ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

حين يُطلب من الفن أن يترجم نفسه!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يكمن جوهر قراءة العمل الفني البصري في الإلمام بمفرداته (بـ”لغته” الأصلية أو باللغة البصرية)، وكلما راكم المتلقّي مفردات بصرية بحساسيات متنوعة وتجارب عدة، كلما تمكن من استقبال العمل الفني وتوليد شعور نحوه… أو لا شعور حتى. الإرباك أيضاً هو إحدى طرق استقبال العمل.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

تقول الأسطورة، إن على الفنان البصري (وغير البصري) أن يكتب “آرت ستايتمنت”، أي “بيان فني” حول أعماله الفنية ليشارك الآخرين رؤيته الفنية ومسارها.

لا أقول “يرسم” بل “يكتب”، أي أن يستخدم لغة الكلام المؤلفة من أحرف وكلمات وجمل ومقاطع وعلامات ترقيم، ليشرح ويعبر عما فعله أو ينوي فعله في لوحته الفنية المؤلفة من مفردات الخط واللون والمساحة والتأليف والمعالجة. أي عليه أن “يترجم” رؤيته ومشروعه الفني ليصبح  “ستايتمنت”. 

ولا تحدث الترجمة مرة واحدة ومن لغة واحدة، بل على مراحل وتبدأ من اللغة الأصلية التي هي الإحساس، الشغف بل وحتى الهوس الذي بالنسبة إلي كفنانة بصرية، جوهر الفن ومحرّكه، وكل ما يولد سيولد بسببه وعنه وفيه وله وتحته وفوقه ومنه وعليه. 

إذاً، بعد الترجمة من اللغة الأصلية (أي المشاعر والهوس أو المحرك الأصلي) إلى لغة العمل الفني البصري (أي ألوان وخطوط وتأليف)، وهي مرحلة نقل العمل من داخل الفنان إلى خارجه، سيكون عليّ أن ألبّي شروط القيمين على العالم الفني وكتابة “بيان فني”، أي إعادة ترجمة العمل الفني إلى لغة الأفكار ومن ثم إلى لغة الكلام مكتوباً، ثم وعلى الغالب ترجمته إلى لغة كلام مكتوبة بغير لغة كلامي، أي إلى الإنكليزية عن العربية.

أي أن العمل الفني بمفردات لغته لا يكفي إذا لم يسبقه أو يصحبه عمل بمفردات لغة المتلقّي: الكلام. وهذا الأمر لا يحصل فقط عندما يُطلب منّا أن نكتب البيان، بل في حالات أخرى، مثلاً عندما نُسأل عن العمل ويُطلب منا شرحه، بل حتى أن يكون الشرح عبارة عن تأويل العمل الفني البصري لتحميله معانيَ ومفردات لغة الكلام على اعتبار أنها الأقرب الى الفهم. يعني مطلوب من اللغة البصرية أن تصبح مفهومة ممن لا يجيدون قراءتها. 

الناقد الذي لا يكون ناقداً فنياً بالضرورة غالباً ما يقرأ العمل الفني البصري انطلاقاً من افتراض أن العمل يحمل تأويلاً أدبياً لا فنياً، فيتعرض العمل لمحاولة ترجمة مفرداته البصرية وإقحام مفردات أدبية عليه لاستنباط معانٍ لا علاقة لها بالمعاني الفنية المقصودة. تُسقَط هذه القراءة على العمل (وعلى كل ما بين سطوره، التي يفترض المُؤوّل في أحيان كثيرة وجودها) ويُطلب من الفنان “الشرح” وفقاً لها بل وانطلاقاً منها.

الحال كأن تتحدث اللغة العربية مع ناطق باللغة اليابانية وتفترض منه أن يجيبك بالعربية كي يوصل لك ما تحاول فهمه! (يبقى هذا المثل أسهل لأن اليابانية والعربية مشتركتان بنوع اللغة: الكلام).

افتراض أن على اللغة اليابانية أن تحمل على عاتقها أن يفهمها مثلاً الناطقون باللغة العربية بحجة توسيع مساحة التواصل كي لا تنحصر بين متحدثي اللغة اليابانية، هو افتراض يعفي المتحدث باللغة العربية من مسؤولية فهم لغة قرر أن يسمعها ويفهمها.

على المتلقّي أن يتعلّم استقبال لغة العمل الفني، وأن يقابل الفنان ويمشي صوبه. الفنان البصري (بالتحديد) قام بشقّ مهمة التواصل بأن أنجر عملاً باللغة التي يعرفها (بعدما “ترجم” ما يدور في حواسه ويعصف بها ويربكها)، والتي اختارها، أي اللغة الفنية البصرية التشكيلية، وحوّلها إلى عمل فني، ثم أخرج العمل من المرسم إلى الغاليري كي يُشاهده الآخرون. ويبقى على المتلقّي المهتمّ بتلقّي العمل فعلاً أن يتعلم ألف باء مفردات هذه اللغة وألا يقاربها انطلاقاً من لغة الكلام التي يفهمها (على الأقل ليس حصراً). ثم السماح لنفسه بأن يشعر به من دون الحاجة إلى تأويله وترجمته لفهمه. 

ما حصل ربما في الموسيقى أنها انصاعت إلى كسل المتلقّي حين صارت تحمل كلمات كي تصبح “مفهومة”، في حين يكفي أصلاً أن تستمع وتوسّع مفرداتك السمعية وتشعر.

طبعاً، المتلقّي حرّ تماماً في أن يستقبل العمل كما يشاء، لأن العمل أصلاً لا “يكتمل” قبل أن يُشاهَد ويُستقبَل. كما أنه لا يكتمل أبداً، لأنه يتغيّر مع كيفية إعادة رؤيته والتفكير به والإحساس به من قِبل كل من تلقّاه. أي أن العمل نفسه يصبح أعمالاً بعدد من تلقّاه، وبعدد مرات إعادة تلقّيه والتفكير به، بل والشعور به. لكن شرط التلقي (بغضّ النظر عن عدد المتلقين وعدد مرات التلقي) ألا يُفترض أن ما وصل هو مقصد الفنان، وألا يُطلب أو يُتوقّع من الفنان استخدام لغة أخرى غير لغة العمل لشرحه أو معرفتها، وألا يُنتظر تأويل أدبي أو يُحصر العمل فيه. فالعمل، وإن تضمّن، على سبيل المثال، قصة، فإنه لن يقتصر عليها، ولن تكون جوهر العمل. 

يكمن جوهر قراءة العمل الفني البصري في الإلمام بمفرداته (بـ”لغته” الأصلية أو باللغة البصرية)، وكلما راكم المتلقّي مفردات بصرية بحساسيات متنوعة وتجارب عدة، كلما تمكن من استقبال العمل الفني وتوليد شعور نحوه… أو لا شعور حتى. الإرباك أيضاً هو إحدى طرق استقبال العمل. 

قد يكون مكمن اللغط بالتحديد في محاولة “فهم” العمل الفني. علينا قبول أن نتوقف عن “الفهم” والسماح لأنفسنا بالاكتفاء إلى حد كبير بالشعور – مهما كان نوع الشعور – تجاه العمل الفني، فهذا الشعور هو اللغة الأصلية للعمل، وشرعي جداً أن يصل الشعور ويكون مكتملاً من دون الحاجة إلى شرحه أو ترجمته. إذ كيف تترجم أو تشرح أو تصف مشاعرك تجاه خطّ مرسوم بقلم رصاص مبريّ؟ أو لون أو غيمة؟ أو كلها معاً في تأليف محدّد؟

ربما يكون البيان الفني هو رفض “كتابة” الـ Art Statement.

14.07.2026
زمن القراءة: 4 minutes

يكمن جوهر قراءة العمل الفني البصري في الإلمام بمفرداته (بـ”لغته” الأصلية أو باللغة البصرية)، وكلما راكم المتلقّي مفردات بصرية بحساسيات متنوعة وتجارب عدة، كلما تمكن من استقبال العمل الفني وتوليد شعور نحوه… أو لا شعور حتى. الإرباك أيضاً هو إحدى طرق استقبال العمل.

تقول الأسطورة، إن على الفنان البصري (وغير البصري) أن يكتب “آرت ستايتمنت”، أي “بيان فني” حول أعماله الفنية ليشارك الآخرين رؤيته الفنية ومسارها.

لا أقول “يرسم” بل “يكتب”، أي أن يستخدم لغة الكلام المؤلفة من أحرف وكلمات وجمل ومقاطع وعلامات ترقيم، ليشرح ويعبر عما فعله أو ينوي فعله في لوحته الفنية المؤلفة من مفردات الخط واللون والمساحة والتأليف والمعالجة. أي عليه أن “يترجم” رؤيته ومشروعه الفني ليصبح  “ستايتمنت”. 

ولا تحدث الترجمة مرة واحدة ومن لغة واحدة، بل على مراحل وتبدأ من اللغة الأصلية التي هي الإحساس، الشغف بل وحتى الهوس الذي بالنسبة إلي كفنانة بصرية، جوهر الفن ومحرّكه، وكل ما يولد سيولد بسببه وعنه وفيه وله وتحته وفوقه ومنه وعليه. 

إذاً، بعد الترجمة من اللغة الأصلية (أي المشاعر والهوس أو المحرك الأصلي) إلى لغة العمل الفني البصري (أي ألوان وخطوط وتأليف)، وهي مرحلة نقل العمل من داخل الفنان إلى خارجه، سيكون عليّ أن ألبّي شروط القيمين على العالم الفني وكتابة “بيان فني”، أي إعادة ترجمة العمل الفني إلى لغة الأفكار ومن ثم إلى لغة الكلام مكتوباً، ثم وعلى الغالب ترجمته إلى لغة كلام مكتوبة بغير لغة كلامي، أي إلى الإنكليزية عن العربية.

أي أن العمل الفني بمفردات لغته لا يكفي إذا لم يسبقه أو يصحبه عمل بمفردات لغة المتلقّي: الكلام. وهذا الأمر لا يحصل فقط عندما يُطلب منّا أن نكتب البيان، بل في حالات أخرى، مثلاً عندما نُسأل عن العمل ويُطلب منا شرحه، بل حتى أن يكون الشرح عبارة عن تأويل العمل الفني البصري لتحميله معانيَ ومفردات لغة الكلام على اعتبار أنها الأقرب الى الفهم. يعني مطلوب من اللغة البصرية أن تصبح مفهومة ممن لا يجيدون قراءتها. 

الناقد الذي لا يكون ناقداً فنياً بالضرورة غالباً ما يقرأ العمل الفني البصري انطلاقاً من افتراض أن العمل يحمل تأويلاً أدبياً لا فنياً، فيتعرض العمل لمحاولة ترجمة مفرداته البصرية وإقحام مفردات أدبية عليه لاستنباط معانٍ لا علاقة لها بالمعاني الفنية المقصودة. تُسقَط هذه القراءة على العمل (وعلى كل ما بين سطوره، التي يفترض المُؤوّل في أحيان كثيرة وجودها) ويُطلب من الفنان “الشرح” وفقاً لها بل وانطلاقاً منها.

الحال كأن تتحدث اللغة العربية مع ناطق باللغة اليابانية وتفترض منه أن يجيبك بالعربية كي يوصل لك ما تحاول فهمه! (يبقى هذا المثل أسهل لأن اليابانية والعربية مشتركتان بنوع اللغة: الكلام).

افتراض أن على اللغة اليابانية أن تحمل على عاتقها أن يفهمها مثلاً الناطقون باللغة العربية بحجة توسيع مساحة التواصل كي لا تنحصر بين متحدثي اللغة اليابانية، هو افتراض يعفي المتحدث باللغة العربية من مسؤولية فهم لغة قرر أن يسمعها ويفهمها.

على المتلقّي أن يتعلّم استقبال لغة العمل الفني، وأن يقابل الفنان ويمشي صوبه. الفنان البصري (بالتحديد) قام بشقّ مهمة التواصل بأن أنجر عملاً باللغة التي يعرفها (بعدما “ترجم” ما يدور في حواسه ويعصف بها ويربكها)، والتي اختارها، أي اللغة الفنية البصرية التشكيلية، وحوّلها إلى عمل فني، ثم أخرج العمل من المرسم إلى الغاليري كي يُشاهده الآخرون. ويبقى على المتلقّي المهتمّ بتلقّي العمل فعلاً أن يتعلم ألف باء مفردات هذه اللغة وألا يقاربها انطلاقاً من لغة الكلام التي يفهمها (على الأقل ليس حصراً). ثم السماح لنفسه بأن يشعر به من دون الحاجة إلى تأويله وترجمته لفهمه. 

ما حصل ربما في الموسيقى أنها انصاعت إلى كسل المتلقّي حين صارت تحمل كلمات كي تصبح “مفهومة”، في حين يكفي أصلاً أن تستمع وتوسّع مفرداتك السمعية وتشعر.

طبعاً، المتلقّي حرّ تماماً في أن يستقبل العمل كما يشاء، لأن العمل أصلاً لا “يكتمل” قبل أن يُشاهَد ويُستقبَل. كما أنه لا يكتمل أبداً، لأنه يتغيّر مع كيفية إعادة رؤيته والتفكير به والإحساس به من قِبل كل من تلقّاه. أي أن العمل نفسه يصبح أعمالاً بعدد من تلقّاه، وبعدد مرات إعادة تلقّيه والتفكير به، بل والشعور به. لكن شرط التلقي (بغضّ النظر عن عدد المتلقين وعدد مرات التلقي) ألا يُفترض أن ما وصل هو مقصد الفنان، وألا يُطلب أو يُتوقّع من الفنان استخدام لغة أخرى غير لغة العمل لشرحه أو معرفتها، وألا يُنتظر تأويل أدبي أو يُحصر العمل فيه. فالعمل، وإن تضمّن، على سبيل المثال، قصة، فإنه لن يقتصر عليها، ولن تكون جوهر العمل. 

يكمن جوهر قراءة العمل الفني البصري في الإلمام بمفرداته (بـ”لغته” الأصلية أو باللغة البصرية)، وكلما راكم المتلقّي مفردات بصرية بحساسيات متنوعة وتجارب عدة، كلما تمكن من استقبال العمل الفني وتوليد شعور نحوه… أو لا شعور حتى. الإرباك أيضاً هو إحدى طرق استقبال العمل. 

قد يكون مكمن اللغط بالتحديد في محاولة “فهم” العمل الفني. علينا قبول أن نتوقف عن “الفهم” والسماح لأنفسنا بالاكتفاء إلى حد كبير بالشعور – مهما كان نوع الشعور – تجاه العمل الفني، فهذا الشعور هو اللغة الأصلية للعمل، وشرعي جداً أن يصل الشعور ويكون مكتملاً من دون الحاجة إلى شرحه أو ترجمته. إذ كيف تترجم أو تشرح أو تصف مشاعرك تجاه خطّ مرسوم بقلم رصاص مبريّ؟ أو لون أو غيمة؟ أو كلها معاً في تأليف محدّد؟

ربما يكون البيان الفني هو رفض “كتابة” الـ Art Statement.