ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

حين تصبح الكاميرا تهمة 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لا يكون توثيق خسارات الناس في لبنان وفلسطين تفصيلاً مهنياً فقط. إنه معركة على المعنى، معركة ضدّ نزع الأنسنة، وضدّ تحويل الضحايا إلى أرقام.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

الكاميرا ليست  دائماً أداة استغلال، أحياناً هي الشيء الوحيد المتبقّي لمن فقد بيته وذاكرته وأرضه، ويريد أن يقول إن الخسارة ليست رقماً في بيان، ولا تفصيلاً جانبياً في خطاب الانتصار، ولا مشهداً عابراً في نشرة أخبار.

في الجنوب اليوم، ومع انتشار وسائل إعلام محلّية ودولية ومع حضور مؤثّرين يصوّرون ويسجّلون مقابلات مع نازحين وناجين فقدوا كل شيء:  أرواح محبّيهم، بيوتهم وقراهم. هنا، لا يدور النقاش فقط حول أخلاقيات تصوير الألم، بل حول سؤال أعمق، مَن يحقّ له أن يحكي؟ ومَن يقرّر أيّ حزن مسموح، وأيّ حزن يجب أن يبقى مكتوماً كي لا يزعج السردية الكبرى؟ ومتى يصبح توثيق الوجع “استغلالاً”، ومتى يصبح السكوت عنه شكلاً آخر من أشكال محو الضحايا؟

نعم، لا يمكن إنكار أن بعض الممارسات الإعلامية خلال الحرب كشفت محدودية الخبرة في التعامل مع الموادّ الحساسة. هناك تصوير متسرّع، وهناك مقابلات تُجرى في لحظات انهيار، وهناك مشاهد تُنشر من دون تمهّل كافٍ في سؤال الخصوصية والكرامة. في الحروب والكوارث، لا تكفي الموافقة وحدها دائماً إذا لم تكن واعية وصريحة وقابلة للتراجع، وإذا لم تُدرج بسياق مهني يحمي صاحبها من الاستغلال أو التشهير أو الاقتطاع.

خلال الأسابيع الماضية، ومع تصاعد الحرب الإسرائيلية على لبنان دخل النقاش حول آلام المتأثّرين والمتأثّرات وخساراتهم في هذه الحرب منعطفاً أكثر تعقيداً. فالحرب لم تطرح فقط أسئلة مهنية حول أخلاقيات التغطية الصحافية وأنسنتها، بل أعادت فتح النقاش حول موقع الكاميرا نفسها: هل تحمي الضحيّة أم تكشفها؟ هل تمنحها صوتاً أم تستثمر في هشاشة الهاربين والناجين والضحايا؟ هل تنقل شهاداتهم بأمانة أم تقتطعها من سياقها؟ 

لكن ما جعل هذا النقاش أكثر التباساً أن الصورة لم تعد تُقرأ فقط من زاوية مهنيتها أو حساسيتها، بل من زاوية الخطاب الذي تحمله خصوصاً في بلد مثل لبنان يعيش انقساماً واستقطاباً سياسياً وطائفياً بشكل حادّ. لم يعد السؤال دائماً حول ما إذا هل صُوّرت الضحيّة باحترام؟ هل أعطت موافقة واضحة؟ هل راعت المادّة المنشورة كرامتها؟ بل صار السؤال، أحياناً، أكثر سياسية، ماذا قالت الضحيّة؟ هل بكت فقط أم اعترضت؟ هل ربطت خسارتها بالعدوان الإسرائيلي وحده، أم فتحت أيضاً باب السؤال عن قرار الحرب، وعن تحويل القرى والبيوت إلى ساحات مواجهة، وعن الكلفة التي دُفعت باسم سرديات لا يشارك الجميع في صياغتها؟

من هنا، لا يمكن فصل النقاش الأخلاقي حول تصوير الألم عن الصراع الأوسع على السردية. فثمّة خطاب يريد من الناس أن يظهروا في هيئة واحدة بوصفهم صامدين، راضين، مؤمنين بأن البيوت تُعوَّض، وأن الحجر سيُبنى من جديد، وأن الخسارة الفردية يجب أن تذوب في المعنى الجماعي الكبير. 

هناك من رأى في خسارات الضحايا من الجنوبيين رافعة سياسية لمواجهة “حزب الله”، قافزين عن الخسارات مهرولين نحو كسر “التابو” كما يقولون، في العلاقة مع إسرائيل ومديحها والدعوة للتطبيع معها، قافزين حتى عن الخطاب الرسمي الداعي للتفاوض دون “الانبهار” بإسرائيل. آخرون يحاولون ربما حثّ الضحايا على قول شيء آخر: إن البيت ليس حجراً فقط، وإن من حقّ الإنسان أن يبكي بيته وأرضه وأهله من دون أن يُطلب منه أولاً إثبات ولائه أو تعداد شهدائه.

حرب التغطية الصحافية تكاد لا تقلّ شراسة عن الحرب العسكرية. يشعر من يتابع بعض التغطيات أن هناك حاجة ملحّة لإعادة النظر في أخلاقيات التغطية على مستوى إدارات التحرير والصحافيين على الأرض. التغطية ليست فقط حول حمل الكاميرا والبثّ المباشر بل هي حسن دراية لكيفية طرح الأسئلة واختيار اللحظة، واحترام الصمت، وفهم معنى أن يكون الإنسان في حالة فجيعة. كما أن المؤسّسات الإعلامية تتحمّل مسؤولية أساسية، من غرفة التحرير إلى النشر، في منع تحويل الألم إلى مادّة استهلاكية أو مشهدية رخيصة.

لكنّ الاعتراف بهذه الأخطاء شيء، وتحويل كل توثيق للألم إلى تهمة شيء آخر. فالخلل المهني لا ينسف حقّ التوثيق من أساسه، ولا يبرّر مصادرة أصوات الناس حين يختارون الكلام. والحرص الأخلاقي على الضحايا لا ينبغي أن يتحوّل إلى وصاية عليهم، ولا إلى ذريعة لمنعهم من التعبير عن خساراتهم بالطريقة التي يريدونها.

التوثيق، حين يتمّ بموافقة الناس وبما يحفظ كرامتهم، ليس اعتداءً عليهم، هو، في كثير من الأحيان، دفاع عنهم. هو طريقة لمواجهة الاحتلال الذي يريد الضحايا أرقاماً، والبيوت نقاطاً على خريطة، والقرى أهدافاً عسكرية بلا وجوه ولا أسماء ولا ذاكرة. الاحتلال يقتل، ثم تأتي اللغة الباردة لتقول: “أضرار”، “خسائر جانبية”، “بنية تحتية”، “أهداف مشتبه بها”. هنا يأتي دور الصحافة لتعيد إلى الخسارة اسمها، وإلى البيت حكايته، وإلى الضحيّة وجهها، وإلى الفجيعة معناها الإنساني.

إذا نظرنا إلى كثير من التغطيات الدولية السائدة للحرب في لبنان وفلسطين، نرى كيف تُقدَّم أجسادنا غالباً في مشاهد جماعية واسعة، ركام، جثث مكدّسة، بكاء بعيد، صور بلا أسماء. كلما ابتعدت الكاميرا عن التجربة الفردية، ابتعد المشاهد عن إمكانية التعاطف، فيتحوّل الموت إلى كتلة، إلى مشهد، إلى رقم. في المقابل، كثيراً ما تُروى خسارات الإسرائيليين في الإعلام نفسه عبر أسماء ووجوه وقصص عائلية وتفاصيل شخصية، كأن الأنسنة حقّ ممنوح لطرف دون آخر.

لهذا، لا يكون توثيق خسارات الناس في لبنان وفلسطين تفصيلاً مهنياً فقط. إنه معركة على المعنى، معركة ضدّ نزع الأنسنة، وضدّ تحويل الضحايا إلى أرقام. في بعض السياق المحلّي للتغطية وتحديداً تلك التي تدور في فلك “الممانعة”، تبرز مفارقة أن الاعتراض على الكاميرا لا يظهر دائماً حين تخدم الصورة سردية “الصمود”. حين يقول البعض إنهم مستعدّون لتحمّل الخسارات، وإن البيوت تُعوَّض، وإن ما جرى “فداء للمقاومة”، لا تبدو الكاميرا عند كثيرين استغلالية. لا يُثار السؤال نفسه عن ضعف الضحيّة أو هشاشتها أو قدرتها على الموافقة. تصبح الصورة مقبولة، بل مطلوبة، لأنها تؤدّي وظيفة سياسية واضحة، وهي تثبيت صورة البيئة المتماسكة التي لا تتعب ولا تنكسر ولا تسأل.

أما حين يقول شخص إنه موجوع، أو غاضب، أو متعب، أو إنه لا يريد أن يكون وقوداً لحرب لم يُستشر فيها، تصبح الكاميرا فجأة موضع اتّهام. يصبح المصوّر مستغلاً، والصحافي متاجراً بالمأساة، والضحيّة “مستنزَفة” أو “غير واعية”… هكذا لا يعود الاعتراض على الصورة اعتراضاً أخلاقياً خالصاً، بل يصبح في كثير من الأحيان اعتراضاً على الخطاب الذي سمحت الصورة بظهوره.

هنا تحديداً تكمن الانتقائية، ليست كل دمعة مرفوضة. الدمعة التي تخدم السردية مسموحة. الدمعة التي تعترض عليها تصبح محرجة. الحزن الذي ينتهي بعبارة “فدا المقاومة” يُحتضن. الحزن الذي يسأل “من قرّر عنا؟” يُحاصَر. وبين هذين الحزنين يتبيّن أن المشكلة ليست دائماً في الكاميرا، بل في خروج الناس عن النصّ المكتوب لهم مسبقاً.

في المقابل، يظهر أيضاً خطاب إعلامي وسياسي لا يقلّ خطورة، تعامل مع فئة لبنانية واسعة وكأن استهدافها وخساراتها أمر عادي أو مستحقّ. هذا الخطاب لا ينتقد “حزب الله” من موقع سياسي مشروع حول السلاح وقرار الحرب والسلم والدولة والتفاوض، بل ينزلق أحياناً إلى تنميط بيئة كاملة، أو إلى التشفّي منها، أو إلى التعامل مع موتها ودمارها كأنهما نتيجة طبيعية لا تستدعي الحزن. وهنا يجب أن يكون التمييز واضحاً، فنقد “حزب الله” وقراره العسكري وسيطرته على المجال العامّ أمر ضروري ومشروع، لكنّ تبرير قتل المدنيين أو نزع الإنسانية عن المتضرّرين أو تصوير خساراتهم كعقاب جماعي، بل والإلحاح على “شرب البيرة في تل أبيب” كما يقول البعض ليس نقداً سياسياً، إنه سقوط أخلاقي.

وبين هذين الخطابين، خطاب يروّج للصمود ويمنع التعب، وخطاب يتماهى مع نزع الأنسنة الإسرائيلية أو يبرّرها، وجد عدد من الصحافيين والصحافيات أنفسهم في مساحة ضيّقة، يحاولون توثيق الدمار والخسارات وإيصال أصوات الناس بموافقتهم، فيُتّهمون بالاستغلال. يحاولون أن يقولوا إن الناس ليسوا كتلة واحدة، وإن داخل البيئة المتضرّرة حزناً واعتراضاً وأسئلة، فيُواجَهون بمحاولات إسكات أو تخوين أو تشكيك.

من أكثر العبارات فوقية في هذا السياق سؤال: “مَن أذن لكم؟” كأن الناس الذين يتحدّثون أمام الكاميرا لا يملكون أهلية الإذن. كأن الضحيّة، لأنها ضحيّة، تُجرَّد تلقائياً من قدرتها على القرار. صحيح أن حالة الفقدان والصدمة تستدعي حذراً مضاعفاً من الصحافي، وصحيح أن السلطة الرمزية للكاميرا قد تؤثّر في الشخص المصوَّر، لكنّ هذا لا يعني افتراض أن كل من يتحدّث أمام الكاميرا مسلوب الإرادة. 

الأخطر أن هذا الخطاب لا يكتفي أحياناً بسؤال الصحافي عن أخلاقيات عمله، بل ينتقل إلى نزع الحقّ عن الضحايا أنفسهم في الكلام. يصبح من يريد أن يبكي بيته متّهماً بأنه يخدم سردية “العدو”. ومن يريد أن يروي خسارته متّهماً بأنه يضعف المعنويات. ومن يريد أن يسأل عن المسؤولية يصبح متّهماً بأنه يطعن بـ”البيئة”. هكذا يُطلب من الناس أن يخسروا بصمت، وأن يحزنوا ضمن الحدود المرسومة، وأن يحوّلوا وجعهم إلى مادّة مناسبة للخطاب العامّ، لا إلى شهادة حرّة.

في مناطق خاضعة لنفوذ “حزب الله”، ليس الاعتراض موجّهاً دائماً إلى فعل التصوير بحدّ ذاته، بل إلى ما قد يقوله الناس أمام الكاميرا. فالصورة التي تُظهر الدمار مقبولة ما دامت تقول إن العدو هو القاتل وحده، وهذا صحيح وأساسي. لكنّها تصبح خطرة حين تفتح باباً آخر: ماذا عن الذين قرّروا الحرب؟ ماذا عن البيوت التي استُخدمت من دون إذن أصحابها؟ ماذا عن السلاح الذي دخل إلى حياة الناس وبيوتهم وقراهم من دون مساءلة؟ ماذا عن المدنيين الذين دُفعوا إلى كلفة لم يختاروها؟

هذه الأسئلة لا تبرّئ إسرائيل من جرائمها. لا شيء يبرّئ الاحتلال من قصف البيوت وقتل المدنيين وتدمير القرى. لكنّ إدانة إسرائيل لا تعني إسكات الأسئلة الداخلية، ولا تحويل الناس إلى مجرّد شهود على وحشية العدو من دون حقّهم في مساءلة مَن صادر قرارهم وحياتهم وأرضهم. 

لذلك يبدو أن جزءاً كبيراً من الرعب من الكاميرا لا ينفصل عن الخوف من ولادة خطاب شيعي جديد أو مختلف؛ خطاب لا يلغي رفض الاحتلال الإسرائيلي، لكنّه يرفض أن يُختزل بالبندقية. خطاب لا يقبل أن يكون الولاء شرطاً للحزن. خطاب يقول إن البيئة الشيعية ليست كتلة صماء، وإن داخلها أناساً خائفين ومتعبين وغاضبين ومفجوعين، لا يريدون أن يُستخدم ألمهم مرّة لتبرير الحرب، ومرّة لإثبات الصمود، ومرّة لإسكات الاعتراض.

هذا الصوت لا يزال هشّاً، لكنّه موجود. يولد من تحت الركام، من البيوت المهدّمة، من القرى التي تحوّلت إلى خرائط عسكرية، من العائلات التي خسرت كل شيء ثم طُلب منها أن تبتسم للكاميرا باسم الصمود. يولد من تعب الناس الذين دفعوا الكلفة سنوات طويلة، ثم وجدوا أنفسهم أمام دمار لا ضمانات لتعويضه، ولا وضوح في مستقبله، ولا اعتراف كافٍ بفداحته.

ربما لهذا بدا صوت مثل سهاد قطيش مؤثّراً إلى هذا الحدّ. الرجل الجنوبي الذي وقف بارتجافة في يديه ودمعة مقموعة في عينيه، واضطرّ لتعداد شهدائه وأقربائه قبل أن يتحدّث عن ألمه، كأنه يعرف مسبقاً أن الحزن وحده لا يكفي كي يُصدَّق. كأنه يعرف أن عليه أن يقدّم أوراق اعتماده الوطنية والعائلية والسياسية قبل أن يقول إنه موجوع. ومع ذلك قال جملته البسيطة والقاطعة:

“شهدائي وتعب بيّي وتعب أهلي وتعبي ما برهنه لأغلى مقام بهيدي الدنيا، أنا حرّ”.

هذه الجملة تختصر ما يحاول كثيرون إسكاتَه. فالناس لا يريدون أن يبرهنوا وجعهم لأحد. لا يريدون أن يطلبوا إذناً كي يحزنوا. لا يريدون أن يُفرض عليهم شكل واحد للحزن، ولا لغة واحدة للفقدان، ولا خاتمة واحدة لكل شهادة. يريدون فقط أن يقولوا إنهم خسروا، وإنهم تعبوا، وإن من حقّهم أن يبكوا.

“حقّي إبكي” ليست جملة عاطفية فقط. إنها موقف سياسي وأخلاقي. إنها رفض لمصادرة الحزن، ورفض لتحويل الخسارة إلى شعار، ورفض لأن يُطلب من الضحيّة أن تكون مفيدة للسردية قبل أن تكون إنساناً. وهي أيضاً تذكير بأن الكاميرا، حين تُستخدم باحترام، قد لا تكون عدوّة الكرامة، بل شاهدة عليها.

أيوب سعد - صحافي عراقي | 05.06.2026

عن النازع والمنزوع… فصائل تتّجه الى فكّ ارتباطها بالحشد الشعبي!

أعلنت حركة عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي، عبر بيانين منفصلين، الشروع بإجراءات فك الارتباط بتشكيلات الحشد الشعبي وحصر السلاح بيد الدولة، خطوة أثارت نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والأمنية، ليس فقط بسبب حجم الفصيلين وتأثيرهما، بل لأنها جاءت ضمن سياق أوسع يتحدث عن إعادة رسم خارطة القوة المسلّحة في العراق.
25.05.2026
زمن القراءة: 8 minutes

لا يكون توثيق خسارات الناس في لبنان وفلسطين تفصيلاً مهنياً فقط. إنه معركة على المعنى، معركة ضدّ نزع الأنسنة، وضدّ تحويل الضحايا إلى أرقام.

الكاميرا ليست  دائماً أداة استغلال، أحياناً هي الشيء الوحيد المتبقّي لمن فقد بيته وذاكرته وأرضه، ويريد أن يقول إن الخسارة ليست رقماً في بيان، ولا تفصيلاً جانبياً في خطاب الانتصار، ولا مشهداً عابراً في نشرة أخبار.

في الجنوب اليوم، ومع انتشار وسائل إعلام محلّية ودولية ومع حضور مؤثّرين يصوّرون ويسجّلون مقابلات مع نازحين وناجين فقدوا كل شيء:  أرواح محبّيهم، بيوتهم وقراهم. هنا، لا يدور النقاش فقط حول أخلاقيات تصوير الألم، بل حول سؤال أعمق، مَن يحقّ له أن يحكي؟ ومَن يقرّر أيّ حزن مسموح، وأيّ حزن يجب أن يبقى مكتوماً كي لا يزعج السردية الكبرى؟ ومتى يصبح توثيق الوجع “استغلالاً”، ومتى يصبح السكوت عنه شكلاً آخر من أشكال محو الضحايا؟

نعم، لا يمكن إنكار أن بعض الممارسات الإعلامية خلال الحرب كشفت محدودية الخبرة في التعامل مع الموادّ الحساسة. هناك تصوير متسرّع، وهناك مقابلات تُجرى في لحظات انهيار، وهناك مشاهد تُنشر من دون تمهّل كافٍ في سؤال الخصوصية والكرامة. في الحروب والكوارث، لا تكفي الموافقة وحدها دائماً إذا لم تكن واعية وصريحة وقابلة للتراجع، وإذا لم تُدرج بسياق مهني يحمي صاحبها من الاستغلال أو التشهير أو الاقتطاع.

خلال الأسابيع الماضية، ومع تصاعد الحرب الإسرائيلية على لبنان دخل النقاش حول آلام المتأثّرين والمتأثّرات وخساراتهم في هذه الحرب منعطفاً أكثر تعقيداً. فالحرب لم تطرح فقط أسئلة مهنية حول أخلاقيات التغطية الصحافية وأنسنتها، بل أعادت فتح النقاش حول موقع الكاميرا نفسها: هل تحمي الضحيّة أم تكشفها؟ هل تمنحها صوتاً أم تستثمر في هشاشة الهاربين والناجين والضحايا؟ هل تنقل شهاداتهم بأمانة أم تقتطعها من سياقها؟ 

لكن ما جعل هذا النقاش أكثر التباساً أن الصورة لم تعد تُقرأ فقط من زاوية مهنيتها أو حساسيتها، بل من زاوية الخطاب الذي تحمله خصوصاً في بلد مثل لبنان يعيش انقساماً واستقطاباً سياسياً وطائفياً بشكل حادّ. لم يعد السؤال دائماً حول ما إذا هل صُوّرت الضحيّة باحترام؟ هل أعطت موافقة واضحة؟ هل راعت المادّة المنشورة كرامتها؟ بل صار السؤال، أحياناً، أكثر سياسية، ماذا قالت الضحيّة؟ هل بكت فقط أم اعترضت؟ هل ربطت خسارتها بالعدوان الإسرائيلي وحده، أم فتحت أيضاً باب السؤال عن قرار الحرب، وعن تحويل القرى والبيوت إلى ساحات مواجهة، وعن الكلفة التي دُفعت باسم سرديات لا يشارك الجميع في صياغتها؟

من هنا، لا يمكن فصل النقاش الأخلاقي حول تصوير الألم عن الصراع الأوسع على السردية. فثمّة خطاب يريد من الناس أن يظهروا في هيئة واحدة بوصفهم صامدين، راضين، مؤمنين بأن البيوت تُعوَّض، وأن الحجر سيُبنى من جديد، وأن الخسارة الفردية يجب أن تذوب في المعنى الجماعي الكبير. 

هناك من رأى في خسارات الضحايا من الجنوبيين رافعة سياسية لمواجهة “حزب الله”، قافزين عن الخسارات مهرولين نحو كسر “التابو” كما يقولون، في العلاقة مع إسرائيل ومديحها والدعوة للتطبيع معها، قافزين حتى عن الخطاب الرسمي الداعي للتفاوض دون “الانبهار” بإسرائيل. آخرون يحاولون ربما حثّ الضحايا على قول شيء آخر: إن البيت ليس حجراً فقط، وإن من حقّ الإنسان أن يبكي بيته وأرضه وأهله من دون أن يُطلب منه أولاً إثبات ولائه أو تعداد شهدائه.

حرب التغطية الصحافية تكاد لا تقلّ شراسة عن الحرب العسكرية. يشعر من يتابع بعض التغطيات أن هناك حاجة ملحّة لإعادة النظر في أخلاقيات التغطية على مستوى إدارات التحرير والصحافيين على الأرض. التغطية ليست فقط حول حمل الكاميرا والبثّ المباشر بل هي حسن دراية لكيفية طرح الأسئلة واختيار اللحظة، واحترام الصمت، وفهم معنى أن يكون الإنسان في حالة فجيعة. كما أن المؤسّسات الإعلامية تتحمّل مسؤولية أساسية، من غرفة التحرير إلى النشر، في منع تحويل الألم إلى مادّة استهلاكية أو مشهدية رخيصة.

لكنّ الاعتراف بهذه الأخطاء شيء، وتحويل كل توثيق للألم إلى تهمة شيء آخر. فالخلل المهني لا ينسف حقّ التوثيق من أساسه، ولا يبرّر مصادرة أصوات الناس حين يختارون الكلام. والحرص الأخلاقي على الضحايا لا ينبغي أن يتحوّل إلى وصاية عليهم، ولا إلى ذريعة لمنعهم من التعبير عن خساراتهم بالطريقة التي يريدونها.

التوثيق، حين يتمّ بموافقة الناس وبما يحفظ كرامتهم، ليس اعتداءً عليهم، هو، في كثير من الأحيان، دفاع عنهم. هو طريقة لمواجهة الاحتلال الذي يريد الضحايا أرقاماً، والبيوت نقاطاً على خريطة، والقرى أهدافاً عسكرية بلا وجوه ولا أسماء ولا ذاكرة. الاحتلال يقتل، ثم تأتي اللغة الباردة لتقول: “أضرار”، “خسائر جانبية”، “بنية تحتية”، “أهداف مشتبه بها”. هنا يأتي دور الصحافة لتعيد إلى الخسارة اسمها، وإلى البيت حكايته، وإلى الضحيّة وجهها، وإلى الفجيعة معناها الإنساني.

إذا نظرنا إلى كثير من التغطيات الدولية السائدة للحرب في لبنان وفلسطين، نرى كيف تُقدَّم أجسادنا غالباً في مشاهد جماعية واسعة، ركام، جثث مكدّسة، بكاء بعيد، صور بلا أسماء. كلما ابتعدت الكاميرا عن التجربة الفردية، ابتعد المشاهد عن إمكانية التعاطف، فيتحوّل الموت إلى كتلة، إلى مشهد، إلى رقم. في المقابل، كثيراً ما تُروى خسارات الإسرائيليين في الإعلام نفسه عبر أسماء ووجوه وقصص عائلية وتفاصيل شخصية، كأن الأنسنة حقّ ممنوح لطرف دون آخر.

لهذا، لا يكون توثيق خسارات الناس في لبنان وفلسطين تفصيلاً مهنياً فقط. إنه معركة على المعنى، معركة ضدّ نزع الأنسنة، وضدّ تحويل الضحايا إلى أرقام. في بعض السياق المحلّي للتغطية وتحديداً تلك التي تدور في فلك “الممانعة”، تبرز مفارقة أن الاعتراض على الكاميرا لا يظهر دائماً حين تخدم الصورة سردية “الصمود”. حين يقول البعض إنهم مستعدّون لتحمّل الخسارات، وإن البيوت تُعوَّض، وإن ما جرى “فداء للمقاومة”، لا تبدو الكاميرا عند كثيرين استغلالية. لا يُثار السؤال نفسه عن ضعف الضحيّة أو هشاشتها أو قدرتها على الموافقة. تصبح الصورة مقبولة، بل مطلوبة، لأنها تؤدّي وظيفة سياسية واضحة، وهي تثبيت صورة البيئة المتماسكة التي لا تتعب ولا تنكسر ولا تسأل.

أما حين يقول شخص إنه موجوع، أو غاضب، أو متعب، أو إنه لا يريد أن يكون وقوداً لحرب لم يُستشر فيها، تصبح الكاميرا فجأة موضع اتّهام. يصبح المصوّر مستغلاً، والصحافي متاجراً بالمأساة، والضحيّة “مستنزَفة” أو “غير واعية”… هكذا لا يعود الاعتراض على الصورة اعتراضاً أخلاقياً خالصاً، بل يصبح في كثير من الأحيان اعتراضاً على الخطاب الذي سمحت الصورة بظهوره.

هنا تحديداً تكمن الانتقائية، ليست كل دمعة مرفوضة. الدمعة التي تخدم السردية مسموحة. الدمعة التي تعترض عليها تصبح محرجة. الحزن الذي ينتهي بعبارة “فدا المقاومة” يُحتضن. الحزن الذي يسأل “من قرّر عنا؟” يُحاصَر. وبين هذين الحزنين يتبيّن أن المشكلة ليست دائماً في الكاميرا، بل في خروج الناس عن النصّ المكتوب لهم مسبقاً.

في المقابل، يظهر أيضاً خطاب إعلامي وسياسي لا يقلّ خطورة، تعامل مع فئة لبنانية واسعة وكأن استهدافها وخساراتها أمر عادي أو مستحقّ. هذا الخطاب لا ينتقد “حزب الله” من موقع سياسي مشروع حول السلاح وقرار الحرب والسلم والدولة والتفاوض، بل ينزلق أحياناً إلى تنميط بيئة كاملة، أو إلى التشفّي منها، أو إلى التعامل مع موتها ودمارها كأنهما نتيجة طبيعية لا تستدعي الحزن. وهنا يجب أن يكون التمييز واضحاً، فنقد “حزب الله” وقراره العسكري وسيطرته على المجال العامّ أمر ضروري ومشروع، لكنّ تبرير قتل المدنيين أو نزع الإنسانية عن المتضرّرين أو تصوير خساراتهم كعقاب جماعي، بل والإلحاح على “شرب البيرة في تل أبيب” كما يقول البعض ليس نقداً سياسياً، إنه سقوط أخلاقي.

وبين هذين الخطابين، خطاب يروّج للصمود ويمنع التعب، وخطاب يتماهى مع نزع الأنسنة الإسرائيلية أو يبرّرها، وجد عدد من الصحافيين والصحافيات أنفسهم في مساحة ضيّقة، يحاولون توثيق الدمار والخسارات وإيصال أصوات الناس بموافقتهم، فيُتّهمون بالاستغلال. يحاولون أن يقولوا إن الناس ليسوا كتلة واحدة، وإن داخل البيئة المتضرّرة حزناً واعتراضاً وأسئلة، فيُواجَهون بمحاولات إسكات أو تخوين أو تشكيك.

من أكثر العبارات فوقية في هذا السياق سؤال: “مَن أذن لكم؟” كأن الناس الذين يتحدّثون أمام الكاميرا لا يملكون أهلية الإذن. كأن الضحيّة، لأنها ضحيّة، تُجرَّد تلقائياً من قدرتها على القرار. صحيح أن حالة الفقدان والصدمة تستدعي حذراً مضاعفاً من الصحافي، وصحيح أن السلطة الرمزية للكاميرا قد تؤثّر في الشخص المصوَّر، لكنّ هذا لا يعني افتراض أن كل من يتحدّث أمام الكاميرا مسلوب الإرادة. 

الأخطر أن هذا الخطاب لا يكتفي أحياناً بسؤال الصحافي عن أخلاقيات عمله، بل ينتقل إلى نزع الحقّ عن الضحايا أنفسهم في الكلام. يصبح من يريد أن يبكي بيته متّهماً بأنه يخدم سردية “العدو”. ومن يريد أن يروي خسارته متّهماً بأنه يضعف المعنويات. ومن يريد أن يسأل عن المسؤولية يصبح متّهماً بأنه يطعن بـ”البيئة”. هكذا يُطلب من الناس أن يخسروا بصمت، وأن يحزنوا ضمن الحدود المرسومة، وأن يحوّلوا وجعهم إلى مادّة مناسبة للخطاب العامّ، لا إلى شهادة حرّة.

في مناطق خاضعة لنفوذ “حزب الله”، ليس الاعتراض موجّهاً دائماً إلى فعل التصوير بحدّ ذاته، بل إلى ما قد يقوله الناس أمام الكاميرا. فالصورة التي تُظهر الدمار مقبولة ما دامت تقول إن العدو هو القاتل وحده، وهذا صحيح وأساسي. لكنّها تصبح خطرة حين تفتح باباً آخر: ماذا عن الذين قرّروا الحرب؟ ماذا عن البيوت التي استُخدمت من دون إذن أصحابها؟ ماذا عن السلاح الذي دخل إلى حياة الناس وبيوتهم وقراهم من دون مساءلة؟ ماذا عن المدنيين الذين دُفعوا إلى كلفة لم يختاروها؟

هذه الأسئلة لا تبرّئ إسرائيل من جرائمها. لا شيء يبرّئ الاحتلال من قصف البيوت وقتل المدنيين وتدمير القرى. لكنّ إدانة إسرائيل لا تعني إسكات الأسئلة الداخلية، ولا تحويل الناس إلى مجرّد شهود على وحشية العدو من دون حقّهم في مساءلة مَن صادر قرارهم وحياتهم وأرضهم. 

لذلك يبدو أن جزءاً كبيراً من الرعب من الكاميرا لا ينفصل عن الخوف من ولادة خطاب شيعي جديد أو مختلف؛ خطاب لا يلغي رفض الاحتلال الإسرائيلي، لكنّه يرفض أن يُختزل بالبندقية. خطاب لا يقبل أن يكون الولاء شرطاً للحزن. خطاب يقول إن البيئة الشيعية ليست كتلة صماء، وإن داخلها أناساً خائفين ومتعبين وغاضبين ومفجوعين، لا يريدون أن يُستخدم ألمهم مرّة لتبرير الحرب، ومرّة لإثبات الصمود، ومرّة لإسكات الاعتراض.

هذا الصوت لا يزال هشّاً، لكنّه موجود. يولد من تحت الركام، من البيوت المهدّمة، من القرى التي تحوّلت إلى خرائط عسكرية، من العائلات التي خسرت كل شيء ثم طُلب منها أن تبتسم للكاميرا باسم الصمود. يولد من تعب الناس الذين دفعوا الكلفة سنوات طويلة، ثم وجدوا أنفسهم أمام دمار لا ضمانات لتعويضه، ولا وضوح في مستقبله، ولا اعتراف كافٍ بفداحته.

ربما لهذا بدا صوت مثل سهاد قطيش مؤثّراً إلى هذا الحدّ. الرجل الجنوبي الذي وقف بارتجافة في يديه ودمعة مقموعة في عينيه، واضطرّ لتعداد شهدائه وأقربائه قبل أن يتحدّث عن ألمه، كأنه يعرف مسبقاً أن الحزن وحده لا يكفي كي يُصدَّق. كأنه يعرف أن عليه أن يقدّم أوراق اعتماده الوطنية والعائلية والسياسية قبل أن يقول إنه موجوع. ومع ذلك قال جملته البسيطة والقاطعة:

“شهدائي وتعب بيّي وتعب أهلي وتعبي ما برهنه لأغلى مقام بهيدي الدنيا، أنا حرّ”.

هذه الجملة تختصر ما يحاول كثيرون إسكاتَه. فالناس لا يريدون أن يبرهنوا وجعهم لأحد. لا يريدون أن يطلبوا إذناً كي يحزنوا. لا يريدون أن يُفرض عليهم شكل واحد للحزن، ولا لغة واحدة للفقدان، ولا خاتمة واحدة لكل شهادة. يريدون فقط أن يقولوا إنهم خسروا، وإنهم تعبوا، وإن من حقّهم أن يبكوا.

“حقّي إبكي” ليست جملة عاطفية فقط. إنها موقف سياسي وأخلاقي. إنها رفض لمصادرة الحزن، ورفض لتحويل الخسارة إلى شعار، ورفض لأن يُطلب من الضحيّة أن تكون مفيدة للسردية قبل أن تكون إنساناً. وهي أيضاً تذكير بأن الكاميرا، حين تُستخدم باحترام، قد لا تكون عدوّة الكرامة، بل شاهدة عليها.