منظمات الإغاثة ومكبرات الصوت تنادي بأسماء المفقودين على الحدود. عند مركز الجوازات داخل الأراضي السورية ترحّب بك ضحكته الخبيثة، أو نظرته القبيحة… لا أذكر تحديداً، وجهه في كل مكان، يحدّق، يراقب، يتتبع، يتنصت باستمرار. لكننا “عشنا وشفنا” أن الأسد الذي كان على تلك اللافتة هرب قبل أن يُمزَّق هو كما مُزِّقت صوره وحُطِّمت أصنامه وأصنام أبيه في مختلف المناطق والساحات في سوريا.
قصّتي كقصص آلاف اللبنانيين الذين عبروا نقطة المصنع عند الحدود اللبنانيّة- السورية هرباً من الحرب الإسرائيلية على لبنان. ذهبنا مستسلمين لأمر الواقع، عالقين بين خطر البقاء في ظل الحرب ومجازفة السفر عبر حواجز الأسد، مرغمين على اختيار إحدى المشقّتين. لحظة العبور راودني مزيجٌ من تشويق المغامرة والقلق مما نحن سائرون إليه. فقد سمعت وشاهدت القصص الكثيرة عن ارتكابات نظام الأسد وويلات حواجز التفتيش. أنا لم أزر سوريا من قبل ولم أرد أن تكون رحلتي الأولى إليها قسراً. وددت لو سنحت الفرصة أن أزورها في ظروف مختلفة، في عالمٍ موازٍ ليست فيه حرب في لبنان ولا جزّارٌ يحكم سوريا الجميلة.
كنّا داخل الأراضي السورية قرابة الساعة الثالثة بعد منتصف الليل. أولى محطاتنا بعد الحدود كانت محلّاً يلجأ إليه المسافرون على يسار الطريق، اعتلت واجهته صور لحسن نصرالله وقاسم سليماني ومصطفى بدر الدين، قادة حزب الله وإيران الذين كانوا حلفاء الأسد حتى في استقبالنا!
بعد اجتياز أولى المحطات، شرعنا بالقيادة شرقاً نحو دمشق، وجهتنا الأولى، قبل الانعطاف جنوباً باتجاه الحدود السوريّة-الأردنيّة. شققنا الليل الحالك نحو العاصمة، ليلٌ اعترضته حواجزٌ قد أمست مهجورةً من ضباطها وعناصرها اليوم. عشرات الحواجز والضباط لم يتوان واحد منهم عن انتزاع بضعة ليرات سورية منّا، ثمن مرورنا من دون مضايقةٍ أو تشبيح. عند اقترابنا من أحد الحواجز أشار إليه “أبو سامر” وهو يقود السيارة بنا: “هي جماعة ماهر الأسد، الوحيدين ما بيرتشوا…”. أوقفنا الضابط على يمين الطريق وأمرنا بالنزول من السيارة ففعلنا. فإذ بـ”أبو سامر” يتبادل بضع كلماتٍ مع الضابط لم ألتقطها جيداً، حتى اتضح لي صوته. “قلّنا هيك من الأوّل يا زلمة”، مازحه وهو يناوله ثمن المرور. حتى ضباط الفرقة الرابعة لم يقصّروا أيضاً في انتزاع الأموال منا.
لامسنا أطراف دمشق مع انعطافنا جنوباً. لم يتسنّ لنا سوى رؤية صور سريعة من المدينة قبل الاستمرار نحو مزيدٍ من الطرقات الطويلة المتقطعة بالحواجز. لم يخفق أحد الحواجز في إدهاشي رغم مروري بالعشرات قبله. ما إن مررنا بأوّل عنصرٍ بعدما انتزع القليل من المال حتى تسلّل علينا الثاني من خلف مرقده ليأخذ حصّته هو أيضاً. وهكذا، خرج علينا حوالى أربعة عساكر، بين الواحد وزميله بضعة أمتارٍ على امتداد الحاجز ذاته. بعضهم لا ترى وجوههم الغارقة في قبعة الجاكيت. هم أشبه بقطّاع الطرق منه بقوات حفظ الأمن أو الجيش. لا عجب إذاً في انهيارهم بتلك السرعة أمام تقدّم قوات المعارضة!
وصلنا الحدود السوريّة- الأردنية قرابة الساعة الخامسة صباحاً، وانتظرنا حتى الثامنة ريثما فتح المعبر. مع طلوع الشمس، ترى بعض الأولاد يتجوّلون بين السياراتِ، أكبرهم مراهقٌ لم يتعدّ الخامسة عشرة من عمره، يعرضون عليك إتمام جوازاتك وأوراق سياراتك لقاء مبلغ من المال. أمّا الطرفة الأعجب فكانت عند إحدى محطات الخروج، حيث يقف ضابطٌ مهمته جمع إحدى الأوراق المطلوبة من المغادرين. اقترب أبو سامر بسيارته منه طالباً إذنه بمرورنا، موضحاً أنه لم يستطع جلب الورقة المطلوبة بسبب تعطّل الحاسوب عند الأمن العام السوري. رفض الضابط مراراً وأمرنا بالعودة لجلبها: “بالنظام! ممنوع، كله بالنظام!”. وما إن عاد أبو سامر بالورقة وهممنا بالمغادرة حتى أوقفه الضابط مجدّداً: “وين وين، ما في حساب!؟”.
عبرنا سوريا يومها وأتممنا رحلتنا لنعود إلى لبنان بعد حينٍ عبر مطار بيروت. ومع اندلاع المعارك وتقدّم المعارضة في المدن السورية، كنت أجلسُ أحدّقُ في الخرائط الملونة على الهاتف، وهي تتبدل معالمها كل ساعةٍ، وأستذكر حين مررنا من هنا وعبرنا من هناك…
كنت متردداً في مشاركة هذه القصّة. لكن الأسد قد زال، وزالت وجوه حلفائه عن جدران سوريا. رحل ضباط الأسد عن حواجزهم وفي جيوبهم “حسابات” لا تحصى. أمّا اليوم، فقد حلّ دور دافعي الحساب أن يطالبوا بالحساب.
إقرأوا أيضاً:









