ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

حين أُطفئت الشموع في الكنيسة: ماذا تبقّى من سوريا؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تزايدت التساؤلات حول هشاشة الوضع الأمني، وازدواجية التعامل مع الضحايا، وعمق الشرخ المتفاقم بين الأقليات والسلطة التي تزعم تمثيل الجميع، ما يُنذر بانهيار ما تبقّى من الثقة في مشروع الدولة السورية الجديدة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

أخيراً وقع في سوريا ما كنّا نخشاه ونستبعده: تفجير في كنيسة في حيّ قرب دمشق الشام، أدّى إلى مقتل أكثر من عشرين مؤمناً وإصابة عشرات آخرين. لا شيء يوجِع النفس أكثر من خسارة عزيز، وقد تركت ضخامة الخسائر ألماً عميقاً في الأرواح لمعظم السوريين، سيمكث طويلاً في الوجدان السوري، على أن المؤلم أيضاً هو الجرح الذي انفتح في الروح السورية. 

كنا في سوريا نعتقد أننا محصّنون من الوصول إلى هذا الدرك، ونحسب أن هذه الحوادث تقع في العراق ومصر وباكستان، ولكن ليس في سوريا، وبالتأكيد ليس في دمشق الشام. وكأن ما حدث لا يكفي كمأساة، جاء ردّ فعل الحكومة السورية ليذكّرنا بأن ليس في سوريا من يواسي جروح المصاب، ويحسن عزاء العوائل المنكوبة، ويقيم العدل، ويحقّ الحقّ. 

في البداية جاء بيان الحكومة السورية لـ “يُدين بأشدّ العبارات الهجوم الإرهابي الذي استهدف كنيسة مار إلياس في حيّ الدويلعة في دمشق،” وكأن حيّ الدويلعة يقع في اليونان، أو لكأن دمشق عاصمة اليمن. الحكومة لا تدين، بل تعلن عن المأساة وتصنّفها وتعد بتحقيق العدالة وتتعهّد بمنع تكرارها، باعتبارها المسؤولة عن أمن مواطنيها. هكذا فعلت أنغيلا ميركل في أعقاب الهجوم الإرهابي الذي استهدف سوق عيد الميلاد في ساحة برايتشايدبلاتس في برلين في 2016، عندما عبّرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في خطاب متلفز عن صدمتها العميقة وحزنها البالغ، وشدّدت على تمسّك الألمان بسيادة القانون والحياة الحرّة والمفتوحة. 

وبعد ساعات، أعلنت الحكومة السورية أنها كشفت الشبكة المسؤولة عن التفجير، ونسبتها إلى “تنظيم الدولة الإسلامية” الإرهابي. غير أن تنظيماً مجهولاً يُدعى “سرايا أنصار السنّة” تبنّى العمليّة وكشف هوّية المنفّذ الانتحاري، مؤكّداً أنه لا ينتمي إلى “داعش”، بل إلى جماعة متشدّدة منشقّة عن “هيئة تحرير الشام،” متخصّصة في استهداف الأقليات. التنظيم نفسه أعلن في مارس/ آذار الماضي مسؤوليّته عن مجازر في ريف الساحل. ورغم خطورة هذا المسار، لم تُصدر السلطات أي معلومات مسبقة عن هذا التنظيم أو تحرّكاته، ما يثير تساؤلات واسعة في الشارع السوري حول الغموض الذي يكتنف وجوده، وأسباب التكتّم الرسمي على ملابسات التفجير ونتائج التحقيق حتى اللحظة.

التفجير وردّ الفعل الرسمي عليه، إضافة إلى الخطر المتزايد لعودة الإرهاب الطائفي، تكشف عمق الانقسام بين السوريين. أما الشعور الذي اجتاح الكثيرين، وخصوصاً من المسيحيين السوريين، فكان مزيجاً من الذعر وفقدان الثقة بالحكومة والمجتمع والمستقبل.

خلّف التفجير صدمة عميقة في أوساط المسيحيين السوريين، ليس فقط بفعل دمويته وموقعه داخل مكان عبادة، بل أيضاً لما اعتُبر تقصيراً بالغاً من السلطة الجديدة في توفير الحماية، وردّاً رسمياً باهتاً لا يرقى إلى جسامة المأساة. وعلى الرغم من إعلان الحكومة إلقاء القبض على خليّة مرتبطة بالحادث، ساد الغضب والشكّ أوساط السكّان، الذين رأوا في تجاهل مطالبهم، ومنها الامتناع عن وصف الضحايا بـ”الشهداء”، دليلاً على تمييز ديني متجذّر.

تزايدت التساؤلات حول هشاشة الوضع الأمني، وازدواجية التعامل مع الضحايا، وعمق الشرخ المتفاقم بين الأقليات والسلطة التي تزعم تمثيل الجميع، ما يُنذر بانهيار ما تبقّى من الثقة في مشروع الدولة السورية الجديدة.

لكنّ هذا كلّه ليس وليد اللحظة.

من الورد إلى الديناميت

خلال العقد ونصف العقد الماضي، انحدرت سوريا إلى هاوية عنف وكراهية لا سابق لها في تاريخها الحديث. تحوّل خطاب الكراهية والتحريض الطائفي، وبخاصّة على وسائل التواصل الاجتماعي، وقوداً لإشعال جولات جديدة من العنف وإراقة الدماء، ممزقاً النسيج الاجتماعي ومقوّضاً آمال التعايش الوطني.

البعض يستخدم هذه الخطابات وسيلة للهو، غير مدركِ – أو غير آبه ربما – لما يمكن أن تؤدّي إليه موجات إثر موجات من تبادل الكراهية والدعوة للعنف. والأدهى أن ذلك كله لم يعد تعبيراً رمزياً عن انقسام المجتمع عمودياً إلى سلسلة غير متناهية من الطوائف والمذاهب والقبائل والمناطق، بل تحوّل إلى أدوات فعّالة لتفتيت المجتمع بشكل حقيقي، ووضعه على حافّة انفجار أهلي جديد، وبات يُستخدم في حرب نفسية ضدّ جماعات بكاملها، لتجريدها من إنسانيتها وتبرير استهدافها. وتفاقمت هذه الظاهرة، في غياب أطر قانونية رادعة ورقابة على الفاعلين غير الحكوميين، معيقة جهود التعافي الوطني ومهدّدة ما تبقّى من تماسك اجتماعي.

لا مراء في أن نظام بشار الأسد هو من يتحمل المسؤولية الأساسية عن هذا الانحدار، بسبب الجرائم المروّعة ضدّ الإنسانية التي ارتكبها، بما في ذلك الإعدام خارج إطار القانون، والتطهير العرقي والتعذيب والتجويع والحصار بحقّ جميع السوريين وتدمير المساكن والمستشفيات والمدارس والمخابز والمعابد. ومع انهيار النظام وهروب زعيمه، برزت مخاوف جدّية من موجة انتقامية طائفية دموية، كان يمكن أن تُغرق البلاد في متاهة لا خروج منها. على أن هذا السيناريو المتشائم لم يتحقّق بالكامل إلا أن العنف استمرّ، ولا يزال يحصد ضحايا من المدنيين الأبرياء بدلاً من مجرمي النظام الكبار، الذين – ويا للسخرية – يتمتّعون بحماية النظام الجديد – بعضهم على الأقلّ. 

ثمّة جيل كامل من السوريين، الذين ولدوا ونشأوا إما قبيل الثورة أو خلالها، لم يعرف سوى مشاهد القتل والكراهية والانقسام. حتى أن بعضهم صار يعتقد أن هذه هي الحالة الطبيعية، بل ربما الأفضل. تتحدّى مقالتي هذه تلك الفكرة، مذكرةً القراء بأن الثورة السورية بدأت كانتفاضة سلمية، قبل أن يحوّلها تجّار السياسة الجغرافية والدم إلى حرب أهلية مدمّرة. هنا، أتتبّع لحظة الانهيار: متى وكيف تحوّل الأمل إلى يأس؟

حركة اللاعنف السورية

سيقول كثير ممن يقيّض لهم قراءة هذه السطور أشياء مثل “هذه نوستالجيا” أو “كفى سذاجة بحقّ السماء!”، ولعلّي لا أنفي عن نفسي السذاجة، فأنا من قلّة من الناس الذين لا يؤمنون أن السياسة فنّ الممكن، وأنها “وسخة”، بل أدّعي إن السياسة هي فنّ تحقيق المستحيل، وعلى من يتصدّى لها أن يعي ذلك جيّداً. 

ولذلك، لن أملّ أبداً من تذكير الغافلين بالتحوّل الجذري للثورة السورية من بداياتها السلمية في عام 2011، إلى انزلاقها نحو العنف والعسكرة. ستعيد هذه السطور سردية الأشهر الأولى من الثورة السورية، وتتلمّس صعود فاعل سياسي جديد – بقيادة شبابية، سلمي، ومنفصل عن المعارضة التقليدية – تجسّد في لجان التنسيق المحلّية، وقدم نموذجاً للنضال المدني والثقافي والمقاوم ضدّ الطغيان.

عمل شباب الثورة الأولى في ظروف استثنائية. فالنظام، الذي تعلّم من دروس المعارك الإعلامية في مصر وتونس، طرد على الفور الصحافيين الأجانب وأغرق الإعلام الرسمي بالدعاية الطائفية. في مواجهة ذلك، خاطر أعضاء التنسيقيات بالاعتقال والتعرّض للتعذيب والموت، لنشر مقاطع مصوّرة مهتزّة من هواتفهم النقّالة وتسرّيب الشهادات العينية، لتشكيل الرأي العامّ العالمي، وربط أصوات السوريين بالعالم الخارجي. أدرك أولئك الشباب قوّة السرد، وخاضوا معركتهم من أجل الحقيقة – كادراً تلو كادر. 

ومع ذلك، لم تكن قوّة الثورة في بداياتها محصورة في قدرتها على توثيق القمع ومخاطبة الرأي العامّ، بل في بنيتها الأخلاقية أيضاً. تجسّد هذا البعد بوضوح في داريا؛ البلدة الصغيرة جنوب غرب دمشق، التي تحوّلت إلى رمز للاعنف المنظّم، حيث رفض الناشطون، مستلهمين أفكار جودت سعيد، الانجرار إلى أي شكل من أشكال الردّ العنيف، وواجهوا الحصار بتوزيع الورود والماء على الجنود، في محاولة للوصول إلى إنسانيتهم، لا إلى أزيائهم العسكرية.

برز في هذا السياق اسم غيّاث مطر، الذي قضى تحت التعذيب، وصديقه يحيى شربجي، الذي غيّبه الاعتقال لسنوات قبل أن يُعرف نبأ مقتله. كلاهما كان من دعاة الانضباط اللا عنفي، لا في الفعل فحسب، بل في الخطاب أيضاً، ويحيى الذي قاد النشاط السلمي هو من دعا إلى تجنّب اللغة العدائية، مذكّراً بأن الثورة ليست وسيلة لتغيير النظام فحسب، بل اختبار لقدرتنا على تغيير أنفسنا أيضاً.

تكرّرت هذه المشاهد عبر سوريا. في حمص واللاذقية وسراقب ودرعا، أصرّ ناشطون مثل رزان زيتونة ومازن درويش ومنهل باريش وسميرة خليل على المقاومة السلمية حتى تحت وابل الرصاص، وآمنوا أن الموقف الأخلاقي للثورة هو أقوى أسلحتها، وأن الانزلاق إلى العنف يعني خسارة روح الانتفاضة.

وقد صمدوا شهوراً طوالاً. كان النظام المتوّحش الذي أصمّ أذنيه وفتح عينيه يردّ، كما كان متوقعاً، بعنف مفرط. حوصرت بلدات بكاملها، دوهمت المستشفيات، عُذّب الأطفال. ومع ذلك، ظلّ السوريون يملأون الشوارع، حاملين لافتات التنديد بالظلم وهتافات الكرامة. أصبحت الانتفاضة مرآة عكست همجيّة النظام من جهة، وصمود الشعب من جهة أخرى.

لكن مع تصاعد القمع وجبن الموقف الدولي والرعب الذي استبدّ بقوى إقليمية فاعلة، طغت القوى المسلّحة والتدخّلات الخارجية على هذه القوى السلمية، مما أضعف المشروع الديمقراطي، وأعاد إحياء خطاب الكراهية والانقسام. بعد أكثر من عقد على بدء الثورة، أحاول قراءة التجربة بمنظور نقدي، مجادلاً أن اللا عنف لم يكن ضعفاً وهشاشة من السوريين، ولكنه كان خياراً واضحاً اختاروه بأنفسهم وعن وعي منهم. 

وبحلول أواخر 2011، بدأت موازين القوى تتغيّر. ظهور “الجيش السوري الحرّ” الذي شكّله جنود انشقّوا رافضين قتل المدنيين، شكّل نقطة تحوّل. ولئن كان سبب تشكّل الجيش الحرّ دفاعياً في البداية، فإن وجوده عزّز الدعوات للمقاومة المسلّحة. وكلما تصاعد قمع النظام، أصبح التمسّك باللا عنف أكثر صعوبة. ازداد العبء على المتظاهرين السلميين – عبئاً ثقيلاً جداً لم يعد بإمكانهم تحمّله وحدهم. وبينما كان الأسد يعطي الفرصة للمتظاهرين بالتسلّح، ويترك لهم الأسلحة عمداً، كان يعتقل ويغيّب ويقتل ويعدم القادة السلميين مثل عبد العزيز الخير ومشعل التمّو وعبد القادر الصالح ويوسف الجادر وباسل شحادة. 

ومن لم يقتله أو يغيّبه النظام، تكفّلت به الفصائل الإسلامية المتطرّفة. فاختطف “جيش الإسلام” القادة السلميين الذين كانوا يوثّقون جرائم النظام والفصائل المسلّحة: رزان زيتونة، وسميرة الخليل، وناظم حمّادي، ووائل حمادة، ولا نعرف مصيرهم حتى اليوم. ولاحق “تنظيم الدولة” و”النصرة” الصحافيين السلميين والناشطين الذين كانوا يوثّقون انتهاكات حقوق الإنسان، وقتلوا نشطاء مثل إبراهيم عبد القادر وناجي الجرف وروعة القاسم.

وكانت النتيجة أن خلت الساحة من الصف الأول والثاني من قادة الثورة الأوائل، وبرّر قادة الفصائل المسلّحة المدعومة من قوى إقليمية بارزة، عنف النظام لاستخدام عنف مقابل، وانحدرت البلاد شيئاً فشيئاً نحو هاوية لا قرار لها.

في الخارج، بقيت المعارضة التقليدية والجديدة في المراحل الأولى من الثورة، عاجزة عن مواكبة الديناميات الجديدة التي فرضتها حركة الداخل، وعندما حاولت تدارك تأخّرها، تحرّكت بسرعة لملء الفراغ السياسي، لكنّها فعلت ذلك من موقع ارتباك وبأدوات قديمة. وحظي “المجلس الوطني السوري”، الذي جاء كاستجابة متأخّرة لضغوط إقليمية ودولية، باعتراف سياسي سريع، إلا أنه افتقر إلى قاعدة شعبية متينة أو هيكلية تنظيمية مستقلّة، وسرعان ما وقع تحت تأثير تنظيم “الإخوان المسلمين”، مما أدّى إلى استقطاب داخلي أضعف شرعيّته بوصفه إطاراً جامعاً.

في الوقت نفسه، كانت لجان التنسيق المحلّية، التي منحت الثورة بنيتها التنظيمية ورؤيتها السلمية، تتآكل تحت وطأة القمع والإنهاك الميداني، بينما بدأت تظهر فصائل أكثر تسليحاً، وأكثر قدرة على فرض حضورها الرمزي والعسكري. وانعكس هذا التبدّل في موازين القوى أيضاً على المقاربة الدولية، فانجذبت العواصم الغربية والعربية إلى الخطاب الجيوسياسي، على حساب دعم البنية المدنية للثورة. وتحوّل التركيز صوب تسليح الفصائل، في غياب رؤية شاملة للمرحلة الانتقالية، مما أضعف الزخم الأخلاقي والسياسي للانتفاضة.

وبهذا المعنى، لم يكن تراجع اللا عنف مجرّد نتيجة للعنف المفرط من قِبل النظام فحسب، بل نتاج لتحوّلات داخلية وخارجية أعادت تعريف أولويات الثورة. ومع الوقت، تفكّك المشروع الوطني الجامع إلى مشاريع متنافرة، وفقدت الثورة مركز ثقلها الأخلاقي، لصالح منطق السيطرة العسكرية والتحالفات الفصائلية. وبينما كانت البداية وعداً بتأسيس نظام ديمقراطي جديد، أفضت المسارات المتشابكة إلى واقع من الانقسامات الطائفية وحروب الوكالة المفتوحة، وهو ما أوصلنا إلى ما نحن عليه اليوم.

جلّادون يغيّرون زيّهم

عندما سقط نظام الأسد وهرب الرئيس السابق أخيراً في أواخر 2024، كان يجب أن تتاح لسوريا لحظة تحرّر. انتصار طال انتظاره لشعب تحمّل ما لا يُحتمل. لكن التحرّر، كما اتّضح، لم يكن مرادفاً للعدالة، فسقوط الطاغية لم يعنِ قيام الجمهورية التي حلمنا بها.

في الأسابيع التالية لسقوط الطاغية، كنّا جميعاً نخشى الأسوأ: موجة انتقام دموية شاملة وانهيار تامّ لمؤسّسات الدولة. لحسن الحظ، لم يتحقّق هذا الكابوس. ولا بدّ هنا من نسْب الفضل إلى قيادة “هيئة تحرير الشام” ومن يقف وراءها، كما تبيّن لاحقاً. على أن ما ظهر بدلاً من ذلك كان انحداراً أبطأ وأذكى.

فبينما كان السوريون يترقّبون بزوغ عدالة تؤسّس لجمهورية جديدة، خرج الجلّادون من عتمة الذاكرة، وقد غيّروا وجوههم وارتدوا ثياب المصالحة. فجأة، أصبح سفّاح “التضامن” محامياً، وجلّاد “الدفاع الوطني” ضيف شرف في مجالس العزاء، يتلقّى العناق من مسؤولي الدولة التي نشأت على أنقاض الاستبداد. 

فادي صقر، الذي لا تزال رائحة الموت عالقة على يديه، يُعاد تلميعه اليوم تحت لافتة السلم الأهلي، وبدلاً من محاسبته على جرائمه في محاكمة عادلة، نراه يتصدّر مشهد المصالحة، وتُكافأ الأيادي الملطّخة بالدم بفرص الظهور والبروز، وتُترك عائلات الضحايا لمواجهة مصيرها وحدها. 

وبالفعل، منذ سقوط النظام، لم يُوجَّه الغضب نحو مرتكبي الجرائم بقدر ما وُجّه نحو جماعات بكاملها، على أساس طائفي أو مناطقي أو بحسب ولاءات مُفترضة. عائلات عارضت النظام منذ بداياته وجدت نفسها معاقبة أو مُضايقة لمجرّد انتمائها أو نسبها. أعرف شخصياً من دفع هذا الثمن: صديقتي هنادي زحلوط، الناشطة البارزة والمعارِضة العنيدة لعائلة الأسد، فقدت ثلاثة من أشقّائها، رغم أن أحداً منهم لم يكن من الموالين للنظام السابق لكي يكون شبيحاً. وصديقتي وفاء سلطان، التي واجهت نظام البعث طويلاً، فقدت أخاها وأولاده الثلاثة في ظروف مشابهة. في هذا المشهد، لا يبدو أن الانتماء الشخصي أو الموقف السياسي كانا كافيين لحماية أحد.

لكنّ العنف لم يتّخذ دائماً شكلاً مادياً مباشراً، إذ انتقل تدريجياً إلى الفضاء الرقمي، حيث ازدهرت أشكال جديدة من الاستهداف: حملات تحريض عبر الوسوم، مقاطع مفبركة، واستفزازات مقصودة تهدف إلى إشعال التوترات الطائفية. ما بدأ في الشوارع، انتقل إلى الشاشات؛ وما مُورس بالسلاح، بات يُدار بالخوارزميات.

بحلول العام 2025، لم تعد هشاشة سوريا تقتصر على مؤسّساتها المنهارة أو اقتصادها المنكوب، بل امتدّت إلى فضائها الرقمي غير المنظّم. أصبحت وسائل التواصل ساحة معركة منفلتة من أي ضابط قانوني أو أخلاقي، تُضخّم خطاب الكراهية وتروّج للتضليل. انتشرت مقاطع لجرائم حرب حقيقية إلى جانب لقطات مزيّفة يصعب التمييز بينها، ومع غياب إعلام مهني أو قضاء مستقلّ، راح المؤثّرون وسماسرة الأزمات يعيدون تدوير الكراهية، ويغلّفونها بلبوس جديد.

جوهر القضيّة

هذه، في جوهرها، هي مأساة سوريا اليوم. الثورة التي وُلدت من رحم الأمل والدعوة للديمقراطية، تجد نفسها في مشهد تشكّله الجراح المفتوحة، وانهيار الثقة، وانزلاق المجتمع نحو حافّة التفكّك. لقد تراجعت لغة العدالة، وحلّت محلّها لغة الانتقام.

لكن وسط هذا الظلام، تبقى حقيقة: الثورة السورية لم تبدأ بالعنف، ولا ينبغي أن تنتهي به.

إرث اللجان التنسيقية وداريا والاعتصامات السلمية والورود المقدّمة للجنود يظلّ مرجعاً، ليس كنوستالجيا، بل كخارطة طريق. الناشطون الذين خاطروا بحياتهم لتوثيق الاحتجاجات وطرح رؤية ديمقراطية ما زالوا بيننا، وإن تشتّتوا، أو جُرحوا، أو نزحوا. مهمّتهم اليوم أصعب، لكنّها لا تقلّ أهمّية: بناء ثقافة مدنية تقاوم الاستبداد وثقافة الانتقام معاً.

هذا يتطلّب أكثر من السياسة. يتطلّب ذاكرة وعدالة وحماية، ويتطلّب قبل ذلك مؤسّسات قادرة على ضمان الحقوق وفضّ النزاعات، لا ميليشيات أو حشود شعبية. محو أمية رقمية وإصلاح قانوني لمواجهة سموم التواصل الاجتماعي، لغة أخلاقية مشتركة لتمييز العدالة عن الثأر.

اليوم، إذا أردنا استعادة ما وقفنا من أجله، يجب أن نبدأ مما منح الانتفاضة معناها منذ البداية: الإيمان بأن لا سوري، بغض النظر عن أصله أو معتقده أو تاريخه، أقلّ قيمة من آخر، أن الكرامة لا تتجزّأ، وأن سوريا عادلة لا تُبنى على عظام ضحايا جدد. ولكنّ هذه المبادئ غير محقّقة في ظلّ الحكومة القائمة: لا هي محقّقة في الإعلان الدستوري، ولا في هيمنة الفكر الإسلامي السلفي المغلق، ولا في جيش المتملّقين القدامى والجدد، الذين ينتظرون على أبواب الحكم الجديد في دمشق.

رنا زيد - كاتبة وشاعرة فلسطينية سورية | 09.05.2026

عن “السبي الجاهلي”: ما أرى لك عقلاً يا عروة بن الورد!

كم يشبه زمن عروة بن الورد، الزمن السوري الحالي، زمن من دون قانون قضائي واضح، زمن المهانة والإذلال لكلّ من اختلف عمّن يحكم سوريا اليوم في الطائفة، أو في المذهب، أو الهيئة.
25.06.2025
زمن القراءة: 11 minutes

تزايدت التساؤلات حول هشاشة الوضع الأمني، وازدواجية التعامل مع الضحايا، وعمق الشرخ المتفاقم بين الأقليات والسلطة التي تزعم تمثيل الجميع، ما يُنذر بانهيار ما تبقّى من الثقة في مشروع الدولة السورية الجديدة.

أخيراً وقع في سوريا ما كنّا نخشاه ونستبعده: تفجير في كنيسة في حيّ قرب دمشق الشام، أدّى إلى مقتل أكثر من عشرين مؤمناً وإصابة عشرات آخرين. لا شيء يوجِع النفس أكثر من خسارة عزيز، وقد تركت ضخامة الخسائر ألماً عميقاً في الأرواح لمعظم السوريين، سيمكث طويلاً في الوجدان السوري، على أن المؤلم أيضاً هو الجرح الذي انفتح في الروح السورية. 

كنا في سوريا نعتقد أننا محصّنون من الوصول إلى هذا الدرك، ونحسب أن هذه الحوادث تقع في العراق ومصر وباكستان، ولكن ليس في سوريا، وبالتأكيد ليس في دمشق الشام. وكأن ما حدث لا يكفي كمأساة، جاء ردّ فعل الحكومة السورية ليذكّرنا بأن ليس في سوريا من يواسي جروح المصاب، ويحسن عزاء العوائل المنكوبة، ويقيم العدل، ويحقّ الحقّ. 

في البداية جاء بيان الحكومة السورية لـ “يُدين بأشدّ العبارات الهجوم الإرهابي الذي استهدف كنيسة مار إلياس في حيّ الدويلعة في دمشق،” وكأن حيّ الدويلعة يقع في اليونان، أو لكأن دمشق عاصمة اليمن. الحكومة لا تدين، بل تعلن عن المأساة وتصنّفها وتعد بتحقيق العدالة وتتعهّد بمنع تكرارها، باعتبارها المسؤولة عن أمن مواطنيها. هكذا فعلت أنغيلا ميركل في أعقاب الهجوم الإرهابي الذي استهدف سوق عيد الميلاد في ساحة برايتشايدبلاتس في برلين في 2016، عندما عبّرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في خطاب متلفز عن صدمتها العميقة وحزنها البالغ، وشدّدت على تمسّك الألمان بسيادة القانون والحياة الحرّة والمفتوحة. 

وبعد ساعات، أعلنت الحكومة السورية أنها كشفت الشبكة المسؤولة عن التفجير، ونسبتها إلى “تنظيم الدولة الإسلامية” الإرهابي. غير أن تنظيماً مجهولاً يُدعى “سرايا أنصار السنّة” تبنّى العمليّة وكشف هوّية المنفّذ الانتحاري، مؤكّداً أنه لا ينتمي إلى “داعش”، بل إلى جماعة متشدّدة منشقّة عن “هيئة تحرير الشام،” متخصّصة في استهداف الأقليات. التنظيم نفسه أعلن في مارس/ آذار الماضي مسؤوليّته عن مجازر في ريف الساحل. ورغم خطورة هذا المسار، لم تُصدر السلطات أي معلومات مسبقة عن هذا التنظيم أو تحرّكاته، ما يثير تساؤلات واسعة في الشارع السوري حول الغموض الذي يكتنف وجوده، وأسباب التكتّم الرسمي على ملابسات التفجير ونتائج التحقيق حتى اللحظة.

التفجير وردّ الفعل الرسمي عليه، إضافة إلى الخطر المتزايد لعودة الإرهاب الطائفي، تكشف عمق الانقسام بين السوريين. أما الشعور الذي اجتاح الكثيرين، وخصوصاً من المسيحيين السوريين، فكان مزيجاً من الذعر وفقدان الثقة بالحكومة والمجتمع والمستقبل.

خلّف التفجير صدمة عميقة في أوساط المسيحيين السوريين، ليس فقط بفعل دمويته وموقعه داخل مكان عبادة، بل أيضاً لما اعتُبر تقصيراً بالغاً من السلطة الجديدة في توفير الحماية، وردّاً رسمياً باهتاً لا يرقى إلى جسامة المأساة. وعلى الرغم من إعلان الحكومة إلقاء القبض على خليّة مرتبطة بالحادث، ساد الغضب والشكّ أوساط السكّان، الذين رأوا في تجاهل مطالبهم، ومنها الامتناع عن وصف الضحايا بـ”الشهداء”، دليلاً على تمييز ديني متجذّر.

تزايدت التساؤلات حول هشاشة الوضع الأمني، وازدواجية التعامل مع الضحايا، وعمق الشرخ المتفاقم بين الأقليات والسلطة التي تزعم تمثيل الجميع، ما يُنذر بانهيار ما تبقّى من الثقة في مشروع الدولة السورية الجديدة.

لكنّ هذا كلّه ليس وليد اللحظة.

من الورد إلى الديناميت

خلال العقد ونصف العقد الماضي، انحدرت سوريا إلى هاوية عنف وكراهية لا سابق لها في تاريخها الحديث. تحوّل خطاب الكراهية والتحريض الطائفي، وبخاصّة على وسائل التواصل الاجتماعي، وقوداً لإشعال جولات جديدة من العنف وإراقة الدماء، ممزقاً النسيج الاجتماعي ومقوّضاً آمال التعايش الوطني.

البعض يستخدم هذه الخطابات وسيلة للهو، غير مدركِ – أو غير آبه ربما – لما يمكن أن تؤدّي إليه موجات إثر موجات من تبادل الكراهية والدعوة للعنف. والأدهى أن ذلك كله لم يعد تعبيراً رمزياً عن انقسام المجتمع عمودياً إلى سلسلة غير متناهية من الطوائف والمذاهب والقبائل والمناطق، بل تحوّل إلى أدوات فعّالة لتفتيت المجتمع بشكل حقيقي، ووضعه على حافّة انفجار أهلي جديد، وبات يُستخدم في حرب نفسية ضدّ جماعات بكاملها، لتجريدها من إنسانيتها وتبرير استهدافها. وتفاقمت هذه الظاهرة، في غياب أطر قانونية رادعة ورقابة على الفاعلين غير الحكوميين، معيقة جهود التعافي الوطني ومهدّدة ما تبقّى من تماسك اجتماعي.

لا مراء في أن نظام بشار الأسد هو من يتحمل المسؤولية الأساسية عن هذا الانحدار، بسبب الجرائم المروّعة ضدّ الإنسانية التي ارتكبها، بما في ذلك الإعدام خارج إطار القانون، والتطهير العرقي والتعذيب والتجويع والحصار بحقّ جميع السوريين وتدمير المساكن والمستشفيات والمدارس والمخابز والمعابد. ومع انهيار النظام وهروب زعيمه، برزت مخاوف جدّية من موجة انتقامية طائفية دموية، كان يمكن أن تُغرق البلاد في متاهة لا خروج منها. على أن هذا السيناريو المتشائم لم يتحقّق بالكامل إلا أن العنف استمرّ، ولا يزال يحصد ضحايا من المدنيين الأبرياء بدلاً من مجرمي النظام الكبار، الذين – ويا للسخرية – يتمتّعون بحماية النظام الجديد – بعضهم على الأقلّ. 

ثمّة جيل كامل من السوريين، الذين ولدوا ونشأوا إما قبيل الثورة أو خلالها، لم يعرف سوى مشاهد القتل والكراهية والانقسام. حتى أن بعضهم صار يعتقد أن هذه هي الحالة الطبيعية، بل ربما الأفضل. تتحدّى مقالتي هذه تلك الفكرة، مذكرةً القراء بأن الثورة السورية بدأت كانتفاضة سلمية، قبل أن يحوّلها تجّار السياسة الجغرافية والدم إلى حرب أهلية مدمّرة. هنا، أتتبّع لحظة الانهيار: متى وكيف تحوّل الأمل إلى يأس؟

حركة اللاعنف السورية

سيقول كثير ممن يقيّض لهم قراءة هذه السطور أشياء مثل “هذه نوستالجيا” أو “كفى سذاجة بحقّ السماء!”، ولعلّي لا أنفي عن نفسي السذاجة، فأنا من قلّة من الناس الذين لا يؤمنون أن السياسة فنّ الممكن، وأنها “وسخة”، بل أدّعي إن السياسة هي فنّ تحقيق المستحيل، وعلى من يتصدّى لها أن يعي ذلك جيّداً. 

ولذلك، لن أملّ أبداً من تذكير الغافلين بالتحوّل الجذري للثورة السورية من بداياتها السلمية في عام 2011، إلى انزلاقها نحو العنف والعسكرة. ستعيد هذه السطور سردية الأشهر الأولى من الثورة السورية، وتتلمّس صعود فاعل سياسي جديد – بقيادة شبابية، سلمي، ومنفصل عن المعارضة التقليدية – تجسّد في لجان التنسيق المحلّية، وقدم نموذجاً للنضال المدني والثقافي والمقاوم ضدّ الطغيان.

عمل شباب الثورة الأولى في ظروف استثنائية. فالنظام، الذي تعلّم من دروس المعارك الإعلامية في مصر وتونس، طرد على الفور الصحافيين الأجانب وأغرق الإعلام الرسمي بالدعاية الطائفية. في مواجهة ذلك، خاطر أعضاء التنسيقيات بالاعتقال والتعرّض للتعذيب والموت، لنشر مقاطع مصوّرة مهتزّة من هواتفهم النقّالة وتسرّيب الشهادات العينية، لتشكيل الرأي العامّ العالمي، وربط أصوات السوريين بالعالم الخارجي. أدرك أولئك الشباب قوّة السرد، وخاضوا معركتهم من أجل الحقيقة – كادراً تلو كادر. 

ومع ذلك، لم تكن قوّة الثورة في بداياتها محصورة في قدرتها على توثيق القمع ومخاطبة الرأي العامّ، بل في بنيتها الأخلاقية أيضاً. تجسّد هذا البعد بوضوح في داريا؛ البلدة الصغيرة جنوب غرب دمشق، التي تحوّلت إلى رمز للاعنف المنظّم، حيث رفض الناشطون، مستلهمين أفكار جودت سعيد، الانجرار إلى أي شكل من أشكال الردّ العنيف، وواجهوا الحصار بتوزيع الورود والماء على الجنود، في محاولة للوصول إلى إنسانيتهم، لا إلى أزيائهم العسكرية.

برز في هذا السياق اسم غيّاث مطر، الذي قضى تحت التعذيب، وصديقه يحيى شربجي، الذي غيّبه الاعتقال لسنوات قبل أن يُعرف نبأ مقتله. كلاهما كان من دعاة الانضباط اللا عنفي، لا في الفعل فحسب، بل في الخطاب أيضاً، ويحيى الذي قاد النشاط السلمي هو من دعا إلى تجنّب اللغة العدائية، مذكّراً بأن الثورة ليست وسيلة لتغيير النظام فحسب، بل اختبار لقدرتنا على تغيير أنفسنا أيضاً.

تكرّرت هذه المشاهد عبر سوريا. في حمص واللاذقية وسراقب ودرعا، أصرّ ناشطون مثل رزان زيتونة ومازن درويش ومنهل باريش وسميرة خليل على المقاومة السلمية حتى تحت وابل الرصاص، وآمنوا أن الموقف الأخلاقي للثورة هو أقوى أسلحتها، وأن الانزلاق إلى العنف يعني خسارة روح الانتفاضة.

وقد صمدوا شهوراً طوالاً. كان النظام المتوّحش الذي أصمّ أذنيه وفتح عينيه يردّ، كما كان متوقعاً، بعنف مفرط. حوصرت بلدات بكاملها، دوهمت المستشفيات، عُذّب الأطفال. ومع ذلك، ظلّ السوريون يملأون الشوارع، حاملين لافتات التنديد بالظلم وهتافات الكرامة. أصبحت الانتفاضة مرآة عكست همجيّة النظام من جهة، وصمود الشعب من جهة أخرى.

لكن مع تصاعد القمع وجبن الموقف الدولي والرعب الذي استبدّ بقوى إقليمية فاعلة، طغت القوى المسلّحة والتدخّلات الخارجية على هذه القوى السلمية، مما أضعف المشروع الديمقراطي، وأعاد إحياء خطاب الكراهية والانقسام. بعد أكثر من عقد على بدء الثورة، أحاول قراءة التجربة بمنظور نقدي، مجادلاً أن اللا عنف لم يكن ضعفاً وهشاشة من السوريين، ولكنه كان خياراً واضحاً اختاروه بأنفسهم وعن وعي منهم. 

وبحلول أواخر 2011، بدأت موازين القوى تتغيّر. ظهور “الجيش السوري الحرّ” الذي شكّله جنود انشقّوا رافضين قتل المدنيين، شكّل نقطة تحوّل. ولئن كان سبب تشكّل الجيش الحرّ دفاعياً في البداية، فإن وجوده عزّز الدعوات للمقاومة المسلّحة. وكلما تصاعد قمع النظام، أصبح التمسّك باللا عنف أكثر صعوبة. ازداد العبء على المتظاهرين السلميين – عبئاً ثقيلاً جداً لم يعد بإمكانهم تحمّله وحدهم. وبينما كان الأسد يعطي الفرصة للمتظاهرين بالتسلّح، ويترك لهم الأسلحة عمداً، كان يعتقل ويغيّب ويقتل ويعدم القادة السلميين مثل عبد العزيز الخير ومشعل التمّو وعبد القادر الصالح ويوسف الجادر وباسل شحادة. 

ومن لم يقتله أو يغيّبه النظام، تكفّلت به الفصائل الإسلامية المتطرّفة. فاختطف “جيش الإسلام” القادة السلميين الذين كانوا يوثّقون جرائم النظام والفصائل المسلّحة: رزان زيتونة، وسميرة الخليل، وناظم حمّادي، ووائل حمادة، ولا نعرف مصيرهم حتى اليوم. ولاحق “تنظيم الدولة” و”النصرة” الصحافيين السلميين والناشطين الذين كانوا يوثّقون انتهاكات حقوق الإنسان، وقتلوا نشطاء مثل إبراهيم عبد القادر وناجي الجرف وروعة القاسم.

وكانت النتيجة أن خلت الساحة من الصف الأول والثاني من قادة الثورة الأوائل، وبرّر قادة الفصائل المسلّحة المدعومة من قوى إقليمية بارزة، عنف النظام لاستخدام عنف مقابل، وانحدرت البلاد شيئاً فشيئاً نحو هاوية لا قرار لها.

في الخارج، بقيت المعارضة التقليدية والجديدة في المراحل الأولى من الثورة، عاجزة عن مواكبة الديناميات الجديدة التي فرضتها حركة الداخل، وعندما حاولت تدارك تأخّرها، تحرّكت بسرعة لملء الفراغ السياسي، لكنّها فعلت ذلك من موقع ارتباك وبأدوات قديمة. وحظي “المجلس الوطني السوري”، الذي جاء كاستجابة متأخّرة لضغوط إقليمية ودولية، باعتراف سياسي سريع، إلا أنه افتقر إلى قاعدة شعبية متينة أو هيكلية تنظيمية مستقلّة، وسرعان ما وقع تحت تأثير تنظيم “الإخوان المسلمين”، مما أدّى إلى استقطاب داخلي أضعف شرعيّته بوصفه إطاراً جامعاً.

في الوقت نفسه، كانت لجان التنسيق المحلّية، التي منحت الثورة بنيتها التنظيمية ورؤيتها السلمية، تتآكل تحت وطأة القمع والإنهاك الميداني، بينما بدأت تظهر فصائل أكثر تسليحاً، وأكثر قدرة على فرض حضورها الرمزي والعسكري. وانعكس هذا التبدّل في موازين القوى أيضاً على المقاربة الدولية، فانجذبت العواصم الغربية والعربية إلى الخطاب الجيوسياسي، على حساب دعم البنية المدنية للثورة. وتحوّل التركيز صوب تسليح الفصائل، في غياب رؤية شاملة للمرحلة الانتقالية، مما أضعف الزخم الأخلاقي والسياسي للانتفاضة.

وبهذا المعنى، لم يكن تراجع اللا عنف مجرّد نتيجة للعنف المفرط من قِبل النظام فحسب، بل نتاج لتحوّلات داخلية وخارجية أعادت تعريف أولويات الثورة. ومع الوقت، تفكّك المشروع الوطني الجامع إلى مشاريع متنافرة، وفقدت الثورة مركز ثقلها الأخلاقي، لصالح منطق السيطرة العسكرية والتحالفات الفصائلية. وبينما كانت البداية وعداً بتأسيس نظام ديمقراطي جديد، أفضت المسارات المتشابكة إلى واقع من الانقسامات الطائفية وحروب الوكالة المفتوحة، وهو ما أوصلنا إلى ما نحن عليه اليوم.

جلّادون يغيّرون زيّهم

عندما سقط نظام الأسد وهرب الرئيس السابق أخيراً في أواخر 2024، كان يجب أن تتاح لسوريا لحظة تحرّر. انتصار طال انتظاره لشعب تحمّل ما لا يُحتمل. لكن التحرّر، كما اتّضح، لم يكن مرادفاً للعدالة، فسقوط الطاغية لم يعنِ قيام الجمهورية التي حلمنا بها.

في الأسابيع التالية لسقوط الطاغية، كنّا جميعاً نخشى الأسوأ: موجة انتقام دموية شاملة وانهيار تامّ لمؤسّسات الدولة. لحسن الحظ، لم يتحقّق هذا الكابوس. ولا بدّ هنا من نسْب الفضل إلى قيادة “هيئة تحرير الشام” ومن يقف وراءها، كما تبيّن لاحقاً. على أن ما ظهر بدلاً من ذلك كان انحداراً أبطأ وأذكى.

فبينما كان السوريون يترقّبون بزوغ عدالة تؤسّس لجمهورية جديدة، خرج الجلّادون من عتمة الذاكرة، وقد غيّروا وجوههم وارتدوا ثياب المصالحة. فجأة، أصبح سفّاح “التضامن” محامياً، وجلّاد “الدفاع الوطني” ضيف شرف في مجالس العزاء، يتلقّى العناق من مسؤولي الدولة التي نشأت على أنقاض الاستبداد. 

فادي صقر، الذي لا تزال رائحة الموت عالقة على يديه، يُعاد تلميعه اليوم تحت لافتة السلم الأهلي، وبدلاً من محاسبته على جرائمه في محاكمة عادلة، نراه يتصدّر مشهد المصالحة، وتُكافأ الأيادي الملطّخة بالدم بفرص الظهور والبروز، وتُترك عائلات الضحايا لمواجهة مصيرها وحدها. 

وبالفعل، منذ سقوط النظام، لم يُوجَّه الغضب نحو مرتكبي الجرائم بقدر ما وُجّه نحو جماعات بكاملها، على أساس طائفي أو مناطقي أو بحسب ولاءات مُفترضة. عائلات عارضت النظام منذ بداياته وجدت نفسها معاقبة أو مُضايقة لمجرّد انتمائها أو نسبها. أعرف شخصياً من دفع هذا الثمن: صديقتي هنادي زحلوط، الناشطة البارزة والمعارِضة العنيدة لعائلة الأسد، فقدت ثلاثة من أشقّائها، رغم أن أحداً منهم لم يكن من الموالين للنظام السابق لكي يكون شبيحاً. وصديقتي وفاء سلطان، التي واجهت نظام البعث طويلاً، فقدت أخاها وأولاده الثلاثة في ظروف مشابهة. في هذا المشهد، لا يبدو أن الانتماء الشخصي أو الموقف السياسي كانا كافيين لحماية أحد.

لكنّ العنف لم يتّخذ دائماً شكلاً مادياً مباشراً، إذ انتقل تدريجياً إلى الفضاء الرقمي، حيث ازدهرت أشكال جديدة من الاستهداف: حملات تحريض عبر الوسوم، مقاطع مفبركة، واستفزازات مقصودة تهدف إلى إشعال التوترات الطائفية. ما بدأ في الشوارع، انتقل إلى الشاشات؛ وما مُورس بالسلاح، بات يُدار بالخوارزميات.

بحلول العام 2025، لم تعد هشاشة سوريا تقتصر على مؤسّساتها المنهارة أو اقتصادها المنكوب، بل امتدّت إلى فضائها الرقمي غير المنظّم. أصبحت وسائل التواصل ساحة معركة منفلتة من أي ضابط قانوني أو أخلاقي، تُضخّم خطاب الكراهية وتروّج للتضليل. انتشرت مقاطع لجرائم حرب حقيقية إلى جانب لقطات مزيّفة يصعب التمييز بينها، ومع غياب إعلام مهني أو قضاء مستقلّ، راح المؤثّرون وسماسرة الأزمات يعيدون تدوير الكراهية، ويغلّفونها بلبوس جديد.

جوهر القضيّة

هذه، في جوهرها، هي مأساة سوريا اليوم. الثورة التي وُلدت من رحم الأمل والدعوة للديمقراطية، تجد نفسها في مشهد تشكّله الجراح المفتوحة، وانهيار الثقة، وانزلاق المجتمع نحو حافّة التفكّك. لقد تراجعت لغة العدالة، وحلّت محلّها لغة الانتقام.

لكن وسط هذا الظلام، تبقى حقيقة: الثورة السورية لم تبدأ بالعنف، ولا ينبغي أن تنتهي به.

إرث اللجان التنسيقية وداريا والاعتصامات السلمية والورود المقدّمة للجنود يظلّ مرجعاً، ليس كنوستالجيا، بل كخارطة طريق. الناشطون الذين خاطروا بحياتهم لتوثيق الاحتجاجات وطرح رؤية ديمقراطية ما زالوا بيننا، وإن تشتّتوا، أو جُرحوا، أو نزحوا. مهمّتهم اليوم أصعب، لكنّها لا تقلّ أهمّية: بناء ثقافة مدنية تقاوم الاستبداد وثقافة الانتقام معاً.

هذا يتطلّب أكثر من السياسة. يتطلّب ذاكرة وعدالة وحماية، ويتطلّب قبل ذلك مؤسّسات قادرة على ضمان الحقوق وفضّ النزاعات، لا ميليشيات أو حشود شعبية. محو أمية رقمية وإصلاح قانوني لمواجهة سموم التواصل الاجتماعي، لغة أخلاقية مشتركة لتمييز العدالة عن الثأر.

اليوم، إذا أردنا استعادة ما وقفنا من أجله، يجب أن نبدأ مما منح الانتفاضة معناها منذ البداية: الإيمان بأن لا سوري، بغض النظر عن أصله أو معتقده أو تاريخه، أقلّ قيمة من آخر، أن الكرامة لا تتجزّأ، وأن سوريا عادلة لا تُبنى على عظام ضحايا جدد. ولكنّ هذه المبادئ غير محقّقة في ظلّ الحكومة القائمة: لا هي محقّقة في الإعلان الدستوري، ولا في هيمنة الفكر الإسلامي السلفي المغلق، ولا في جيش المتملّقين القدامى والجدد، الذين ينتظرون على أبواب الحكم الجديد في دمشق.

25.06.2025
زمن القراءة: 11 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية