في كل مرة أسافر فيها، أعود محمّلة بأكثر من الصور والهدايا. أعود بغصّة، وأحياناً بشيء يشبه الغضب. ليس لأنني أكتشف أن هناك بلداناً أجمل من لبنان، فهذا أمر لا يحتاج إلى سفر لاكتشافه، بل لأنني أكتشف، في تفاصيل صغيرة جداً، أشياء كان يفترض أن تكون بديهية في حياتنا، لكنها تحوّلت عندنا إلى امتيازات نادرة.
هدوء، نظام، احترام للقانون، مساحات عامة نظيفة، طوابير ينتظر فيها الناس دورهم، طرقات لا تتحول فيها القيادة إلى معركة، ونساء يستطعن المشي وحدهن من دون أن يحسبن كل خطوة. أشياء بسيطة جداً، لا نحتاج إلى أن نكون أثرياء كي نحصل عليها، لكنها في لبنان أصبحت جزءاً من قائمة طويلة لما نفتقده.
في رحلتي الأخيرة التي تنقّلت خلالها بين إيطاليا والنمسا وألمانيا، لم أكن أبحث عن المقارنات. كنت أريد أن أستمتع بوقتي، أن أرى مدناً جديدة وأعود ببعض الذكريات الجميلة. لكن المقارنة كانت تفرض نفسها في كل مرة، لا بين بلد وآخر، بل بين ما يمكن أن تكون عليه الحياة وما اعتدنا نحن أن تكون عليه.
حين يصبح الأمان فكرة
في مدينة ترينتو الإيطالية، كنت أمارس رياضتي الصباحية عندما وصلت إلى طريق ضيق تحيط به الأشجار والبحيرة. مكان جميل وهادئ إلى درجة تدفعك إلى التمهّل والمشي بلا هدف. لكنني كنت وحدي. فجأة، بدلاً من أن أستمتع بالمكان، بدأت أفكّر: ماذا لو ظهر شخص من خلف الأشجار؟ ماذا لو تعرّضت لمضايقة؟ هل أستطيع أن أكمل طريقي وحدي؟
توقفت عند هذه الأفكار طويلاً. لماذا أحتاج، وأنا أمشي في مكان عام في وضح النهار، إلى أن أفكّر بكل هذه الاحتمالات؟
ربما لأننا نحن النساء في لبنان تعلّمنا، بطريقة أو بأخرى، أن نكون في حالة تأهب دائمة. أن ننتبه إلى من يمشي خلفنا، وأن نختار الطريق الأكثر ازدحاماً، وأن نُبقي هواتفنا في أيدينا، وأن نخبر أحداً إلى أين نحن ذاهبات.
هناك، اكتشفت أن الأمان ليس فقط ألّا تتعرّضي للأذى، وإنما أيضاً ألّا تضطري إلى التفكير في احتمال الأذى طوال الوقت.
لماذا لا نستطيع الانتظار؟
في فلورنسا، حيث يزدحم السياح في كل زاوية تقريباً، وقفت مرات طويلة في طوابير أمام مطاعم أو محال لبيع البوظة. نصف ساعة، وربما أكثر، والناس ينتظرون بهدوء. لا أحد يحاول تجاوز الآخر، ولا أحد يصرخ لأن دوره تأخر، ولا أحد يطلب من الموظف أن “يدبّر له الأمور”.
وقفت أراقبهم وأفكر: كيف أصبح الانتظار نفسه درساً بالنسبة إليّ؟ في لبنان، قد لا نستطيع الانتظار دقائق أمام إشارة مرور. يضغط أحدهم على الزمور لأن السيارة أمامه لم تتحرك بالسرعة التي يريدها، وقد يتجاوز آخر الإشارة، وإذا حاولت الالتزام بالقانون، تجد من خلفك من يعتبرك أنت المشكلة. فنحن لا نعاني فقط من فوضى السير وإنما من ثقافة كاملة تقول إن القانون يمكن تجاوزه إذا كنت أذكى أو أسرع أو تعرف الشخص المناسب. وهذا ما يجعل الطوابير في بلد آخر تبدو لي أحياناً أكثر من مجرد طوابير. إنها صورة عن مجتمع يعرف أن دوره سيأتي، ولذلك لا يحتاج إلى انتزاعه من غيره.
ماذا فعلنا بأماكننا الجميلة؟
في هالشتات النمساوية، وقفت أمام البحيرة طويلاً. بيوت ملوّنة، جبال، مياه صافية، ومساحات تستدعي أن تجلس فيها وتترك عينيك تتجولان في المكان. لكن جمال المشهد لم يمنع السؤال من الوصول إليّ: ماذا فعلنا نحن بأماكننا؟
لبنان ليس فقيراً بالطبيعة. لدينا بحر وجبال وأنهار وبحيرات ومساحات يمكن أن تكون وجهات سياحية وترفيهية رائعة للعائلات. لكن كم من هذه الأماكن تُركت للنفايات والتلوث والإهمال؟ وكم من مكان طبيعي كان يمكن أن يكون مساحة عامة مجانية أو منخفضة الكلفة للأطفال والعائلات، تحوّل إلى مكان يصعب الاقتراب منه؟
في تلك اللحظة، لم أشعر بالحسد من النمساويين، وإنما شعرت بالحرمان. فالطبيعة ليست ملكاً للفنادق والمنتجعات، والنظافة ليست ترفاً، والمساحات العامة ليست كماليات، إنها جزء من نوعية الحياة التي يستحقها الناس.
صباح لا يبدأ بالمعركة
في ميونخ، لفتتني صباحات الناس أكثر من ساحاتها ومعالمها التي تخطف القلوب: أشخاص يبتسمون من دون سبب ربما، يحتسون قهوتهم بهدوء، آخرون يركبون دراجاتهم، وآخرون يجلسون في الحدائق قبل التوجه إلى أعمالهم. أما صباحاتنا في لبنان، فكثيراً ما تبدأ قبل أن نصل إلى العمل: زحمة سير، زمامير، طرقات مكتظة، أعصاب مشدودة، وأخبار لا نعرف أيّها سيحمل لنا مشكلة جديدة. نصل إلى مكاتبنا وقد استُهلك جزء من طاقتنا قبل أن نفتح الحاسوب.
إقرأوا أيضاً:
ربما لهذا تبدو لي صورة شخص يشرب قهوته بهدوء في الصباح شيئاً أكبر من مجرد مشهد جميل. إنها صورة لإنسان لديه مساحة نفسية ليبدأ يومه كإنسان، لا كمقاتل يخوض معركة منذ لحظة خروجه من منزله.
من مطار ميونخ إلى مطار بيروت
في اليوم الأخير، كنت في طريقي إلى مطار ميونخ. هناك، كالعادة، وقف الناس في أماكنهم، انتظر كل شخص دوره، تقدّم خطوة عندما جاء دوره، ثم أكمل طريقه. لم يكن المشهد مثالياً، ولم تكن الحياة خالية من المشكلات، لكن الفكرة الأساسية كانت واضحة: هناك قواعد يعرفها الجميع، والجميع يتصرف على أساس أنها موجودة فعلاً. وهنا تذكرت مطار بيروت: الازدحام، الأصوات المرتفعة، محاولات تجاوز الدور، والبحث عن شخص يمكن أن يساعد في تسريع المعاملة. تذكرت كيف يمكن لـ”الواسطة” أن تصبح أحياناً أقوى من الدور، وكيف نتعامل معها وكأنها جزء طبيعي من الحياة.
وعندما وصلت إلى بيروت، لم أحتج إلى وقت طويل لأشعر بالفارق: ازدحام، صراخ، تدافع، وكل شخص يحاول أن يخرج أولاً. للحظات، شعرت بأنني عدت من بلد آخر إلى واقع أعرفه جيداً، لكنني رأيته هذه المرة بعين مختلفة. والأقسى أنني، بعد دقائق قليلة، بدأت أتصرف مثل الجميع. أسرع، أبحث عن طريقي، أحاول تجاوز الزحمة، وأتكيّف مع الفوضى. فالفوضى لا تحتاج إلى وقت طويل كي تستعيدنا.
ما نفتقده ليس رفاهية
السفر يجعلنا نكتشف أن ما نفتقده ليس بالضرورة رفاهية. فنحن لا نحلم جميعاً بمدن مثالية، ولا نريد أن تتحول بيروت إلى ميونخ أو قرية لبنانية إلى هالشتات.
ما نريده أبسط من ذلك بكثير: أن تكون حياتنا اليومية أقل قسوة، وأن تكون حقوقنا الصغيرة بديهية، وأن نتمكن من العيش من دون أن نخوض معركة في كل مرة نخرج فيها من بيوتنا.
لعلّ أكثر ما يوجع في السفر أنه لا يجعلنا نشتاق فقط إلى الأماكن التي زرناها، بل يجعلنا نرى بوضوح ما كان يمكن أن تكون عليه حياتنا هنا، وما حُرمنا منه ونحن نتعلم، سنة بعد سنة، كيف نتعايش مع الحرمان وكأنه أمر طبيعي.
إقرأوا أيضاً:











