لا تزال خديجة خاطر تسير مسافات طويلة خارج مخيم “كلمة” في ولاية جنوب دارفور، غرب السودان، لجمع الحطب على رغم وهن جسدها وأمراضٍ تعجز عن تحمّل كلفة تشخيصها. تفضّل خديجة إنفاق ما تكسبه على إعالة أسرتها، وتلجأ إلى الأعشاب المحلية لتسكين آلامها، لأن التوقف عن العمل يومًا واحدًا قد يعني خسارة مصدر رزقها الوحيد: بيع الحطب إلى دكّان يقدّم أطعمة شعبية على الطريق الواصل بين المخيم ومدينة نيالا، ثاني أكبر مدن السودان بعد الخرطوم.
تُلقي أزمة الجوع المتصاعدة في السودان، بفعل النزاع الممتدّ، أعباءً إضافية على الأسر التي تعيلها النساء. فمع انعدام فرص العمل وتزايد الانتهاكات بحقّهنّ، تُدفَع كثيرات إلى آليات تكيّف هشّة وخطرة: الاتّكال القسري على الآخرين، الاستغلال الجنسي مقابل الطعام، والعمل الشاق تحت درجات حرارة مرتفعة، مع ملاحقةٍ من سلطاتٍ محليّة بدل توفير الحماية.
أزمة غير محايدة جندريًا
تقول خديجة لـ”درج” إنها أصبحت، بعد وفاة زوجها قبل سنوات، المسؤولة الوحيدة عن أسرتها المكوّنة من ابنةٍ وزوجةِ ابنٍ وحفيدين، بعدما انضمّ ابنها إلى جماعة مسلّحة مع اندلاع النزاع وانقطعت أخباره. توضح أنّها تضطر إلى الخروج للاحتطاب وحدها خشية تعرّض ابنتها أو زوجة ابنها لخطر العنف الجنسي أثناء جمع الحطب؛ إذ سُجّلت حالات اغتصاب خلال ذهاب النساء من المخيم إلى السوق أو مناطق جمع الحطب. وتفيد منظمة “أطباء بلا حدود” بأنها قدّمت الرعاية لـ659 ناجية/ناجٍ من العنف الجنسي في جنوب دارفور بين كانون الثاني/ يناير 2024 وآذار/ مارس 2025.
تؤكد خديجة أنّ الاحتطاب هو العمل المتاح لتأمين قوْت الأسرة، التي لجأت إلى المخيم بعد تفجّر الحرب الأهليّة في دارفور. وغالبًا ما يقتصر طعامهم على سَلْق الذرة الرفيعة أو الدُّخن أو العدس في الماء مع قليلٍ من الملح، فيما يُعرف شعبيًا بـ”البليلة”.
تشير دراسة حديثة لهيئة الأمم المتحدة للمرأة، إلى أنّ السودان يعيش أزمة غذائيّة متفاقمة بلغت في بعض المناطق حدود المجاعة، وتؤكد أنّ “الأزمة ليست محايدة جندريًا: النساء أكثر جوعًا وفقرًا ويأسًا من أي وقت مضى”.
وبحسب الدراسة، تضاعفت نسبة الجوع الحاد في الأسر التي ترأسها نساء خلال عام واحد من 14 في المئة في 2024 إلى 25.9 في المئة مطلع 2025، فيما تعاني اليوم 75 في المئة من هذه الأسر من انعدام أمنٍ غذائي، أي أنها أكثر عرضةً للجوع بثلاثة أضعاف مقارنةً بالأسر التي يعيلها رجال.
وتبيّن الدراسة أنّ 45 في المئة من الأسر التي تعيلها نساء تعاني “استهلاكًا غذائيًا ضعيفًا” (يقارب سوء التغذية)، مقابل 25.7 في المئة لدى الأسر التي يعيلها رجال؛ كما تراجع الاستهلاك الغذائي “المقبول” لدى الأسر التي تديرها نساء من 48 في المئة في 2024 إلى 34 في المئة في الربع الأول من هذا العام، بينما ظلّ استهلاك الأسر التي يعيلها رجال ثابتًا نسبيًا. وتوضح أيضًا أنّ ربع الأسر التي تعيلها نساء تعيش ظروفًا تقترب أو تبلغ عتبة المجاعة، مقابل 7 في المئة فقط لدى الأسر التي يعيلها رجال، وأنّ 73.7 في المئة من النساء على المستوى الوطني لا يحقّقن الحد الأدنى من التنوّع الغذائي، بما يهدّد الصحة الإنجابية وصحة الأطفال.
وتُحمّل الدراسة ضعف التمويل الإنساني جزءًا معتبرًا من تدهور الوضع، مُستشهدةً بإغلاق إحدى المنظمات 35 من أصل 60 مطبخًا جماعيًا كانت تديرها في 8 ولايات من أصل 18، فيما اضطرّت مطابخ أخرى إلى تقليص عدد الوجبات ووقف استقبال المزيد من الجوعى. وقد برزت المطابخ الجماعية التي تديرها شبكات شبابية، عُرفت باسم “غرف الطوارئ”، منذ اندلاع النزاع، لتقديم وجبات مجانيّة إلى ملايين السودانيين الذين خسروا وظائفهم ومصادر دخلهم بعد الدمار الواسع في الريف والحضر.
إقرأوا أيضاً:
تدابيرٌ قصوى للبقاء
استطاعت منى آدم (34 عامًا) أن تُعيد تنظيم حياة أسرتها بعدما تركها زوجُها مع أربعة أطفال. تستقرّ اليوم في مدرسةٍ تؤوي عشرات الأسر النازحة في محلية كرري بمدينة أم درمان (ولاية الخرطوم). تقول لـ”درج” إنّ أسرتها تخلّت عن معظم ما كانت اعتادته قبل الحرب؛ فحياتها كانت ميسورة: تعمل موظفة، وزوجها كان يملك محلًّا لبيع الأواني المنزلية في شارع البلدية بالخرطوم بحري، نُهب في الأيام الأولى للنزاع. وبعدما استنفد الزوج مدّخراته، غادر تاركًا الأسرة بلا معيلٍ أو حماية. لجأت منى إلى المدرسة مع النازحين، واعتمدت أشهرًا على ما توفّره المطابخ الجماعية، قبل أن تجد عملًا كعاملة مبيعات في متجرٍ للإلكترونيات.
ظلت محلية كرري، التي استقرّت فيها أسرة منى، بمنأى نسبيًا عن القتال الذي اجتاح أحياء الخرطوم، قبل أن يستعيد الجيش السيطرة على المنطقة بحلول آذار/ مارس 2025. وعلى عكس حظّ منى، لم تجد آلاف النساء المعيلات فرصةً مماثلة؛ فهي تخطّط لإدخال طفلين إلى المدرسة، لكنها لا تعرف كيف ستؤمّن المصروف اليومي مع ضآلة راتبها. هذه القصص، وفق ممثل هيئة الأمم المتحدة للمرأة في السودان، سالفاتور نكورونزيزا، تعكس كيف ضاعف النزاع أوجه اللامساواة القائمة أصلًا.
يقول نكورونزيزا، في مقابلةٍ نشرتها الأمم المتحدة، إننا “نشهد في مختلف المناطق زيادةً في آليات التكيّف الضارّة مع انعدام الأمن الغذائي الشديد: تزويج الأطفال، الاستغلال الجنسي، ختان الإناث، عمالة الأطفال… وكلّها مرتبطةٌ بانعدام الأمن والوصول، وتؤثّر مباشرةً على أمن النساء والفتيات الغذائي”.
ما بين الغياب والحماية
ترى الناشطة النسوية إيمان ميرغني، أنّ غياب الحماية الاجتماعية وضعَ النساءَ المعيلات في مأزقٍ داخل بنيةٍ مجتمعية لا تضمن لهنّ الحدّ الأدنى من الأمان الاقتصادي. وتقول لـ”درج” إنّ الاستجابة المطلوبة يجب أن تجمع بين الإغاثة الفورية وبناء القدرة على الصمود، عبر تمويلٍ مستدام، وتعليم، ورعايةٍ صحيّة، حتى لا تتحوّل الأزمة الراهنة إلى آثارٍ طويلة الأمد على تماسك المجتمع.
ولا تتوقف تداعيات الأزمة عند الجوع وتوفير الطعام؛ بل تمتدّ إلى تسرب الأطفال من المدارس، وزواج القاصرات، وانضمام الفتيان إلى الجماعات المسلّحة، إضافةً إلى الاستغلال الجنسي وصعوبات الوصول إلى الرعاية الصحية. هكذا تصبح الأمهات والأطفال أكثر تعرّضًا للمخاطر.
تتعمّق الفجوة الاجتماعية بين أطفال الأسر التي ترأسها النساء ونظرائهم في الأسر ذات العائل الذكر. وفيما تتمنّى كلّ أمّ أن تضمن لأطفالها فرصًا أفضل، إلا أن الواقع الاقتصادي يقيّد النساء المعيلات في السودان إلى حدٍّ يجعل رواية كلّ ما يمررن به من آلام مهمةً شبه مستحيلة.
إقرأوا أيضاً:












