ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

حين يصبح الأطفال جزءاً من دائرة العنف: بين صدمة جريمة قتل الطفلة في العراق وضرورة التريّث

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لا يمكن فهم العنف الذي يطال الأطفال أو يصدر عنهم بمعزل عن الأطر الاجتماعية والثقافية التي ينشأون فيها. فالأطفال يتعلّمون ليس فقط من أسرهم، بل أيضاً من القيم المحيطة بهم حول السلطة والطاعة والاختلاف والعلاقات المرتبطة بالأدوار الاجتماعية. في بعض السياقات المتأثّرة ببنى أبوية قويّة، قد تُربّى الفتيات على الصمت وتقليص مساحة التعبير والمشاركة، بينما قد يتعرّض الفتيان لضغوط تربط الذكورة بالسيطرة والقوّة وفرض الإرادة. لكنّ فهم أثر هذه البنى لا يعني اعتبار العنف صفة مرتبطة بجنس معيّن، بل يعني إدراك أن بعض الأنظمة الاجتماعية قد تنتج بيئات يتعلّم فيها الأطفال أن القوّة أهمّ من الحوار، وأن السيطرة أهمّ من العلاقة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في البداية، لا بدّ من الإشارة إلى أن هذه المقالة تتناول قضيّة عنف مأساوية، الأطفال فيها جميعاً في قلب دائرة من الأذى: الطفلة التي فقدت حياتها، والطفلان الآخران المتورّطان في ارتكاب فعل بالغ الخطورة. 

ومن منطلق مبادئ حماية الطفل، لن يتمّ نشر أسماء الأطفال أو صورهم، أو أيّ تفاصيل قد تؤدّي إلى التعرّف عليهم. فحماية خصوصية الأطفال وكرامتهم لا تعني تبرير العنف أو التقليل من فداحة الجريمة، بل تعكس مبدأ أساسياً في الحماية: لكل طفل وطفلة الحقّ في الكرامة والحماية، بما في ذلك الأطفال والطفلات الذين واللواتي يرتكبون أفعالاً مؤذية ويحتاجون إلى مساءلة مناسبة للعمر، ودعم، وإمكانية للتغيير وإعادة الإدماج.

إن حماية هويّة الأطفال ليست دفاعاً عن الجريمة، بل دفاع عن مبدأ أن العدالة لا ينبغي أن تقوم على الانتقام أو نزع الإنسانية، بل على المساءلة مع الحفاظ على الاعتراف بإنسانية الطفل وحقوقه.

أثارت جريمة مقتل طفلة عراقية على يد طفلين (10 و11 سنة)، موجة واسعة من الصدمة والغضب، لأنها تهزّ إحدى أكثر المسلّمات الإنسانية بداهة: أن تكون الطفولة مساحة للأمان والرعاية والحماية، لا مساحة للخوف والعنف. وقد تضاعفت حدّة الصدمة بسبب صغر سنّ الأطفال المتورّطين، وما رافق القضيّة من تداول واسع للتفاصيل والصور والتفسيرات التي حاولت تقديم إجابات سريعة حول ما حدث.

إن مشاعر الغضب أمام مقتل طفلة مشروعة. فالطفلة التي فقدت حياتها هي الضحيّة الأساسية في هذه المأساة، وقد انتُهك حقّها الأسمى في الحياة. لكنّنا مدعوّين ومدعوّات إلى الذهاب أبعد من لحظة الجريمة، ومحاولة فهم الظروف التي سبقت هذا الحدث والبيئات التي شكّلت حياة الأطفال الثلاثة. ففي كل حالة عنف شديد يرتكبها طفل/ة، لا نواجه فقط فعلاً فردياً، بل مساراً من العلاقات والتجارب والرسائل الاجتماعية والمؤسّسات التي أحاطت به/ ا قبل وقوع العنف.

العنف لا يولد مع الأطفال والطفلات

من منظور الحماية، لا يولد الأطفال والطفلات وهم/ ن يحملون العنف كجزء من التصرّفات الاعتيادية. فالعنف، بما في ذلك العنف المفضي إلى القتل، يتشكّل داخل ظروف متعدّدة ومعقّدة، والطريقة التي يفهم بها الطفل/ ة القوّة والسلطة والغضب والخلاف تتأثّر بعلاقاته/ ا الأولى، وبالرسائل المتلقّاة من الأسرة والمجتمع، وشهادات الحياة اليومية. عندما يرتكب طفل/ ة فعلاً بالغ الخطورة، فإن التعامل المسؤول لا يبدأ فقط بالسؤال عن العقوبة، بل بمحاولة فهم المسار الذي أدّى إلى الحدث. هل كانت هناك إشارات لم يلتفت إليها أحد؟ هل كانت هناك احتياجات لم تُلبَّ؟ هل وجد الطفل/ ة بالغين/ ات قادرين/ ات على التدخّل والدعم قبل أن يتحوّل الخطر إلى مأساة؟

إن البحث عن هذه الإجابات لا يعني أبداً تبرير الجريمة أو تخفيف مسؤولية مرتكبيها، لكنّه يذكّرنا بحقيقة أساسية: الجريمة ليست بداية الحكاية، بل نهايتها. فما نراه في لحظة العنف هو آخر حلقات سلسلة طويلة من العلاقات التي انقطعت، والاحتياجات التي لم تُلبَّ، والإشارات التي لم يلتقطها أحد.

حين تفشل الحماية مع أكثر من طفل

غالباً ما نميل بعد وقوع جريمة مروّعة إلى تقسيم الأطفال والطفلات إلى فئتين واضحتين: طفل/ ة ضحيّة، وطفل/ ة مرتكب/ ة للعنف. وهذا التقسيم ضروري للاعتراف بالضرر والمسؤولية، لكنّه لا يكفي لفهم جذور العنف. في هذه القضيّة، هناك طفلة قُتلت وحُرمت من حقّها في الحياة، وهناك طفلان ارتكبا فعلاً يحتاج إلى مساءلة مناسبة لعمريهما وظروفيهما، لكنّ وضعيهما يكشفان أيضاً عن الحاجة إلى فهم أعمق لما سبق الجريمة. 

ولهذا يجب أن تصبح كل جريمة عنف بين الأطفال فرصة لمراجعة منظومة الحماية نفسها: هل كانت هناك مؤشّرات لم تتمّ ملاحظتها؟ هل كانت الخدمات قادرة على الوصول إلى الأطفال؟ وهل كانت هناك مساحات آمنة تمكّنهم من التعبير عن مخاوفهم وطلب المساعدة؟

الطفولة داخل أنظمة القوّة: أثر البنى الأبوية

لا يمكن فهم العنف الذي يطال الأطفال أو يصدر عنهم بمعزل عن الأطر الاجتماعية والثقافية التي ينشأون فيها. فالأطفال يتعلّمون ليس فقط من أسرهم، بل أيضاً من القيم المحيطة بهم حول السلطة والطاعة والاختلاف والعلاقات المرتبطة بالأدوار الاجتماعية. في بعض السياقات المتأثّرة ببنى أبوية قويّة، قد تُربّى الفتيات على الصمت وتقليص مساحة التعبير والمشاركة، بينما قد يتعرّض الفتيان لضغوط تربط الذكورة بالسيطرة والقوّة وفرض الإرادة. لكنّ فهم أثر هذه البنى لا يعني اعتبار العنف صفة مرتبطة بجنس معيّن، بل يعني إدراك أن بعض الأنظمة الاجتماعية قد تنتج بيئات يتعلّم فيها الأطفال أن القوّة أهمّ من الحوار، وأن السيطرة أهمّ من العلاقة.

التربية الجنسية كجزء من حماية الطفل 

لا يمكن بناء منظومة حماية فعّالة دون الاعتراف بأهمّية التربية الجنسية المناسبة للعمر، بوصفها جزءاً أساسياً من التربية على الحقوق والكرامة والسلامة الشخصية. فالتربية الجنسية لا تعني فقط تقديم معلومات حول الجسد أو العلاقات، بل تساعد الأطفال والطفلات على فهم أجسادهم/ ن، والتعرّف على حدودهم/ ن وحدود الآخرين، والتعبير عن المشاعر، وطلب المساعدة عند الشعور بالخوف أو التهديد. كما تُسهم في تفكيك الأفكار التي تربط القوّة بالسيطرة أو الصمت بالطاعة، وتدعم بناء علاقات قائمة على الاحترام والموافقة والمسؤولية.

 وفي المجتمعات التي يُنظر فيها إلى الحديث عن هذه القضايا بحساسية أو تحفّظ، قد يؤدّي غياب المعرفة الآمنة إلى ترك الأطفال والطفلات، لا سيّما في عمر الأسئلة والاكتشاف، يعتمدون على مصادر غير موثوقة أو رسائل مشوّهة حول الجسد والعلاقات والقوّة. لذلك فإن التربية الجنسية الشاملة والمراعية للثقافة والعمر ليست تشجيعاً على سلوكيات معيّنة، بل هي أداة وقائية تمكّن الأطفال من حماية أنفسهم، وبالأخصّ احترام جسد الآخر. فما هي المعلومات التي وصلت للطفلين حول الجسد والسلطة والاكتشاف؟

إن كون الضحيّة طفلة يُضيف بعداً لا يمكن تجاهله. فالفتيات في العديد من المجتمعات يواجهن مخاطر إضافية مرتبطة بالنوع الاجتماعي، سواء من خلال العنف أو التمييز أو ضعف الاعتراف بصوتهن وحقّهن في المشاركة. فكيف إذا كانت الطفلة في عمر الثلاث سنوات؟ حماية الطفلات لا تعني فقط حمايتهن من الخطر المباشر، بل بناء بيئات تضمن حقّهن في الأمان والتعبير والنمو.

المحكمة الرقمية

قبل أن تتّضح وقائع ما حدث، كانت الأحكام قد بدأت تصدر. وحتى لحظة كتابة هذه المقالة، لا تزال التحقيقات جارية، ولم تُنشر نتائج رسمية نهائية تكشف جميع ملابسات الجريمة أو المسار القانوني الذي ستتّخذه القضيّة. 

ومع ذلك، بدا أن الرأي العامّ انتقل سريعاً من البحث عن الحقيقة إلى المطالبة بالعقاب. فقد امتلأت منصّات التواصل الاجتماعي بخطابات الغضب والإدانة، وهو أمر يعكس حجم الصدمة، لكنّه يكشف أيضاً ميلاً إلى اختزال العدالة في العقوبة قبل اكتمال الوقائع. 

كما تطرح القضيّة تحدّياً متزايداً في عصر وسائل التواصل الاجتماعي: كيف نتعامل مع الأطفال عندما يكونون في قلب قضايا عنف؟ فقد انتشرت صور الطفلين وتفاصيل قد تؤدّي إلى التعرّف عليهما، رغم صغر سنّهما وخصوصية وضعهما القانوني. فمن حقّ المجتمع المطالبة بالعدالة، لكنّ حقّ الأطفال في الخصوصية والكرامة لا يسقط عندما يرتكبون فعلاً خطيراً. إن اختزال طفل في جريمة واحدة قد يخلق وصمة دائمة تجعل إعادة التأهيل والاندماج أكثر صعوبة.

مجدّداً العدالة ضرورية، وحقّ الطفلة الضحيّة وأسرتها في الحقيقة والمساءلة لا يمكن تجاهله. 

ربما يكمن السؤال الأعمق الذي تطرحه هذه المأساة حول طبيعة العنف: فالعنف لا يظهر دائماً من قوّة، بل قد يكون علامة على فشل أعمق في العلاقات والسلطات والمعاني التي تنظّم الحياة المشتركة. وعندما يصبح طفل مصدراً للعنف ضد طفل آخر، فإن السؤال لا يتعلّق فقط بالفعل الذي ارتُكب، بل أيضاً بالعالم الذي سمح بتشكّل هذا المسار.

إن الدعوة تذكّرنا بأن العدالة لا تُبنى على الانفعال، بل على الوقائع والتفكّر بها، وأن حماية الأطفال تقتضي مساءلة الأفراد والأنظمة معاً، فقبل أن نحسم ما يستحقّه الأطفال بعد وقوع الجريمة، ربما يجدر بنا أن نسأل: ماذا كان يستحقّ هؤلاء الأطفال قبل أن تقع الجريمة؟

لا يمكن فهم العنف الذي يطال الأطفال أو يصدر عنهم بمعزل عن الأطر الاجتماعية والثقافية التي ينشأون فيها. فالأطفال يتعلّمون ليس فقط من أسرهم، بل أيضاً من القيم المحيطة بهم حول السلطة والطاعة والاختلاف والعلاقات المرتبطة بالأدوار الاجتماعية. في بعض السياقات المتأثّرة ببنى أبوية قويّة، قد تُربّى الفتيات على الصمت وتقليص مساحة التعبير والمشاركة، بينما قد يتعرّض الفتيان لضغوط تربط الذكورة بالسيطرة والقوّة وفرض الإرادة. لكنّ فهم أثر هذه البنى لا يعني اعتبار العنف صفة مرتبطة بجنس معيّن، بل يعني إدراك أن بعض الأنظمة الاجتماعية قد تنتج بيئات يتعلّم فيها الأطفال أن القوّة أهمّ من الحوار، وأن السيطرة أهمّ من العلاقة.

في البداية، لا بدّ من الإشارة إلى أن هذه المقالة تتناول قضيّة عنف مأساوية، الأطفال فيها جميعاً في قلب دائرة من الأذى: الطفلة التي فقدت حياتها، والطفلان الآخران المتورّطان في ارتكاب فعل بالغ الخطورة. 

ومن منطلق مبادئ حماية الطفل، لن يتمّ نشر أسماء الأطفال أو صورهم، أو أيّ تفاصيل قد تؤدّي إلى التعرّف عليهم. فحماية خصوصية الأطفال وكرامتهم لا تعني تبرير العنف أو التقليل من فداحة الجريمة، بل تعكس مبدأ أساسياً في الحماية: لكل طفل وطفلة الحقّ في الكرامة والحماية، بما في ذلك الأطفال والطفلات الذين واللواتي يرتكبون أفعالاً مؤذية ويحتاجون إلى مساءلة مناسبة للعمر، ودعم، وإمكانية للتغيير وإعادة الإدماج.

إن حماية هويّة الأطفال ليست دفاعاً عن الجريمة، بل دفاع عن مبدأ أن العدالة لا ينبغي أن تقوم على الانتقام أو نزع الإنسانية، بل على المساءلة مع الحفاظ على الاعتراف بإنسانية الطفل وحقوقه.

أثارت جريمة مقتل طفلة عراقية على يد طفلين (10 و11 سنة)، موجة واسعة من الصدمة والغضب، لأنها تهزّ إحدى أكثر المسلّمات الإنسانية بداهة: أن تكون الطفولة مساحة للأمان والرعاية والحماية، لا مساحة للخوف والعنف. وقد تضاعفت حدّة الصدمة بسبب صغر سنّ الأطفال المتورّطين، وما رافق القضيّة من تداول واسع للتفاصيل والصور والتفسيرات التي حاولت تقديم إجابات سريعة حول ما حدث.

إن مشاعر الغضب أمام مقتل طفلة مشروعة. فالطفلة التي فقدت حياتها هي الضحيّة الأساسية في هذه المأساة، وقد انتُهك حقّها الأسمى في الحياة. لكنّنا مدعوّين ومدعوّات إلى الذهاب أبعد من لحظة الجريمة، ومحاولة فهم الظروف التي سبقت هذا الحدث والبيئات التي شكّلت حياة الأطفال الثلاثة. ففي كل حالة عنف شديد يرتكبها طفل/ة، لا نواجه فقط فعلاً فردياً، بل مساراً من العلاقات والتجارب والرسائل الاجتماعية والمؤسّسات التي أحاطت به/ ا قبل وقوع العنف.

العنف لا يولد مع الأطفال والطفلات

من منظور الحماية، لا يولد الأطفال والطفلات وهم/ ن يحملون العنف كجزء من التصرّفات الاعتيادية. فالعنف، بما في ذلك العنف المفضي إلى القتل، يتشكّل داخل ظروف متعدّدة ومعقّدة، والطريقة التي يفهم بها الطفل/ ة القوّة والسلطة والغضب والخلاف تتأثّر بعلاقاته/ ا الأولى، وبالرسائل المتلقّاة من الأسرة والمجتمع، وشهادات الحياة اليومية. عندما يرتكب طفل/ ة فعلاً بالغ الخطورة، فإن التعامل المسؤول لا يبدأ فقط بالسؤال عن العقوبة، بل بمحاولة فهم المسار الذي أدّى إلى الحدث. هل كانت هناك إشارات لم يلتفت إليها أحد؟ هل كانت هناك احتياجات لم تُلبَّ؟ هل وجد الطفل/ ة بالغين/ ات قادرين/ ات على التدخّل والدعم قبل أن يتحوّل الخطر إلى مأساة؟

إن البحث عن هذه الإجابات لا يعني أبداً تبرير الجريمة أو تخفيف مسؤولية مرتكبيها، لكنّه يذكّرنا بحقيقة أساسية: الجريمة ليست بداية الحكاية، بل نهايتها. فما نراه في لحظة العنف هو آخر حلقات سلسلة طويلة من العلاقات التي انقطعت، والاحتياجات التي لم تُلبَّ، والإشارات التي لم يلتقطها أحد.

حين تفشل الحماية مع أكثر من طفل

غالباً ما نميل بعد وقوع جريمة مروّعة إلى تقسيم الأطفال والطفلات إلى فئتين واضحتين: طفل/ ة ضحيّة، وطفل/ ة مرتكب/ ة للعنف. وهذا التقسيم ضروري للاعتراف بالضرر والمسؤولية، لكنّه لا يكفي لفهم جذور العنف. في هذه القضيّة، هناك طفلة قُتلت وحُرمت من حقّها في الحياة، وهناك طفلان ارتكبا فعلاً يحتاج إلى مساءلة مناسبة لعمريهما وظروفيهما، لكنّ وضعيهما يكشفان أيضاً عن الحاجة إلى فهم أعمق لما سبق الجريمة. 

ولهذا يجب أن تصبح كل جريمة عنف بين الأطفال فرصة لمراجعة منظومة الحماية نفسها: هل كانت هناك مؤشّرات لم تتمّ ملاحظتها؟ هل كانت الخدمات قادرة على الوصول إلى الأطفال؟ وهل كانت هناك مساحات آمنة تمكّنهم من التعبير عن مخاوفهم وطلب المساعدة؟

الطفولة داخل أنظمة القوّة: أثر البنى الأبوية

لا يمكن فهم العنف الذي يطال الأطفال أو يصدر عنهم بمعزل عن الأطر الاجتماعية والثقافية التي ينشأون فيها. فالأطفال يتعلّمون ليس فقط من أسرهم، بل أيضاً من القيم المحيطة بهم حول السلطة والطاعة والاختلاف والعلاقات المرتبطة بالأدوار الاجتماعية. في بعض السياقات المتأثّرة ببنى أبوية قويّة، قد تُربّى الفتيات على الصمت وتقليص مساحة التعبير والمشاركة، بينما قد يتعرّض الفتيان لضغوط تربط الذكورة بالسيطرة والقوّة وفرض الإرادة. لكنّ فهم أثر هذه البنى لا يعني اعتبار العنف صفة مرتبطة بجنس معيّن، بل يعني إدراك أن بعض الأنظمة الاجتماعية قد تنتج بيئات يتعلّم فيها الأطفال أن القوّة أهمّ من الحوار، وأن السيطرة أهمّ من العلاقة.

التربية الجنسية كجزء من حماية الطفل 

لا يمكن بناء منظومة حماية فعّالة دون الاعتراف بأهمّية التربية الجنسية المناسبة للعمر، بوصفها جزءاً أساسياً من التربية على الحقوق والكرامة والسلامة الشخصية. فالتربية الجنسية لا تعني فقط تقديم معلومات حول الجسد أو العلاقات، بل تساعد الأطفال والطفلات على فهم أجسادهم/ ن، والتعرّف على حدودهم/ ن وحدود الآخرين، والتعبير عن المشاعر، وطلب المساعدة عند الشعور بالخوف أو التهديد. كما تُسهم في تفكيك الأفكار التي تربط القوّة بالسيطرة أو الصمت بالطاعة، وتدعم بناء علاقات قائمة على الاحترام والموافقة والمسؤولية.

 وفي المجتمعات التي يُنظر فيها إلى الحديث عن هذه القضايا بحساسية أو تحفّظ، قد يؤدّي غياب المعرفة الآمنة إلى ترك الأطفال والطفلات، لا سيّما في عمر الأسئلة والاكتشاف، يعتمدون على مصادر غير موثوقة أو رسائل مشوّهة حول الجسد والعلاقات والقوّة. لذلك فإن التربية الجنسية الشاملة والمراعية للثقافة والعمر ليست تشجيعاً على سلوكيات معيّنة، بل هي أداة وقائية تمكّن الأطفال من حماية أنفسهم، وبالأخصّ احترام جسد الآخر. فما هي المعلومات التي وصلت للطفلين حول الجسد والسلطة والاكتشاف؟

إن كون الضحيّة طفلة يُضيف بعداً لا يمكن تجاهله. فالفتيات في العديد من المجتمعات يواجهن مخاطر إضافية مرتبطة بالنوع الاجتماعي، سواء من خلال العنف أو التمييز أو ضعف الاعتراف بصوتهن وحقّهن في المشاركة. فكيف إذا كانت الطفلة في عمر الثلاث سنوات؟ حماية الطفلات لا تعني فقط حمايتهن من الخطر المباشر، بل بناء بيئات تضمن حقّهن في الأمان والتعبير والنمو.

المحكمة الرقمية

قبل أن تتّضح وقائع ما حدث، كانت الأحكام قد بدأت تصدر. وحتى لحظة كتابة هذه المقالة، لا تزال التحقيقات جارية، ولم تُنشر نتائج رسمية نهائية تكشف جميع ملابسات الجريمة أو المسار القانوني الذي ستتّخذه القضيّة. 

ومع ذلك، بدا أن الرأي العامّ انتقل سريعاً من البحث عن الحقيقة إلى المطالبة بالعقاب. فقد امتلأت منصّات التواصل الاجتماعي بخطابات الغضب والإدانة، وهو أمر يعكس حجم الصدمة، لكنّه يكشف أيضاً ميلاً إلى اختزال العدالة في العقوبة قبل اكتمال الوقائع. 

كما تطرح القضيّة تحدّياً متزايداً في عصر وسائل التواصل الاجتماعي: كيف نتعامل مع الأطفال عندما يكونون في قلب قضايا عنف؟ فقد انتشرت صور الطفلين وتفاصيل قد تؤدّي إلى التعرّف عليهما، رغم صغر سنّهما وخصوصية وضعهما القانوني. فمن حقّ المجتمع المطالبة بالعدالة، لكنّ حقّ الأطفال في الخصوصية والكرامة لا يسقط عندما يرتكبون فعلاً خطيراً. إن اختزال طفل في جريمة واحدة قد يخلق وصمة دائمة تجعل إعادة التأهيل والاندماج أكثر صعوبة.

مجدّداً العدالة ضرورية، وحقّ الطفلة الضحيّة وأسرتها في الحقيقة والمساءلة لا يمكن تجاهله. 

ربما يكمن السؤال الأعمق الذي تطرحه هذه المأساة حول طبيعة العنف: فالعنف لا يظهر دائماً من قوّة، بل قد يكون علامة على فشل أعمق في العلاقات والسلطات والمعاني التي تنظّم الحياة المشتركة. وعندما يصبح طفل مصدراً للعنف ضد طفل آخر، فإن السؤال لا يتعلّق فقط بالفعل الذي ارتُكب، بل أيضاً بالعالم الذي سمح بتشكّل هذا المسار.

إن الدعوة تذكّرنا بأن العدالة لا تُبنى على الانفعال، بل على الوقائع والتفكّر بها، وأن حماية الأطفال تقتضي مساءلة الأفراد والأنظمة معاً، فقبل أن نحسم ما يستحقّه الأطفال بعد وقوع الجريمة، ربما يجدر بنا أن نسأل: ماذا كان يستحقّ هؤلاء الأطفال قبل أن تقع الجريمة؟