من طريق السلطانية – تبنين، كنت غالباً ما أستشرف منزلنا من بعيد، فأميّزه بين البيوت وأشعر براحة الوصول: ها قد بلغنا البيت.
هذه المرة، لم أستطع أن أحدّد أين كان البيت إلا بصعوبة. كم تتغير الجغرافيا حين تُدمَّر منازلنا، فتذوب المعالم التي حفظناها ونضطر إلى البحث عن معالم أخرى تميز طرق بلداتنا وأمكنتنا فيها.
كان الطريق الجنوبي من بيروت إلى تبنين، في رحلة استغرقت نحو ساعتين، كافياً لتهيئتي لمشهد يشبه نهاية العالم. الدمار واسع، وقلة من السكان بدأت تعود، أو ربما جاءت، مثلي، لتتفقد ما بقي ثم تعود أدراجها. في دير قانون النهر وصريفا، أصاب الدمار قلب البلدتين وكان المرور عسيراً وسط التراب والركام. وكانت مشاهد العائدين، وهم يقفون بصمت أمام بيوتهم وبلداتهم، تضفي ثقلاً إضافياً على طريق طويل من التراب والركام والأسئلة.
كلما اقتربت من قرانا نحن أهل المناطق المحاذية، كانت نسبة العائدين تتراجع حتى كدت أعتقد أحياناً أنني وحدي في الطريق، ولمت نفسي على تسرّعي بالذهاب…
عند المفترق المؤدي إلى مدخل تبنين، طالعني حاجز خجول للجيش اللبناني، فشعرت بشيء من الاطمئنان. أومأ لي أحد العناصر بالمرور، فتقدّمت بضعة أمتار، وعند العين تمامًا، وقفت ثلاثة أحصنة وحمار في منتصف الطريق.
لم تتحرّك الحيوانات جانبًا، ولم أعرف أنا بدوري ماذا ينبغي أن أفعل. كان الوقت فجراً، والمنطقة لا تزال معلّقة بين وقف إطلاق النار واحتمال استئنافه.
مسيّرة إسرائيلية تحوم في السماء، ومن بعيد تتردّد أصوات قصف عميق، كانت كافية لإضفاء مزيد من الرهبة على مشهد قرية كانت، قبل يومين فقط، تُدكّ بعنف.
نظرت في عيني أحد الأحصنة وهو يقف في نصف الطريق إذ حملق فيّ مذهولاً أو هكذا اعتقدت. مررت بمحاذاتها بهدوء، لم تُصدر صوتاً، بل تنحّت بهدوء، وبدا عليها سكون غريب، كأنها لا تزال تحت وطأة الصدمة. تمنيت لو تستطيع هذه الحيوانات اللطيفة الكلام، لأعرف من أين هربت وماذا شاهدت في الأيام الماضية.
أكملت طريقي وأنا أفكر فيها، قبل أن يسرق المشهد من حولي انتباهي. كان عليّ أن أبذل جهداً لأتعرّف إلى المعالم التي كانت ثابتة في ذاكرتي عند دخول القرية. محيط المستشفى بدا خراباً، والطريق الممتد منه وصولاً إلى بيتنا نال نصيبه من الدمار الهائل.
تجاوزتُ الدمار المحيط بالمستشفى، وسلكت الطريق نفسه المؤدي إلى منزلنا، حتى وصلت إلى ذلك المفرق الصغير الذي كنت، في كل زيارة، أمدّ عنقي عنده لأرى من يقف على الشرفة في انتظاري: أبي أم أمي؟
هذه المرة، لم يكن هناك أحد. كان الركام وحده ينتظرني.
كنت مهيّأة، إلى حد ما، بفعل الصور التي وصلتنا يوم دمّرت إسرائيل منزلنا في 28 نيسان/ أبريل الماضي. لكن كانت لديّ حاجة ملحّة إلى أن أرى بنفسي ما حلّ به، وأن أفهم، بالعين لا عبر شاشة الهاتف، ما معنى أن يقتلع صاروخ حياة كاملة من مكانها.
ليس في الركام ما يفاجئ، ها هنا بقايا فرش وأثاث متكسر وها هي السجادة التي لفتها أمي وأخي بعناية لا تزال بغلاف النايلون. هناك حجارة وغبار وأشياء فقدت أسماءها ووظائفها. لكن ما كان يلفتني دائماً، في مشاهد البيوت المدمرة، هو قدرة الصور على النجاة. كثيراً ما تابعت فرحة من يعثر على صورة أو ورقة بين الركام، وكأن العثور عليها استعادة لجزء من حياة حاول القصف محوها.
وها هي صورة أخي ربيع وزوجته فدا تظهر أمامي بين الحجارة والركام. وذاك ألبوم انفتحت بعض صفحاته، فرأيت من بعيد صوراً لنا ونحن صغار.
كيف لهذه الصور أن تنجو؟ كيف يتمكن صاروخ من خلع بناء من أساسه، ثم يعجز عن سحق صورة؟
إقرأوا أيضاً:
لعلني أهذي، ولعل لنجاة الصور تفسيرات تتعلق بالفيزياء والمصادفة، لكن معناها الرمزي، في تلك اللحظة، كان أقوى من أي تفسير جامد. الصور، التي يؤلمنا عادة فقدانها، بدت وكأنها تقاوم بطريقتها الخاصة. كأنها تقول “يمكنكم أن تدكّوا البيت وتحولوه ركاماً، لكنكم لن تستطيعوا محو الماضي، ولا قصة هذا البيت وأهله”.
البيوت والناس هي قصة الجنوب اليوم. أناس يتنقلون للاطمئنان إلى من بقي وما بقي، ويسألون بحيرة، هل نحن أمام راحة قصيرة تسبق استئناف الحرب؟ وما مصيرنا في ظل اتفاق ملتبس لوقف إطلاق النار، لا تزال شروطه وحدوده ونهاياته غامضة؟
الأسئلة كثيرة، والإجابات قليلة. الشيء الأكيد أن الجميع يحاول التقاط أنفاسه، فيما لا تبدو سجالات “النصر” والهزيمة حاضرة على وجوه الباحثين عن بقايا حياتهم بين الركام. من السابق لأوانه الجزم بما ستفضي إليه الصفقة الكبرى بين واشنطن وطهران، أو بما سيكون عليه مصير لبنان داخلها، لكن الأيديولوجيا وانعدام الثقة يجعلان القلق من الغد مستحكماً حتى إشعار آخر.
نعم، بدأ الناس يعودون لتفقّد بيوتهم وأراضيهم وما بقي منها، لكن علامات الانكسار والألم ظاهرة. الاحتلال الاسرائيلي لا يزال في الجنوب، والدمار أكبر من أن تحجبه أوهام الانتصار. لا أحد يملك إجابة حاسمة عن الخلاص النهائي، فيما تحيط ألف علامة استفهام بوقف لإطلاق النار مدته 60 يوماً، في ظل بقاء الاحتلال وغموض ما سيأتي بعده.
لبنان بلا قرار فعلي. قيود الداخل تطوّقه، كما قيود الخارج. الدولة لا تملك أوراق قوة كافية، وحزب الله، الإيراني القرار بالكامل، لا يملك بدوره حرية تقرير مصيره أو مصير الناس الذين زجّ بهم في الحرب. وهو، بدلاً من مواجهة حجم الكارثة، يصرّ على الإنكار، ويحاول إقناع الناس بأن تدمير الجنوب انتصار. بل ذهب بعض كتّاب حزب الله إلى القول إن دور “المقاومة” ليس حماية قرية من هنا أو تلة من هناك، وإنما إزالة إسرائيل.
لكن، ماذا يقول هذا الكلام لأناس يقفون أمام بيوت أزيلت فعلاً؟ وماذا يعني “النصر” لمن يبحث عن صورة عائلية بين الركام، أو ينتظر إجابة عن تعويض منزل بات أثراً بعد عين. هل العودة نهائية أم أن وقف إطلاق النار مجرد استراحة بين حربين؟
لا أحد قادر على تبريد قلوب الناس أو طمأنتهم إلى غدهم. الدولة لا تملك ما يكفي من أوراق القوة، وحزب الله لا يستطيع الخروج من وهمه كي يعترف بالنكبة التي حلّت بالجنوب وبالشيعة خصوصاً. الحزن والقلق طاغيان، ولا أحد يملك الإجابات.
غادرت قريتي عائدة إلى بيروت، فيما ظل سؤال العودة يرافقني، متى تكون العودة عودة حقيقية، لا زيارة خاطفة بين جولتين من القصف؟ سبق لي أن خضت المشوار نفسه في الحرب الماضية، لكن هذه المرة كانت الخسارة أفدح بما لا يقاس.
عندما مررت مجدداً بالمكان الذي التقيت فيه بالأحصنة، لم أجدها. لعلها عثرت على أصحابها، أو وجدت مكاناً أكثر أمناً، أو كائناً يؤنس وحشتها بعد أيام الحرب القاسية. أما نحن، فما زلنا نبحث عمن يطمئن وحشتنا، وعن بلد نستطيع أن نعود إليه من دون أن نخشى أن نغادره مرة أخرى.












