ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

خصومة لا شرف فيها

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يبدو أنّها بلاد محكومة بالفقر واللجوء والدكتاتوريات، محكومة بالخراب والدمار والحروب، محكومة بانتهازيين وسارقين، محكومة بتاريخ حقير مبنيّ على أمجاد زائفة صنعها قتلة نقول عنهم أبطالاً، محكومة بآلهة مصطنعة. 

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

بدعة الذلّ حين لا يذكر/ الإنسان في الشام أنّه إنسان

بدعة الذلّ أن يُصاغ من/ الفرد إله مهيمن ديّان

أيّها الحاكمون ما ضاعت الحجّة/ منكم ولا انطوى البرهان

حقّ هذي النفوس أن ترفع/ الأصنام فيها وتُعبد الأوثان

من قصيدة “بدعة الذل” للشاعر “بدوي الجبل”

كتبت مرّة ما يلي: “أتذكّر قول الكاتب اللبناني الكبير إلياس خوري على لسان أحد أبطال إحدى رواياته “إنّ الحرب اللبنانية (بهدلت) الحروب”، بمعنى أن الحرب اللبنانية كانت مبتذلة وحقيرة لدرجة أنّها شوّهت سمعة الحروب. ماذا يمكن أن تقول تلك الشخصيّة عمّا يجري في سوريا؟ هل “بهدلنا” مفهوم الثورة والوطن والحرب؟”. 

أعود إلى قول إلياس خوري مرّة جديدة وأنا أهمّ بالكتابة عن سوريا اليوم، أو بالأحرى عن الخصومة والعداء بين السوريين والسوريات، ونحن نرى القتل الطائفي والقومي منتشراً على امتداد الجغرافيا السورية.

شاهدتُ مؤخراً مقطع فيديو تناقله الناس عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لمجموعة مسلّحة قتلت رجلاً في إحدى قرى اللاذقية لأنّه يصنع مشروب العَرَق. ليس واضحاً تاريخ الفيديو لكن من تداولوه قالوا انه حصل خلال مجازر الساحل الأخيرة. 

في الفيديو هجم المسلحون على الرجل فقتلوه وداسوا رأسه وأفرغوا الشراب فوق جسده وفوق الأرض، وصوّروا أنفسهم. يقول أحدهم في الفيديو مخاطباً الرجل المقتول: “يلي ما بتخاف الله”. أفكّر في غباء هذا الشخص، من هو الذي لا يخاف الله: مع يصنع العرق ويشربه، أم من يقتل ويدوس على جثث الآخرين؟ ما هذه السفالة؟ ما هذا الانحطاط؟ 

هكذا هي سوريا منذ العام ٢٠١١ على الأقلّ، كلّ يوم تطالعنا وسائل التواصل الاجتماعي – وأحياناً المنصّات الإعلامية – بمقاطع فيديو وصور و”تريندات” من هذا الشكل: شبّيح يهين مدنياً ويذلّه، “جيش الإسلام” يعرض رهائن علويين في قفص في العراء، “داعش” تقطع رأس شخص ما أو تجلده في ساحة عامّة، عنصر أمن يضرب معتقلاً، أمن عامّ وفلول، فصائل مسلّحة ومدنيون، اثنان اختلفا على منشور ما على “فيسبوك” فصارت أعضاء الأمّهات التناسلية مسرحاً لخلافهما، “مين ربّك ولا؟”، “هي الحرّية اللي بدكن ياها”، “عوّي ولاك”… إلخ.

سمّوها ما أردتم، خصومة، عداء، خلاف، حرب… أيّ شي، لكن في كلّ مرّة هناك طرفان يختلفان، فلا يجدان للحوار مكاناً فيذلّ أحدهما (الأقوى) الآخر (الأضعف) في دائرة لا تنتهي من الإذلال والقهر. 

لا أساوي بين هذه الأفعال ولا أقارن بينها، ولا أقول أيّهما صحيح وأيهما خاطئ. لستُ في وارد التقييم، لكن ما أحاول التركيز عليه، هي جزئية واحدة: قلّة الشرف وقلّة الأخلاق وقلّة التربية، مع معرفتي أنّ الأخلاق والتربية والشرف هي أمور ومفاهيم نسبية تختلف من شخص إلى آخر.

“هكذا تهذي أيها الرجل الصغير. ومن هذيانك هذا تكوّنت جماعات مسلّحة، وهذه الجماعات المسلّحة قتلت عشرة ملايين من البشر لأنّهم يهود، في الوقت الذي لا تستطيع فيه أن تُجيب عن السؤال: ماذا تعني كلمة يهودي؟ لهذا السبب يضحك المرء عليك، ويتجنّبك المرء إذا ما كانت له أشياء جدّية يقوم بها، ولهذا السبب يتعفّر وجهك بالتراب. حين تنطق كلمة يهودي تشعر بالفخار، لأنّك في العمق تشعر بنفسك بائساً. تشعر بذلك لأنّك تقتل نفسك في اليهودي. إنّ هذه قطعة صغيرة من الحقيقة حولك، أيها الرجل الصغير”.

من كتاب “خطاب إلى الرجل الصغير” للمفكّر “فيلهلم رايش”. 

استبدل النازيّ بأي قاتل سوري، ضع مكان اليهودي أي فئة سورية أخرى: العلوي أو الكردي أو الدرزي أو السني، وسترى في الجانب الآخر قاتلاً أحمق يشبه القاتل النازيّ الأحمق. 

ما المعنى في أن “ينتف” شبّيح أسديّ لحية رجل دين عند اعتقاله؟ وبالمقابل: ما معنى أن يقصّ مسلّح سنيّ شاربي رجل درزي أثناء أحداث أشرفية صحنايا؟ ما معنى أن ينشر رجل ما صورة امرأة ما عارية، في صورة رُكّبت عن طريق إحدى أدوات الذكاء الصناعي، فقط لأنّها تُعارض الحكومة الانتقالية؟ ما كلّ هذا الفُحش؟ من أين جاء كلّ هذا؟ 

عدد لا نهائي من مشاهد إذلال تدور في رأسي الآن؛ مشاهد رأيتها خلال العقود الماضية، مشاهد يصعب حتى تذكّرها، فما بالكم بكتابتها: مشاهد ضرب وإهانة معتقلين، مشاهد إذلال لاجئين، مشاهد قتل أطفال أمام أهلهم… مشاهد لا نهائية من القهر. 

ما هي هذه البلاد؟ ما هي هذه “الدولة المتوحّشة”؟ ما هو هذا العالم؟ كيف يفرح بعض من شعب بقتل وإذلال بعض آخر منه؟ 

يبدو أنّها بلاد محكومة بالفقر واللجوء والدكتاتوريات، محكومة بالخراب والدمار والحروب، محكومة بانتهازيين وسارقين، محكومة بتاريخ حقير مبنيّ على أمجاد زائفة صنعها قتلة نقول عنهم أبطالاً، محكومة بآلهة مصطنعة. 

 يقول الكاتب ممدوح عدوان في كتابه “حيونة الإنسان” إنّه”لا يمكن للقمع أو الإرهاب المدني المنفلت أن يظلّ سائداً إلا إذا ساندته سلطة ما، سلطة تهيمن على المجتمع (أو الجماعة) كلّه، لكي تحمي الجلّادين الذين يعملون لما تراه مصلحتها، ولكي تُسكت أصوات الاحتجاج على القمع، ثمّ تزيّنه بأنّه من الضرورات ومما لا بدّ منه، ومن هذه السلطات سلطة السلاح أو العصابة أو العشيرة أو الطائفة أو الدين أو الدولة”. 

لا أفهم الفوقيّة والرغبة في التحكّم في حياة الآخرين والشعور بالفخر، بمجرّد أن ينتمي المرء إلى طائفة أو دين أو قومية ما. هذا ديدن المؤمنين، سواء كانوا مؤمنين بإله أو بقومية أو ببطل مخلص أو بباتمان. 

لديهم قدرة هائلة على الاستخفاف بمشاعر الآخرين وآلامهم، وافتراض أنّ الحقيقة الوحيدة هي ما يملكون. وحدهم من يملكون اليقين الوحيد في العالم، إلههم أو كتابهم السماوي أو نبيّهم أو مخلّصهم أو محرّرهم أو أي شيء يؤمنون به يملك الحقيقة الواحدة، وكلّ ما عدا ذلك كذب وغير حقيقي ويستحقّ العذاب والإذلال والقهر، ما يقولونه ويؤمنون به شيء غير قابل للنقاش فهو حقيقة مطلقة. 

أكاد أقول إنّ أصل العنف هو الإيمان. 

يتعامل المؤمنون مع المختلفين معهم، أو مع المؤمنين بالحرّيات الفردية والجماعية، أحياناً بفوقيّة، وأحياناً بأبويّة، وأحياناً باستخفاف واحتقار، وأحياناً بنبذ وطرد من المجتمع، وأحياناً بقتل وسلب كرامة وإذلال، وأحياناً بتشهير وتشويه سمعة وافتراء.

هناك شيء عند “أمّة” المؤمنين هذه غير قابلة للشرح، يتبعون من دون تفكير ما يقول مشايخهم وقادتهم، الذين عادة ما يكونون متطرّفين وجهلة وكذبة. 

في نصّ سابق قلت إنّ قوميتي لا تعنيني، والآن أقول إنّ الإيمان بالله والأديان لا يعنيني، إذ يبدو أن ممثّلي الإله على الأرض يعارضون الحرّية والكرامة الإنسانية منذ الأزل وحتى الأبد.

“بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب 

لا مالي ولا ولادي على حُبِّك ما في حبيب”

هذا هراء، هراء في هراء. اسم بلادي مكتوب فوق جبين المظلومين، وبئس المظلوم حين يتحوّل إلى ظالم. لا يصبح الإنسان حرّاً فجأة لأيّ سبب كان. طالبُ الحرّية هو إنسان حرّ منذ البدء، فالحرّية ممارسة يوميّة، وليست حدثاً طارئاً يأتي حين تتغيّر الظروف، ويرحل حين تتغيّر الظروف. 

اسم بلادي مكتوب على تراب المقابر الجماعية، وعلى أبواب المخيّمات. اسم بلادي مكتوب على صفحات جرائم قتل النساء. اسم بلادي منقوش بحروف من عذاب ونار.

وهل كلّ بلادي كذلك؟ هل أتجنّى على السوريين والسوريات؟ 

أولاً، أريد أن أقول شيئاً قلته منذ سنوات طويلة وأراه ما يزال صالحاً اليوم: “لا أنتمي إلى هذا الوطن. لا أنتمي إلى أرض نبذتني، ولا أنتمي إلى شعب يفرح لموت بعض منه، ويفرح البعض الآخر حين يموت البعض الأول. أنتمي إلى بعض آمن بالحرّية فمات من أجلها، أو بقي يعمل لها. أنتمي إلى بعض تشرّد في أصقاع الأرض من دون أن يُحني رأسه لأحد. أنتمي لبعض، ولا أصدّق كذبة الشعب العظيم”.

لكن نحن كسوريين/ات، كجماعة بشرية جانب من هوّيتها متمثّل في سوريا كوطن، علينا أن نشعر بعار يكلّلنا طوال حياتنا. عار ناتج عن سنوات طويلة من الإذلال الذي مارسه بعضنا بحق أكثرنا. شيء يشبه ما شعر به الألمان بعد هزيمة النازيين في الحرب العالمية الثانية، لكن مع مراجعة تاريخيّة أفضل مما فعلت ألمانيا. علينا أن نشعر بعار الأسدية وعار الشبّيحة وعار الفصائل المسلّحة وعار المتطرّفين إلى أبد الآبدين.

علينا، على هذه البقعة من الأرض أن نتوقّف عن إنتاج العنف. علينا أن نتعلّم الكلام وأن ننبذ العنف إلى الأبد.

هل أتجنّى على كثير من السوريين؟ 

صحيح أن كثيراً من الدول متدخّلة في سوريا وصراعها ومستقبلها وميليشياتها، لكن هذا لا ينفي أنّ معظم الفاعلين المباشرين والقاتلين والمعفّشين والشبّيحة والأنذال هم سوريون: المسؤولون عن قتل اللبنانيين واحتلال بلادهم، والمسؤولون عن قتل الفلسطينيين وحصارهم، والمسؤولون عن إرسال إرهابيين إلى العراق، والمسؤولون عن قمع تظاهرات الحرّية وارتكاب مئات المجازر، والمسؤولون عن المعتقلات الأسدية، والمسؤولون عن مجازر الساحل… إلخ، كلّهم سوريون، والمهلّلون لهم أيضاً سوريون.

هذا يعني مئات الآلاف أو ملايين البشر في دولة تعداد سكانها لا يتجاوز ثلاثين مليوناً في أكثر الإحصائيات مبالغة. أي أنّ نسبة هائلة من السوريين مشاركين في إنتاج الذل. من أجل ذلك يجب أن يكون هذا العار جماعي. يجب أن نفكّر في أنظمة التعليم، وفي وسائل التربية، وفي القيم التي نزرعها في أطفالنا، يجب أن نُعيد فهم الحياة.

كيف لا تتوقّف الأرض عن الدوران حين يُذلّ شخص ما؟

“قال إنّه عاد لأنّه لم يعد يعرف ماذا عليه أن يفعل بحياته، وإنّ الأشياء بدت من هناك وكأنّها قد فقدت كلّ طعم، وكلّ معنى”.

“يعني جايي تفتّش على المعنى بمدينة كلّ شي فيها صار بلا معنى!”

قالت له إنّ معنى الأشياء هو في داخلنا، وإنّها تشعر أنّ داخلها يتفكّك، “ما كان لازم تجي، شو بدّك فينا وبقصصنا المشربكة؟ ارجع على بيتك وعند مرتك وبناتك، هون ما في شي، حتى الذكريات ما عادت موجودة، الناس عم بتدعوس على ذكرياتها”.

من رواية “سينالكول” للروائي اللبناني إلياس خوري.

29.05.2025
زمن القراءة: 7 minutes

يبدو أنّها بلاد محكومة بالفقر واللجوء والدكتاتوريات، محكومة بالخراب والدمار والحروب، محكومة بانتهازيين وسارقين، محكومة بتاريخ حقير مبنيّ على أمجاد زائفة صنعها قتلة نقول عنهم أبطالاً، محكومة بآلهة مصطنعة. 

بدعة الذلّ حين لا يذكر/ الإنسان في الشام أنّه إنسان

بدعة الذلّ أن يُصاغ من/ الفرد إله مهيمن ديّان

أيّها الحاكمون ما ضاعت الحجّة/ منكم ولا انطوى البرهان

حقّ هذي النفوس أن ترفع/ الأصنام فيها وتُعبد الأوثان

من قصيدة “بدعة الذل” للشاعر “بدوي الجبل”

كتبت مرّة ما يلي: “أتذكّر قول الكاتب اللبناني الكبير إلياس خوري على لسان أحد أبطال إحدى رواياته “إنّ الحرب اللبنانية (بهدلت) الحروب”، بمعنى أن الحرب اللبنانية كانت مبتذلة وحقيرة لدرجة أنّها شوّهت سمعة الحروب. ماذا يمكن أن تقول تلك الشخصيّة عمّا يجري في سوريا؟ هل “بهدلنا” مفهوم الثورة والوطن والحرب؟”. 

أعود إلى قول إلياس خوري مرّة جديدة وأنا أهمّ بالكتابة عن سوريا اليوم، أو بالأحرى عن الخصومة والعداء بين السوريين والسوريات، ونحن نرى القتل الطائفي والقومي منتشراً على امتداد الجغرافيا السورية.

شاهدتُ مؤخراً مقطع فيديو تناقله الناس عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لمجموعة مسلّحة قتلت رجلاً في إحدى قرى اللاذقية لأنّه يصنع مشروب العَرَق. ليس واضحاً تاريخ الفيديو لكن من تداولوه قالوا انه حصل خلال مجازر الساحل الأخيرة. 

في الفيديو هجم المسلحون على الرجل فقتلوه وداسوا رأسه وأفرغوا الشراب فوق جسده وفوق الأرض، وصوّروا أنفسهم. يقول أحدهم في الفيديو مخاطباً الرجل المقتول: “يلي ما بتخاف الله”. أفكّر في غباء هذا الشخص، من هو الذي لا يخاف الله: مع يصنع العرق ويشربه، أم من يقتل ويدوس على جثث الآخرين؟ ما هذه السفالة؟ ما هذا الانحطاط؟ 

هكذا هي سوريا منذ العام ٢٠١١ على الأقلّ، كلّ يوم تطالعنا وسائل التواصل الاجتماعي – وأحياناً المنصّات الإعلامية – بمقاطع فيديو وصور و”تريندات” من هذا الشكل: شبّيح يهين مدنياً ويذلّه، “جيش الإسلام” يعرض رهائن علويين في قفص في العراء، “داعش” تقطع رأس شخص ما أو تجلده في ساحة عامّة، عنصر أمن يضرب معتقلاً، أمن عامّ وفلول، فصائل مسلّحة ومدنيون، اثنان اختلفا على منشور ما على “فيسبوك” فصارت أعضاء الأمّهات التناسلية مسرحاً لخلافهما، “مين ربّك ولا؟”، “هي الحرّية اللي بدكن ياها”، “عوّي ولاك”… إلخ.

سمّوها ما أردتم، خصومة، عداء، خلاف، حرب… أيّ شي، لكن في كلّ مرّة هناك طرفان يختلفان، فلا يجدان للحوار مكاناً فيذلّ أحدهما (الأقوى) الآخر (الأضعف) في دائرة لا تنتهي من الإذلال والقهر. 

لا أساوي بين هذه الأفعال ولا أقارن بينها، ولا أقول أيّهما صحيح وأيهما خاطئ. لستُ في وارد التقييم، لكن ما أحاول التركيز عليه، هي جزئية واحدة: قلّة الشرف وقلّة الأخلاق وقلّة التربية، مع معرفتي أنّ الأخلاق والتربية والشرف هي أمور ومفاهيم نسبية تختلف من شخص إلى آخر.

“هكذا تهذي أيها الرجل الصغير. ومن هذيانك هذا تكوّنت جماعات مسلّحة، وهذه الجماعات المسلّحة قتلت عشرة ملايين من البشر لأنّهم يهود، في الوقت الذي لا تستطيع فيه أن تُجيب عن السؤال: ماذا تعني كلمة يهودي؟ لهذا السبب يضحك المرء عليك، ويتجنّبك المرء إذا ما كانت له أشياء جدّية يقوم بها، ولهذا السبب يتعفّر وجهك بالتراب. حين تنطق كلمة يهودي تشعر بالفخار، لأنّك في العمق تشعر بنفسك بائساً. تشعر بذلك لأنّك تقتل نفسك في اليهودي. إنّ هذه قطعة صغيرة من الحقيقة حولك، أيها الرجل الصغير”.

من كتاب “خطاب إلى الرجل الصغير” للمفكّر “فيلهلم رايش”. 

استبدل النازيّ بأي قاتل سوري، ضع مكان اليهودي أي فئة سورية أخرى: العلوي أو الكردي أو الدرزي أو السني، وسترى في الجانب الآخر قاتلاً أحمق يشبه القاتل النازيّ الأحمق. 

ما المعنى في أن “ينتف” شبّيح أسديّ لحية رجل دين عند اعتقاله؟ وبالمقابل: ما معنى أن يقصّ مسلّح سنيّ شاربي رجل درزي أثناء أحداث أشرفية صحنايا؟ ما معنى أن ينشر رجل ما صورة امرأة ما عارية، في صورة رُكّبت عن طريق إحدى أدوات الذكاء الصناعي، فقط لأنّها تُعارض الحكومة الانتقالية؟ ما كلّ هذا الفُحش؟ من أين جاء كلّ هذا؟ 

عدد لا نهائي من مشاهد إذلال تدور في رأسي الآن؛ مشاهد رأيتها خلال العقود الماضية، مشاهد يصعب حتى تذكّرها، فما بالكم بكتابتها: مشاهد ضرب وإهانة معتقلين، مشاهد إذلال لاجئين، مشاهد قتل أطفال أمام أهلهم… مشاهد لا نهائية من القهر. 

ما هي هذه البلاد؟ ما هي هذه “الدولة المتوحّشة”؟ ما هو هذا العالم؟ كيف يفرح بعض من شعب بقتل وإذلال بعض آخر منه؟ 

يبدو أنّها بلاد محكومة بالفقر واللجوء والدكتاتوريات، محكومة بالخراب والدمار والحروب، محكومة بانتهازيين وسارقين، محكومة بتاريخ حقير مبنيّ على أمجاد زائفة صنعها قتلة نقول عنهم أبطالاً، محكومة بآلهة مصطنعة. 

 يقول الكاتب ممدوح عدوان في كتابه “حيونة الإنسان” إنّه”لا يمكن للقمع أو الإرهاب المدني المنفلت أن يظلّ سائداً إلا إذا ساندته سلطة ما، سلطة تهيمن على المجتمع (أو الجماعة) كلّه، لكي تحمي الجلّادين الذين يعملون لما تراه مصلحتها، ولكي تُسكت أصوات الاحتجاج على القمع، ثمّ تزيّنه بأنّه من الضرورات ومما لا بدّ منه، ومن هذه السلطات سلطة السلاح أو العصابة أو العشيرة أو الطائفة أو الدين أو الدولة”. 

لا أفهم الفوقيّة والرغبة في التحكّم في حياة الآخرين والشعور بالفخر، بمجرّد أن ينتمي المرء إلى طائفة أو دين أو قومية ما. هذا ديدن المؤمنين، سواء كانوا مؤمنين بإله أو بقومية أو ببطل مخلص أو بباتمان. 

لديهم قدرة هائلة على الاستخفاف بمشاعر الآخرين وآلامهم، وافتراض أنّ الحقيقة الوحيدة هي ما يملكون. وحدهم من يملكون اليقين الوحيد في العالم، إلههم أو كتابهم السماوي أو نبيّهم أو مخلّصهم أو محرّرهم أو أي شيء يؤمنون به يملك الحقيقة الواحدة، وكلّ ما عدا ذلك كذب وغير حقيقي ويستحقّ العذاب والإذلال والقهر، ما يقولونه ويؤمنون به شيء غير قابل للنقاش فهو حقيقة مطلقة. 

أكاد أقول إنّ أصل العنف هو الإيمان. 

يتعامل المؤمنون مع المختلفين معهم، أو مع المؤمنين بالحرّيات الفردية والجماعية، أحياناً بفوقيّة، وأحياناً بأبويّة، وأحياناً باستخفاف واحتقار، وأحياناً بنبذ وطرد من المجتمع، وأحياناً بقتل وسلب كرامة وإذلال، وأحياناً بتشهير وتشويه سمعة وافتراء.

هناك شيء عند “أمّة” المؤمنين هذه غير قابلة للشرح، يتبعون من دون تفكير ما يقول مشايخهم وقادتهم، الذين عادة ما يكونون متطرّفين وجهلة وكذبة. 

في نصّ سابق قلت إنّ قوميتي لا تعنيني، والآن أقول إنّ الإيمان بالله والأديان لا يعنيني، إذ يبدو أن ممثّلي الإله على الأرض يعارضون الحرّية والكرامة الإنسانية منذ الأزل وحتى الأبد.

“بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب 

لا مالي ولا ولادي على حُبِّك ما في حبيب”

هذا هراء، هراء في هراء. اسم بلادي مكتوب فوق جبين المظلومين، وبئس المظلوم حين يتحوّل إلى ظالم. لا يصبح الإنسان حرّاً فجأة لأيّ سبب كان. طالبُ الحرّية هو إنسان حرّ منذ البدء، فالحرّية ممارسة يوميّة، وليست حدثاً طارئاً يأتي حين تتغيّر الظروف، ويرحل حين تتغيّر الظروف. 

اسم بلادي مكتوب على تراب المقابر الجماعية، وعلى أبواب المخيّمات. اسم بلادي مكتوب على صفحات جرائم قتل النساء. اسم بلادي منقوش بحروف من عذاب ونار.

وهل كلّ بلادي كذلك؟ هل أتجنّى على السوريين والسوريات؟ 

أولاً، أريد أن أقول شيئاً قلته منذ سنوات طويلة وأراه ما يزال صالحاً اليوم: “لا أنتمي إلى هذا الوطن. لا أنتمي إلى أرض نبذتني، ولا أنتمي إلى شعب يفرح لموت بعض منه، ويفرح البعض الآخر حين يموت البعض الأول. أنتمي إلى بعض آمن بالحرّية فمات من أجلها، أو بقي يعمل لها. أنتمي إلى بعض تشرّد في أصقاع الأرض من دون أن يُحني رأسه لأحد. أنتمي لبعض، ولا أصدّق كذبة الشعب العظيم”.

لكن نحن كسوريين/ات، كجماعة بشرية جانب من هوّيتها متمثّل في سوريا كوطن، علينا أن نشعر بعار يكلّلنا طوال حياتنا. عار ناتج عن سنوات طويلة من الإذلال الذي مارسه بعضنا بحق أكثرنا. شيء يشبه ما شعر به الألمان بعد هزيمة النازيين في الحرب العالمية الثانية، لكن مع مراجعة تاريخيّة أفضل مما فعلت ألمانيا. علينا أن نشعر بعار الأسدية وعار الشبّيحة وعار الفصائل المسلّحة وعار المتطرّفين إلى أبد الآبدين.

علينا، على هذه البقعة من الأرض أن نتوقّف عن إنتاج العنف. علينا أن نتعلّم الكلام وأن ننبذ العنف إلى الأبد.

هل أتجنّى على كثير من السوريين؟ 

صحيح أن كثيراً من الدول متدخّلة في سوريا وصراعها ومستقبلها وميليشياتها، لكن هذا لا ينفي أنّ معظم الفاعلين المباشرين والقاتلين والمعفّشين والشبّيحة والأنذال هم سوريون: المسؤولون عن قتل اللبنانيين واحتلال بلادهم، والمسؤولون عن قتل الفلسطينيين وحصارهم، والمسؤولون عن إرسال إرهابيين إلى العراق، والمسؤولون عن قمع تظاهرات الحرّية وارتكاب مئات المجازر، والمسؤولون عن المعتقلات الأسدية، والمسؤولون عن مجازر الساحل… إلخ، كلّهم سوريون، والمهلّلون لهم أيضاً سوريون.

هذا يعني مئات الآلاف أو ملايين البشر في دولة تعداد سكانها لا يتجاوز ثلاثين مليوناً في أكثر الإحصائيات مبالغة. أي أنّ نسبة هائلة من السوريين مشاركين في إنتاج الذل. من أجل ذلك يجب أن يكون هذا العار جماعي. يجب أن نفكّر في أنظمة التعليم، وفي وسائل التربية، وفي القيم التي نزرعها في أطفالنا، يجب أن نُعيد فهم الحياة.

كيف لا تتوقّف الأرض عن الدوران حين يُذلّ شخص ما؟

“قال إنّه عاد لأنّه لم يعد يعرف ماذا عليه أن يفعل بحياته، وإنّ الأشياء بدت من هناك وكأنّها قد فقدت كلّ طعم، وكلّ معنى”.

“يعني جايي تفتّش على المعنى بمدينة كلّ شي فيها صار بلا معنى!”

قالت له إنّ معنى الأشياء هو في داخلنا، وإنّها تشعر أنّ داخلها يتفكّك، “ما كان لازم تجي، شو بدّك فينا وبقصصنا المشربكة؟ ارجع على بيتك وعند مرتك وبناتك، هون ما في شي، حتى الذكريات ما عادت موجودة، الناس عم بتدعوس على ذكرياتها”.

من رواية “سينالكول” للروائي اللبناني إلياس خوري.