في السابعة والنصف مساء، توجّهنا إلى المسرح في مساحة “زقاق”، لمشاهدة عرض مسرحي لطلّاب جامعيين حصلوا على أحد برامج المساحة، ونمّوا خلاله تجربتهم المسرحية.
أُطفئت الأضواء وبدأ الناس بالتجمّع، كان الطلبة يتحرّكون بسلاسة، ويتقمّصون أدوارهم باحتراف، وكنت مشدوهة بما أراه، فلطالما سمعت عن مسارح بيروت، غير أنها كانت تجربتي الأولى في مشاهدة عرض مسرحي حيّ.
بعد المسرحية، ملأت الضحكات المكان، تخلّص الممثّلون من ملابسهم ومن الشخصيّات التي تقمّصوها. حيّت المخرجة الجميع، وتحدّثوا عن اختيار الأغاني والإسقاطات السياسية وكتابة المسرحية… لكنّ المفارقة الثقيلة التي رافقت تلك الليلة، كانت حقيقة أن هذه المساحة ستُغلق بسبب أزمة التمويل، وستحلّ مكان المسرح منجرة مملوءة بالخشب.
هذا السياق الذي رافق تجربتي الأولى في زيارة مسرح بيروت، أثار فيي الفضول لفهم الخلفيات والسياقات التي تحيط بالعمل الثقافي؛ تحديداً المسرحي في بيروت، كيف تشكّلت؟ وما هو وضع المسرح المستقلّ بشكل عامّ، الذي يمثّل تياراً فنيّاً حيوياً نشأ في ستينيات القرن الماضي، ويركّز على التجارب الإبداعية خارج الإطار التقليدي للمسارح الرسمية، ويعتمد على مبادرات فردية وجماعية، غالباً في فضاءات غير تقليدية مثل الهواء الطلق أو الاستوديوهات الصغيرة.
بيروت والمسارح
يواجه المسرح المستقلّ صعوبات اقتصادية، لكنّه يظلّ أداة للحوار المجتمعي والتعبير عن قضايا مثل الانهيار الاقتصادي. وفي 2026، يستمرّ في مساحات مثل “زقاق”، محافظاً على التنوّع اللغوي والثقافي، ويعتمد على شبّاك التذاكر والمانحين، لكنّ الأزمة المالية والاقتصادية التي ضربت لبنان منذ العام 2019، أدّت إلى تجفيف الكثير من مصادر الدعم المادّي سواء أكانت رسمية أم خارجية.
ولا يقوم المسرح التجريبي على النصّ بوصفه نقطة البداية الوحيدة كما هو الحال مع المسرح التقليدي، بل ينطلق غالباً من الجسد والحركة والارتجال والتجربة الاجتماعية داخل صالة التمارين، وفي هذا النوع من المسرح يُخلق العرض خلال العمليّة نفسها، لا يُنفّذ كنصّ مكتمل سلفاً، ويصبح السؤال الفنّي والسياسي جزءاً من البنية لا الزينة.
وفي السياق اللبناني، اكتسب المسرح التجريبي بعداً إضافياً، إذ تحوّل إلى مساحة مقاومة رمزية في مواجهة الرقابة والأزمات وانهيار البنى الثقافية الرسمية، ولا يقدّم هذا المسرح إجابات جاهزة، بل يفتح مساحات للأسئلة ويشتبك مباشرة مع الواقع الاجتماعي والسياسي، بعيداً عن منطق الترفيه أو الإنتاج التجاري.
عن “زقاق”
تأسّس “زقاق” في عام 2006، من فرقة مسرحية إلى هيكل مسرحي يربط الإبداع الفنّي بالالتزام الاجتماعي والسياسي، مع التركيز على أعمال تناقش قضايا الواقع اللبناني والإقليمي، وحقّق أكثر من 45 إنتاجاً، وفاز بجوائز دولية عديدة، مع التركيز على العروض التجريبية.
ويعمل كفرقة جماعية ترفض الإنتاج الفردي، معتمدة على عمليّات إبداعية جماعية تشمل ورش عمل وتدخّلات نفسية مع مجموعات مثل السجناء والمهاجرين، ويطوّر أساليب فنّية خاصّة بدمج أشكال متعدّدة، محافظاً على حرّية الإبداع بعيداً عن التمويل المباشر أو الرقابة الحكومية.
في قلب المشهد الثقافي البيروتي، يقف سرجون سري الدين مدير مقرّ مسرح “زقاق”، شاهداً على اللحظات الأخيرة لواحد من أبرز المساحات الفنّية المستقلّة في المدينة.
يتولّى سري الدين منذ ثلاث سنوات ونصف السنة، مسؤولية المحرّك اللوجستي لهذا المكان؛ فهو المشرف على المشتريات، وعمليّات الصيانة من كهرباء ومولّدات، والمنسّق الأساسي لكلّ من يرغب في استئجار المسرح للتدريبات أو العروض أو حتى الحفلات الموسيقية.
يقول “إن إغلاق زقاق يعني خسارة مساحة ثقافية كانت تستضيف الكثير من الأنشطة في بيروت. الأماكن التي تشبهه قليلة جدّاً، وثمّة أماكن هي مجرّد غرف وليست مسرحاً مجهّزاً بالكامل”.
ويروي واقع الاستدامة في الفضاءات الثقافية المستقلّة، مشيراً إلى أن “العائدات المادّية الناتجة عن إيجار المساحة للفنّانين لا تكفي وحدها لتغطية المصاريف التشغيلية اليومية، فقد كان “زقاق” يعتمد بشكل أساسي على برامج دعم ومموّلين خارجيين، وهي البرامج التي بدأت تتقلّص تدريجياً حتى انعدمت في العام الحالي”، ويُرجع هذا التراجع إلى “الوضع المتأزّم في لبنان، وتغيّر سياسات الجهات المانحة التي باتت ترى في البلاد منطقة نزاع، مما أدّى إلى توقّف التمويل الذي كان يتيح للمسرح تقديم خدماته بأسعار مدعومة، أو حتى مجانية في بعض الأحيان”.
الأزمة لم تقف عند حدود نقص الدعم، بل تفاقمت مع الارتفاع الجنوني في كلفة الإيجار التي تضاعفت مرّتين ونصف، مما جعل الاستمرار في المقرّ الحالي أمراً مستحيلاً، ومع قرار الإغلاق الوشيك، يجد سري الدين نفسه أمام سيل من طلبات الحجز التي يضطرّ لرفضها، مخبراً الفنّانين والفرق المسرحية أن “زقاق” سيُغلق أبوابه، ويوضّب أغراضه للمرّة الأخيرة.
يتجاوز أثر هذا الإغلاق الجانب المهني للشابّ الذي سيفقد عمله، ليصل إلى عمق المشهد الفنّي في بيروت، فالمسرح لم يكن مجرّد خشبة للعرض، بل كان مساحة آمنة ومنبراً حرّاً للنقاشات، كما حدث في فعّاليات “المنبر المفتوح من أجل فلسطين” بعد أحداث ” 7 أكتوبر”، وحفلات “Put on Your Red Shoes” التي ميّزت ليالي بيروت.
يصف سري الدين ارتباطه بالمكان، مؤكّداً أنه رغم عدم دراسته للمسرح، كان “زقاق” الدافع الوحيد الذي يحفّزه على الاستيقاظ والتحرّك كلّ صباح، وهو شعور يشاركه فيه الكثير من الفنّانين الذين يرون في غياب هذا المكان، خسارة لمساحة نادرة كانت تلمّ شملهم وتطوّر أعمالهم، يُعلّق “لقد عُرف “زقاق” بكونه مساحة آمنة للجميع، واليوم هذه المساحة تتلاشى”.
اليوم، وبينما يستعدّ المقرّ لإقامة آخر نشاطاته في نهاية شهر شباط/ فبراير، يبقى السؤال معلّقاً حول مصير البرامج الثقافية التي ستفقد مقرّها، وتضطرّ للبحث عن بدائل في جامعات أو مساحات أخرى، في ظلّ غياب تامّ لدعم الدولة والمؤسّسات الرسمية التي لم تقدّم، بحسب سري الدين، أيّ مساعدة تُذكَر للحفاظ على هذه المنارات الثقافية المستقلّة.
من الأداء إلى الإدارة
وفي زاوية أُخرى تبرز قصّة جنى أبو مطر مديرة البرامج في مسرح “زقاق”، كنموذج حيّ للارتباط الوجداني والمهني بالفضاءات الفنّية المستقلّة.
جنى، التي بدأت رحلتها مع زقاق قبل نحو خمس سنوات كفنّانة ناشئة ضمن برنامج الإرشاد المسرحي، حيث قدّمت عرضها الأوّل “كوكتيل شقف بلا معنى”، لم تكن تدرك حينها أنها ستنتقل من مقاعد المتدرّبين لتصبح اليوم المسؤولة عن إدارة محرّك هذا الصرح الثقافي، من برامج تدريبية وإقامات فنّية وجولات مسرحية.
تتحدّث جنى بنبرة يمتزج فيها الفخر بالأسى وهي تشرح طبيعة عملها، مؤكّدة أن “زقاق” يتجاوز كونه مجرّد خشبة مسرح؛ فهو مختبر لصقل المواهب ومدّ جسور التواصل بين الفنّانين الناشئين والمحترفين”، وتعتبر برنامج الإرشاد المسرحي الأقرب إلى قلبها كونه أتاح لها وللكثيرين غيرها “فرصة إنتاج أوّل عمل احترافي في بيئة تحتضن التجريب وتوفّر الإلهام”، إلا أن هذه المسيرة تواجه اليوم تحدّياً مصيرياً مع قرار الإغلاق، وهو القرار الذي تصفه بـ”الخسارة الكبيرة، ليس فقط للفريق، بل لبيروت التي تفتقر أصلاً إلى المساحات الحرّة للنقاش والحوار”، وتقول: “هذه المساحات المستقلّة هي التي تفتح الآفاق أمام الشباب لممارسة مهنتهم، وتطوير أنفسهم خارج الأطر الأكاديمية والجامعية”.
ترسم أبو مطر صورة قاتمة لواقع الفنّانين الشباب في لبنان، حيث تجعل التكاليف المرتفعة وغياب الدعم الرسمي من استئجار المسارح التجارية أمراً شبه مستحيل، وهنا تكمن أهمّية “زقاق” الذي كان يوفّر مساحات مجّانية أو رمزية عبر برامج مثل “برنامج الجامعات”، ليكون نقطة انطلاق للخرّيجين الجدد قبل دخولهم غمار المهنة، ومع فقدان هذا المكان، يجد الكثيرون أنفسهم أمام خطر فقدان مهنتهم ومساحة ممارستها، خاصة وأن هذا الفضاء كان قد صمد أمام انفجار مرفأ بيروت في عام 2020، وأُعيد افتتاحه، قبل أن تضطرّه الظروف الراهنة للإغلاق مجدّداً، وتعلّق “اليوم نجد أنفسنا نغلق الأبواب مجدّداً. إن هذا التحدّي المتمثّل في الاضطرار للبدء من الصفر في كلّ مرّة، هو أقسى ما نمرّ به”.
رغم قرار الإغلاق، تؤكّد أبو مطر أن روح “زقاق” وبرامجه التدريبية في الإخراج والكتابة والتمثيل لن تتوقّف، بل سيبحث عن فضاءات بديلة في المدينة لمواصلة رسالته، وتشدّد على أن “ما يميّز هذه المؤسّسة هو رؤيتها العميقة التي تربط بين الشخصي والسياسي، وتركيزها على قضايا الحاضر عبر نقد بنّاء يتجاوز مفهوم الترفيه السطحي إلى التفكير الجماعي”.
وبينما يلملم المسرح أوراقه الأخيرة في مقرّه الحالي، يبقى الأمل معقوداً على الشراكات والتعاونات التي قد تفتح آفاقاً جديدة تضمن استمرار هذه التجربة الثقافية الفريدة في مواجهة الانهيار، وتعد أبو مطر “سنواصل، رغم أزمة التمويل المستمرّة، ورغم إغلاق المكان، محاولاتنا للاستمرار في فضاءات أخرى داخل المدينة، لكنّ الألم الأكبر يكمن في خسارة هذا المكان الذي كان بمثابة بيت للكثير من الفنّانين”.
المسرح في بيروت
المسرح في بيروت يعود تاريخه إلى أواخر القرن التاسع عشر، حيث كانت ساحة البرج حاضنة لأولى المسارح مثل “زهرة سوريا” (1887) و”الكريستال” و”الأمبير”، وازدهر خلال الربع الأوّل من القرن العشرين مع صالات مثل “التياترو الكبير”، و”الرويال”، و”الباريزيانا”، التي استضافت فرقاً مصرية ومحلّية، وكانت بيروت مركزاً ثقافياً نابضاً حتى الحرب الأهلية التي أدّت إلى إغلاق معظمها.
فيما لم يكن “زقاق” المساحة الوحيدة في هذا المشهد، بل جاء ضمن شبكة أوسع من الفضاءات المستقلّة التي شكّلت، خلال العقود الماضية، العمود الفقري للمسرح غير التجاري في بيروت، من بينها مسرح المدينة ودوّار الشمس ومترو المدينة، إلى جانب مبادرات ومساحات أصغر وأقلّ استقراراً ظهرت واختفت تبعاً للأزمات الاقتصادية والسياسية.
إقرأوا أيضاً:
غير أن القاسم المشترك بين هذه المساحات يتمثّل في هشاشتها البنيوية، واعتمادها شبه الكامل على التمويل الخارجي، ما جعل استمراريتها مرتبطة بالتحوّلات الإقليمية وسياسات الجهات المانحة، أكثر من ارتباطها بجمهور محلّي أو دعم رسمي، ومع تراجع عدد هذه المساحات، بات المشهد الثقافي المستقلّ في بيروت أكثر انكماشاً، وأقلّ قدرة على احتضان التجارب الجديدة.
وفي لحظة فارقة من تاريخ مسرح “زقاق”، تروي مايا زبيب وهي مؤسّسة مشاركة في المسرح، خلفيات القرار الصعب الذي اتّخذه الفريق بالإغلاق، مشيرة إلى أن “هذا المسار بدأ بالتشكّل منذ نحو شهرين”، حين وضعتهم الظروف الاقتصادية أمام خيار لا مفرّ منه، وتوضح أن “نقطة التحوّل الكبرى كانت عندما قرّر أصحاب العقار رفع قيمة الإيجار “بنسبة خيالية”، بلغت مرتين ونصف عما كان عليه سابقاً، وهو ما تزامن مع توقّف التمويل الخارجي، الذي كان يشكّل شريان الحياة للمشاريع الثقافية والمساحة التشغيلية للمسرح”.
وتكشف زبيب عن محاولات الفريق المستميتة للاستمرار، حيث كانوا يسعون جاهدين لتمديد بقائهم من خلال توظيف الموارد المتاحة من المشاريع القائمة لتغطية نفقات المكان، إلا أن الزيادة الهائلة في الكلفة جعلت من فكرة البقاء عبئاً يفوق قدرة المؤسّسة على التحمّل، ومع انعدام البدائل المالية واستحالة الموازنة بين المصاريف الخانقة ورسالة المسرح، لم يجد الفريق خياراً سوى اتّخاذ القرار المرّ بإسدال الستار على هذه المساحة الفنّية التي شكّلت ملاذاً للمبدعين لسنوات.
وتشير إلى أن “أزمة التمويل التي يواجهها “زقاق” ليست حالة استثنائية، بل تعكس خللاً بنيوياً يطال المشهد الثقافي اللبناني برمّته، في ظلّ تراجع اهتمام الجهات المانحة الدولية، لا سيّما مع تفاقم الحروب والأزمات المتلاحقة”، هذا الانكماش حوّل الفعل الثقافي المستقلّ إلى مغامرة غير مضمونة في بلد يفتقر إلى سياسات دعم ثقافي واضحة، ويعتمد فيه الفنّانون والمؤسّسات بشكل شبه كامل على التمويل الخارجي، وخصوصاً الأوروبي.
وتقول: “يبدو أن مواقفنا الصريحة تجاه القضيّة الفلسطينية والحرب على غزّة، لم ترق لبعض هؤلاء المموّلين، مما أدى إلى توقّف دعم المؤسّسة وموظّفيها”.
ورغم أن نقص التمويل لم يؤدِّ إلى إلغاء البرامج القائمة فوراً، فقد فرض تعليق بعضها، وفي مقدّمتها برنامج الإرشاد المسرحي للمرّة الأولى منذ ثماني سنوات، بانتظار تأمين دعم جديد، في المقابل، يسعى الفريق إلى التكيّف عبر تحوير برامج التدريب وبناء شراكات بديلة، في محاولة لضمان الاستمرارية خلال العام الحالي، وسط غياب رؤية واضحة لما بعد 2027.
وعلى مدى عشرين عاماً، لعبت فرقة “زقاق” دوراً محورياً في ترسيخ المسرح التجريبي في لبنان، وأسّست لمساحات تبادل محلّي ودولي، كان أبرزها مهرجان “أرصفة زقاق”، الذي شكّل منصّة لدعم الفنانين اللبنانيين وربطهم بمؤسّسات ومسارح عالمية، وساهم في إنتاج أعمالهم وعرضها خارج البلاد، رغم توقّفه في عام 2024 بفعل الحرب.
أما قرار إغلاق المقرّ الفعلي للمسرح، فتؤكّد زبيب أنه “لا يعني نهاية التجربة، بل انتقالها إلى أشكال حضور بديلة في فضاءات مختلفة، مع استمرار جزء كبير من البرامج المخطّط لها هذا العام. غير أن فقدان المساحة المادّية سيؤثّر مباشرة على برامج الإقامة والإرشاد والاستضافة، التي ستتوقّف مؤقّتاً لغياب البنية اللوجستية”، وتقول: “نحن كفنّانين في لبنان، نمتلك مرونة وقدرة على التكيّف لخلق مساحات فنّية وإبداعية حتى من تحت الركام، والروح الإبداعية لـ”زقاق” لن تندثر بفقدان الجدران”.
وتلفت إلى أن “هذا التحوّل يفرض إعادة التفكير في مفهوم الاستدامة الثقافية في لبنان، في ظلّ غياب الدعم المحلّي وارتفاع كلفة الإيجارات، ما يجعل التوازن بين العمل الثقافي ومنطق السوق شبه مستحيل”، ومع ذلك، تبدي إيمانها بقدرة الفنّانين اللبنانيين على الابتكار وخلق مساحات جديدة، مؤكّدة أن “زقاق” قد يفقد جدرانه، لكنّه لن يفقد روحه بوصفه فعلاً ثقافياً مقاوماً للانهيار”، وتقول: “ليست هذه النكسة الأولى التي نواجهها؛ فقد صمدنا أمام الأزمة الاقتصادية، ورفضنا الإغلاق بعد انفجار مرفأ بيروت رغم دمار المسرح كلّياً وأعدنا إعماره، اختيارنا اليوم للتوقّف عن العمل في هذا المقرّ هو قرار تقشّفي تفرضه ظروف البلد، لضمان استمرار جوهر رسالتنا الفنّية بعيداً عن الاستنزاف المادّي”.
منذ العام 2016، شكّلت مؤسّسة “دروسوس” الركيزة التمويلية الأساسية لمسرح “زقاق”، حيث قدّمت دعماً مستمرّاً لثماني سنوات، مقسّمة على فترتين متساويتين، ومع بلوغ هذا التمويل حدّه الأقصى، تمكّنت الفرقة من الاستمرار لعامين إضافيين، بجهود ذاتية ومن خلال مشاريع متنوّعة غطّت بعض التكاليف، إلا أن التحدّي الأكبر برز مع توقّف التمويل الهيكلي الذي كان يؤمّن الرواتب، وإيجار المكان، والمصاريف التشغيلية الثابتة.
وفي ظلّ غياب أي تمويل محلّي، تواصل الفرقة الاعتماد على التمويلات الأوروبية المرتبطة بمشاريع فنّية محدّدة، لكنّ المشهد التمويلي شهد تحوّلاً جذرياً في العامين الأخيرين، فقد اتّخذت بعض الجهات المانحة قراراً سياسياً بوقف دعمها للمنطقة، وهو ما يُرجعه القائمون على المسرح إلى مواقفهم الصريحة تجاه القضيّة الفلسطينية.
لقد تعمّق هذا الشرخ مع اندلاع الحرب على غزّة ولبنان، حيث أدّت المواقف السياسية التي تبنّاها المسرح تجاه إسرائيل، إلى توقّف عدّة مؤسّسات مانحة عن تمويل الهيكل التشغيلي لمؤسّسات ثقافية مختلفة في المنطقة.
هذا الواقع وضع “زقاق” أمام أزمة وجودية، إذ لم يعد الأمر مقتصراً على شحّ الموارد، بل امتدّ ليشمل خياراً سياسياً من بعض المموّلين الذين لم تتماشَ مواقفهم مع التوجّهات السياسية، التي أعلنها المسرح تجاه الصراع القائم.
المسرح والإغلاق
رغم خصوصية تجربة “زقاق” من حيث فلسفته وبرامجه وشبكة علاقاته الدولية، لا يمكن قراءة إغلاقه كحالة معزولة، فهو يأتي ضمن مسار أوسع من التآكل التدريجي للمشهد الفنّي وثقافة (Underground)، الذي طالما شكّل متنفّساً للفنّانين الشباب، وملاذاً للتجريب خارج منطق السوق والمؤسّسات الرسمية.
وفي مدينة لطالما عُرفت بأنها عاصمة ثقافية للمنطقة، لا يُعدّ إغلاق مسرح حدثاً عادياً؛ فالمسرح في بيروت ليس مجرّد مكان للعروض، بل مساحة اجتماعية وسياسية، وذاكرة جماعية، ونقطة التقاء بين الفنّ والمدينة، وإغلاقه يعكس اختلالاً أعمق في علاقة المدينة بثقافتها، وفي قدرتها على حماية مساحاتها العامّة من منطق الربح العقاري.
أن يُغلق مسرح في بيروت، يعني أن المدينة تخسر جزءاً من قدرتها على طرح الأسئلة، وعلى تخيّل نفسها خارج منطق البقاء اليومي، وهو مؤشّر على انتقال الأزمة من الاقتصاد إلى الخيال، ومن السياسة إلى الحياة الثقافية نفسها.
لا يبدو إغلاق مسرح “زقاق” نهاية لتجربة، بقدر ما هو علامة فارقة في مسار المشهد الثقافي المستقلّ في لبنان، فالمسرح وإن فقد جدرانه، قد يستمرّ كفكرة وممارسة متنقّلة، لكنّ خسارة المكان تترك فراغاً يصعب ملؤه سريعاً.
بين البحث عن فضاءات بديلة، ومحاولات إعادة ابتكار الاستمرارية، يبقى السؤال الأوسع معلّقاً، إلى أيّ حدّ تستطيع مدينة مثل بيروت أن تحافظ على روحها الثقافية، في وقت تُقاس فيه القيمة بالمتر المربّع لا بما يُنتَج داخله؟












