حلّ الظلام ليلة الخميس 3 تشرين الأول/ أكتوبر، فأحسست أن شيئاً ثقيلاً يطبق على صدري. صحيح أننا كنا اعتدنا رغماً عنا على صوت القصف الليلي الإسرائيلي، الذي لا يفرق بين مدنيين وعناصر حزب الله، وعلى سماع صوت المسيرات التي تجوب ذهاياً وإياباً في سماء بيروت والضاحية الجنوبية، إلا أن كل شيء في تلك الليلة كان يوحي بأن أمراً ما سيحدث ليس في الحسبان.
تلك الليلة، استعجلت ولديّ للخلود إلى النوم باكراً، فقلب الأم لا يخطئ. ربما استعجلت لا شعورياً إثر تحذيرات الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي أفيخاي أدرعي من قصف الأحياء في الضاحية، والتي باتت وسيلة لبث الرعب والخوف في قلوبنا وعقولنا، لا سيما أن منازل الضاحية باتت خالية من أبنائها، الذين فروا قسرياً هرباً من القصف اليومي العنيف الذي تتعرض له مختلف أنحاء تلك المنطقة، التي أصبحت منكوبة بكل ما للكلمة من معنى.
حل الظلام، نام الأولاد، وبدأ القصف، صوته الذي يفكك العظام يعلو بين الحين والآخر، وقوته حسب ببعده أو قربه من المنزل، لكنه في الأحوال كافة، شأن يدمر القلوب والعقول.
إن لم يطاولنا القصف بشكل شخصي، فهو يطاول مواطنين أبرياء، ربما سلمّ بعضهم للأمر الواقع (أو الأيديولوجيا الواقعة) منذ الصغر، سلموا بضرورة تحمّل كل الذي يحصل على أرض المعارك، تلك التي “سنتهي يوماً ويتصافح القادة…”، هكذا كتب محمود درويش، لكن الكثير من هؤلاء الآن لن يجدوا منزلاً يقيهم من حر الصيف وبرد الشتاء، ويوفر لأطفالهم جواً من الطمأنينة والفرح، وهذا حقهم الطبيعي لعيش حياة طبيعية آمنة.
كانت الساعة نحو الثانية عشرة منتصف الليل، علت أصوات قصف عنيف ومكثف لم نسمعه يوماً في حياتنا، صوت سيبقى تأثيره محفوراً في العقل والقلب طالما أننا على قيد الحياة.
حينها، لم أفكر سوى بالتوجه إلى غرفة ولديّ لأتفقدهما، أحسست أن المسافة بيني وبين غرفتهما التي لا تستغرق أكثر من ثوان في العادة، دهر.
هبا من سريريهما مرعوبين ومتسائلين: ” اما شو هيدا شو عم بيصير، إسرائيل عم تقصف بيتنا، ليش في حرب؟؟؟”، أسئلة كثيرة ردداها خلال ثوان قليلة، ولم أمتلك إجابات تناسب صغر سنهما، فيما أنا ألملم نفسي وأشد أعصابي المهترئة، فلا يصح أن أضعف أمام أرواح بريئة ذنبها أنها تعيش في بلد طحنته الحروب على مر السنوات، وحكامه فاسدون سرقوا تعب عمرنا وأحلامنا، ودمروا آمالنا في عيش حياة كريمة.
ابني الأصغر الذي بات من المؤكد أنه يعيش تروما الحرب، التي لا شك ستستغرق وقتاً طويلاً ليُشفى منها، بدا مصفراً للغاية، يرتجف رعباً، قائلاً: “ماما لننتقل من هنا الى بيت خالتي الآمن والبعيد من هنا”، “لماذا أرتجف كثيراً؟” .
تلك الليلة القاتمة، التي قيل إنه تم فيها استهداف منطقة المريجة بعشرات الصواريخ في وقت واحد، كانت إسرائيل تريد من خلالها قتل هاشم صفي الدين، بعد الكلام عن خلافته لحسن نصرالله في قيادة “حزب الله”.
كانت الساعة نحو الثانية عشرة منتصف الليل، علت أصوات قصف عنيف ومكثف لم نسمعه يوماً في حياتنا، صوت سيبقى تأثيره محفوراً في العقل والقلب طالما أننا على قيد الحياة.
ظلّت عيناي محرومتين من النوم حتى الصباح الباكر، فابني أبى أن ينام، لا سيما أن القصف العنيف بالقرب منا لم يتوقف حتى ساعات الصباح الأولى، حاولت ووالده خلالها طمأنته، ولكن ما أن كانت تغمض عيناه الجميلتان حتى يوقظهما صوت القصف، الذي أحسست أنه يفتت جسدي الى أشلاء لن أستطيع ترميمها مجدداً لسنوات طويلة.
إبني الأكبر نام مجدداً، بينا الدموع تغمر عينيه، وفي ذهنه أسئلة كثيرة، منها: “لماذا لا نذهب بعيداً جداً الى بلاد ليست فيها حروب؟”، “ماذا تريد إسرائيل منا؟”، “لماذا لا يزجون إسرائيل في السجن طالما أنها مجرمة وتقتل الكبار والصغار؟”، “ما الذي تريده إسرائيل منا نحن الصغار لتبث فينا هذا الرعب كله؟”.
كيف لي أن أطمئن صغيريّ وأنا لا أملك من القوة سوى أن أغمض عيني قليلاً وأتمنى أن ذلك كله ليس إلا كابوساً مزعجاً أستفيق منه وأجد أن حياتنا طبيعية جداً، لا يطغى عليها سوى صوت ولديَ يملأ أرجاء البيت سعادة ومرحاً ولعباً. ما ذنب أطفالنا من حروب الكبار، وما ذنبنا نحن الأهل لنتحمل هذا الألم كله؟
هدأ القصف قليلاً، بدأ طفلاي يغفوان، بكيت كثيراً في تلك الليلة، بينما أغمر ابني الصغير، عمّ الهدوء، انطفأت الأنوار. استيقظت في الصباح الباكر وكأنني كنت على أرض المعركة، وجع مؤلم يضرب جسدي وعظامي متكسرة لا أقوى على الوقوف.
نجونا في تلك الليلة جسدياً، ولكن كيف لأرواحنا أن تنجو، وهل لنا أن نستعيد حياتنا الطبيعية؟ لا شك أننا بحاجة الى متابعة اختصاصي نفسي، ربما يستطيع أن يفكك داخلنا عقداً كثيرة بدأت تصبح واضحة جداً في تصرفاتنا، وأن يخفف من حدة آثار الشظايا التي خلفتها فينا حرب إسناد لم نخترها لا نحن ولا الجنوبيون.
بدأ قصف مجدداً، الصوت أبعد هذه المرة، ابناي في سرير ليس بسريرهما، سألني الأصغر:”هل سنرجع إلى البيت؟”.
إقرأوا أيضاً:










