مرّ 5 حزيران/ يونيو هذا العام، وكما كان الحال في السنوات القليلة الفائتة، لم يسل الحبر للحديث عن هذه الهزيمة في الصحف وفي تعليقات السوشيال ميديا وعلى شاشات التلفزيون، كما كان عليه لعقود طويلة بعدما وقعت الهزيمة.
بالطبع، لعبت كميّة الكوارث التي ألمّت بالعالم العربي في السنوات الماضية، دوراً في طيّ الهزيمة في عوالم النسيان. ولكن هل نسيـ(نا) فعلاً؟ وهل يتمدّد أثر الهزيمة إلى يومنا هذا، في أشكال التكريس لخطابات الهزائم والانكسارات، التي ما إن يأتي أي استحقاق إلا ويكون الخطاب الانهزامي متصدّراً المشهد وذريعة للكآبة والإحساس بعدم الجدوى؟
ما الذي حصل حينها حقيقة؟ قد يكون هذا تساؤل ساذج من أجيال أتت بعد 5 حزيران/ يونيو، ولم يكن لهم إلا ترديد ما اعتادت النخب برمّتها ترديده. ما نعرفه هو أنها معركة استمرت لبضعة أيّام، وخسرت فيها بعض البلاد العربية أجزاء من أراضيها، وكان عدد القتلى قليلاً بالمقارنة مع أي اقتتال آخر حدث في العالم وفي المنطقة نفسها. وعند عقد المقارنات بين ما حصل للعالم العربي حينها، وما حصل في بقاع عديدة من العالم، من فيتنام إلى تشيلي إلى اليابان وهيروشيما وألمانيا وانهيار الاتّحاد السوفيتي وحروب جنوب شرق آسيا، لم تعرف تلك التجارب العالمية هذه المركزية للهزيمة كما تعاملنا معها نحن، ولم تكن تلك الحروب والهزائم المرتكز الأساسي لفهم الشخصيّة الروسية أو اليابانية.
كان التشديد على الهزيمة ضرباً من الاعتراض على الخطاب الشمولي الحاكم، الذي كان يسعى دوماً إلى اختلاق انتصارات وهمية، كذريعة للبقاء وكتمجيد شخصي لـ”سياداتهم”. لم يكن الحديث عن هزيمة 5 حزيران/ يونيو مقتصراً على عنوان عريض اسمه الهزيمة، بل سجّل هذا اليوم سجالاً بين النخب السياسية التي أسمتها النكسة، والنخب الثقافية التي أسمتها هزيمة. وهنا بدأ الأخذ والجذب بين طرف يصرّ على التفاخر بالنصر، وطرف آخر اعتبر أن الحديث الدائم عن الهزيمة هو الخطاب الحقّ، وهو ما يجعل من المتكلّم صوتاً “نخبوياً” أو “مثقّفاً” بحسب التسميات الشائعة.
ولكن ما حدث في ٥ حزيران/ يونيو كان أمراً متّفقاً عليه نوعاً ما، فلم يعتبر أحد أن تلك المعركة كانت نصراً، بل اختلفت التسميات عبر تدرّجات الخيبة، من اعتبارها نكسة وفقاً لبلاغات الخطاب الرسمي، إلى اعتبارها هزيمة وفقاً للنخبة التي رأت في هذه الكلمة تعبيراً صادماً عمّا آل إليه الواقع العربي. اتّفقت الأطراف جميعها على محورية هذا اليوم، وردّ الكثيرون كلّ ما جرى ما بعد هذا اليوم إلى هذا اليوم نفسه.
وهكذا تربّت الاجيال التي تلت، والتي اعتادت على تقديس النخب المكرّسة إلى اجترار الذمّ وكيل التهم نحو الواقع العربي المنكسر والشخصيّة العربية المهزومة، و”العقل العربي” الذي يحتاج إلى “النقد” دوماً ومراراً. فلم يكن أحدنا يتجرّأ على مساءلة أسماء مكرّسة وهي تندب العرب مع إحساس بالعار من كلمة عربي، مثل محمد الماغوط ونزيه أبو عفش، أو ممدوح عدوان وسعد الله ونوس في أعمالهم المسرحية ومقالاتهم، والياس خوري وعبد الباري عطوان. ومن بعدها جرى تعزيز امتدادات هذه المشاعر والخطابات في أعمال أكاديمية، تنتقد وتنعى وتتأسّف على العقل العربي والواقع العربي والشخصيّة العربية.
وهنا وقعنا أمام اتّجاهين جعلا من حرب استمرّت لبضعة أيّام محوراً لفهم ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا وعقلنا وشخصيّتنا وعواطفنا. طبعا لا تستهين هذه السطور بأرواح فقدناها وأرض خسرناها حتى لو كانت تقاس بالشبر، ولكن هناك استعادة لهذا التاريخ الذي لم يكن فقط إحساساً بالهزيمة، بل بات خطاباً يعرّف الشخصيّة العربية بناء على واقعة امتدّت لأسبوع من الزمن.
تتشابه هذه المواقف من الهزائم مع ما يراه إدوارد سعيد ونظرته لموقع المثقّف ودوره، ضمن منظومات سلطوية تُجبر المواطنين على الشعور بالفخر لأنهم محكومون من قِبل أنظمة منتصرة، وتعمّم بشائر الانتصار في الصحف والتلفزيونات والمدارس والمسيرات. وهنا يشدّد ادوارد سعيد على أن المثقّف هو من يخالف سياسة الأمر الواقع، التي تضعها السلطات وتأمر الجميع أن يفتخروا بها. ولكن، وبدلاً من تفكيك هذه العبارات ساد نوع من الخطاب الانهزامي، الذي كلما اشتدّت نبرته المهزومة، كلما اعتبر نفسه منتصراً على النظام المنتصر. وهنا يصبح التفاخر بالهزيمة انتصاراً!
بات لدينا إحساس وولع عالٍ بالهزيمة، مترافقاً مع عناوين وخطابات رنانة تجعل من تلك الهزيمة محوراً لكلّ شيء. وفي مقابلة أجريناها مع المفكّر صادق العظم في مجلة Syrious Look في عام ٢٠١٦، وقبل أشهر قليلة من رحيله، توجّهنا إليه بسؤال عن كتابه الشهير ” النقد الذاتي بعد الهزيمة”. تساءلنا حينها عن وجود نقد ذاتي في كتاب ينتقد الخطاب القومي وأفكار “الإخوان المسلمين” وجمال عبد الناصر، أي مَن هم على النقيض من موقع العظم وأفكاره نفسها. لم يسق العظم؛ وهو المفكّر الماركسي، انتقادات للفكر الماركسي، وبالتالي كان استغرابنا “أين هو النقد الذاتي؟”، وهل من هُزم هو العظم نفسه بفكره وآرائه وآماله؟
كانت إجابة العظم حينها أن النقد بالمعنى الذي نرمي إليه غير موجود، وأن الكتاب هو نقد لأفكار سادت في العالم العربي من إيديولوجيات ناصرية وقومية وإسلامية. هو نقد لمنظومة تبنّتها نخب كانت قريبة من العظم، وقد يكون لديه ما يتقاطع مع هذه النخب. وأضاف العظم أيضاً أن “النقد كان موجّهاً أيضاً إلى منظومة أخرى، أو ما كان يسمّى الفئات البرجوازية الصغيرة”، ومن هذا المنطلق لم يرَ العظم نفسه بعيداً عنها، أما الهدف الأساسي من الكتاب فكانت رغبته في أن يكون هناك بقية باقية من أمل، بأن تستطيع هذه التركيبة الشعبوية الاشتراكية العربية أن تُرمم نفسها.
ولكن ما بقي من إرث للكتاب ومن تكدّس لخطابات الهزيمة، جعل القدرة على الترميم والنهوض أمراً أشبه بالمستحيل، وجعل أي نوع من بصيص الأمل نوعاً من الرياء والسذاجة. ومرّة أخرى، كلما ازدادت نبرة التشاؤم والعدمية، كلما ارتقى صاحب أو صاحبة هذا الخطاب في سلّم النخبوية والجدّية. فالانتصار أو الفخر هو خطاب شعبوي لا يليق بالمثقّفين والمفكّرين والجدّيين التطرّق إليه. وهكذا يجب ألا نعرف كيف ننتصر أو نعبّر عن تفاؤل ما، ومع كلّ استحقاق جديد يأتي من يتكلّم بنبرة الحكماء عن اليأس واللا جدوى، منتظراً حدوث أي تعثّر أو فاجعة ليتفاخر أو تتفاخر “ألم أقل لكم؟”.
ينسحب هذا الكلام على يومنا هذا، مع ما نراه من موقف النخب السياسية وقوى المعارضة السورية، التي انسحبت من المشهد بعد هروب بشّار الأسد. وما إن يخرج أحد رموز المعارضة والثورة إلا وتكلّم بنبرة جدّية عن الفشل، وعدم تحقيق تطلّعات الشعب السوري، وبالطبع، تنبع خطورة هذا الكلام من استفراد فئة واحدة بإنجاز التحرير أو السقوط أو الهروب.
ولكن ورغم تخبّط المعارضة السياسة وهزالتها في الكثير من المواقف، إلا أنها لا تختلف عن تخبّط وهزالة الفصائل العسكرية، بما فيها “هيئة تحرير الشام” أو “النصرة” سابقاً، باقتتالها الداخلي ومعاركها المجانية، كما لا تختلف عن هزالة وتخبّط بشّار الأسد نفسه وحلوله الأمنية والعسكرية وخطاباته الجوفاء وهو وأفراد منظومته. فالمشهد السوري كان برمّته هزيلاً، ومن غير الإنصاف إلصاق الفشل بفئات محدّدة أمام كارثة استمرت لأربع عشرة سنة.
رافق شعور الهزيمة والاستعطاف المراحل الأولى من الاحتجاجات السورية، وأذكر أنه بعد مرور بضعة أشهر فقط امتلأ الفيس بوك بقصائد بكائية، كما عمّت المظاهرات أغانٍ حزينة تتحدّث عن موت قلوب الجيش، وألحان تشبه انكسارات عبد الحليم حافظ والشخصيّة التي عمّمها، خلال فترة هزيمة 5 حزيران/ يونيو، التي روّجت للشخصيّة المكسورة التي تتسوّل العواطف والمعذّبة بسبب ضعفها، ولكنّها أشاعت ما تمّ تلفيقه على أنه الشخصيّة الرومانسية المهزومة. كيف يمكن لاحتجاجات وثورة أن تروّج للبكائيات؟ وإن كان الناس عالمين بأن هذه الثورة بكائية، فلِمَ قمنا بها أساساً؟
قد يبدو هذا الكلام والدعوة إلى البحث في ما نفتخر به، ومحاولة الابتعاد عن الخطابات المهزومة والمنتكسة وتراكم المظلوميات، نوعاً من التبسيط أو الإنكار أو التفكير الرغبوي أمام كوارث عسكرية وسياسية نعيشها في أوقاتنا هذه، ولكن كانت هناك نجاحات وانتصارات اختبرناها، ولعلّ آخرها هروب بشّار الأسد بعد تضافر جهود شعبية وقانونية وإعلامية وعسكرية وسياسية، ولكنّها انسحبت كما جرت العادة.
كما نعيش أشكالاً أخرى من النجاح على مستويات عديدة بعيداً عن السياسة والعسكرة، ولكن جرت العادة أن نقوم بربط كلّ شيء بما هو سياسي، لأننا تعوّدنا على ربط كلّ ما حولنا بالسياسة. وإن كان السياسي مخيّباً، فالاستثناء هو الشعور بالفخر بشخصيّات أو مبادرات ناجحة أو طبائع محلّية تقوم على التكافل. ولعلّ الاحتجاجات التي قامت بها الشعوب العربية في عام 2011، كانت من المرّات القليلة التي اختبر فيها العرب فعلياً الآمال والآلام العربية المشتركة، على حدّ تعبير صادق العظم، ولكنّها لم تلقَ من يستطيع صون فخرها، لا لشيء إلا لأن الانزلاق إلى التشاؤم كان أكثر سهولة.
إقرأوا أيضاً:









