عادت الحرب. أدركت ذلك قبل أن أفتح عينيّ. عند الثالثة فجراً تقريباً، يوم الإثنين، أيقظتني سلسلة انفجارات هائلة، ووجدت نفسي واقفة في منتصف غرفة الجلوس أتمتم بكلمات لا أفهمها. لم أستوعب كيف خرجت من السرير، ولا كيف قطعت المسافة إلى هنا. كأن جسدي تحرّك بلا وعي.
هذه الفوضى مألوفة. إنها الحرب… مرة أخرى.
في الصباح، كنت في شوارع بيروت أحاول أن أمارس عملي الصحافي: مقابلة النازحين والنازحات. لكنّ شعوراً بالحرج كان يرافقني هذه المرّة. إنه النزوح الثاني خلال عامين.
ماذا يمكن أن تسأل أشخاصاً خرجوا من بيوتهم في منتصف الليل، وانتهى بهم الأمر على الأرصفة، وبعض ما يملكونه ملفوف في أكياس بلاستيكية سوداء؟
مشينا بحذر في شوارع، تحوّلت من جديد إلى مسرح لمأساة إنسانية كبيرة.
أكياس خبز، وبطانيات، ووسائد مبعثرة في كل مكان.
معظم الهاربين بملابس النوم. هربوا كما كانوا، من دون وقت حتى لارتداء ملابسهم.
تقول امرأة وهي تشير إلى الشارع من حولها: “كنا قاعدين ببيوتنا مرتاحين، رجعت الحرب من أوّل وجديد”. أطفالها الثلاثة ملتصقون بها. أيديهم الصغيرة تمسك بحقائب مدرسية عليها رسومات “فروزن” و”سبايدرمان”. كأنهم خرجوا من المدرسة، لا من بيوتهم تحت القصف.

على بعد خطوات، تتمدد امرأة فوق حقيبتها. تنفث دخان سيجارتها ببطء وتقول: “سبع ساعات على الطريق”.
رجل يحمل طفلاً صغيراً بين ذراعيه يهمس: “ما فيني إحكي، نحنا آكلينها من هون ومن هون عرفتي كيف؟”، مشيراً إلى خطورة التحدّث أمام الكاميرا في وقت حساس كهذا.
اقتربنا من شاحنة صغيرة محمّلة بالفرش. في الخلف، الباب مفتوح، وزوج من الأحذية ملقى على الطريق، وبطانيات مفروشة في الداخل، وشخص يحاول النوم وسط الضجيج.
في المقعد الأمامي للشاحنة المركونة على الطريق جلست امرأة بعينين منتفختين ووجه متورّم من التعب. اقتربتُ منها، فرفعت بيدها لتشير الى أنها لا تستطيع الكلام. قال الرجل الجالس إلى جانبها: “مش عم يطلع صوتها”.
بالقرب منا، وقف شرطي يحمل ورقة كُتبت عليها أسماء مدارس بخط اليد. يحاول أن يدلّ الناس على أماكن قد يجدون فيها مأوى.
أخذنا فان رقم أربعة باتجاه الحمرا. في مداخل الفنادق الرخيصة، تكدست عائلات نازحة. غرفة قذرة قد يصل سعرها إلى خمسمئة دولار.
وجوه المارة في شوارع الحمرا المزدحمة كانت مرهقة. وفي الطريق، كانت الجملة نفسها تتكرر على ألسنة الناس: “هددوا الضاحية… وين ضاربين؟”، سؤال يتردد بين المارة وفي المقاهي وعلى الأرصفة… في السماء، كانت الطائرات المسيّرة تحوم بلا انقطاع، أزيزها يخترق الأدمغة. في الوقت نفسه، بدت الأسواق مكتظّة، والبنوك مزدحمة. الناس يتحركون بسرعة، ويشترون، ويسحبون المال، ويحاولون ترتيب ما يمكن ترتيبه. الخوف من المجهول حاضر وملحوظ.
معنا كانت زميلة صحافية اضطرت هي أيضاً إلى النزوح. توقفنا مراراً في الطريق لالتقاط أرقام شقق للإيجار من على الجدران أو اللافتات، علّها تجد مكاناً تلجأ إليه.
قادنا المشي إلى المنارة. البحر دائماً يفتح ذراعيه ويستقبل الجميع.
سيارات محمّلة بالفرش. وأشخاص بملابس النوم. وأطفال كثيرون يتسلقون الحاجز الحديدي المطل على البحر وينظرون إلى الأفق.

تقول جدة وهي تمسك بيد حفيدتها: “ما عم نلاقي شقة… بدهم ثلاثمئة دولار بالليلة”.


اقتربنا من عائلة أخرى. قال الرجل الأربعيني: “تركنا الخيام في 2024 بعد الحرب، ما قدرنا نرجع فانتقلنا إلى الضاحية. بعت سيارتي لأدفع الإيجار… شوفي هلق، لا بيت ولا سيارة نحتمي فيها من البرد”.
وقال رجل آخر: “في 2024 هربنا إلى طرابلس… فينا نطلع هلق على طرابلس؟ ما فينا”.
على أحد المقاعد المطلة على البحر، جلست أم وابنتها. بينهما قفص صغير فيه طائر أصفر. لم تستطع العائلة تركه خلفها. هرب الطائر… مع بيته، في بيته… أما الطفلة التي تهتم به، فغدت بلا بيت. “زعلت عليه” تقول الأم، “حرام”.

عربات أطفال، وكراسٍ متحركة، وأكياس مبعثرة في كل زاوية.


امرأة في حالة مخاض ممددة إلى جانب الطريق. الخوف جعلها تشعر بانقباضات الولادة. تتلوى من الألم، وحدها.
وامرأة أخرى تجلس على الرصيف إلى جانب والدها وتقول: “هدّدوا بيتنا اليوم…”.
على الرصيف تجلس فتاة في العشرينات، بابتسامة بشوشة وعينين زرقاوين. ترحّب بنا وتخبرنا أنها تكتب مذكّراتها لأن ذلك يمنحها شيئاً من الراحة. تقرأ لنا بعض السطور، ثم تودّعنا قائلة: “ارجعوا زورونا”.

اقتربنا من إمرأة أخرى علها توافق على إجراء مقابلة، قالت بغصّة كبيرة: “نحنا عالم مرتبين، مش هيك، ما فيني صور هيك”.
رجل آخر قال: “ما فينا نحكي شي الشكوى لغير الله مزلة”.
وعلى مقعد قريب، جلست فتاتان في العاشرة تقريباً، تلوّنان في دفتر رسم. أرجلهما تتأرجح في الهواء لأنها أقصر من أن تلامس الأرض. قالت إحداهما ببساطة وهي تلوّن: “هربنا… كان في غارات كثيرة وصوتها عال”.

هذا هو يومهما الثالث في الشارع. صرخت لنا اليوم من بعيد والتقينا بجدتها. العائلة كلها تنام في شاحنة صغيرة.
وفي نهاية هذا الأيام الطويلة من التغطية، بدا المشهد كله كأنه سؤال مفتوح. في الحروب، لا تختفي المدن فقط تحت القصف، بل تتغير معاني الأشياء أيضاً. الأرصفة تصبح بيوتاً. والسيارات تتحول إلى غرف نوم. وأطفال يفقهون فن الهرب. أما نحن، فنمشي بين هذه القصص حاملين دفاترنا وكاميراتنا، نحاول أن ندوّن ما يحدث. لكن الحقيقة القاسية تبقى دائماً أبسط من كل الكلمات: الحرب عادت، والناس عادوا إلى الشارع…
إقرأوا أيضاً:










