رغم إجاباته المقتضبة عن أسئلة موقع “درج”، بدا النائب الفرنسي فرنسوا بيكمال واضحاً في تناوله خطورة التدخّل الإسرائيلي في مسار الانتخابات البلدية التي شهدتها فرنسا في آذار/ مارس الماضي، تدخّل جرى توثيقه على عدّة مستويات.
بيكمال ترأس اللائحة المدعومة من “حركة فرنسا الأبية”، أبرز أحزاب اليسار الفرنسي، في مدينة تولوز، ليجد نفسه ضحيّة “تدخّل رقمي أجنبي”، وعلى وجه الدقّة، إسرائيلي المصدر.
الحملة الرقمية استهدفته إلى جانب اثنين من زملائه، هما: النائب سيباستيان دولوغو الذي ترأس بدوره اللائحة المدعومة من “حركة فرنسا الأبية” في مدينة مارسيليا، والنائب السابق دافيد غيرو الذي خاض الانتخابات البلدية في مدينة روبيه على رأس اللائحة المدعومة من الحركة المذكورة. يضاف إلى ما سبق، حملة رقمية استهدفت “حركة فرنسا الأبية” بصورة عامّة.
والحال أن فرنسا ما تزال تعيش ارتدادات هذا التدخّل الرقمي الإسرائيلي، نظراً للخشية من تكراره على مقربة من موعد الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها منتصف العام المقبل.
معالم التدخل الاسرائيلي
الإشارة الأولى للتدخّل الرقمي الإسرائيلي في الانتخابات البلدية الفرنسية صدرت عن “شبكة التنسيق وحماية الانتخابات” (RCPE)، وهو جهاز رسمي تأسّس في 7 كانون الثاني/ يناير 2026، بغرض التصدّي للتدخّلات الرقمية الأجنبية التي تضاعفت وتيرتها خلال السنوات الماضية. والشبكة عبارة عن إطار تنسيقي يجمع مختلف المؤسّسات الفرنسية المعنيّة بالعمليّات الانتخابية كوزارة الداخلية، هيئة تنظيم الاتّصالات السمعية والبصرية والرقمية (ARCOM)، جهاز المراقبة والحماية من التدخّلات الرقمية الأجنبية (VIGINUM)…
في بيانها الصادر بتاريخ 10 آذار/ مارس 2026، أشارت الشبكة إلى رصد VIGINUM مجموعة من المواقع الإلكترونية والحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، ووصفت المواقع والحسابات بـ”غير الأصلية” لنشرها محتويات مولّدة جميعها بالذكاء الصناعي (إلى جانب دلائل تقنية أخرى)، واتّهمت جهات أجنبية بالوقوف خلفها.
البيان أضاف أن المواقع والحسابات المذكورة “استهدفت حزباً فرنسياً محدّداً ومرشّحيه في مدينتي مرسيليا وتولوز”، وتابع “رغم انتشارها المحدود، كان الغرض من هذه الحملة الخبيثة هو التشويه المتعمّد للمعلومات في سياق الاستحقاق البلدي … بما يُلحق ضرراً بالمصالح الأساسية للأمّة”.
الشبكة أصدرت بياناً آخر في 19 آذار/ مارس 2026، تطرّق إلى منظومة أجنبية تُدير شبكة من المواقع الإلكترونية والحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي “استهدفت هذه المرّة مرشّحاً لرئاسة بلدية مدينة روبيه… من خلال محتويات صناعية مضلّلة وغير صحيحة”.
بيان الشبكة أعاد وصفها بـ”الحملة الخبيثة التي تُلحق ضرراً بالمصالح الأساسية للأمّة عبر التشويه المتعمّد للمعلومات التي تصل إلى المواطنين”.
صحيح أن الشبكة لم تسمِّ الأمور بأسمائها، لكنّ التحقيقات الاستقصائية وفّرت معطيات تفصيلية.
صحيفة Le Monde أشارت بتاريخ 9 آذار/ مارس، إلى حسابات على موقعي فايسبوك وإكس بالإضافة إلى مدوّنة باسم Sophie ، تتّهم جميعها سيباستيان دولوغو بالاغتصاب والعنف، كما جرى الترويج للمدوّنة عبر ملصقات في شوارع مرسيليا ومن خلال الاتّصال المباشر بصحافيين، بحسب Le Monde.
الصحيفة لاحظت كذلك أن التفاعل مع هذه الحسابات (الإعجاب، التعليق، المشاركة) يتمّ من خلال حسابات وهمية مدفوعة الأجر. أمّا المنشورات فأُنشئت جميعها بواسطة الذكاء الصناعي، لا سيّما الروزنامات المتضمّنة صوراً إباحية لدولوغو، مع إيهام المتصفّحين أن المرشّح اليساري يعرضها للبيع “دعماً لسكّان غزّة”.
بحسب الصحيفة، لم تثمر الجهود المبذولة عن انتشار ملموس للمدوّنة أو للحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، كما تبيّن للصحيفة الفرنسية أن الشبكة التي أدارت الحسابات والمواقع المسيئة لدولوغو، تقف بدورها خلف حساب على موقع فايسبوك وجّه تهماً لبيكمال بـ”البيدوفيليا”.
الصحيفة توقّفت أيضاً عند الموقع الإلكتروني L’Alternative 2026 (البديل 2026) الذي روّج لمرشّحي “حركة فرنسا الأبية” للانتخابات البلدية، مدّعياً زوراً أنهم سيسمحون ببناء المساجد وتطبيق الشريعة من أجل “فرنسا أكثر إسلامية”.
Le Monde وجّهت أصابع الاتّهام إلى جهة إسرائيلية خاصّة، وأن تلك الحسابات الوهمية استُخدمت في وقت سابق للترويج لمجموعة الضغط Elnet الفاعلة في مجال العلاقات الإسرائيلية – الأوروبية، التي تخوض مواجهة مفتوحة مع “حركة فرنسا الأبية”، على حدّ تعبير الصحيفة الفرنسية.
في حينها لم تكن Le Monde جازمة في اتّهامها لإسرائيل، لكنّ وكالة “رويترز” وصحيفة Libération (بالتعاون مع صحيفة هآرتس الإسرائيلية) نشرتا بعد أيّام معلومات، تفيد أن الجهة التي تقف خلف تلك العمليّات هي شركةBlackcore الإسرائيلية المتخصّصة في “حرب المعلومات العصرية”.
جهاز VIGINUMعاد ونشر تقريراً تفصيلياً في 11 حزيران/ يونيو 2026 أكّد فيه تعرّض كل من فرنسوا بيكمال وسيباستيان دولوغو ودافيد غيرو، بالإضافة إلى “حركة فرنسا الأبية”، لحملة رقمية بغرض تشويه السمعة، أُطلِق عليها اسم Rokh Solis وأدارتها شركة Blackcore، معلومات توصّل إليها الجهاز الفرنسي اعتماداً على مجموعة من المعطيات والأدلّة التقنية.
تجدر الإشارة إلى أن Blackcore امتنعت عن الردّ على أسئلة وكالة “رويترز”.
فلسطين والانتخابات الفرنسية
بيكمال ودولوغو خسرا الانتخابات في مدينتيهما، فيما فاز غيرو برئاسة بلدية روبيه. بانتظار نتائج التحقيقات الرسمية لمعرفة مدى تأثير هذه الحملة على نتائج الاستحقاق البلدي في تولوز، يؤكّد بيكمال أن مواقفه الداعمة لحقوق الفلسطينيين دفعت إلى شنّ الحملة المذكورة عليه، وفقاً لحديثه إلى موقع “درج”: “أشدّد دائماً على احترام القانون الدولي وحقّ الفلسطينيين في تقرير مصيرهم إلى جانب مشاركتي في أسطول الصمود”.
بدوره سجّل دولوغو مواقف في السياق ذاته، كان أبرزها رفعه العلم الفلسطيني داخل الجمعيّة الوطنية. والأمر نفسه ينطبق على غيرو الذي عُرف باشتباكه الدائم مع جهات وشخصيّات فرنسية مؤيّدة للموقف الإسرائيلي، أبرزها ملاسنته مع مائير حبيب (الذي يوصف برجل إسرائيل في فرنسا) عند محاولة الأخير مقاطعة حديث أدلى به غيرو لوسائل الإعلام عقب رفع دولوغو العلم الفلسطيني.
الصحف الفرنسية المذكورة أعلاه ربطت بدورها بين الحملة الإسرائيلية الممنهجة وموقف “حركة فرنسا الأبية” من الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، وهو ما أكّده مجمّع التفكير “مونتين” في مذكّرته المعنونة “الانتخابات البلدية تواجه خطر عمليّات زعزعة الاستقرار”، وورد فيها: “الصراع السياسي في فرنسا، خاصّة في ما يتعلّق بقضايا الشرق الأوسط، قد يوسّع نطاق حملات التأثير الآتية من إسرائيل أو دول الخليج”.
بيكمال أعاد التذكير بما صدر عن السفير الإسرائيلي في فرنسا جوشورا زاركا خلال مقابلة بثّتها محطّة France 2 في 4 حزيران/ يونيو 2026. المحطّة الفرنسية استضافت السفير الإسرائيلي للتعليق على وثائقي حمل عنوان “الشرق الأدنى، حرب ضدّ المعلومة” وتناول استهداف الصحافيين في غزّة ولبنان من قِبل الجيش الإسرائيلي.
خلال حديثه، علّق زاركا على الاستحقاق الرئاسي الفرنسي المنتظر، بالقول: “أُفضِّل أياً كان، إلا جان لوك ميلانشون”. “حركة فرنسا الأبية” استنكرت في بيان ما صدر عن السفير الإسرائيلي بحقّ مؤسّسها ومرشّحها للانتخابات الرئاسية، معتبرة أن امتناع رئيس الحكومة ووزير الخارجية عن اتّخاذ التدابير المناسبة “يدفع إلى الشكّ في استعداد الحكومة للتصدّي للتدخّلات الخارجية التي تستهدف خصومها”، خاصّة بعد انتشار معلومات عن سعي أطراف داخل “شبكة التنسيق وحماية الانتخابات” إلى تعديل مضمون تقرير يتناول التدخّل الرقمي الإسرائيلي.
ما قصده البيان هو تقرير VIGINUM، الذي عاد ونُشر في اليوم الذي صدر فيه بيان الحركة، وقد أثار بيكمال هذه المسألة خلال مؤتمر صحافي عقده مع محاميه في 20 أيّار/ مايو 2026، معتبرين أن الخشية من ازدياد شعبية “حركة فرنسا الأبية” تدفع (في حينها) إلى محاولة طمس التقرير. بيكمال كرّر مطالبته خلال حديثه مع موقع “درج” استدعاء السفير الإسرائيلي من قِبل الخارجية الفرنسية، وقال: “غياب المحاسبة يمنح شعوراً بالحصانة”.
صحيح أن الحركة لم تربط، بصورة مباشرة، بين استهداف مرشّحيها الثلاثة وما صدر عن السفير الإسرائيلي، لكنّ التطرّق إلى هذين الملفّين في البيان ذاته، يشير إلى أنها تضع تصريح السفير الإسرائيلي في القالب ذاته مع الحملة الرقمية.
الخوف على نزاهة الانتخابات الرئاسية
وعليه، إذا كانت الانتخابات المحلّية عرضة للتدخّل الرقمي الإسرائيلي، فكيف سيكون الحال العام المقبل الذي سيشهد انتخاب خلف لإيمانويل ماكرون؟ ليس خافياً على أحد الصلاحيات الواسعة الممنوحة لرئيس الجمهورية الفرنسية وعلى وجه التحديد في مجالي الدفاع والسياسة الخارجية، لذلك لا يستبعد فرنسوا بيكمال التعرّض لسيناريو مشابه خلال الانتخابات الرئاسية.
يوضح بيكمال أن “حركة فرنسا الأبية” تأخذ ما يلزم من الاحتياطات: “لكنّ إمكاناتنا تبقى محدودة مقارنة بما تمتلكه الدول. السلطات الرسمية هي المعنيّة بتوفير الحماية الرقمية”.
موقف ترجمته الحركة في بيانها المذكور، من خلال التقدّم بثمانية توصيات “لحماية المعركة الانتخابية للعام 2027… بما يحفظ المصالح الحيوية للأمّة”. التوصيات تضمّنت توسيع نطاق تطبيق العقوبات، منح الأجهزة القضائية والرقابية صلاحيات إنشاء هيئة مراقبة تضمّ ممثّلين عن المرشّحين…
رغم ضبابية المشهد الانتخابي الفرنسي، فإن استطلاعات الرأي لا تستبعد تأهّل جان لوك ميلانشون إلى الدور الثاني، فيما يرى كوادر “فرنسا الأبية” أن مرشّحهم يملك فرصة حقيقية للفوز، وبغضّ النظر عن إمكانية تحقّق هذا السيناريو، الثابت حتى اللحظة هو الزخم الذي تحظى به حملة ميلانشون، ما يفسّر الموقف الإسرائيلي الذي عبّر عنه جوشورا زاركا.
بالنظر إلى مواقف “حركة فرنسا الأبية” من الحكومة الإسرائيلية وسياساتها، ومطالبتها بممارسة كل الضغوط الممكنة عليها لدفعها إلى وقف حروبها في غزّة ولبنان، يمكن وضع ما سبق ذكره في خانة الخشية المبرّرة.
لكن، إذا كانت المصلحة الإسرائيلية جليّة في عرقلة انتخاب جان لوك ميلانشون عبر تدخّل رقمي محتمل شبيه بما شهدته الانتخابات البلدية، يبقى أن إطلاق هذا النوع من العمليّات لا يقف عند حدود الإساءة لمرشّحين و/أو أحزاب، ولا حتى تطويع الخطاب السياسي والانتخابي.
الإقدام على هذه الخطوة في سياق الاستحقاق الانتخابي الفرنسي الأبرز، قد يؤدّي بصورة تلقائية إلى عرقلة حُسن سيره وهو ليس توقيتاً بريئاً وفقاً لـ”شبكة التنسيق وحماية الانتخابات”، التي اعتبرت في بيانها الصادر في 6 شباط/ فبراير 2026 أن “التشكيك في الانتخابات ونتائجها” كما “إثارة مناخ من انعدام الثقة بالإعلام الفرنسي”، يعدّ ضمن أهداف أيّ عمليّة تدخّل رقمي خلال المواسم الانتخابية.
الاعتراف بالدولة الفلسطينية: خيار سياسي دون أثر على الواقع؟
علاوة على ذلك، يجدر التوقّف عند منشورات موقع L’Alternative 2026، التي يشير مضمونها إلى نيّة واضحة بصبّ الزيت على نار الملفّات الخلافية الفرنسية، التي دائماً ما يجري تسييسها مصحوبة بخطابات ديماغوجية ومناخ من الاستقطاب الحادّ. هذا المثال يثير تساؤلات ما إذا كان من بين أهداف التدخّلات الرقمية الموثّقة والمحتملة، هو التعرّض للنسيج الاجتماعي الفرنسي.
صحيح أن الموقف الرسمي الفرنسي يوازن بين أمن إسرائيل وحقوق الفلسطينيين، لكنّ العديد من المحطّات دلّت على انحياز باريس للموقف الإسرائيلي، حتى حين اتّخذت فرنسا قرارات تصبّ نظرياً في صالح الفلسطينيين (الاعتراف بالدولة الفلسطينية…)، لم تظهر بعد أيّة مفاعيل لهذه القرارات على أرض الواقع بما يوحي بعجز باريس عن التأثير في السياسة الإسرائيلية.
بالمقابل، لا تستسيغ تل أبيب تلك الوسطية الفرنسية حتى وإن كانت شكلية، لتبادر إلى معاقبة فرنسا، عبر استبعادها من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية، أو التوقّف عن استيراد معدّات عسكرية فرنسية.
إذاً، لم يعد الجانب الإسرائيلي يرضى حتى بالتشويش والإزعاج، ما يعني أن التدخّل الرقمي الإسرائيلي قد يحمل في طيّاته محاولة لتحجيم الدور الدبلوماسي الفرنسي من خلال تأجيج الشقاق والأزمات الداخلية، كما لا يمكن فصل المخاطر المتربّصة بحُسن سير الاستحقاقات الانتخابية الفرنسية، بالمبادرات المناهضة لإسرائيل على المستوى الأوروبي، كالمطالبة بتعليق اتّفاقية الشراكة الأوروبية – الإسرائيلية.
وفي حال نجاح الجانب الإسرائيلي في تحجيم الدبلوماسية الفرنسية، سيؤدّي ذلك إلى إضعاف أبرز مراكز الثقل والتأثير السياسيين داخل الاتّحاد الأوروبي، بما ينعكس سلباً على الحيوية الدبلوماسية الأوروبية، بغضّ النظر عن فعّاليتها.
إقرأوا أيضاً:









