ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

خطبة الوداع

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

نستجير بالعواطف لنخفّف ثقل هذا الحقد الذي فجّر حياتنا، فنحضن أطفالنا، نتفقد أعينهم وأطرافهم، ونعد لهم طعاماً وحلوى لذيذة، ثم نكمل أيامنا بطعم أشد مرارة، أو نهاتف أحبتنا لنطمئنّ أنهم بخير ونطمئنهم أننا بخير. فأصواتهم على رغم انكسارها تساعدنا على الهروب من احتلال الجثث أعيننا وعقولنا وشاشات تلفزيوناتنا وهواتفنا.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

ما يحدث على هذه الأرض التي تستحق الحياة لا يُنبئ بالخير. لا شيء يوحي بأن أحداً سينجو من المقتلة الممتدة من غزة إلى الضفة الغربية إلى جنوب لبنان والضاحية والبقاع. لقد استهلكنا كل أنواع الصبر والأمل والإنكار والمكابرة، ولم يعد في مقدورنا أن نفعل شيئاً، سوى أن نعترف بالإصابة البالغة بالعجز، أو أن نلوذ بالنواح والتفجع، أو نذرف الدموع بسخاء، حين ننجو من صاروخ ينفجر فوقنا، أو حين يمر أمام أعيننا مشهد دموي.

بتنا في أسفل سلم حسابات الإنسانية، ولم يعد أحد يهتم بوقف هذه الإبادة التي ترتكبها بحقنا مجموعة من الجنود والمجرمين وأصحاب السوابق والمضطربين عصبياً. ألم نرَ العالم الأول يصفّق لقائده وقوفاً، حين ادّعى أنه بقتلنا يحارب البربرية ويدافع عن الحضارة والمدنية؟!

نستجير بالعواطف لنخفّف ثقل هذا الحقد الذي فجّر حياتنا، فنحضن أطفالنا، نتفقد أعينهم وأطرافهم، ونعد لهم طعاماً وحلوى لذيذة، ثم نكمل أيامنا بطعم أشد مرارة، أو نهاتف أحبتنا لنطمئنّ أنهم بخير ونطمئنهم أننا بخير. فأصواتهم على رغم انكسارها تساعدنا على الهروب من احتلال الجثث أعيننا وعقولنا وشاشات تلفزيوناتنا وهواتفنا، نبحث معهم عن فاصل قصير بعيداً عن مساحات الدم والدمار، نتذكر مناسباتنا الجميلة ومشاريعنا المؤجلة وحيواتنا الصاخبة، أو نكتب منشوراً تضامنياً على صفحاتنا الإلكترونية، أو نتبرع ببعض المال، أو نشارك في تظاهرة أو وقفة تضامنية، أو نوقع على بيان غاضب نوجهه إلى الأمم المتحدة، أو نجلس في زوايا نحلم بالعدالة والأمن والسلام، أو نحاول أن ننسى. 

نتابع أحبتنا الذين يقيمون في دول العالم الحر ذي الأنظمة الديمقراطية حامي الحرية والمساواة والإنسانية، منكوبين، مهددين، ملاحقين بتهمة مناقشة “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”، ولو كلف هذا الحق قتل أكثر من 40 ألف إنسان وجرح أضعاف ومحو خريطة بلاد بكاملها، ونخاف أن يعتقل أحدهم الأمن متلبساً بحب فلسطين، أو برائحة المسخن وطعم الفلفل الغزاوي، ويتّهم بالإرهاب أو بمعاداة السامية…  

أنت تعارض الإبادة؟ إذاً أنت تشوش على إسرائيل في مهمة تصفيتها شعوب هذه المنطقة، أنت تربكها وهي تمحو عائلات بكاملها من السجل المدني، تعرقل سعيها إلى تطهير الكرة  الأرضية من بضعة أطفال لوّثت أنفاسهم التي لم يفلحوا بالتقاطها بعد، الهواء الذي يدخل إلى رئة الإسرائيلي البريء، الذي نجا لتوّه من المحرقة! 

وأين المحرقة؟ إنها على بعد أميال وأميال من مستشفى الشفاء والمعمداني وكمال عدوان، من أحياء الشجاعية وخان يونس ودير البلح ورفح ومخيمات البريج والنصيرات وجباليا ومدارس “الأونروا”.

بتنا في أسفل سلم حسابات الإنسانية، ولم يعد أحد يهتم بوقف هذه الإبادة التي ترتكبها بحقنا مجموعة من الجنود والمجرمين وأصحاب السوابق والمضطربين عصبياً.

هناك حيث كان الغزيون فلاحين يزرعون الصحراء، وصيادين يحبون البحر فيرزقهم من خزائنه، وأطباء ومهندسين ومحامين وشعراء وأدباء وفنانين وصحافيين ومتعلمين يزقون العلم زقاً، وعمالاً يستيقظون باكراً ليبنوا لأنفسهم وطناً، ونساء يطرزن الآمال والأحلام والورود والطيور على فساتينهن وأطراف مناديلهن، وأطفالاً يلعبون ويشاغبون ويذهبون إلى المدرسة ويحلمون بالهدايا واللعب والفراشات مثل كل أطفال العالم. 

على بعد أميال من هذه العوالم البسطية والعادية، كان الرجل الأبيض جالساً على عرشه وكرشه منتفخ أمامه وفي رأسه فقاعة أخرى منتفخة تسيطر على تفكيره المريض… السيطرة على العالم. 

الرجل الذي يريد كل شيء لنفسه، الذي يشبه تعطّشه للحرب ما قاله الشاعر الجاهلي “وأحياناً على بكر أخينا إذ لم نجد إلا أخانا”، الذي صادر نواة العلوم وأوائل الأفكار الإنسانية من الشعوب الأخرى، ثم طمع بالمقدرات البشرية فهجمت أساطيله عليها.

في أفريقيا، استعمر شعوبها في أوطانهم وتقاسم ثرواتها، ثم وجد أن في دول أخرى من هذا العالم الواسع ثروات مغرية، فقرر أن يقضمها، فمضى إليها واحتلّ البلدان والأوطان، وحين ثارت الشعوب أوهمها بالاستقلال، فانسحب من دون أن يغادر، واضعاً على كل خزنة فيها حارساً، مقسّماً الخرائط مشكّلاً الأنظمة، مؤسساً الجيوش والقواعد العسكرية، منصرفاً إلى تفقيرها وتجويعها وتغذيتها بالفتن والحروب والانقلابات، لئلا يفكر أحد فيها بالحرية. 

ثم وجد أن الشرق الأوسط مكان بعيد وثري طبيعياً وبشرياً ومناخه جميل وهواؤه عليل وبحره سخي…

فاجتاحه، ثم قسّمه، ثم فصل الأقسام على قياسه، وحين همّ بالرجوع إلى قواعده سالماً بعد إنجاز المهمة بنجاح، قرّر أن يزرع فيه حامية تظل تنكّل بأهله وتحرمهم الحياة والشعور بالأمان، وكلّفها في الوقت نفسه لعب دور العميل له. 

أتريدونه أن يخرج من هذه الجنة، ويترك كل هذه الثروات خلفه؟ أيعقل ألا تكون له؟ ألا يتمتع بها وحده؛ هو الرجل الأبيض الجميل ذو اللون البهي؟ 

من هنا، بدأ بتطبيق خطته الجهنمية، شجّع مجتمعاته على نبذ اليهود وحرّضها عليهم، وهم من أبناء جلدته ولا علاقة لهم بهذه الأرض السمراء. منعت سلطته الدينية التعامل بالربا فرمى المهنة عليهم، حتى اكتسبوا صفة حب المال، فكرههم الناس، كبرت الدعاية وكبرت الفكرة، فصار يلز تحت نار هذا الموقد وتحت ذاك في الوقت نفسه، فكبر الحقد حتى صار له جسد وشخصية وكيان اسمه النازية، التي فعلت فعلها وخدمته خدمة العمر. 

حدثت المحرقة… وقرر من نفّذها تهريب الناجين منها إلى أرضنا. انسحبوا وسلموهم مكانهم، كانوا قد جهزوا الأرض لهم… 

ما نراه اليوم، استكمال لهذا المخطط، الذي انتكس قليلاً، ثم عاود النهوض… ومن يظل منا على قيد الحياة فليخبر عنا… 

بلدية القامشلي لوحة
شفان ابراهيم - صحافي سوري كردي | 10.07.2026

هدم مبنى بلدية القامشلي: الجرافات أسرع من “بيانات الإدانة”!

لم تتوقف "حرب البيانات" عند الأطراف الرسميّة، بل امتدت إلى ساحة المجتمع المدني، إذ أصدرت 21 منظمة مدنية محلية بياناً شجبت فيه عملية الهدم وطالبت بوقف أي إجراءات تؤدي إلى إزالة أو تغيير الطابع التاريخي لمبنى بلدية القامشلي القديم، معتبرةً أنه أحد أبرز المعالم المرتبطة بتاريخ المدينة وهويتها العمرانية. وأكدت أن الحفاظ على اللوحة التاريخية…
11.10.2024
زمن القراءة: 4 minutes

نستجير بالعواطف لنخفّف ثقل هذا الحقد الذي فجّر حياتنا، فنحضن أطفالنا، نتفقد أعينهم وأطرافهم، ونعد لهم طعاماً وحلوى لذيذة، ثم نكمل أيامنا بطعم أشد مرارة، أو نهاتف أحبتنا لنطمئنّ أنهم بخير ونطمئنهم أننا بخير. فأصواتهم على رغم انكسارها تساعدنا على الهروب من احتلال الجثث أعيننا وعقولنا وشاشات تلفزيوناتنا وهواتفنا.

ما يحدث على هذه الأرض التي تستحق الحياة لا يُنبئ بالخير. لا شيء يوحي بأن أحداً سينجو من المقتلة الممتدة من غزة إلى الضفة الغربية إلى جنوب لبنان والضاحية والبقاع. لقد استهلكنا كل أنواع الصبر والأمل والإنكار والمكابرة، ولم يعد في مقدورنا أن نفعل شيئاً، سوى أن نعترف بالإصابة البالغة بالعجز، أو أن نلوذ بالنواح والتفجع، أو نذرف الدموع بسخاء، حين ننجو من صاروخ ينفجر فوقنا، أو حين يمر أمام أعيننا مشهد دموي.

بتنا في أسفل سلم حسابات الإنسانية، ولم يعد أحد يهتم بوقف هذه الإبادة التي ترتكبها بحقنا مجموعة من الجنود والمجرمين وأصحاب السوابق والمضطربين عصبياً. ألم نرَ العالم الأول يصفّق لقائده وقوفاً، حين ادّعى أنه بقتلنا يحارب البربرية ويدافع عن الحضارة والمدنية؟!

نستجير بالعواطف لنخفّف ثقل هذا الحقد الذي فجّر حياتنا، فنحضن أطفالنا، نتفقد أعينهم وأطرافهم، ونعد لهم طعاماً وحلوى لذيذة، ثم نكمل أيامنا بطعم أشد مرارة، أو نهاتف أحبتنا لنطمئنّ أنهم بخير ونطمئنهم أننا بخير. فأصواتهم على رغم انكسارها تساعدنا على الهروب من احتلال الجثث أعيننا وعقولنا وشاشات تلفزيوناتنا وهواتفنا، نبحث معهم عن فاصل قصير بعيداً عن مساحات الدم والدمار، نتذكر مناسباتنا الجميلة ومشاريعنا المؤجلة وحيواتنا الصاخبة، أو نكتب منشوراً تضامنياً على صفحاتنا الإلكترونية، أو نتبرع ببعض المال، أو نشارك في تظاهرة أو وقفة تضامنية، أو نوقع على بيان غاضب نوجهه إلى الأمم المتحدة، أو نجلس في زوايا نحلم بالعدالة والأمن والسلام، أو نحاول أن ننسى. 

نتابع أحبتنا الذين يقيمون في دول العالم الحر ذي الأنظمة الديمقراطية حامي الحرية والمساواة والإنسانية، منكوبين، مهددين، ملاحقين بتهمة مناقشة “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”، ولو كلف هذا الحق قتل أكثر من 40 ألف إنسان وجرح أضعاف ومحو خريطة بلاد بكاملها، ونخاف أن يعتقل أحدهم الأمن متلبساً بحب فلسطين، أو برائحة المسخن وطعم الفلفل الغزاوي، ويتّهم بالإرهاب أو بمعاداة السامية…  

أنت تعارض الإبادة؟ إذاً أنت تشوش على إسرائيل في مهمة تصفيتها شعوب هذه المنطقة، أنت تربكها وهي تمحو عائلات بكاملها من السجل المدني، تعرقل سعيها إلى تطهير الكرة  الأرضية من بضعة أطفال لوّثت أنفاسهم التي لم يفلحوا بالتقاطها بعد، الهواء الذي يدخل إلى رئة الإسرائيلي البريء، الذي نجا لتوّه من المحرقة! 

وأين المحرقة؟ إنها على بعد أميال وأميال من مستشفى الشفاء والمعمداني وكمال عدوان، من أحياء الشجاعية وخان يونس ودير البلح ورفح ومخيمات البريج والنصيرات وجباليا ومدارس “الأونروا”.

بتنا في أسفل سلم حسابات الإنسانية، ولم يعد أحد يهتم بوقف هذه الإبادة التي ترتكبها بحقنا مجموعة من الجنود والمجرمين وأصحاب السوابق والمضطربين عصبياً.

هناك حيث كان الغزيون فلاحين يزرعون الصحراء، وصيادين يحبون البحر فيرزقهم من خزائنه، وأطباء ومهندسين ومحامين وشعراء وأدباء وفنانين وصحافيين ومتعلمين يزقون العلم زقاً، وعمالاً يستيقظون باكراً ليبنوا لأنفسهم وطناً، ونساء يطرزن الآمال والأحلام والورود والطيور على فساتينهن وأطراف مناديلهن، وأطفالاً يلعبون ويشاغبون ويذهبون إلى المدرسة ويحلمون بالهدايا واللعب والفراشات مثل كل أطفال العالم. 

على بعد أميال من هذه العوالم البسطية والعادية، كان الرجل الأبيض جالساً على عرشه وكرشه منتفخ أمامه وفي رأسه فقاعة أخرى منتفخة تسيطر على تفكيره المريض… السيطرة على العالم. 

الرجل الذي يريد كل شيء لنفسه، الذي يشبه تعطّشه للحرب ما قاله الشاعر الجاهلي “وأحياناً على بكر أخينا إذ لم نجد إلا أخانا”، الذي صادر نواة العلوم وأوائل الأفكار الإنسانية من الشعوب الأخرى، ثم طمع بالمقدرات البشرية فهجمت أساطيله عليها.

في أفريقيا، استعمر شعوبها في أوطانهم وتقاسم ثرواتها، ثم وجد أن في دول أخرى من هذا العالم الواسع ثروات مغرية، فقرر أن يقضمها، فمضى إليها واحتلّ البلدان والأوطان، وحين ثارت الشعوب أوهمها بالاستقلال، فانسحب من دون أن يغادر، واضعاً على كل خزنة فيها حارساً، مقسّماً الخرائط مشكّلاً الأنظمة، مؤسساً الجيوش والقواعد العسكرية، منصرفاً إلى تفقيرها وتجويعها وتغذيتها بالفتن والحروب والانقلابات، لئلا يفكر أحد فيها بالحرية. 

ثم وجد أن الشرق الأوسط مكان بعيد وثري طبيعياً وبشرياً ومناخه جميل وهواؤه عليل وبحره سخي…

فاجتاحه، ثم قسّمه، ثم فصل الأقسام على قياسه، وحين همّ بالرجوع إلى قواعده سالماً بعد إنجاز المهمة بنجاح، قرّر أن يزرع فيه حامية تظل تنكّل بأهله وتحرمهم الحياة والشعور بالأمان، وكلّفها في الوقت نفسه لعب دور العميل له. 

أتريدونه أن يخرج من هذه الجنة، ويترك كل هذه الثروات خلفه؟ أيعقل ألا تكون له؟ ألا يتمتع بها وحده؛ هو الرجل الأبيض الجميل ذو اللون البهي؟ 

من هنا، بدأ بتطبيق خطته الجهنمية، شجّع مجتمعاته على نبذ اليهود وحرّضها عليهم، وهم من أبناء جلدته ولا علاقة لهم بهذه الأرض السمراء. منعت سلطته الدينية التعامل بالربا فرمى المهنة عليهم، حتى اكتسبوا صفة حب المال، فكرههم الناس، كبرت الدعاية وكبرت الفكرة، فصار يلز تحت نار هذا الموقد وتحت ذاك في الوقت نفسه، فكبر الحقد حتى صار له جسد وشخصية وكيان اسمه النازية، التي فعلت فعلها وخدمته خدمة العمر. 

حدثت المحرقة… وقرر من نفّذها تهريب الناجين منها إلى أرضنا. انسحبوا وسلموهم مكانهم، كانوا قد جهزوا الأرض لهم… 

ما نراه اليوم، استكمال لهذا المخطط، الذي انتكس قليلاً، ثم عاود النهوض… ومن يظل منا على قيد الحياة فليخبر عنا… 

11.10.2024
زمن القراءة: 4 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية