يفتح في علامة تبويب جديدة
ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

حين تحترق الأرض من بريتيش كولومبيا إلى بلادنا: ما لا نراه في نظام حماية الأطفال والطفلات؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

كيف نقيس أثر أن يكبر طفل/ة وهو يرى أرضه تحترق مرّة بعد مرّة؟ كيف نقيس انقطاع العلاقة بين جيل وأرض؟ وكيف نفهم ما يحدث عندما يصبح المكان الذي تعلّم الطفل/ة من خلاله الإجابة عن سؤال «من أين أنا؟» مكاناً لا يستطيع الوصول إليه.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

ثمّة شيء مقلق في أن نشاهد أرضاً تحترق من بعيد. في الصور التي وصلتنا من بريتيش كولومبيا في كندا، تختفي الجبال خلف الدخان، وتتحوّل السماء إلى لون برتقالي، وتغادر عائلات بيوتها بما استطاعت حمله، فيما تواجه فرق الإطفاء نيراناً قد تتحرّك أسرع من قدرة الناس وأنظمة الطوارئ على الاستجابة. 

في صيف 2026، أدّت الحرائق التي شهدتها غابات كندا إلى إجلاء آلاف الأشخاص، وتعرّضت مجتمعات من السكّان الأصليين لخسائر كبيرة. يمكننا أن نعرف عدد الهكتارات التي احترقت، والمنازل التي دُمّرت، والأشخاص الذين أُجلوا، لكنّ هذه الأرقام تخبرنا أقلّ بكثير عمّا يحدّث للطفل والطفلة حين لا يفقدان منزلاً فقط، بل المكان الذي تعلّما من خلاله معنى الانتماء.

قد يتساءل القارئ لماذا تكتب متخصّصة في حماية الأطفال والطفلات، أمضت سنوات في العمل على الوقاية من العنف، عن حرائق الغابات في كندا، وربما تساءلت أنا أيضاً عن ذلك وأنا أتابع الصور والأخبار. لكنّ شيئاً في هذه المشاهد أعادني إلى سؤال رافق عملي طويلاً: ماذا نعني فعلاً عندما نقول إننا نحمي الأطفال والطفلات؟ 

نحن نفكّر، وبحقّ، في سلامة الجسد، والمأوى، وبقاء العائلة معاً، والعودة إلى المدرسة، والحصول على الخدمات الأساسية. لكن ماذا عن نسيج العلاقات الذي يجعل لحياة الطفل معنى؛ العلاقة بالعائلة الممتدّة، والمجتمع، والذاكرة، والثقافة والمكان؟

وأنا أتابع حرائق بريتيش كولومبيا، وجدت نفسي أفكّر في مسألة ربما لم نعطها ما تستحقّه من الاهتمام في منظومات الحماية، وهي أن للاقتلاع إيكولوجيا. فالانتماء إلى عائلة لا يحدث في الفراغ. العائلة تنتمي إلى مجتمع، والمجتمع يعيش في مكان، والمكان يحمل لغة وذاكرة وقصصاً وعلاقات وطرقاً وأشجاراً ومياهاً يعرّف الإنسان نفسه من خلالها. ولهذا، فإن اقتلاع الطفل أو الطفلة لا يبدأ دائماً حين الفصل عن العائله؛ قد يبدأ أيضاً عند الفصل عن الأرض التي تمنح العائلة والمجتمع والذاكرة معنى.

أرض ليست بلا تاريخ

لا يمكن التفكير في أطفال وطفلات الشعوب الأصلية في كندا بمعزل عن تاريخ طويل من الفصل القسري. فقد انتُزعوا من عائلاتهم وأُرسلوا إلى المدارس الداخلية، ثم جاءت ممارسات أخرى، من بينها ما عُرف بـ Sixties Scoop، حيث نُقل آلاف الأطفال من السكّان الأصليين ليتمّ تبنّيهم في أسر غير أصلية. وتقاطعت هذه السياسات مع عمليّات أوسع من نزع الأرض وتقييد اللغات والممارسات الثقافية وإضعاف قدرة المجتمعات على تحديد علاقتها بأراضيها. لذلك، عندما نتحدّث اليوم عن إجلاء مجتمع من السكّان الأصليين بسبب حريق، لا يمكن أن نتعامل معه وكأنه يحدث على أرض بلا تاريخ.

بالطبع، الإجلاء من حريق ليس مدرسة داخلية، ولا ينبغي مساواة تجارب تاريخية وسياسية مختلفة. لكنّ التاريخ يسكن الطريقة التي نعيش بها الحاضر. وقد أشارت مراجعات للصحّة العامّة الكندية إلى أن بعض عمليّات الإجلاء أعادت لدى أشخاص من السكّان الأصليين ذكريات مرتبطة بالمدارس الداخلية وانتزاع الأطفال، خصوصاً عندما جرى نقل السكّان في الحافلات، أو انفصل أفراد العائلة عن بعضهم بعضاً، أو أُجلي كبار السنّ من دون مقدّمي الرعاية. في هذه الحالات لا يعود الإجلاء مجرّد انتقال من منزل مهدّد إلى مكان أكثر أماناً؛ فهو قد يعني أيضاً الابتعاد عن الأقارب واللغة والحيوانات والنهر والغابة والأماكن التي تشكّل خريطة الحياة اليومية.

وهناك تاريخ آخر للنار نفسها. قبل أن توجد بريتيش كولومبيا كمقاطعة كندية، عاشت الشعوب الأصلية مع النار وأدارت علاقتها بها بطرق مختلفة عن نموذج إخماد الحرائق الذي فرضته لاحقاً السلطات الاستعمارية. كان الحرق الموجّه جزءاً من رعاية الأرض، ومن تجديد بعض النباتات ودعم النظم البيئية ومصادر الغذاء وتقليل تراكم المواد القابلة للاشتعال. ومع الاستعمار، لم يُنتزع الناس من الأرض فقط، بل جرى أيضاً تهميش معارفهم وممارساتهم في إدارتها.

تشير أبحاث أُجريت في الأراضي التقليدية لشعب T’exelc – Williams Lake First Nation إلى أن نمطاً تاريخياً من الحرائق المتكرّرة منخفضة الشدّة تغيّر بصورة كبيرة بعد الأوبئة الاستعمارية، والتهجير إلى المحميّات، وقمع ممارسات الحرق التقليدية. واليوم، تعترف سلطات بريتيش كولومبيا بأن عقوداً من إخماد الحرائق أسهمت في زيادة كثافة بعض الغابات وتراكم الوقود النباتي، وتعود للاعتراف بأهمّية ممارسات الحرق التي عرفتها الشعوب الأصلية منذ أجيال. المفارقة ليست فقط في أن معرفة هُمّشت باسم «التقدّم» تعود المؤسّسات لتبحث فيها عن جزء من الحلّ، بل في السؤال عمّا إذا كان سيُعترف بأصحاب هذه المعرفة كشركاء في السلطة والقرار، أم ستُستخرج معرفتهم فيما تبقى علاقات القوّة على حالها.

وتستمرّ هذه العلاقة غير المتكافئة حتى في لحظة الخطر. خلال الحرائق الأخيرة، تحدّثت الناشطة في مجال حقوق أطفال السكّان الأصليين Cindy Blackstock عن مساعدتها لشقيقها في مغادرة منطقة مهدّدة في بريتيش كولومبيا. بحسب روايتها، كانت فرق الإطفاء قد وضعت الخراطيم حول المنزل وعلى سطحه بينما لم يكن أمر الإجلاء الرسمي قد صدر بعد. كما روت أنها التقت أحد كبار السنّ الذي لم يكن يعرف أن إنذاراً بالحريق قد صدر. هذه التفاصيل تجعل السؤال حول الاستجابة أكثر تعقيداً. فوجود إنذار على تطبيق أو موقع إلكتروني لا يعني أن الناس تلقّوه. المهمّ ليس فقط ما إذا كان التحذير قد صدر، بل من استطاع الوصول إليه؟ ومتى؟ وكم بقي لديه من الوقت؟ وما إذا كانت لديه أصلاً الوسائل اللازمة للمغادرة؟

تزداد أهمّية ذلك بالنسبة إلى كبار السنّ، والأشخاص ذوي الإعاقة، والأسر التي لديها أطفال صغار، والمجتمعات النائية التي تعاني ضعف الاتّصالات والبنية التحتية. وتشير بيانات الصحّة العامّة الكندية إلى أن مجتمعات الشعب الأصيل تمثّل نحو 42 في المئة من عمليّات الإجلاء المرتبطة بحرائق الغابات، رغم أنها تشكّل نحو خمسة في المئة فقط من سكّان كندا. هذه الأرقام تذكّرنا بأن الهشاشة ليست دائماً صفة موجودة في الشخص أو المجتمع؛ فقد تنتجها العلاقة غير المتكافئة بين الخطر والموارد والقدرة على مواجهته. النار قد لا تسأل عن هويّة من يواجهها، لكنّ آثارها ليست متساوية.

ما الذي نحسبه عندما نحسب الخسارة؟

وسط الحديث عن الحرائق، بقيت عالقة في ذهني الطريقة التي وصف بها أفراد من المجتمعات المتضرّرة خسارتهم. فالآخرون قد يقيسون الكارثة بعدد الهكتارات والمباني، فيما تُقاس داخل المجتمع أيضاً بالذكريات التي فُقدت: صور عائلية قديمة ومقتنيات انتقلت عبر الأجيال. ربما يمكن إعادة بناء منزل، لكن لا يمكن دائماً إعادة بناء ذاكرة، ولا يمكن اختزال مكان يحمل قصصاً ونباتات طبّية ومقابر ومسارات للصيد وأماكن للتجمّع بقيمته المادّية. نحن نجيد حساب ما احترق، لكنّنا لا نحسب دائماً ما انقطع.

وهنا يصبح من الصعب بالنسبة لي أن أبقى في كندا. فالكتابة عن أطفال الشعوب الأصلية الذين يشاهدون أراضيهم تحترق تُعيدني إلى أطفال بلادنا وطفلاتها، وإلى أماكن عرف فيها الأطفال والطفلات معنى أن يصبح المنزل فجأة مكاناً يجب الهروب منه، وأن تصبح الأرض التي يعرفونها مكاناً لا يستطيعون الوصول إليه. لا أقول إن هذه التجارب واحدة. حريق مرتبط بالظروف المناخية والبيئية ليس قصفاً، والاستعمار في كندا له تاريخه الخاصّ، كما أن فلسطين ولبنان لكل منها سياقاتهما السياسية والاستعمارية والحربية المختلفة. لكنّ الاعتراف بالاختلاف لا يمنعنا من وضع هذه التجارب في حوار، والسؤال عمّا يحدث للطفل والطفلة عندما تصبح الأرض التي تعلّما من خلالها معنى الانتماء غير قابلة للحياة أو الوصول.

بالنسبة إلى كثيرين منّا، الأرض ليست مفهوماً بيئياً مجرّداً. هي البيت والقرية والمكان والأرض التي نقول إننا منها حتى إن وُلدنا في مكان آخر، وشجرة الزيتون التي زرعها الجدّ، والبستان الذي تعتني به العائلة، والطريق إلى بيت الجدّة، والجبل الذي نراه من النافذة، والمقبرة التي دُفنت فيها أجيال من العائلة. الأطفال يرثون هذه الجغرافيا قبل أن يفهموا السياسة التي تحيط بها.

في جنوب لبنان، وثّقت منظّمات حقوقية استخدام إسرائيل الفوسفور الأبيض في بلدات عدّة منذ تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023، بما في ذلك فوق مناطق مأهولة. ولا تقتصر آثار الأسلحة الحارقة على الإصابات المباشرة، فهي قد تطال النباتات والأراضي الزراعية والمنازل وتسهم في النزوح. وفي آذار/ مارس 2026، وثّقت Human Rights Watch مجدّداً استخدام الفوسفور الأبيض فوق منطقة سكنية في بلدة يحمر في جنوب لبنان.

لكنّ لغة التقارير لا تقول لنا دائماً ماذا يرى الطفل والطفلة في هذه اللحظة. ما تصفه التقارير بأنه «أضرار زراعية» قد يكون بالنسبة إلى الأطفال والطفلات بستان اللعب، و«الممتلكات المدنية المتضرّرة» قد تكون بيت الجدّة. عندما تحترق أماكن الذاكرة، يفقد الطفل والطفلة شيئاً لا تعرف لغة الحماية التقليدية كيف تسمّيه.

وهنا يمكن لتجربتين مختلفتين جدّاً، طفل من السكّان الأصليين أُجلي من مجتمعه في بريتيش كولومبيا، وطفل غادر قرية في جنوب لبنان تحت القصف، أن تكشفا محدودية فهمنا للحماية من دون أن نساوي بينهما.

هذه ليست أسئلة متطرّفة

الطفل الذي يشاهد أرضه تحترق أو منزله يُدمّر لا يشاهد حدثاً فقط، بل يحاول أن يفهم لماذا حدث ذلك؟ ومن المسؤول؟ ولماذا لم يستطع أحد حمايته؟ ولماذا عليه أن يغادر؟ ولماذا لا يستطيع العودة؟ هذه ليست أسئلة متطرّفة، بل أسئلة إنسانية عن الحزن والعدالة، والكرامة والهويّة والانتماء. الحزن ليس تطرّفاً، والغضب من الظلم ليس تطرّفاً، والاحتجاج على القمع أو المطالبة بالعدالة ليس مؤشّراً على التطرّف. لكنّ البحث عن معنى لا يتوقّف لمجرّد أننا لا نوفّر مساحة للاعتراف به.

الروايات المتطرّفة لا تحتاج دائماً إلى اختراع الألم، بل قد تجد أمامها جرحاً حقيقياً: منزلاً دُمّر، وأرضاً احترقت، وعائلة هُجّرت، وإحساساً بالظلم وفقداناً للثقة بالمؤسّسات. ثم تختزل هذا التعقيد كله في تفسير واحد: «هم فعلوا هذا بكم». وهكذا يمكن أن تتحوّل تجربة حقيقية من الفقد والظلم إلى هويّة مبنيّة على العداء، وربما إلى تبرير للعنف. من هنا، لا تعني الوقاية إسكات الغضب أو مطالبة الشباب بالتخلّي عنه. ربما تعني العكس: أن نوفّر المساحات التي يمكن فيها أن يتحوّل الغضب إلى لغة ووعي نقدي ومطالبة بالعدالة وفعل مدني وسياسي، بدلاً من تركه لمن يقدّم العنف باعتباره الطريق الوحيد لاستعادة الكرامة.

ما لا نعرف كيف نقيسه

في بلادنا، الحرب تبقى في الأرض بعد توقّف القصف. تبقى في الذخائر غير المنفجرة، وفي التربة والمياه، وفي الحقول التي لم يعد الوصول إليها آمناً، وفي الأشجار المحترقة والبيوت المدمّرة والطرق التي لم يعد الطفل قادراً على سلوكها. 

هذا يدفعني إلى التساؤل عمّا إذا كان فهمنا للعنف الذي يؤثّر في الأطفال والطفلات لا يزال متمركزاً حول الجسد أكثر ممّا ينبغي. نحن نحصي من قُتل ومن أُصيب ومن هُجّر، ونسجّل المدارس والمستشفيات التي دُمّرت، وهذا ضروري. لكنّنا لا نعرف جيّداً كيف نوثّق تدمير العالم الذي ينتمي إليه الطفل، البستان المحترق، والتربة التي لم تعد آمنة، والحيوانات التي تُركت أثناء النزوح، والقرية التي تغيّرت إلى حدّ أن العودة إليها لم تعد تعني العودة إلى المكان نفسه، والشجرة التي كانت تجتمع تحتها ثلاثة أجيال من العائلة. هذه ليست تفاصيل عاطفية على هامش الخسارة؛ إنها جزء منها.

كيف نقيس أثر أن يكبر طفل/ة وهو يرى أرضه تحترق مرّة بعد مرّة؟ كيف نقيس انقطاع العلاقة بين جيل وأرض؟ وكيف نفهم ما يحدث عندما يصبح المكان الذي تعلّم الطفل/ة من خلاله الإجابة عن سؤال «من أين أنا؟» مكاناً لا يستطيع الوصول إليه.

لذلك، ربما علينا ألّا نسأل فقط كيف نحمي الأطفال والطفلات من عالم يحترق، بل أيضاً ماذا ينبغي أن نحمي حولهم/ن لكي يبقى الانتماء ممكناً.

كيف نقيس أثر أن يكبر طفل/ة وهو يرى أرضه تحترق مرّة بعد مرّة؟ كيف نقيس انقطاع العلاقة بين جيل وأرض؟ وكيف نفهم ما يحدث عندما يصبح المكان الذي تعلّم الطفل/ة من خلاله الإجابة عن سؤال «من أين أنا؟» مكاناً لا يستطيع الوصول إليه.

ثمّة شيء مقلق في أن نشاهد أرضاً تحترق من بعيد. في الصور التي وصلتنا من بريتيش كولومبيا في كندا، تختفي الجبال خلف الدخان، وتتحوّل السماء إلى لون برتقالي، وتغادر عائلات بيوتها بما استطاعت حمله، فيما تواجه فرق الإطفاء نيراناً قد تتحرّك أسرع من قدرة الناس وأنظمة الطوارئ على الاستجابة. 

في صيف 2026، أدّت الحرائق التي شهدتها غابات كندا إلى إجلاء آلاف الأشخاص، وتعرّضت مجتمعات من السكّان الأصليين لخسائر كبيرة. يمكننا أن نعرف عدد الهكتارات التي احترقت، والمنازل التي دُمّرت، والأشخاص الذين أُجلوا، لكنّ هذه الأرقام تخبرنا أقلّ بكثير عمّا يحدّث للطفل والطفلة حين لا يفقدان منزلاً فقط، بل المكان الذي تعلّما من خلاله معنى الانتماء.

قد يتساءل القارئ لماذا تكتب متخصّصة في حماية الأطفال والطفلات، أمضت سنوات في العمل على الوقاية من العنف، عن حرائق الغابات في كندا، وربما تساءلت أنا أيضاً عن ذلك وأنا أتابع الصور والأخبار. لكنّ شيئاً في هذه المشاهد أعادني إلى سؤال رافق عملي طويلاً: ماذا نعني فعلاً عندما نقول إننا نحمي الأطفال والطفلات؟ 

نحن نفكّر، وبحقّ، في سلامة الجسد، والمأوى، وبقاء العائلة معاً، والعودة إلى المدرسة، والحصول على الخدمات الأساسية. لكن ماذا عن نسيج العلاقات الذي يجعل لحياة الطفل معنى؛ العلاقة بالعائلة الممتدّة، والمجتمع، والذاكرة، والثقافة والمكان؟

وأنا أتابع حرائق بريتيش كولومبيا، وجدت نفسي أفكّر في مسألة ربما لم نعطها ما تستحقّه من الاهتمام في منظومات الحماية، وهي أن للاقتلاع إيكولوجيا. فالانتماء إلى عائلة لا يحدث في الفراغ. العائلة تنتمي إلى مجتمع، والمجتمع يعيش في مكان، والمكان يحمل لغة وذاكرة وقصصاً وعلاقات وطرقاً وأشجاراً ومياهاً يعرّف الإنسان نفسه من خلالها. ولهذا، فإن اقتلاع الطفل أو الطفلة لا يبدأ دائماً حين الفصل عن العائله؛ قد يبدأ أيضاً عند الفصل عن الأرض التي تمنح العائلة والمجتمع والذاكرة معنى.

أرض ليست بلا تاريخ

لا يمكن التفكير في أطفال وطفلات الشعوب الأصلية في كندا بمعزل عن تاريخ طويل من الفصل القسري. فقد انتُزعوا من عائلاتهم وأُرسلوا إلى المدارس الداخلية، ثم جاءت ممارسات أخرى، من بينها ما عُرف بـ Sixties Scoop، حيث نُقل آلاف الأطفال من السكّان الأصليين ليتمّ تبنّيهم في أسر غير أصلية. وتقاطعت هذه السياسات مع عمليّات أوسع من نزع الأرض وتقييد اللغات والممارسات الثقافية وإضعاف قدرة المجتمعات على تحديد علاقتها بأراضيها. لذلك، عندما نتحدّث اليوم عن إجلاء مجتمع من السكّان الأصليين بسبب حريق، لا يمكن أن نتعامل معه وكأنه يحدث على أرض بلا تاريخ.

بالطبع، الإجلاء من حريق ليس مدرسة داخلية، ولا ينبغي مساواة تجارب تاريخية وسياسية مختلفة. لكنّ التاريخ يسكن الطريقة التي نعيش بها الحاضر. وقد أشارت مراجعات للصحّة العامّة الكندية إلى أن بعض عمليّات الإجلاء أعادت لدى أشخاص من السكّان الأصليين ذكريات مرتبطة بالمدارس الداخلية وانتزاع الأطفال، خصوصاً عندما جرى نقل السكّان في الحافلات، أو انفصل أفراد العائلة عن بعضهم بعضاً، أو أُجلي كبار السنّ من دون مقدّمي الرعاية. في هذه الحالات لا يعود الإجلاء مجرّد انتقال من منزل مهدّد إلى مكان أكثر أماناً؛ فهو قد يعني أيضاً الابتعاد عن الأقارب واللغة والحيوانات والنهر والغابة والأماكن التي تشكّل خريطة الحياة اليومية.

وهناك تاريخ آخر للنار نفسها. قبل أن توجد بريتيش كولومبيا كمقاطعة كندية، عاشت الشعوب الأصلية مع النار وأدارت علاقتها بها بطرق مختلفة عن نموذج إخماد الحرائق الذي فرضته لاحقاً السلطات الاستعمارية. كان الحرق الموجّه جزءاً من رعاية الأرض، ومن تجديد بعض النباتات ودعم النظم البيئية ومصادر الغذاء وتقليل تراكم المواد القابلة للاشتعال. ومع الاستعمار، لم يُنتزع الناس من الأرض فقط، بل جرى أيضاً تهميش معارفهم وممارساتهم في إدارتها.

تشير أبحاث أُجريت في الأراضي التقليدية لشعب T’exelc – Williams Lake First Nation إلى أن نمطاً تاريخياً من الحرائق المتكرّرة منخفضة الشدّة تغيّر بصورة كبيرة بعد الأوبئة الاستعمارية، والتهجير إلى المحميّات، وقمع ممارسات الحرق التقليدية. واليوم، تعترف سلطات بريتيش كولومبيا بأن عقوداً من إخماد الحرائق أسهمت في زيادة كثافة بعض الغابات وتراكم الوقود النباتي، وتعود للاعتراف بأهمّية ممارسات الحرق التي عرفتها الشعوب الأصلية منذ أجيال. المفارقة ليست فقط في أن معرفة هُمّشت باسم «التقدّم» تعود المؤسّسات لتبحث فيها عن جزء من الحلّ، بل في السؤال عمّا إذا كان سيُعترف بأصحاب هذه المعرفة كشركاء في السلطة والقرار، أم ستُستخرج معرفتهم فيما تبقى علاقات القوّة على حالها.

وتستمرّ هذه العلاقة غير المتكافئة حتى في لحظة الخطر. خلال الحرائق الأخيرة، تحدّثت الناشطة في مجال حقوق أطفال السكّان الأصليين Cindy Blackstock عن مساعدتها لشقيقها في مغادرة منطقة مهدّدة في بريتيش كولومبيا. بحسب روايتها، كانت فرق الإطفاء قد وضعت الخراطيم حول المنزل وعلى سطحه بينما لم يكن أمر الإجلاء الرسمي قد صدر بعد. كما روت أنها التقت أحد كبار السنّ الذي لم يكن يعرف أن إنذاراً بالحريق قد صدر. هذه التفاصيل تجعل السؤال حول الاستجابة أكثر تعقيداً. فوجود إنذار على تطبيق أو موقع إلكتروني لا يعني أن الناس تلقّوه. المهمّ ليس فقط ما إذا كان التحذير قد صدر، بل من استطاع الوصول إليه؟ ومتى؟ وكم بقي لديه من الوقت؟ وما إذا كانت لديه أصلاً الوسائل اللازمة للمغادرة؟

تزداد أهمّية ذلك بالنسبة إلى كبار السنّ، والأشخاص ذوي الإعاقة، والأسر التي لديها أطفال صغار، والمجتمعات النائية التي تعاني ضعف الاتّصالات والبنية التحتية. وتشير بيانات الصحّة العامّة الكندية إلى أن مجتمعات الشعب الأصيل تمثّل نحو 42 في المئة من عمليّات الإجلاء المرتبطة بحرائق الغابات، رغم أنها تشكّل نحو خمسة في المئة فقط من سكّان كندا. هذه الأرقام تذكّرنا بأن الهشاشة ليست دائماً صفة موجودة في الشخص أو المجتمع؛ فقد تنتجها العلاقة غير المتكافئة بين الخطر والموارد والقدرة على مواجهته. النار قد لا تسأل عن هويّة من يواجهها، لكنّ آثارها ليست متساوية.

ما الذي نحسبه عندما نحسب الخسارة؟

وسط الحديث عن الحرائق، بقيت عالقة في ذهني الطريقة التي وصف بها أفراد من المجتمعات المتضرّرة خسارتهم. فالآخرون قد يقيسون الكارثة بعدد الهكتارات والمباني، فيما تُقاس داخل المجتمع أيضاً بالذكريات التي فُقدت: صور عائلية قديمة ومقتنيات انتقلت عبر الأجيال. ربما يمكن إعادة بناء منزل، لكن لا يمكن دائماً إعادة بناء ذاكرة، ولا يمكن اختزال مكان يحمل قصصاً ونباتات طبّية ومقابر ومسارات للصيد وأماكن للتجمّع بقيمته المادّية. نحن نجيد حساب ما احترق، لكنّنا لا نحسب دائماً ما انقطع.

وهنا يصبح من الصعب بالنسبة لي أن أبقى في كندا. فالكتابة عن أطفال الشعوب الأصلية الذين يشاهدون أراضيهم تحترق تُعيدني إلى أطفال بلادنا وطفلاتها، وإلى أماكن عرف فيها الأطفال والطفلات معنى أن يصبح المنزل فجأة مكاناً يجب الهروب منه، وأن تصبح الأرض التي يعرفونها مكاناً لا يستطيعون الوصول إليه. لا أقول إن هذه التجارب واحدة. حريق مرتبط بالظروف المناخية والبيئية ليس قصفاً، والاستعمار في كندا له تاريخه الخاصّ، كما أن فلسطين ولبنان لكل منها سياقاتهما السياسية والاستعمارية والحربية المختلفة. لكنّ الاعتراف بالاختلاف لا يمنعنا من وضع هذه التجارب في حوار، والسؤال عمّا يحدث للطفل والطفلة عندما تصبح الأرض التي تعلّما من خلالها معنى الانتماء غير قابلة للحياة أو الوصول.

بالنسبة إلى كثيرين منّا، الأرض ليست مفهوماً بيئياً مجرّداً. هي البيت والقرية والمكان والأرض التي نقول إننا منها حتى إن وُلدنا في مكان آخر، وشجرة الزيتون التي زرعها الجدّ، والبستان الذي تعتني به العائلة، والطريق إلى بيت الجدّة، والجبل الذي نراه من النافذة، والمقبرة التي دُفنت فيها أجيال من العائلة. الأطفال يرثون هذه الجغرافيا قبل أن يفهموا السياسة التي تحيط بها.

في جنوب لبنان، وثّقت منظّمات حقوقية استخدام إسرائيل الفوسفور الأبيض في بلدات عدّة منذ تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023، بما في ذلك فوق مناطق مأهولة. ولا تقتصر آثار الأسلحة الحارقة على الإصابات المباشرة، فهي قد تطال النباتات والأراضي الزراعية والمنازل وتسهم في النزوح. وفي آذار/ مارس 2026، وثّقت Human Rights Watch مجدّداً استخدام الفوسفور الأبيض فوق منطقة سكنية في بلدة يحمر في جنوب لبنان.

لكنّ لغة التقارير لا تقول لنا دائماً ماذا يرى الطفل والطفلة في هذه اللحظة. ما تصفه التقارير بأنه «أضرار زراعية» قد يكون بالنسبة إلى الأطفال والطفلات بستان اللعب، و«الممتلكات المدنية المتضرّرة» قد تكون بيت الجدّة. عندما تحترق أماكن الذاكرة، يفقد الطفل والطفلة شيئاً لا تعرف لغة الحماية التقليدية كيف تسمّيه.

وهنا يمكن لتجربتين مختلفتين جدّاً، طفل من السكّان الأصليين أُجلي من مجتمعه في بريتيش كولومبيا، وطفل غادر قرية في جنوب لبنان تحت القصف، أن تكشفا محدودية فهمنا للحماية من دون أن نساوي بينهما.

هذه ليست أسئلة متطرّفة

الطفل الذي يشاهد أرضه تحترق أو منزله يُدمّر لا يشاهد حدثاً فقط، بل يحاول أن يفهم لماذا حدث ذلك؟ ومن المسؤول؟ ولماذا لم يستطع أحد حمايته؟ ولماذا عليه أن يغادر؟ ولماذا لا يستطيع العودة؟ هذه ليست أسئلة متطرّفة، بل أسئلة إنسانية عن الحزن والعدالة، والكرامة والهويّة والانتماء. الحزن ليس تطرّفاً، والغضب من الظلم ليس تطرّفاً، والاحتجاج على القمع أو المطالبة بالعدالة ليس مؤشّراً على التطرّف. لكنّ البحث عن معنى لا يتوقّف لمجرّد أننا لا نوفّر مساحة للاعتراف به.

الروايات المتطرّفة لا تحتاج دائماً إلى اختراع الألم، بل قد تجد أمامها جرحاً حقيقياً: منزلاً دُمّر، وأرضاً احترقت، وعائلة هُجّرت، وإحساساً بالظلم وفقداناً للثقة بالمؤسّسات. ثم تختزل هذا التعقيد كله في تفسير واحد: «هم فعلوا هذا بكم». وهكذا يمكن أن تتحوّل تجربة حقيقية من الفقد والظلم إلى هويّة مبنيّة على العداء، وربما إلى تبرير للعنف. من هنا، لا تعني الوقاية إسكات الغضب أو مطالبة الشباب بالتخلّي عنه. ربما تعني العكس: أن نوفّر المساحات التي يمكن فيها أن يتحوّل الغضب إلى لغة ووعي نقدي ومطالبة بالعدالة وفعل مدني وسياسي، بدلاً من تركه لمن يقدّم العنف باعتباره الطريق الوحيد لاستعادة الكرامة.

ما لا نعرف كيف نقيسه

في بلادنا، الحرب تبقى في الأرض بعد توقّف القصف. تبقى في الذخائر غير المنفجرة، وفي التربة والمياه، وفي الحقول التي لم يعد الوصول إليها آمناً، وفي الأشجار المحترقة والبيوت المدمّرة والطرق التي لم يعد الطفل قادراً على سلوكها. 

هذا يدفعني إلى التساؤل عمّا إذا كان فهمنا للعنف الذي يؤثّر في الأطفال والطفلات لا يزال متمركزاً حول الجسد أكثر ممّا ينبغي. نحن نحصي من قُتل ومن أُصيب ومن هُجّر، ونسجّل المدارس والمستشفيات التي دُمّرت، وهذا ضروري. لكنّنا لا نعرف جيّداً كيف نوثّق تدمير العالم الذي ينتمي إليه الطفل، البستان المحترق، والتربة التي لم تعد آمنة، والحيوانات التي تُركت أثناء النزوح، والقرية التي تغيّرت إلى حدّ أن العودة إليها لم تعد تعني العودة إلى المكان نفسه، والشجرة التي كانت تجتمع تحتها ثلاثة أجيال من العائلة. هذه ليست تفاصيل عاطفية على هامش الخسارة؛ إنها جزء منها.

كيف نقيس أثر أن يكبر طفل/ة وهو يرى أرضه تحترق مرّة بعد مرّة؟ كيف نقيس انقطاع العلاقة بين جيل وأرض؟ وكيف نفهم ما يحدث عندما يصبح المكان الذي تعلّم الطفل/ة من خلاله الإجابة عن سؤال «من أين أنا؟» مكاناً لا يستطيع الوصول إليه.

لذلك، ربما علينا ألّا نسأل فقط كيف نحمي الأطفال والطفلات من عالم يحترق، بل أيضاً ماذا ينبغي أن نحمي حولهم/ن لكي يبقى الانتماء ممكناً.

|

اشترك بنشرتنا البريدية