ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

حين قالت لي أمي: “يا ماما راح البيت” 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

هذا البيت أراه اليوم خبراً في نشرة، “قصف إسرائيلي عنيف في بلدة تبنين”. مرّت صور البيت، بيتنا، بوصفه “أضراراً”، من دون اسم عائلة، من دون عمر، من دون ذاكرة، من دون حياة طويلة ومريرة أحياناً. لكن البيت ليس مادّة فقط، البيت هو الحكاية كلّها.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

“يا ماما راح البيت”…

قالتها أمّي عبر الهاتف، ثم سكتت.

لا أعرف كيف لملمتُ نفسي، ولا كيف وصلت إلى منزلها. هناك، تعانقنا أنا وإخوتي وأمّي وباقي العائلة. جلسنا نبكي وننظر إلى بعضنا بعضاً، عاجزين عن الكلام.

كيف لعائلة أن تجتمع لترثي بيتها؟ كيف نُقيم عزاء لجدران؟ كيف نصدّق أن بيتاً عاش فينا وعشنا فيه، صار فجأة رماداً؟ 

بيتنا صار قتيلنا، تناثرت أحشاؤه على التلال والأرض، وبدت أشجار السرو المحيطة به شاحبة بموته.

الصور التي وصلتنا كانت تنقل ركاماً، لكنّنا، نحن الذين نعرفه حجراً حجراً ونعرف كيف بناه أبي، أمعنا النظر فيها بحثاً عمّا تبقّى من حياتنا هناك، عن تفصيل صغير يقول إن السنوات الأربعين التي سكنته لم تُمحَ كلّها بصاروخ إسرائيلي.

“هيدا الملجأ صمد… كان معه حق بابا، الملجأ قوي”، قال شقيقي محمّد مشيراً إلى دعامة تحت درج المدخل ظهرت من تحت الركام…

صمد الملجأ، لكنّ البيت انهار، “ليكي، بقيت الأساسات”، كأننا نحاول أن نتمسّك بعظم البيت بعدما غاب جسده.

أما شقيقتي لينا، من غربتها البعيدة في أميركا، فهمست: “شفتْ شقفة من المرجوحة”، تلك التي كنّا نتسابق للجلوس عليها في جمعتنا على الشرفة والهواء اللطيف… تآكلت المرجوحة وصدأت، لكنّنا أبينا أن نتخلّى عنها فهي تذكّرنا بأبي، والآن استحالت ركاماً…

لينا عجزت عن البكاء وصوتها بالكاد كان يصل، أما ربيع فرفض أن يتحدّث واختار الصمت محاولاً أن يستوعب الخسارة، وهو من أمضى سنوات ما بعد رحيل الوالد يحاول الحفاظ على حديقة المنزل، وسارع إلى ترميمه بعد الحرب الماضية ليثبت لأبي أننا سنحافظ على بيته على رغم كل شيء.

لكنّنا لم ننجح في الوفاء لأبي بعهدٍ لم يطلبه منّا… 

البيت بات ركاماً، ولا نستطيع زيارته بعد، وكل ما لدينا فيديوهات سريعة تصلنا من شبّان الإغاثة الذين نقلوا الخبر، نعيد مشاهدة ثوانيها القليلة لنرى جثّة بيتنا. 

هكذا بدأنا نلمس ما تبقّى من الحياة التي كانها البيت: ملجأ، جدار، شقفة من مرجوحة، زاوية القنطرة التي كانت، شجرة نعرفها، ظلّ كنّا نجلس تحته.

أذكر البيت حين بناه أبي كأنه بالأمس. كان يشرف على العمل يومياً، كأنه لا يبني منزلاً فقط، بل يصحّح ظلماً قديماً في حياته، كان يريد بيتاً قوي الأساس، واسعاً بما يكفي لأبنائه وأحفاده، وبما يكفي ربما لطفولته التي لم تجد سكناً يشبه البيت.

هذا البيت أراه اليوم خبراً في نشرة، “قصف إسرائيلي عنيف في بلدة تبنين”. مرّت صور البيت، بيتنا، بوصفه “أضراراً”، من دون اسم عائلة، من دون عمر، من دون ذاكرة، من دون حياة طويلة ومريرة أحياناً. أضرار مادّية، هكذا تُختصر البيوت حين تُقصف، لكن البيت ليس مادّة فقط، البيت هو الحكاية كلّها، هو علاقتي بأبي، وبأمّي، وبإخوتي، وبمن أنا، وبمن أين أتيت.

بعد كل هذه السنوات، وبعد كل العمر الذي مرّ، وبعد الهويّات الكثيرة التي نراكمها ونظنّ أننا نختبئ فيها، اكتشفت أنني ابنة هذا البيت وتلك الضيعة، اكتشفت أن “الخندق”، وهو الاسم الذي بات قليلون يستعملونه حتى في الضيعة، اكتشفت أنه هويّتي الأكثر تجرّداً وعمقاً.

بنى أبي بيته في أواخر الثمانينات، في أرض تُعرف بـ”الخندق” في تبنين. هناك، حيث موسم التين الذي كانت والدته الفقيرة تمضي أيّاماً تحت شجره، تنام في الخيم ومعها أبي، وهو ولد يافع، لحصد الموسم والعيش من ثماره. كبر أبي واغترب، وعاش حياة قاسية، وعمل واجتهد، وبقي هاجسه أن يبني منزلاً في قريته، في الأرض نفسها التي نام فيها لياليَ جائعاً، كأنه أراد أن ينتقم من الفقر لا بالمال، بل ببيت.

أراد أن يعوّض حرمان طفولته وحياة التعب الطويلة، أراد بيتاً لا يخاف فيه أحد من العوز، ولا من المطر والبرد، ولا من ضيق المكان، ولا من قضاء الحاجة في الطبيعة.

لا أزال أذكر كيف كان يقف بنفسه فوق الأساسات، يراقب العواميد، يرطّب الأسمنت، يتابع كل تفصيل كما لو أنه يشيّد قلعة لأزمنة قادمة. اهتم بأن تكون لكل واحد منّا، نحن أبناءه وبناته، غرفة. اهتمّ بالحمّامات الكثيرة، وبالممرّات، وبالشرفات، وبكل ما كنّا نحن نراه مبالغة، ويراه هو تعويضاً.

كنّا نتذمّر من انشغاله الذي استمرّ أشهراً طويلة، بحسب ما كانت تتيحه الإمكانات لاستكمال “العمرة”، كما كان يسمّيها. لم نكن نفهم تماماً لماذا يسكنه البيت إلى هذا الحدّ.

في سنواته الأخيرة، قال لي مرّة، وعيناه تدمعان: “أنا ما سكنت ببيت فيه حمّام لصار عمري 14 سنة يا بابا”.

كانت تلك الجملة مفتاحاً متأخّراً لفهم كل ما استعصى عليّ. فهمت لماذا كان البيت بالنسبة إليه أكثر من بيت، فهمت لماذا أرهقنا بتفاصيله، وأرهق أمّي، وأرهق نفسه. كان يبني ما حُرم منه، كان يمنحنا ما افتقده، كان يضع في كل حجر من أحجار البيت ردّاً على طفولة قاسية لم تنصفه.

بنى أبي البيت. وبتنا، كلما زرناه وجلسنا في حديقته الجميلة، تحت أشجار البرتقال والزيتون والتفّاح، وكلما أكلنا من الجوزة أو من اللوزة، نسامحه على كل غضبة، وعلى كل عبارة قاسية خرجت منه. كان البيت يخفّف قسوته، كان يجعلنا نرى تعبه بدل غضبه، ونرى حبّه بدل صرامته.

كان أقسى ما يشعر به حين كنّا نتلكأ في الذهاب إلى الضيعة في العطل، فيطالعنا بجملته الشهيرة: “لمين عمّرت كل هيدا”؟

رحل أبي قبل أعوام قليلة، وبعده صار البيت هويّتنا أنا وإخوتي وعائلاتنا.

قبل نحو عامين، وحين دخلنا في “حرب إسناد غزّة”، صار منزلنا هاجساً مقيماً، لقد رأينا الإبادة في غزة والسحق الإسرائيلي بدأ طريقه نحونا. كنت أتفقّد أخبار بلدتنا “تبنين” وصورها بشكل شبه يومي، أبحث عن الحيّ، عن الطريق، عن البيوت التي تتعرّض للتدمير الإسرائيلي الوحشي. كنت أشعر بغصّة عميقة كلما قرأت عن عائلة خسرت منزلها، عن أحد خسر عمره وذكرياته، كنت أخاف على بيتنا كما يخاف المرء على كائن حيّ بعيد لا يستطيع إنقاذه.

لم أشعر يوماً بأنني أنتمي إلى ذلك المنزل وتلك البقعة وكل الجنوب كما شعرت خلال تلك الحرب، ولم أشعر بالامتنان لأبي كما شعرت حينها، لأنه أصرّ في أيّامه الأخيرة على أن يمنحني أرضاً صغيرة وجميلة قرب منزله، كأنه كان يريد أن يترك لي خيطاً لا ينقطع، مكاناً أعود إليه حين تضيع الأمكنة، حتى لو كانت الأمكنة نفسها صارت مهدّدة بالفناء.

ما إن أُعلن وقف إطلاق النار في الحرب الماضية، ولم تكن قد مرّت أربع وعشرون ساعة، حتى هرعت باكراً إلى ضيعتنا لأتفقّد المنزل. حين وصلت، رأيت الدمار الذي أصاب الحيّ. دخلت البيت، فوجدت الزجاج مكسّراً والأبواب مخلوعة بفعل عصف القصف المحيط بنا، كانت آثار الحرب في كل زاوية.

لكنّني لم أتتبّع آثار القصف فقط. تتبّعت أيضاً آثار من سكنوا في المنزل خلال الحرب. تركوا لنا، كما تركوا في بيوت كثيرة من بيوت أهل الجنوب التي دخلوها، ورقة تشكرنا وتقول إنهم احتموا بالمنزل، وإن هدفهم حماية البلدة والأرض، وإنهم يعتذرون عن استعماله. حينها انتابتني مشاعر متناقضة، غضب من استباحة متكرّرة لمنزلنا، وحزن على مصير شبّان ساقتهم قيادتهم بفعل “الفتوى” إلى تنفيذ قرارات ثمنها حياتهم وحياتنا… 

في تلك الحرب نجا البيت، وراودتني فكرة الكتابة عن تكرار سكن مسلّحين في بيتنا، لكنّني خفت إن تحدّثت عن الأمر أن يتنبه أفيخاي أدرعي فينتقم منهم ومنا… 

في أكثر من حرب سكن بيتنا مقاتلون. في 1996، وفي 2006، وفي حرب “إسناد غزّة” 2024، ولم يسألنا أحد، لم يستأذننا أحد، لم يأخذ أحد موافقتنا على استخدامه… بيتنا، بيت أبي، بيت طفولتنا وشيخوخته، كجزء من استراتيجية الحرب.

في كل مرّة كنّا نقول: نجا البيت.

لكن هذه المرّة لم ينجُ.

حاله، حال آلاف بيوت أهل الجنوب التي دمّرتها إسرائيل، بعدما تحوّلت إلى ساحات مواجهة. إسرائيل تقصف وتدمّر من دون اكتراث لحياة الناس وذاكرتهم وحقّهم في بيوتهم، بل تمارس القصف بنزعة انتقامية استئصالية تتجاوز رغبتها في القضاء على خصم، لكنّها ليست وحدها من صادر معنى البيت. فقبل الصاروخ الإسرائيلي، كان هناك من قرّر أن بيوتنا وأراضينا وبلداتنا ساحة مباحة لسلاحه وأنفاقه وحربه، يمنع علينا الرفض أو النقاش كي لا نُنبَذ أو نخوَّن أو نُتّهم بالصهينة، وفي بعض الأحيان نقتَل كما حصل للبعض…

الخبر الأقسى وصلنا بعد تدمير البيت، انتشال جثمان من تحت الركام. شخص لا نعرفه كان في بيتنا، لا نعرف اسمه، ولا قصّته، ولا كيف وصل إلى هناك، ولا من أرسله، ولا بماذا كان يفكّر وكيف شعر في لحظاته الأخيرة. كيف دخل بيت أبي؟ مات هو، وذهب البيت معه. 

وهنا يصير السؤال ـ سؤال كثر من الجنوبيين ـ أكثر قسوة من الفقد نفسه: فداءً لمن؟ من أذن لهذا الشخص بأن يكون هناك؟ ومن فوّضه بأن يجعل بيتنا موقعاً في حرب لم نُستشر فيها؟ مات إنسان لا نعرفه، وانهار بيت عائلة كاملة فوق ذاكرة أربعين عاماً. إسرائيل قتلته ودمّرت البيت، نعم. لكن من أخذه إلى هناك؟ من قرّر أن بيوت الناس تصلح أن تكون خطوط تماس؟ 

يتنازعني الآن شعور بالتعاطف والحزن على الشابّ القتيل، وسؤال عن تكرار استخدام منزلنا من دون أن نُسأل أو نُستشار.  

هذه هي قسوة الجنوب اليوم، أن تكون عالقاً بين عدوّ لا يرى فيك إلا هدفاً أو ضرراً جانبياً، ولا يبالي بأطنان المتفجّرات التي تمعن في البيوت والأرض والناس قتلاً وتدميراً، وبين قوّة داخلية تتعامل مع أرضك وبيتك وبلدتك كأنها امتداد طبيعي لمعركتها، لا كحياة ناس يجب أن يُسألوا ويُحموا ويُحترم حقّهم في القرار.

إسرائيل لا تأبه لمن تقتلهم وتبيد أرضهم وقراهم، لكنّ “حزب الله” أيضاً لا يملك حقّ تحويل بيوتنا إلى مواقع، ولا حقّ وضع القرى في قلب النار، ثم مطالبة أهلها بالصمت باسم الصمود، فيما نحن نشهد فناءها على نحو انتقامي. لا يملك أحد حقّ أن يقرّر عنّا أن بيوتنا تصلح للحرب، وأن خساراتنا قدر، وأن ذاكرتنا قابلة للتضحية.

أشعر بغصّة عميقة بعد فناء البيت وموته، وكأن جزءاً مني تهدّم معه. كان يمكن له أن ينجو من هذه النهاية، هو وآلاف البيوت الجنوبية التي نشاهد كيف تُحيلها إسرائيل ركاماً. كان يمكن لبيوت كثيرة أن تبقى، ولذكريات كثيرة ألّا تُدفن تحت التراب، لو لم يُترك الجنوب مرّة أخرى بين آلة قتل إسرائيلية لا تشبع، وقرار حرب لا يُسأل أهله عن رأيهم فيها.

أمام هول الخسارة أعود الى البداية، إذ لطالما اعتقدت أن علاقتنا بالزيتون والأرض علاقة شخصية متوارثة، لكنّني أعيشها اليوم بشكل أشدّ إيلاماً. ربما هذا ما لا يفهمه كثيرون في علاقتنا بقرانا. قالتها لي بالأمس هنا جابر: “الإسرائيليون لا يفهمون سرّ علاقتنا بأرضنا وبيوتنا، لقد جاء معظمهم من دول بعيدة، ولا يفهمون هذا التراكم الهائل في الإرث الشخصي والعلاقات والذاكرة المرتبطة بالبيت والأرض”.

“يا ماما راح البيت”، قالت أمّي.

ولم يكن البيت وحده قد “راح”، ذهب معه زمن كامل، ذهب عمر أبي في حجارة بناها بيديه، ذهبت مرجوحة رأتها أختي من آخر العالم، ذهب المكان الذي كنّا نعود إليه لنعرف أننا، مهما ابتعدنا، ما زلنا ننتمي إلى شيء.

لكن ربما يبقى من البيت ما لا يستطيع الصاروخ الإسرائيلي أن يهدمه، حكايته…  حكاية أبي الذي بنى بيتاً لأنه حُرم من البيت، وحكايتنا نحن، الذين اكتشفنا متأخّرين أن البيت لم يكن خارجنا بل في داخلنا.

هذا البيت أراه اليوم خبراً في نشرة، “قصف إسرائيلي عنيف في بلدة تبنين”. مرّت صور البيت، بيتنا، بوصفه “أضراراً”، من دون اسم عائلة، من دون عمر، من دون ذاكرة، من دون حياة طويلة ومريرة أحياناً. لكن البيت ليس مادّة فقط، البيت هو الحكاية كلّها.

“يا ماما راح البيت”…

قالتها أمّي عبر الهاتف، ثم سكتت.

لا أعرف كيف لملمتُ نفسي، ولا كيف وصلت إلى منزلها. هناك، تعانقنا أنا وإخوتي وأمّي وباقي العائلة. جلسنا نبكي وننظر إلى بعضنا بعضاً، عاجزين عن الكلام.

كيف لعائلة أن تجتمع لترثي بيتها؟ كيف نُقيم عزاء لجدران؟ كيف نصدّق أن بيتاً عاش فينا وعشنا فيه، صار فجأة رماداً؟ 

بيتنا صار قتيلنا، تناثرت أحشاؤه على التلال والأرض، وبدت أشجار السرو المحيطة به شاحبة بموته.

الصور التي وصلتنا كانت تنقل ركاماً، لكنّنا، نحن الذين نعرفه حجراً حجراً ونعرف كيف بناه أبي، أمعنا النظر فيها بحثاً عمّا تبقّى من حياتنا هناك، عن تفصيل صغير يقول إن السنوات الأربعين التي سكنته لم تُمحَ كلّها بصاروخ إسرائيلي.

“هيدا الملجأ صمد… كان معه حق بابا، الملجأ قوي”، قال شقيقي محمّد مشيراً إلى دعامة تحت درج المدخل ظهرت من تحت الركام…

صمد الملجأ، لكنّ البيت انهار، “ليكي، بقيت الأساسات”، كأننا نحاول أن نتمسّك بعظم البيت بعدما غاب جسده.

أما شقيقتي لينا، من غربتها البعيدة في أميركا، فهمست: “شفتْ شقفة من المرجوحة”، تلك التي كنّا نتسابق للجلوس عليها في جمعتنا على الشرفة والهواء اللطيف… تآكلت المرجوحة وصدأت، لكنّنا أبينا أن نتخلّى عنها فهي تذكّرنا بأبي، والآن استحالت ركاماً…

لينا عجزت عن البكاء وصوتها بالكاد كان يصل، أما ربيع فرفض أن يتحدّث واختار الصمت محاولاً أن يستوعب الخسارة، وهو من أمضى سنوات ما بعد رحيل الوالد يحاول الحفاظ على حديقة المنزل، وسارع إلى ترميمه بعد الحرب الماضية ليثبت لأبي أننا سنحافظ على بيته على رغم كل شيء.

لكنّنا لم ننجح في الوفاء لأبي بعهدٍ لم يطلبه منّا… 

البيت بات ركاماً، ولا نستطيع زيارته بعد، وكل ما لدينا فيديوهات سريعة تصلنا من شبّان الإغاثة الذين نقلوا الخبر، نعيد مشاهدة ثوانيها القليلة لنرى جثّة بيتنا. 

هكذا بدأنا نلمس ما تبقّى من الحياة التي كانها البيت: ملجأ، جدار، شقفة من مرجوحة، زاوية القنطرة التي كانت، شجرة نعرفها، ظلّ كنّا نجلس تحته.

أذكر البيت حين بناه أبي كأنه بالأمس. كان يشرف على العمل يومياً، كأنه لا يبني منزلاً فقط، بل يصحّح ظلماً قديماً في حياته، كان يريد بيتاً قوي الأساس، واسعاً بما يكفي لأبنائه وأحفاده، وبما يكفي ربما لطفولته التي لم تجد سكناً يشبه البيت.

هذا البيت أراه اليوم خبراً في نشرة، “قصف إسرائيلي عنيف في بلدة تبنين”. مرّت صور البيت، بيتنا، بوصفه “أضراراً”، من دون اسم عائلة، من دون عمر، من دون ذاكرة، من دون حياة طويلة ومريرة أحياناً. أضرار مادّية، هكذا تُختصر البيوت حين تُقصف، لكن البيت ليس مادّة فقط، البيت هو الحكاية كلّها، هو علاقتي بأبي، وبأمّي، وبإخوتي، وبمن أنا، وبمن أين أتيت.

بعد كل هذه السنوات، وبعد كل العمر الذي مرّ، وبعد الهويّات الكثيرة التي نراكمها ونظنّ أننا نختبئ فيها، اكتشفت أنني ابنة هذا البيت وتلك الضيعة، اكتشفت أن “الخندق”، وهو الاسم الذي بات قليلون يستعملونه حتى في الضيعة، اكتشفت أنه هويّتي الأكثر تجرّداً وعمقاً.

بنى أبي بيته في أواخر الثمانينات، في أرض تُعرف بـ”الخندق” في تبنين. هناك، حيث موسم التين الذي كانت والدته الفقيرة تمضي أيّاماً تحت شجره، تنام في الخيم ومعها أبي، وهو ولد يافع، لحصد الموسم والعيش من ثماره. كبر أبي واغترب، وعاش حياة قاسية، وعمل واجتهد، وبقي هاجسه أن يبني منزلاً في قريته، في الأرض نفسها التي نام فيها لياليَ جائعاً، كأنه أراد أن ينتقم من الفقر لا بالمال، بل ببيت.

أراد أن يعوّض حرمان طفولته وحياة التعب الطويلة، أراد بيتاً لا يخاف فيه أحد من العوز، ولا من المطر والبرد، ولا من ضيق المكان، ولا من قضاء الحاجة في الطبيعة.

لا أزال أذكر كيف كان يقف بنفسه فوق الأساسات، يراقب العواميد، يرطّب الأسمنت، يتابع كل تفصيل كما لو أنه يشيّد قلعة لأزمنة قادمة. اهتم بأن تكون لكل واحد منّا، نحن أبناءه وبناته، غرفة. اهتمّ بالحمّامات الكثيرة، وبالممرّات، وبالشرفات، وبكل ما كنّا نحن نراه مبالغة، ويراه هو تعويضاً.

كنّا نتذمّر من انشغاله الذي استمرّ أشهراً طويلة، بحسب ما كانت تتيحه الإمكانات لاستكمال “العمرة”، كما كان يسمّيها. لم نكن نفهم تماماً لماذا يسكنه البيت إلى هذا الحدّ.

في سنواته الأخيرة، قال لي مرّة، وعيناه تدمعان: “أنا ما سكنت ببيت فيه حمّام لصار عمري 14 سنة يا بابا”.

كانت تلك الجملة مفتاحاً متأخّراً لفهم كل ما استعصى عليّ. فهمت لماذا كان البيت بالنسبة إليه أكثر من بيت، فهمت لماذا أرهقنا بتفاصيله، وأرهق أمّي، وأرهق نفسه. كان يبني ما حُرم منه، كان يمنحنا ما افتقده، كان يضع في كل حجر من أحجار البيت ردّاً على طفولة قاسية لم تنصفه.

بنى أبي البيت. وبتنا، كلما زرناه وجلسنا في حديقته الجميلة، تحت أشجار البرتقال والزيتون والتفّاح، وكلما أكلنا من الجوزة أو من اللوزة، نسامحه على كل غضبة، وعلى كل عبارة قاسية خرجت منه. كان البيت يخفّف قسوته، كان يجعلنا نرى تعبه بدل غضبه، ونرى حبّه بدل صرامته.

كان أقسى ما يشعر به حين كنّا نتلكأ في الذهاب إلى الضيعة في العطل، فيطالعنا بجملته الشهيرة: “لمين عمّرت كل هيدا”؟

رحل أبي قبل أعوام قليلة، وبعده صار البيت هويّتنا أنا وإخوتي وعائلاتنا.

قبل نحو عامين، وحين دخلنا في “حرب إسناد غزّة”، صار منزلنا هاجساً مقيماً، لقد رأينا الإبادة في غزة والسحق الإسرائيلي بدأ طريقه نحونا. كنت أتفقّد أخبار بلدتنا “تبنين” وصورها بشكل شبه يومي، أبحث عن الحيّ، عن الطريق، عن البيوت التي تتعرّض للتدمير الإسرائيلي الوحشي. كنت أشعر بغصّة عميقة كلما قرأت عن عائلة خسرت منزلها، عن أحد خسر عمره وذكرياته، كنت أخاف على بيتنا كما يخاف المرء على كائن حيّ بعيد لا يستطيع إنقاذه.

لم أشعر يوماً بأنني أنتمي إلى ذلك المنزل وتلك البقعة وكل الجنوب كما شعرت خلال تلك الحرب، ولم أشعر بالامتنان لأبي كما شعرت حينها، لأنه أصرّ في أيّامه الأخيرة على أن يمنحني أرضاً صغيرة وجميلة قرب منزله، كأنه كان يريد أن يترك لي خيطاً لا ينقطع، مكاناً أعود إليه حين تضيع الأمكنة، حتى لو كانت الأمكنة نفسها صارت مهدّدة بالفناء.

ما إن أُعلن وقف إطلاق النار في الحرب الماضية، ولم تكن قد مرّت أربع وعشرون ساعة، حتى هرعت باكراً إلى ضيعتنا لأتفقّد المنزل. حين وصلت، رأيت الدمار الذي أصاب الحيّ. دخلت البيت، فوجدت الزجاج مكسّراً والأبواب مخلوعة بفعل عصف القصف المحيط بنا، كانت آثار الحرب في كل زاوية.

لكنّني لم أتتبّع آثار القصف فقط. تتبّعت أيضاً آثار من سكنوا في المنزل خلال الحرب. تركوا لنا، كما تركوا في بيوت كثيرة من بيوت أهل الجنوب التي دخلوها، ورقة تشكرنا وتقول إنهم احتموا بالمنزل، وإن هدفهم حماية البلدة والأرض، وإنهم يعتذرون عن استعماله. حينها انتابتني مشاعر متناقضة، غضب من استباحة متكرّرة لمنزلنا، وحزن على مصير شبّان ساقتهم قيادتهم بفعل “الفتوى” إلى تنفيذ قرارات ثمنها حياتهم وحياتنا… 

في تلك الحرب نجا البيت، وراودتني فكرة الكتابة عن تكرار سكن مسلّحين في بيتنا، لكنّني خفت إن تحدّثت عن الأمر أن يتنبه أفيخاي أدرعي فينتقم منهم ومنا… 

في أكثر من حرب سكن بيتنا مقاتلون. في 1996، وفي 2006، وفي حرب “إسناد غزّة” 2024، ولم يسألنا أحد، لم يستأذننا أحد، لم يأخذ أحد موافقتنا على استخدامه… بيتنا، بيت أبي، بيت طفولتنا وشيخوخته، كجزء من استراتيجية الحرب.

في كل مرّة كنّا نقول: نجا البيت.

لكن هذه المرّة لم ينجُ.

حاله، حال آلاف بيوت أهل الجنوب التي دمّرتها إسرائيل، بعدما تحوّلت إلى ساحات مواجهة. إسرائيل تقصف وتدمّر من دون اكتراث لحياة الناس وذاكرتهم وحقّهم في بيوتهم، بل تمارس القصف بنزعة انتقامية استئصالية تتجاوز رغبتها في القضاء على خصم، لكنّها ليست وحدها من صادر معنى البيت. فقبل الصاروخ الإسرائيلي، كان هناك من قرّر أن بيوتنا وأراضينا وبلداتنا ساحة مباحة لسلاحه وأنفاقه وحربه، يمنع علينا الرفض أو النقاش كي لا نُنبَذ أو نخوَّن أو نُتّهم بالصهينة، وفي بعض الأحيان نقتَل كما حصل للبعض…

الخبر الأقسى وصلنا بعد تدمير البيت، انتشال جثمان من تحت الركام. شخص لا نعرفه كان في بيتنا، لا نعرف اسمه، ولا قصّته، ولا كيف وصل إلى هناك، ولا من أرسله، ولا بماذا كان يفكّر وكيف شعر في لحظاته الأخيرة. كيف دخل بيت أبي؟ مات هو، وذهب البيت معه. 

وهنا يصير السؤال ـ سؤال كثر من الجنوبيين ـ أكثر قسوة من الفقد نفسه: فداءً لمن؟ من أذن لهذا الشخص بأن يكون هناك؟ ومن فوّضه بأن يجعل بيتنا موقعاً في حرب لم نُستشر فيها؟ مات إنسان لا نعرفه، وانهار بيت عائلة كاملة فوق ذاكرة أربعين عاماً. إسرائيل قتلته ودمّرت البيت، نعم. لكن من أخذه إلى هناك؟ من قرّر أن بيوت الناس تصلح أن تكون خطوط تماس؟ 

يتنازعني الآن شعور بالتعاطف والحزن على الشابّ القتيل، وسؤال عن تكرار استخدام منزلنا من دون أن نُسأل أو نُستشار.  

هذه هي قسوة الجنوب اليوم، أن تكون عالقاً بين عدوّ لا يرى فيك إلا هدفاً أو ضرراً جانبياً، ولا يبالي بأطنان المتفجّرات التي تمعن في البيوت والأرض والناس قتلاً وتدميراً، وبين قوّة داخلية تتعامل مع أرضك وبيتك وبلدتك كأنها امتداد طبيعي لمعركتها، لا كحياة ناس يجب أن يُسألوا ويُحموا ويُحترم حقّهم في القرار.

إسرائيل لا تأبه لمن تقتلهم وتبيد أرضهم وقراهم، لكنّ “حزب الله” أيضاً لا يملك حقّ تحويل بيوتنا إلى مواقع، ولا حقّ وضع القرى في قلب النار، ثم مطالبة أهلها بالصمت باسم الصمود، فيما نحن نشهد فناءها على نحو انتقامي. لا يملك أحد حقّ أن يقرّر عنّا أن بيوتنا تصلح للحرب، وأن خساراتنا قدر، وأن ذاكرتنا قابلة للتضحية.

أشعر بغصّة عميقة بعد فناء البيت وموته، وكأن جزءاً مني تهدّم معه. كان يمكن له أن ينجو من هذه النهاية، هو وآلاف البيوت الجنوبية التي نشاهد كيف تُحيلها إسرائيل ركاماً. كان يمكن لبيوت كثيرة أن تبقى، ولذكريات كثيرة ألّا تُدفن تحت التراب، لو لم يُترك الجنوب مرّة أخرى بين آلة قتل إسرائيلية لا تشبع، وقرار حرب لا يُسأل أهله عن رأيهم فيها.

أمام هول الخسارة أعود الى البداية، إذ لطالما اعتقدت أن علاقتنا بالزيتون والأرض علاقة شخصية متوارثة، لكنّني أعيشها اليوم بشكل أشدّ إيلاماً. ربما هذا ما لا يفهمه كثيرون في علاقتنا بقرانا. قالتها لي بالأمس هنا جابر: “الإسرائيليون لا يفهمون سرّ علاقتنا بأرضنا وبيوتنا، لقد جاء معظمهم من دول بعيدة، ولا يفهمون هذا التراكم الهائل في الإرث الشخصي والعلاقات والذاكرة المرتبطة بالبيت والأرض”.

“يا ماما راح البيت”، قالت أمّي.

ولم يكن البيت وحده قد “راح”، ذهب معه زمن كامل، ذهب عمر أبي في حجارة بناها بيديه، ذهبت مرجوحة رأتها أختي من آخر العالم، ذهب المكان الذي كنّا نعود إليه لنعرف أننا، مهما ابتعدنا، ما زلنا ننتمي إلى شيء.

لكن ربما يبقى من البيت ما لا يستطيع الصاروخ الإسرائيلي أن يهدمه، حكايته…  حكاية أبي الذي بنى بيتاً لأنه حُرم من البيت، وحكايتنا نحن، الذين اكتشفنا متأخّرين أن البيت لم يكن خارجنا بل في داخلنا.