيعاتها بسبب مشاركة سياسية مثيرة للجدل على حسابها الشخصي، ورغم أنها لم تُفصل، اعتُبرت تصرفاتها خرقاً لمدوّنة السلوك الداخلي، واعتذرت لاحقاً علناً.

هذه الأمثلة تؤكّد أن المنصّات الإعلامية حول العالم، لم تعد تفرّق بين الخاصّ والمهني حين يتعلّق الأمر بالتأثير على الرأي العامّ، أو بنشر خطاب كراهية، أو باستهداف فئات مهمّشة كالنساء. فلماذا إذاً لا تُحاسب بعض وسائل الإعلام السورية موظّفيها حين يحرضون على النساء، أو يشاركون في التنمّر الجماعي عليهن؟ ولماذا لا تُفعّل أي مؤسّسة محلّية مدوّنة سلوك واضحة تحدّد حدود حرّية التعبير حين تتحوّل إلى أداة للعنف؟ وإذا كانت كبرى المؤسّسات العالمية تحمّل موظّفيها ثمن الكلمة حتى خارج ساعات البثّ، فكيف يُسمح بالكراهية عندنا تحت غطاء “الرأي الشخصي”؟

التواطؤ باسم الحياد

من المفارقات الفجّة في سلوك مؤسّسات الإعلام السورية أنها غالباً ما تتحجّج بـ”السياسات الصارمة” لتمنع ظهور رمز سياسي، أو لمجرّد تحفّظ الضيفة على جهة فاعلة. يُمنع الرمز، تُمنع العبارة، يُقصّ المقطع، وتُعدّل الأسئلة. لكن المؤسّسة ذاتها التي تدّعي الحياد، تُبقي ساحة التعليقات مفتوحة على مصراعيها لكلّ ما هو مهين، عنيف، وجنسي حين تكون الضيفة امرأة. آلاف التعليقات المسيئة لا تُمس، ولا تُراجع، وكأن كرامة الضيفة لا تستحقّ الحماية نفسها التي تُمنح لاسم مسؤول سياسي.

هذه الانتقائيّة في ضبط الخطاب، تكشف عن خلل بنيوي: حماية الرموز، لا الأفراد. حماية المنصّة، لا من تُستضاف فيها. بينما العالم يناقش اليوم مفهوم “الرعاية الرقمية” (Digital Care) ومسؤوليّة المنصّات عن بيئة النقاش، تكتفي مؤسّساتنا بـ”المراقبة الصامتة”، التي تتحوّل مع الوقت إلى تواطؤ ممنهج في ترهيب النساء وطردهن من الفضاء العامّ.

لا توجد سياسات واضحة للحماية الرقمية داخل غرف الأخبار، لا فرق بين ضيفة وصورة، لا دليل إجرائي للتعامل مع البلاغات، ولا مسؤول عن إزالة الأذى. وغالباً، يُطلب من النساء أن “يتفهّمن طبيعة الفضاء العامّ”، كما لو أن العنف هو ضريبة الظهور. و هذا التخاذل المؤسّساتي يُجبر النساء اللواتي جرّبن الظهور الإعلامي في سياق معادٍ على الانسحاب بصمت، لأنه أيضاً في كثير من الحالات يمتدّ التقريع الرقمي إلى ضغوط اجتماعية، قطيعة عائلية، تهديدات أمنية، ووصمة قد تلاحق المرأة في بيئتها ومحيطها. هناك نساء غيّرن أماكن سكنهن، أو أغلقن حساباتهن، أو قرّرن مغادرة العمل العامّ تماماً بسبب حلقة واحدة. وهناك من تُعرّض حيواتهن للخطر لأن المؤسّسة لم تحذف تعليقاً يصف عنوان سكنها.

لماذا؟

في النهاية، لا يعود السؤال عن امرأة ظهرت في مقابلة ثم انهالت عليها الشتائم، ولا عن إعلامي كتب منشوراً محمّلاً بالإهانة وتوارى خلف عبارة “رأيي الشخصي”، ولا حتى عن منصّة مرّت فوق ألف تعليق كأنها لا تسمع، ولا ترى، ولا يعنيها الأمر. يصير السؤال سلسلة من ” لماذا”؟ لماذا تُترك النساء وحدهن؟ لماذا كلما ظهرت واحدة على الشاشة وقالت ما لا يروق، تُرمى للكلام الجارح كمن يُرمى للذئاب؟ لماذا تصير التعليقات ميدان جلد، ولا أحد يحذف؟ لا أحد يعتذر؟ لماذا تشاع مشاركة امرأة وكأنها جريمة؟ ولماذا حين تُسأل المؤسّسة، تكتفي بجملة باهتة: “هذه صفحته الشخصية”؟ وكأن الصفحة لا تكتبها اليد ذاتها، التي تُصافح الضيوف وتقدّم الأسئلة. 

أكتب هذه الخاتمة لأنني تعبت من رؤية النساء يسلّمن أنفسهن للكاميرا، ثم يتكسّرن في الكواليس. أكتبها لأن مسؤوليّة الإعلام لا تنتهي حين يُغلق المايك، بل تبدأ من بعده. لأن المؤسّسات التي تفخر بأسماء موظّفيها، عليها أيضاً أن تتحمّل ما يُقال باسمهم. ما نطلبه ليس كثيراً، فقط أن تتحلّى المؤسّسات بأخلاق المهنة، و لا أعلم إن كان هذا كثيراً.

21.08.2025
زمن القراءة: 11 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية