ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

حين أصابت السوريين جائحة فقدان الذاكرة…

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لم تُسهّل هذه السلطة على من يحملون الذاكرة أن ينسوا. فإن أرادوا نسيان ماضيها، ذكّرتهم بحاضرها: لا حوار وطني حقيقي يفضي إلى عقد اجتماعي، لا حكومة تعددية للمرحلة الانتقالية، لا جيش وطني، بل سلطة مركزية تميل إلى الاستبداد، تحتكر القرار، وتقصي النساء وتهمّشهن، وتنتهك حقوقهن بشكل صارخ.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

أقسى ما يؤلمني اليوم هو هذا التيه الذي يعيشه السوريون بعدما أصابتهم جائحة فقدان الذاكرة. فمن هتافات «الشعب السوري ما بينذل» و«واحد… واحد… واحد» في شوارع 2011، إلى شعارات خشنة من نوع «بدنا نحكم بالصرماية»، شهدنا زلزالًا سياسيًا وأخلاقيًا أطاح ما تبقّى من الحلم الذي حملناه معًا ذات ربيع.

نسي كثيرون هتافاتهم ضد أبو محمد الجولاني، ونسوا أن الفصائل المتطرفة التي تعددت أسماؤها وراياتها، ثم ظهرت فجأة بصفة «الجيش» أو «المعارضة» الرسمية، كانت تُجهز على الثورة من الجهة ذاتها التي كان النظام الأسدي يُجهز عليها منها. نُسي من قتلتهم تلك الفصائل من مدنيين وناشطين سلميين، ومن اختفت أصواتهم أو أُسكتت أو هُجّرت. ونُسي أيضًا أن عهدًا بالدم كان قد كُتب بأن نصل إلى سوريا المواطنة والحريات والكرامة. فهل وصلنا؟

نحن، من لم ننسَ، يحق لنا أن نسأل من نسي: أين كنتم طوال أربعة عشر عامًا؟ نسأل لا لننقض ما فعلناه معًا، بل لنتذكّر، فالتذكّر هو آخر ما بقي في حوزتنا. أما سؤال من يريد شطب الذاكرة، فهدفه محو التاريخ لا استعادته، ونفي معنى العمل من أجل ما بعد رحيل الأسد، لا فقط من أجل سقوطه.

وعن السقوط نسأل: من الذي سقط فعلًا؟ هل سقط النظام أم سقطت فقط صورته؟ هل سقط القمع والفساد والمحسوبيات، أم أن الأسد الذي رحل أورث كل ذلك بلون جديد، وبمباركة عالم يقوده دونالد ترامب، ثم سقطت بعده، تباعًا، قيم الثورة حين انقلب كثر ممن كانوا معارضين للنظام إلى مطبلين للسلطة الجديدة؟

ما تشهده سوريا اليوم من تمزّق في النسيج الوطني كان نتيجة مباشرة لسلطة وُلدت من رحم الانتهاكات واشتغلت على مراكمة المظلومية، فأيقظت لدى باقي المكونات هويات ضيقة دون-وطنية، وتحول الصراع إلى صراع وجود لا صراع انتقال. مجازر، تدخلات دولية، مصالح ضيقة، ووقود بشري من كل الجهات.

لم تُسهّل هذه السلطة على من يحملون الذاكرة أن ينسوا. فإن أرادوا نسيان ماضيها، ذكّرتهم بحاضرها: لا حوار وطني حقيقي يفضي إلى عقد اجتماعي، لا حكومة تعددية للمرحلة الانتقالية، لا جيش وطني، بل سلطة مركزية تميل إلى الاستبداد، تحتكر القرار، وتقصي النساء وتهمّشهن، وتنتهك حقوقهن بشكل صارخ.

ومع طبول حرب لم تهدأ، يخوض السوريون داخل البلاد تحديات معيشية خانقة، بينما تنهمر قرارات عبثية تُكرّس هشاشة المجتمع وتعيد إنتاج النظام الأبوي الذكوري، الذي يحاول قولبة المجتمع وفق مصالح السلطة. يهرول الحكم نحو إرضاء القوى الدولية المتحكمة بمصير سوريا، من دون أي إصلاح جدي يعالج أزمات الهوية والمجتمع والمؤسسات والتشريع. يتمزق النسيج الاجتماعي تحت ضربات الكراهية والتحريض، ويتزايد العنف، فيما تُستبدل السياسة بالأمن، والحوار بالقمع، والحلول التوافقية بفرض السيطرة، وهي كلها حلول مؤقتة لا تبني استقرارًا ولا وطنًا.

نحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى مشروع وطني تحمله سوريات وسوريون حريصون على الذاكرة والمستقبل، وعلى وطن حلمنا به: وطن حقوق ومساواة بلا تمييز، وطن ديمقراطي تعددي مدني. لكن هذا المشروع لا يتحقق بلا حوامل اجتماعية وسياسية تستفيق قبل فوات الأوان. فخوف السوريين من بعضهم يعمّق الهوّة يوميًا، ومن دون حوار وتوافقات ستتحول تلك الهوة إلى مقبرة.

من دون مشروع كهذا، يضيق الطريق ويتجه الجميع نحو الهاوية، والجميع خاسر. قد يقول قائل إننا هُزمنا، نحن حَمَلة الذاكرة. لكن الهزائم قد تكون مؤقتة ما دامت الأرض تدور، وما دام هناك من يتذكر ويحب هذه البلاد التي لعنتنا، ونحبها.

عاصم الشميري-صحافي يمني | 18.07.2026

من الطالبة إلى الزينبية: كيف بنت جماعة الحوثي منظومتها لجندرة العنف وتجنيد النساء

لم يكن انخراط النساء في مشروع جماعة الحوثي وليد اللحظة، بقدر ما كان نتاج مسار بدأ منذ الحروب الأولى، ومع مرور الوقت، تحوّلت اللقاءات النسائية المرتبطة بالمناسبات الدينية إلى منصّات للتعبئة الفكرية.
29.01.2026
زمن القراءة: 3 minutes

لم تُسهّل هذه السلطة على من يحملون الذاكرة أن ينسوا. فإن أرادوا نسيان ماضيها، ذكّرتهم بحاضرها: لا حوار وطني حقيقي يفضي إلى عقد اجتماعي، لا حكومة تعددية للمرحلة الانتقالية، لا جيش وطني، بل سلطة مركزية تميل إلى الاستبداد، تحتكر القرار، وتقصي النساء وتهمّشهن، وتنتهك حقوقهن بشكل صارخ.

أقسى ما يؤلمني اليوم هو هذا التيه الذي يعيشه السوريون بعدما أصابتهم جائحة فقدان الذاكرة. فمن هتافات «الشعب السوري ما بينذل» و«واحد… واحد… واحد» في شوارع 2011، إلى شعارات خشنة من نوع «بدنا نحكم بالصرماية»، شهدنا زلزالًا سياسيًا وأخلاقيًا أطاح ما تبقّى من الحلم الذي حملناه معًا ذات ربيع.

نسي كثيرون هتافاتهم ضد أبو محمد الجولاني، ونسوا أن الفصائل المتطرفة التي تعددت أسماؤها وراياتها، ثم ظهرت فجأة بصفة «الجيش» أو «المعارضة» الرسمية، كانت تُجهز على الثورة من الجهة ذاتها التي كان النظام الأسدي يُجهز عليها منها. نُسي من قتلتهم تلك الفصائل من مدنيين وناشطين سلميين، ومن اختفت أصواتهم أو أُسكتت أو هُجّرت. ونُسي أيضًا أن عهدًا بالدم كان قد كُتب بأن نصل إلى سوريا المواطنة والحريات والكرامة. فهل وصلنا؟

نحن، من لم ننسَ، يحق لنا أن نسأل من نسي: أين كنتم طوال أربعة عشر عامًا؟ نسأل لا لننقض ما فعلناه معًا، بل لنتذكّر، فالتذكّر هو آخر ما بقي في حوزتنا. أما سؤال من يريد شطب الذاكرة، فهدفه محو التاريخ لا استعادته، ونفي معنى العمل من أجل ما بعد رحيل الأسد، لا فقط من أجل سقوطه.

وعن السقوط نسأل: من الذي سقط فعلًا؟ هل سقط النظام أم سقطت فقط صورته؟ هل سقط القمع والفساد والمحسوبيات، أم أن الأسد الذي رحل أورث كل ذلك بلون جديد، وبمباركة عالم يقوده دونالد ترامب، ثم سقطت بعده، تباعًا، قيم الثورة حين انقلب كثر ممن كانوا معارضين للنظام إلى مطبلين للسلطة الجديدة؟

ما تشهده سوريا اليوم من تمزّق في النسيج الوطني كان نتيجة مباشرة لسلطة وُلدت من رحم الانتهاكات واشتغلت على مراكمة المظلومية، فأيقظت لدى باقي المكونات هويات ضيقة دون-وطنية، وتحول الصراع إلى صراع وجود لا صراع انتقال. مجازر، تدخلات دولية، مصالح ضيقة، ووقود بشري من كل الجهات.

لم تُسهّل هذه السلطة على من يحملون الذاكرة أن ينسوا. فإن أرادوا نسيان ماضيها، ذكّرتهم بحاضرها: لا حوار وطني حقيقي يفضي إلى عقد اجتماعي، لا حكومة تعددية للمرحلة الانتقالية، لا جيش وطني، بل سلطة مركزية تميل إلى الاستبداد، تحتكر القرار، وتقصي النساء وتهمّشهن، وتنتهك حقوقهن بشكل صارخ.

ومع طبول حرب لم تهدأ، يخوض السوريون داخل البلاد تحديات معيشية خانقة، بينما تنهمر قرارات عبثية تُكرّس هشاشة المجتمع وتعيد إنتاج النظام الأبوي الذكوري، الذي يحاول قولبة المجتمع وفق مصالح السلطة. يهرول الحكم نحو إرضاء القوى الدولية المتحكمة بمصير سوريا، من دون أي إصلاح جدي يعالج أزمات الهوية والمجتمع والمؤسسات والتشريع. يتمزق النسيج الاجتماعي تحت ضربات الكراهية والتحريض، ويتزايد العنف، فيما تُستبدل السياسة بالأمن، والحوار بالقمع، والحلول التوافقية بفرض السيطرة، وهي كلها حلول مؤقتة لا تبني استقرارًا ولا وطنًا.

نحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى مشروع وطني تحمله سوريات وسوريون حريصون على الذاكرة والمستقبل، وعلى وطن حلمنا به: وطن حقوق ومساواة بلا تمييز، وطن ديمقراطي تعددي مدني. لكن هذا المشروع لا يتحقق بلا حوامل اجتماعية وسياسية تستفيق قبل فوات الأوان. فخوف السوريين من بعضهم يعمّق الهوّة يوميًا، ومن دون حوار وتوافقات ستتحول تلك الهوة إلى مقبرة.

من دون مشروع كهذا، يضيق الطريق ويتجه الجميع نحو الهاوية، والجميع خاسر. قد يقول قائل إننا هُزمنا، نحن حَمَلة الذاكرة. لكن الهزائم قد تكون مؤقتة ما دامت الأرض تدور، وما دام هناك من يتذكر ويحب هذه البلاد التي لعنتنا، ونحبها.

29.01.2026
زمن القراءة: 3 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية