ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

حين تتحوّل الأزمات إلى أرقام: قراءة في تأثير الحروب على الأردن

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

خسر الأردن أسواقًا مهمة مثل العراق وسوريا، إذ كان حجم التبادل التجاري السنوي مع العراق سابقًا يفوق المليار دولار، ومع سوريا يصل إلى أكثر من ملياري دولار. كما أن تعطل النقل والشحن عبر الحدود وارتفاع كلفة النقل أثّرا بشكل مباشر على القدرة التصديرية للشركات الأردنية، بالإضافة إلى تأثيرات سلبية على قطاع السياحة والحركة العابرة للركاب والشاحنات.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

يقف الأردن، منذ عقدين كاملين وأكثر، على صفيح ساخن، محاطًا بالنزاعات والصراعات من كل حدب وصوب. وعلى الرغم من أنه ليس طرفًا عسكريًا فيها، إلا أنه المتلقي الرئيسي لما ينتج منها من موجات لجوء تكرّرت مع دخول الدول المحيطة به في حروب أهلية وإقليمية، إضافة إلى إغلاقات طاولت الحدود وأثّرت على حركته التجارية ومراكز الاستيراد والتصدير، وحتى على قطاع الطاقة.

تأثيرات الصراعات الإقليمية بدأت تتفاقم بعد حرب العراق عام 2003، ثم الأزمة السورية منذ 2011، وما تبعهما من موجات لجوء متتالية إلى المملكة. ووفق بيانات حديثة، يبلغ عدد اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين في الأردن نحو 427 ألف شخص حتى شباط/ فبراير 2026، يشكّل السوريون الغالبية العظمى منهم، ما يعكس استمرار الضغط الديمغرافي والخدمي داخل البلاد.

الذكاء والقدرة على التكيّف

هذا الضغط الخارجي لم يكن الوحيد، فداخل الأردن أيضًا تأثّر. على الصعيد التجاري والاقتصادي، يقول التاجر محمود كريّم، لـ”درج”، والذي بدأ العمل في هذا المجال منذ بداية عام 2000، وكان عمله مرتبطًا بشكل مباشر بالأسواق الخارجية، بخاصة العراق وسوريا، إن تجارته تأثرت بشكل كبير، إذ كانت هذه الأسواق تُعد من أهم الشركاء التجاريين للأردن، سواء في التصدير أو إعادة التصدير، إضافة إلى الاعتماد عليها كممرات رئيسية للتجارة البرية.

وتابع أنه مع بداية الحروب، خصوصًا بعد حرب العراق 2003، ومن بعدها التأثير الأكبر بعد 2011 مع الأزمة السورية، التي قطعت شريانًا تجاريًا مهمًا للأردن، وأفقدت شركات كثيرة أسواقها أو عملاءها، تراجعت حركة التصدير بشكل ملحوظ بسبب عدم الاستقرار.

وأوضح كريّم أن أكبر التحديات التي واجهها كان إغلاق المعابر الحدودية لفترات طويلة، وارتفاع تكاليف الشحن بسبب تغيير الطرق (التحول إلى النقل البحري بدلًا من البري)، وتأخير وصول البضائع، بالإضافة إلى المخاطر الأمنية على الشحنات، وهو ما أدى إلى إرباك كبير في سلاسل التوريد.

ولفت إلى أن الأثر كان واضحًا على السوق المحلي، إذ شهد انخفاضًا في حجم البيع بسبب تراجع الطلب الخارجي، وارتفاع الأسعار نتيجة زيادة تكاليف النقل والتأمين، مع تقلبات في توافر بعض السلع. مضيفًا أن الحروب تسببت في اضطراب الأسواق بشكل عام، وزيادة عدم الاستقرار التجاري.

وأكد كريّم أنه مع تكرار الأزمات أصبح التكيف ضرورة، موضحًا أنه نوّع في الأسواق ولم يعتمد على دولة واحدة، واتجه نحو الاستيراد البحري بدلًا من البري، مع تخزين كميات أكبر لتفادي الانقطاع، والبحث عن موردين بدائل، مشيرًا إلى أن إدارة المخاطر أصبحت جزءًا أساسيًا من العمل.

وأشار الى ارتباط تأثر الاقتصاد الأردني بما يحدث إقليميًا، فهو يعتمد على دول الجوار كممرات تجارية، وأن أي أزمة في سوريا أو العراق تؤثر مباشرة على التجارة والنقل، وأن الصدمات الخارجية تنتقل بسرعة إلى السوق المحلي، سواء على الأسعار أو الطلب أو السيولة، ما يجعل الاقتصاد الأردني حساسًا جدًا لأي توتر إقليمي.

وختم بأن الحرب الحالية قد تؤثر أيضًا بشكل كبير على النشاط التجاري، موضحًا أن أبرز التوقعات يشمل ارتفاع تكاليف الشحن والطاقة، وتأثر سلاسل التوريد، وتراجع الطلب بسبب حالة عدم اليقين، وتباطؤ الاستثمار والتجارة، لافتاً إلى أن مؤشرات تراجع النشاط التجاري بدأت تظهر بالفعل، مع مخاوف من اضطراب التوريد في ظل التوترات الإقليمية.

اضطراب اقتصادي

اقتصاديًا، تتقاطع هذه التحديات مع ضغوط داخلية متزايدة، إذ ارتفع الدين العام إلى نحو 47.446 مليار دينار حتى نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، مشكّلًا ما نسبته 108.8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وفق بيانات وزارة المالية. كما لا يزال الأردن يعتمد على استيراد نحو 76 في المئة من احتياجاته من الطاقة، بحسب وزارة الطاقة والثروة المعدنية، على رغم توسّع مشاريع الطاقة المتجددة.

هذا الاعتماد، إلى جانب تأثيرات اللجوء وتقلّبات الإقليم، يعكس هشاشة نسبية أمام الأزمات الخارجية، فيما يواصل الأردن محاولاته للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والأمني وسط بيئة إقليمية مضطربة.

يقول الخبير الاقتصادي الدكتور مازن مرجي لـ”درج”، إنه منذ عام 2003، تأثر الاقتصاد الأردني بشكل متواصل بسبب الحروب والأزمات الإقليمية، بدءًا من الغزو الأميركي للعراق، وصولًا إلى الحرب الأخيرة منذ شباط/ فبراير 2026. إذ أفرزت هذه الصراعات بيئة من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي في المنطقة، ما دفع المستثمرين إلى تأجيل مشاريع استثمارية أو إلغائها، وأدى إلى ركود مرتفع في القطاعات الاقتصادية المختلفة، مع انخفاض ملحوظ في الوظائف وفرص العمل الجديدة.

وعلى صعيد التجارة، خسر الأردن أسواقًا مهمة مثل العراق وسوريا، إذ كان حجم التبادل التجاري السنوي مع العراق سابقًا يفوق المليار دولار، ومع سوريا يصل إلى أكثر من ملياري دولار. كما أن تعطل النقل والشحن عبر الحدود وارتفاع كلفة النقل أثّرا بشكل مباشر على القدرة التصديرية للشركات الأردنية، بالإضافة إلى تأثيرات سلبية على قطاع السياحة والحركة العابرة للركاب والشاحنات.

وفي ما يتعلق باللاجئين، تابع مرجي: استقبل الأردن أكثر من 4 ملايين شخص لا يحملون جوازات أردنية، ضمن نحو 11 مليون نسمة إجمالي السكان. وشملت موجات اللجوء: السوريين (حوالي 1.3 مليون)، والعراقيين (حوالي 700–800 ألف قبل النزاع السوري)، واللبنانيين، ما شكّل ضغطًا مزدوجًا على البنية التحتية والخدمات العامة، خصوصًا التعليم والصحة والمياه والكهرباء، وأدى إلى ارتفاع كلفة المعيشة على المواطنين.

في المقابل، ساهم بعض اللاجئين في تحريك السوق من خلال قدرتهم الاستهلاكية، وتمكن البعض منهم من دعم مشاريع صغيرة أو نشاطات تجارية، ما وفر جزءًا من النشاط الاقتصادي في ظل الركود العام.

أما على المستوى الأمني، فأوضح أن هذه الأزمات أدت إلى رفع الكلفة التشغيلية للجيش والأجهزة الأمنية، إذ اضطر الأردن إلى تعزيز وجوده على الحدود الشمالية والغربية والشرقية لمواجهة المخاطر المحتملة من الصراعات المجاورة، ما رفع من النفقات العسكرية والأمنية بشكل كبير.

كما أبرز الدكتور مرجي تأثير الأزمات على الطاقة، مشيرًا إلى اعتماد الأردن الكبير على استيراد النفط والغاز من الخارج، ما جعله عرضة لتقلبات الأسعار وفواتير مرتفعة، وزيادة الأعباء على الموازنة العامة. وفي المجمل، تشير التحليلات إلى أن الأردن تأثر بشكل مباشر وغير مباشر بكل أزمة إقليمية، سواء على صعيد التجارة، أو الاستثمار، أو النقل، أو الخدمات العامة، أو الأمن، كما انعكست هذه الضغوط على مستوى المعيشة ورفاهية المواطنين.

محطة الاستقرار الأولى

اختارت إيمان محمود، التي غادرت الكويت أثناء الاحتلال العراقي، العودة إلى الأردن لأنه وطنها. وعلى الرغم من أن البداية من الصفر لم تكن سهلة، ومع محدودية فرص العمل والرواتب، خصوصًا لحاملي الشهادة الثانوية، كان عليها أن تبني حياتها من جديد، إلا أن الاستقرار في الأردن ظل الخيار الأفضل على رغم الصعوبات.

وقالت إيمان في حديثها لـ”درج”، إنها عاصرت الحروب التي شهدتها المنطقة عن كثب، وتابعت مجريات الأحداث، وعاشت تأثيرها على حياتها اليومية، الذي وصفته بأنه ملموس. وعلى رغم أن البلاد لم تشهد صراعًا مباشرًا – وهو ما يطمئنها – فإنها شعرت بعدم استقرار كامل، مع ارتفاع في تكاليف المعيشة، ما جعل آثار الصراعات المجاورة واضحة في تفاصيل الحياة اليومية التي تسعى البلاد الى إبعاد مواطنيها عنها.

الأردن محطة إطفاء صراعات

يقول الخبير الاستراتيجي الدكتور عامر السبايلة لـ”درج”، إن ما يميز الأردن منذ البداية أن نموذج بناء الدولة كان قائمًا على أساس مؤسساتي، بمعنى وجود جهاز بيروقراطي بعيد عن عوامل التفجير الداخلي التي عانت منها دول أخرى، ما أعطى نوعًا من الاستقرار في إدارة الدولة.

ويتابع أن السياسة الخارجية الأردنية، في مراحل سابقة، كانت منخرطة في عملية إطفاء الصراعات، وجزءًا من محاولات إيجاد حلول. إلا أن الأردن بلد متأثر بشكل كبير بالأحداث الإقليمية أكثر من واقعه الداخلي، إلى حد انشغال الأردنيين بنقاشات مرتبطة بالأزمات الإقليمية. فمنذ الربيع العربي حتى اليوم، تدور معظم الأحاديث وحتى الخلافات السياسية حول ملفات خارجية أكثر منها خلافات داخلية، فالمزاج العام مرتبط بشكل كبير بما يحدث في الإقليم.

ويؤكد السبايلة أن موقع الأردن كان دائمًا يؤهله للعب دور الوساطة، لكنه اليوم أصبح متلقيًا للنتائج فقط. وبالتالي، في حال وصولنا إلى مرحلة تصعيد أكبر، ستتأثر الجغرافيا الأردنية بشكل كبير. فقد عانى الأردن في السنوات الأخيرة من عدم تفعيل حدوده، إذ لم تكن العلاقات مع السعودية في أفضل حالاتها، كما كانت معطلة مع سوريا والعراق. وبالتالي، يمكن أن يتحول عامل القوة في الموقع الجغرافي، في مرحلة معينة، إلى عامل سلبي.

وأضاف أن أولويات الأردن تأثرت بسبب موقعه، فبدلًا من التركيز على الداخل، أصبح يركز على أولويات تابعة لملفات إقليمية على حساب الأزمات الداخلية وعوامل الاستقرار الداخلي. وإذا استمرت الأمور بهذه الطريقة، فعلى الأردن أن يطوّر طبيعة تعامله مع الخارج، ويحصّن داخله.

الأردن لن يكون ساحة حرب

في وقت سابق، أدان نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية والمغتربين أيمن الصفدي، في بيان صادر عن وزارة الخارجية الأردنية، الهجمات الصاروخية الإيرانية على الأراضي الأردنية، مؤكدًا رفض المملكة أي عدوان على أمنها، وواصفًا الهجمات بأنها “تهديد خطير وغير مبرر” لسلامة المواطنين، وانتهاك واضح لسيادة الأردن.

وشدّد على أن المملكة تتخذ جميع التدابير اللازمة لحماية مواطنيها وأمنها وسيادتها من هذه الهجمات، وأن هذه الضربات جاءت على رغم إدراك إيران التام جهود الأردن لحل الأزمة سلميًا ومنع استخدام أراضيه أو مجاله الجوي لأي هجوم.

وأكد الوزير التزام الأردن بالعمل عن كثب مع الشركاء الإقليميين والدوليين لتخفيف التوترات وكبح التصعيد وتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة. كما سلّط الضوء على أهمية ضبط النفس، ودعا إلى الانخراط الدبلوماسي والحوار باعتبارهما القنوات المناسبة لحل الأزمات، مشدداً على احترام القانون الدولي وسيادة الدول بوصفهما أساسيين للحفاظ على السلام الإقليمي.

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 10.04.2026

ما تبقى من أهل الليطاني ومن ثقافته

ورثة البساتين سيواصلون غيابهم، وسيولد جيل جديد في المغتربات من أصحاب الأملاك ممن لا يعرفون شيئاً عن ثقافة الليطاني، سيهجرون بساتين أجدادهم. وربما سنستعيد حكايات النهر في مسرحية يعرض علينا فيها يحيى جابر قصته مع النهر، في مسرح مونو في بيروت، ثم نغادر إلى منازلنا وننام.
26.03.2026
زمن القراءة: 7 minutes

خسر الأردن أسواقًا مهمة مثل العراق وسوريا، إذ كان حجم التبادل التجاري السنوي مع العراق سابقًا يفوق المليار دولار، ومع سوريا يصل إلى أكثر من ملياري دولار. كما أن تعطل النقل والشحن عبر الحدود وارتفاع كلفة النقل أثّرا بشكل مباشر على القدرة التصديرية للشركات الأردنية، بالإضافة إلى تأثيرات سلبية على قطاع السياحة والحركة العابرة للركاب والشاحنات.

يقف الأردن، منذ عقدين كاملين وأكثر، على صفيح ساخن، محاطًا بالنزاعات والصراعات من كل حدب وصوب. وعلى الرغم من أنه ليس طرفًا عسكريًا فيها، إلا أنه المتلقي الرئيسي لما ينتج منها من موجات لجوء تكرّرت مع دخول الدول المحيطة به في حروب أهلية وإقليمية، إضافة إلى إغلاقات طاولت الحدود وأثّرت على حركته التجارية ومراكز الاستيراد والتصدير، وحتى على قطاع الطاقة.

تأثيرات الصراعات الإقليمية بدأت تتفاقم بعد حرب العراق عام 2003، ثم الأزمة السورية منذ 2011، وما تبعهما من موجات لجوء متتالية إلى المملكة. ووفق بيانات حديثة، يبلغ عدد اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين في الأردن نحو 427 ألف شخص حتى شباط/ فبراير 2026، يشكّل السوريون الغالبية العظمى منهم، ما يعكس استمرار الضغط الديمغرافي والخدمي داخل البلاد.

الذكاء والقدرة على التكيّف

هذا الضغط الخارجي لم يكن الوحيد، فداخل الأردن أيضًا تأثّر. على الصعيد التجاري والاقتصادي، يقول التاجر محمود كريّم، لـ”درج”، والذي بدأ العمل في هذا المجال منذ بداية عام 2000، وكان عمله مرتبطًا بشكل مباشر بالأسواق الخارجية، بخاصة العراق وسوريا، إن تجارته تأثرت بشكل كبير، إذ كانت هذه الأسواق تُعد من أهم الشركاء التجاريين للأردن، سواء في التصدير أو إعادة التصدير، إضافة إلى الاعتماد عليها كممرات رئيسية للتجارة البرية.

وتابع أنه مع بداية الحروب، خصوصًا بعد حرب العراق 2003، ومن بعدها التأثير الأكبر بعد 2011 مع الأزمة السورية، التي قطعت شريانًا تجاريًا مهمًا للأردن، وأفقدت شركات كثيرة أسواقها أو عملاءها، تراجعت حركة التصدير بشكل ملحوظ بسبب عدم الاستقرار.

وأوضح كريّم أن أكبر التحديات التي واجهها كان إغلاق المعابر الحدودية لفترات طويلة، وارتفاع تكاليف الشحن بسبب تغيير الطرق (التحول إلى النقل البحري بدلًا من البري)، وتأخير وصول البضائع، بالإضافة إلى المخاطر الأمنية على الشحنات، وهو ما أدى إلى إرباك كبير في سلاسل التوريد.

ولفت إلى أن الأثر كان واضحًا على السوق المحلي، إذ شهد انخفاضًا في حجم البيع بسبب تراجع الطلب الخارجي، وارتفاع الأسعار نتيجة زيادة تكاليف النقل والتأمين، مع تقلبات في توافر بعض السلع. مضيفًا أن الحروب تسببت في اضطراب الأسواق بشكل عام، وزيادة عدم الاستقرار التجاري.

وأكد كريّم أنه مع تكرار الأزمات أصبح التكيف ضرورة، موضحًا أنه نوّع في الأسواق ولم يعتمد على دولة واحدة، واتجه نحو الاستيراد البحري بدلًا من البري، مع تخزين كميات أكبر لتفادي الانقطاع، والبحث عن موردين بدائل، مشيرًا إلى أن إدارة المخاطر أصبحت جزءًا أساسيًا من العمل.

وأشار الى ارتباط تأثر الاقتصاد الأردني بما يحدث إقليميًا، فهو يعتمد على دول الجوار كممرات تجارية، وأن أي أزمة في سوريا أو العراق تؤثر مباشرة على التجارة والنقل، وأن الصدمات الخارجية تنتقل بسرعة إلى السوق المحلي، سواء على الأسعار أو الطلب أو السيولة، ما يجعل الاقتصاد الأردني حساسًا جدًا لأي توتر إقليمي.

وختم بأن الحرب الحالية قد تؤثر أيضًا بشكل كبير على النشاط التجاري، موضحًا أن أبرز التوقعات يشمل ارتفاع تكاليف الشحن والطاقة، وتأثر سلاسل التوريد، وتراجع الطلب بسبب حالة عدم اليقين، وتباطؤ الاستثمار والتجارة، لافتاً إلى أن مؤشرات تراجع النشاط التجاري بدأت تظهر بالفعل، مع مخاوف من اضطراب التوريد في ظل التوترات الإقليمية.

اضطراب اقتصادي

اقتصاديًا، تتقاطع هذه التحديات مع ضغوط داخلية متزايدة، إذ ارتفع الدين العام إلى نحو 47.446 مليار دينار حتى نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، مشكّلًا ما نسبته 108.8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وفق بيانات وزارة المالية. كما لا يزال الأردن يعتمد على استيراد نحو 76 في المئة من احتياجاته من الطاقة، بحسب وزارة الطاقة والثروة المعدنية، على رغم توسّع مشاريع الطاقة المتجددة.

هذا الاعتماد، إلى جانب تأثيرات اللجوء وتقلّبات الإقليم، يعكس هشاشة نسبية أمام الأزمات الخارجية، فيما يواصل الأردن محاولاته للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والأمني وسط بيئة إقليمية مضطربة.

يقول الخبير الاقتصادي الدكتور مازن مرجي لـ”درج”، إنه منذ عام 2003، تأثر الاقتصاد الأردني بشكل متواصل بسبب الحروب والأزمات الإقليمية، بدءًا من الغزو الأميركي للعراق، وصولًا إلى الحرب الأخيرة منذ شباط/ فبراير 2026. إذ أفرزت هذه الصراعات بيئة من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي في المنطقة، ما دفع المستثمرين إلى تأجيل مشاريع استثمارية أو إلغائها، وأدى إلى ركود مرتفع في القطاعات الاقتصادية المختلفة، مع انخفاض ملحوظ في الوظائف وفرص العمل الجديدة.

وعلى صعيد التجارة، خسر الأردن أسواقًا مهمة مثل العراق وسوريا، إذ كان حجم التبادل التجاري السنوي مع العراق سابقًا يفوق المليار دولار، ومع سوريا يصل إلى أكثر من ملياري دولار. كما أن تعطل النقل والشحن عبر الحدود وارتفاع كلفة النقل أثّرا بشكل مباشر على القدرة التصديرية للشركات الأردنية، بالإضافة إلى تأثيرات سلبية على قطاع السياحة والحركة العابرة للركاب والشاحنات.

وفي ما يتعلق باللاجئين، تابع مرجي: استقبل الأردن أكثر من 4 ملايين شخص لا يحملون جوازات أردنية، ضمن نحو 11 مليون نسمة إجمالي السكان. وشملت موجات اللجوء: السوريين (حوالي 1.3 مليون)، والعراقيين (حوالي 700–800 ألف قبل النزاع السوري)، واللبنانيين، ما شكّل ضغطًا مزدوجًا على البنية التحتية والخدمات العامة، خصوصًا التعليم والصحة والمياه والكهرباء، وأدى إلى ارتفاع كلفة المعيشة على المواطنين.

في المقابل، ساهم بعض اللاجئين في تحريك السوق من خلال قدرتهم الاستهلاكية، وتمكن البعض منهم من دعم مشاريع صغيرة أو نشاطات تجارية، ما وفر جزءًا من النشاط الاقتصادي في ظل الركود العام.

أما على المستوى الأمني، فأوضح أن هذه الأزمات أدت إلى رفع الكلفة التشغيلية للجيش والأجهزة الأمنية، إذ اضطر الأردن إلى تعزيز وجوده على الحدود الشمالية والغربية والشرقية لمواجهة المخاطر المحتملة من الصراعات المجاورة، ما رفع من النفقات العسكرية والأمنية بشكل كبير.

كما أبرز الدكتور مرجي تأثير الأزمات على الطاقة، مشيرًا إلى اعتماد الأردن الكبير على استيراد النفط والغاز من الخارج، ما جعله عرضة لتقلبات الأسعار وفواتير مرتفعة، وزيادة الأعباء على الموازنة العامة. وفي المجمل، تشير التحليلات إلى أن الأردن تأثر بشكل مباشر وغير مباشر بكل أزمة إقليمية، سواء على صعيد التجارة، أو الاستثمار، أو النقل، أو الخدمات العامة، أو الأمن، كما انعكست هذه الضغوط على مستوى المعيشة ورفاهية المواطنين.

محطة الاستقرار الأولى

اختارت إيمان محمود، التي غادرت الكويت أثناء الاحتلال العراقي، العودة إلى الأردن لأنه وطنها. وعلى الرغم من أن البداية من الصفر لم تكن سهلة، ومع محدودية فرص العمل والرواتب، خصوصًا لحاملي الشهادة الثانوية، كان عليها أن تبني حياتها من جديد، إلا أن الاستقرار في الأردن ظل الخيار الأفضل على رغم الصعوبات.

وقالت إيمان في حديثها لـ”درج”، إنها عاصرت الحروب التي شهدتها المنطقة عن كثب، وتابعت مجريات الأحداث، وعاشت تأثيرها على حياتها اليومية، الذي وصفته بأنه ملموس. وعلى رغم أن البلاد لم تشهد صراعًا مباشرًا – وهو ما يطمئنها – فإنها شعرت بعدم استقرار كامل، مع ارتفاع في تكاليف المعيشة، ما جعل آثار الصراعات المجاورة واضحة في تفاصيل الحياة اليومية التي تسعى البلاد الى إبعاد مواطنيها عنها.

الأردن محطة إطفاء صراعات

يقول الخبير الاستراتيجي الدكتور عامر السبايلة لـ”درج”، إن ما يميز الأردن منذ البداية أن نموذج بناء الدولة كان قائمًا على أساس مؤسساتي، بمعنى وجود جهاز بيروقراطي بعيد عن عوامل التفجير الداخلي التي عانت منها دول أخرى، ما أعطى نوعًا من الاستقرار في إدارة الدولة.

ويتابع أن السياسة الخارجية الأردنية، في مراحل سابقة، كانت منخرطة في عملية إطفاء الصراعات، وجزءًا من محاولات إيجاد حلول. إلا أن الأردن بلد متأثر بشكل كبير بالأحداث الإقليمية أكثر من واقعه الداخلي، إلى حد انشغال الأردنيين بنقاشات مرتبطة بالأزمات الإقليمية. فمنذ الربيع العربي حتى اليوم، تدور معظم الأحاديث وحتى الخلافات السياسية حول ملفات خارجية أكثر منها خلافات داخلية، فالمزاج العام مرتبط بشكل كبير بما يحدث في الإقليم.

ويؤكد السبايلة أن موقع الأردن كان دائمًا يؤهله للعب دور الوساطة، لكنه اليوم أصبح متلقيًا للنتائج فقط. وبالتالي، في حال وصولنا إلى مرحلة تصعيد أكبر، ستتأثر الجغرافيا الأردنية بشكل كبير. فقد عانى الأردن في السنوات الأخيرة من عدم تفعيل حدوده، إذ لم تكن العلاقات مع السعودية في أفضل حالاتها، كما كانت معطلة مع سوريا والعراق. وبالتالي، يمكن أن يتحول عامل القوة في الموقع الجغرافي، في مرحلة معينة، إلى عامل سلبي.

وأضاف أن أولويات الأردن تأثرت بسبب موقعه، فبدلًا من التركيز على الداخل، أصبح يركز على أولويات تابعة لملفات إقليمية على حساب الأزمات الداخلية وعوامل الاستقرار الداخلي. وإذا استمرت الأمور بهذه الطريقة، فعلى الأردن أن يطوّر طبيعة تعامله مع الخارج، ويحصّن داخله.

الأردن لن يكون ساحة حرب

في وقت سابق، أدان نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية والمغتربين أيمن الصفدي، في بيان صادر عن وزارة الخارجية الأردنية، الهجمات الصاروخية الإيرانية على الأراضي الأردنية، مؤكدًا رفض المملكة أي عدوان على أمنها، وواصفًا الهجمات بأنها “تهديد خطير وغير مبرر” لسلامة المواطنين، وانتهاك واضح لسيادة الأردن.

وشدّد على أن المملكة تتخذ جميع التدابير اللازمة لحماية مواطنيها وأمنها وسيادتها من هذه الهجمات، وأن هذه الضربات جاءت على رغم إدراك إيران التام جهود الأردن لحل الأزمة سلميًا ومنع استخدام أراضيه أو مجاله الجوي لأي هجوم.

وأكد الوزير التزام الأردن بالعمل عن كثب مع الشركاء الإقليميين والدوليين لتخفيف التوترات وكبح التصعيد وتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة. كما سلّط الضوء على أهمية ضبط النفس، ودعا إلى الانخراط الدبلوماسي والحوار باعتبارهما القنوات المناسبة لحل الأزمات، مشدداً على احترام القانون الدولي وسيادة الدول بوصفهما أساسيين للحفاظ على السلام الإقليمي.

26.03.2026
زمن القراءة: 7 minutes
|
آخر القصص
بين كارثتين: لبنان الذي نستحقّه ولبنان الذي نملكه
عليا ابراهيم - صحافية وكاتبة لبنانية | 10.04.2026
قصّة نوّاف مع “البيئة”: “أريد حياته ويريد قتلي”
طارق اسماعيل - كاتب لبناني | 10.04.2026
ما تبقى من أهل الليطاني ومن ثقافته
حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 10.04.2026
الأربعاء الأسود… إسرائيل تقصف لبنان بلا أي قيود
ديانا مقلد - صحافية وكاتبة لبنانية | 09.04.2026

اشترك بنشرتنا البريدية