يستبطن العنف ضدّ النساء بأشكاله المتعدّدة، تمييزاً عميقاً مترافقاً مع محاولات السلطات القامعة تجريد النساء من قوّتهن وفعّاليتهن، وذلك لجرّهن إلى المنطقة الأكثر أماناً بالنسبة إليها: منطقة اللا فاعلية النسوية (كمصطلح ثقافي) واللا فاعلية النسائية (كمصطلح اجتماعي) وحتى اللا فاعلية الأنثوية (كمفهوم بيولوجي).
هناك ترسيخ لذاكرة محمّلة، ظاهرياً، بنظرة دونية تجاه المرأة لتسويغ الإقصاء المتعمّد والمدروس، كما تأكيد صحّة النظرة العدائية ضدّها، لكنّها تكتنف باطنياً على رهاب ضدّ النساء (الجينوفوبيا) وكره النساء (ميزوجيني) وقتل النساء (فيميسايد) وغيرها من العقد النفسية، ليضحي الخوف مع الزمن غريزياً من المرأة.
أشكال العنف الرمزي ضدّ النساء شديدة التعدّد والتركيب، كالعنف التمييزي، العنف اللغوي، العنف الأنثروبولوجي التاريخي، العنف الأبيستمولوجي، العنف القانوني، والعنف الرمزي للإعلام (العنف الترفيهي والعنف الإخباري) وغيرها. وفي ظلّ حالة من الانهيار المجتمعي العامّ الذي تعيشه سوريا اليوم، الفشل السياسي والتشظّي (الوطني) نبدو جميعاً كأنّنا اعتدنا أن نراقب ذاكرة جماعية تُشوّه، وصمتاً مفروضاً يعمّق الكارثة، فتنويعات العنف المركّب ضدّ النساء تتجلّى اليوم في أبشع صورها، سواء أكانت خطفاً أو اختطافاً أو إخفاء قسرياً أو اغتصاباً أو تعذيباً أو قتلاً، وتنتقل من كونها أفعالاً تطال أفراداً إلى سياسة عامّة جندرية وأمنية ومجتمعية، واحدة من أهمّ ميكانيزمات الهيمنة والقمع التي تُنتهج ضدّ النساء في الفضاء العامّ، بدلالة تفريغه من حضورهن، أداة ترهيب تضرب مجموعات اجتماعية وطائفية برمّتها، تدمّر حياة نسائها وتكبّل قدراتهن على العيش بأمان وممارسة أبسط حقوق التعليم والعمل والانتقال، تغيّر شكل لباسهن وخصوصيات عيشهن، وتنتقل بكلّ ثقلها إلى الفضاء الخاصّ، وحتى إلى داخل القلوب.
“عقاب جماعي” للنساء
على الرغم مما يبدو من اختلاف بين ما جرى ويجري بحقّ نساء علويات، إن في الساحل أو ريف حمص وحماة الغربي ونساء درزيات في السويداء، من خطف واختطاف وتزويج قسري واغتصاب وانتهاك وقتل وإخفاء قسري وأسر، وتحويلهنّ إلى ورقة لمبادلة الأسرى، فما يجمع العلويات والدرزيات ليس التعامل معهن كأقلّيات مستضعفة، واستخدامهن أوراق ضغط وأدوات تفاوض لكسر شوكة مجتمعاتهن المحلّية فحسب، بل هو إعادة تعريف الجسد الأنثوي اليوم كوسيلة للعقاب الجماعي السياسي والاجتماعي. هذا لا يطال نساء الأقلّيات في سوريا فحسب، بل يخرج ليكون عبرة ووعيداً وإصبعاً تهتزّ في وجه أية امرأة أو مجموعة بشرية لا تخضع لسلطة قوى الأمر الواقع.
الخطف والاختطاف والإخفاء القسري هي باختصار آليّة تُستخدم لإعادة ضبط أجساد النساء داخل الحدود التي تحدّدها قوى الأمر الواقع، حيث خروجهن إلى الفضاء العامّ، سواء للدراسة أو للعمل، هو تهمة مسبقة بحاجة إلى تبرير. الأمر يوحي بخوف دفين من جسد المرأة وحضورها وحرّيتها داخل الإيديولوجية السلفية التكفيرية، ويعكس إيماناً مستتراً بقوّتها وتأثيرها المضادّ لتأثيرهم، الأمر الذي يجعلهم يستميتون في حجبها وتقييدها ومحاولة إبادتها معنوياً ورمزياً ومادياً، لئلا يفلت المارد من قمقمه. الجرائم بحقّ النساء اليوم، لا يقترفها الجاني وحده أياً كان ذلك الجاني، في أحيان كثيرة تكون سلطات الأمر الواقع مشاركة فيها وليس فقط داعمة لها، بل تتمّ إعادة صياغة سردية بديلة وتصديرها، من خلال خطاب حكومي رسمي ينكر الجريمة أو يصمت عنها أو يكذب بشأنها، ومن ثم قد يبرّرها بطريقة تبدو أقذع من الجريمة بحدّ ذاتها، مترافقاً مع إعلام يهلّل ويؤيّد، وأبواق وببغاوات وصدى ممسوخ.
في تمييز سريع للمصطلحات التي نعمل على استخدامها اليوم، بما يخصّ ظاهرة اختفاء نساء سوريات من الأقلّيات منذ شباط/ فبراير 2025 وحتى اليوم، فإن مصطلح الخطف يدلّ على أن الجهة المرتكبة، أفراداً أو جماعات، تكون خارج إطار الدولة، وغالباً ترتكب فعلها لأسباب مادّية أو شخصية، انتقاماً أو لطلب فدية، وهي جريمة جنائية. أما الاختطاف فيتمّ عادة من قِبل جهة مجهولة أو جماعة مسلّحة لأسباب سياسية، قد تكون مدعومة من قِبل الحكومة، فيستخدم توصيف الاختطاف لمواقف أشمل وأعقد من الخطف. أما الاختفاء القسري، أو التغييب القسري، فيشير إلى تورّط سلطات الدولة، أو من يعملون بأمرها من جهات رسمية تابعة لها، في الاعتقال أو الاحتجاز، مترافقاً مع إنكار الأمر وإخفاء المصير أو المكان لأغراض القمع والهيمنة، وهي جريمة ضدّ الإنسانية حسب القانون الدولي.
يبدو لي أن ما يحصل في سوريا اليوم ضدّ النساء السوريات من الأقلّيات، لا يمكن وصفه بواحدة من المصطلحات التي ذكرتها، وإنما يتبيّن من حيثيّات الحكايات والشهادات بأن المصطلحات الثلاثة معاً، قد تفيد في توصيف المشهد العامّ اليوم.
اختفاء نساء من الفضاء العامّ
اليوم في الساحل وفي ريف حماة الغربي، نقرأ شهادات عن نساء كففن عن الذهاب إلى المدارس والجامعات، وأحياناً إلى العمل أو التسوّق، فكلّ عمليّات الخطف والاختطاف بحقّ علويات تتمّ في وضح النهار في أماكن غير معزولة، يختطفن بسيّارات تمرّ على حواجز الأمن أو الفصائل وبعضها من دون لوحات.
الناس بالعموم لا يغادرون بيوتهم بعد الساعة السادسة أو السابعة مساء، فعلى الرغم من انتشار حواجز للفصائل التابعة لوزارة الدفاع والأمن العامّ، فإن كلّ حالات الخطف والاختطاف حدثت وتحدث نهاراً وعلى أعين الأشهاد، حادثة اغتصاب الشابّة روان أسعد منذ أيّام في وضح النهار وعلى طرف الشارع العامّ، وهي ذاهبة إلى عملها في حورات عمورين في سهل الغاب، مثال جليّ على استباحة طائفة كاملة واستهداف نسائها، كذلك قصّة سلوى ابراهيم غزول 38 عاماً، أو زينب غدير الذكرى17 عاماً أو غيرهما الكثيرات.
نساء علويات يعشن رعباً دائماً مستمرّاً، منهن من عادت إلى بيتها بعد إطلاق سراحها، وأُجبرت على الإدلاء بتصريحات غريبة. فحين عادت هبة عبّاس بعد أسبوع من اختطافها في جبلة، وقبلها بانا هشام خضّور 16 عاماً وغيرهما، لم نسمع أية تفاصيل حقيقية من قِبل الضحايا عما حصل، آية طلال قاسم خرجت لتقول إنها ذهبت إلى حلب وحدها لأنها وُوعدت بعمل! أما زينة التي تبلغ 17 عاماً واختطفت في شهر شباط/ فبراير 2025، وهي من أولى حالات الاختطاف، فلم تعد إلى أهلها إلا بعد يومين من نشر “رويترز” تقريرها حول اختطاف النساء في سوريا، وبعد أربعة شهور من اختفائها. وحكاية ميرا ثابت من ريف حمص (التي هربت مع عشيقها رغم أنها مخطوبة من غيره وعادت بلباس شرعي) أقامت الدنيا ولم تُقعدها، بدت أقرب إلى سيناريو هزلي غايته ضرب مصداقية كلّ قصص الاختطاف والخطف بحقّ النساء العلويات. أما الطفلة زينة علي إبراهيم 13 عاماً، فاختطفت في آب/ أغسطس من الصبّورة في ريف سلمية في محافظة حماة، وهنا وقعت السلطات في مأزق حول القصّة التي ستُلفّق، فكيف ستهرب طفلة مع عشيقها! أو تغادر أهلها لتعيش عند رفيقتها أو لتشتغل في حلب!
“أمن” بلا أمان
المفارقة الكبيرة اليوم هي غياب الأمن على الرغم من الحضور الفيزيائي المكثّف للأمن العامّ. جوّ من التواطؤ، الصامت أحياناً والجهري السافر أحياناً أخرى، يجعل الأجهزة الأمنية التابعة لسلطة وزارتي الدفاع والداخلية، تتحوّل إلى شريك فعليّ في إنتاج سطوة الخوف. خطف ممنهج تحت مرأى ومسمع السلطة الانتقالية ومشاركتها، سواء أكان ذلك بإنكار عمليّات الاختطاف أو مشاركة عناصرها في كثير من الحالات، غضّ النظر عن أفراد أو مجموعات مسلّحة محسوبة عليها، إنكار أو تجاهل بلاغات الخطف، أو بالصمت من قِبل وزارة الداخلية ووزارة الدفاع، أو بعدم جدّيتها الواضحة في التعامل مع ملفّ خطير كهذا.
الإنكار تجلّى بالأيامن التي أطلقها الشيخ أنس عيروط عضو “لجنة السلم الأهلي” و”لجنة الإفتاء”، حين أقسم ثلاثاً بأنه لا اختطاف للعلويات في سوريا. أو إعلان “لجنة تقصّي الحقائق” في أحداث الساحل بأنها لم تتلقَّ أي بلاغ عن حادثة خطف لا شفهياً ولا كتابياً، خطاب إنكاريّ يُعيد إنتاج الخوف، ويحوّل الخطف والاختطاف من جريمة علنية إلى سرّ فردي تتحمّله النساء وعائلاتهنّ، في تناقض صارخ مع كلّ التقارير الدولية التي تحدّثت عن أنماط الانتهاكات، التي تتضمّن عنفاً قائماً على النوع الاجتماعي، والتهديدات والتزويج القسري وتهريب البشر، سواء أكان تقرير “رويترز” أو “لجنة التحقيق الدولية المستقلّة” بشأن سوريا، أو تقرير الأمم المتّحدة ومنظّمة العفو الدولية، وموقف سلطات الأمر الواقع ثابت على الإنكار!
إقرأوا أيضاً:
سلب صفة الضحيّة
حينما تنكشف القصص بشكل غير قابل للشكّ تبدأ مرحلة التبرير، ولنا أن نتذكّر ما قاله المتحدّث باسم وزارة الداخلية أنور البابا في مؤتمر السلم الأهلي “إن هناك سبباً اجتماعياً وسبباً اقتصادياً لاختفاء العلويات”. تجريد الضحيّة من إنسانيتها عبر تعهيرها وتكذيبها وشيطنتها، كما تهيئة الرأي العامّ لرواية تجرّد الضحيّة من سرديتها وحقوقها، وتحوّلها من ضحيّة إلى جانية باعتبار ما حدث سلوكاً شخصياً للضحيّة أو قراراً عاطفياً، ويعاد السيناريو، ويعاد خصوصاً وأن الخطف والاختطاف لم يعد حدثاً استثنائياً بل ممارسة ممنهجة. هكذا تُسلب الضحيّة حقوقَها مرّتين: مرّة عند تغييب جسدها قسراً وإجبار الأهل على الصمت، ومرّة حين تُسلب منها صفة الضحيّة، ويتمّ إجبارها على سردية مهينة وتحميلها مسؤوليّة الاختفاء. الأمر الذي جعل فتاة علوية ترسل قبل مغادرتها المنزل إلى العمل، وبشكل يومي، نصاً من هاتفها، تقول فيه: “أنا ماني هربانة مع حدا وبحب أهلي كتير وما في مشاكل بيني وبينهم وما بدي اتعلم خياطة ولا مكياج ولا تصفيف شعر وإذا اختفيت فأنا مخطوفة”. لكنّه لم يعد سلوكاً فردياً خاصّاً بتلك الصبيّة، إنما تحوّل إلى سلوك عامّ، أشبه بإجراءات وقائية، يتّبعها الكثير من نساء الساحل بعد أن صارت احتمالات الاختطاف روتين حياة يومياً.
فحكاية مي سلّوم التي اشتهرت للغاية، هي إحدى أكثر القصص صفاقة. فبعد اختفائها ظهرت في أحد أقسام الشرطة في اللاذقية لتختفي مجدّداً، قبل أن تعود لتظهر (محجّبة) في فيديو لتقول إنها بخير وعند صديقتها في حلب نافية خطفها، على الرغم من الحيثيّات الشائكة والواضحة التي تحيط بقصّتها، غير أن عائلتها نفت تلك الرواية، وتكلّمت عن الحالة الغريبة غير المتّزنة التي كانت عليها مي، حيث لم تتعرّف على زوجها وأخيها. عند جهاز الأمن تُختصر القضيّة كلّها بما قاله أحد الضباط لأخيها: “ابنتكم ليست قاصراً، وإذا أرادت الذهاب مع مَن تُحب، فهذا شأنها”. ومن جديد يُغمز من قناة “أخلاق” النساء العلويات، وتتحوّل قضيّة اختطاف إلى “خطيفة مع عشيقها”، فلا يلاحق أحد ولا يتّهم أحد. الفيديوهات التي تنفي الاختطاف هي جزء أساسي كذلك من البروباغاندا ومن ميكانيزمات الهيمنة، حيث يتمّ إجبار الضحيّة على لعب دور الهاربة، وتُجبر على أن تضرب بعرض الحائط سمعتها والتزاماتها وعلاقتها مع عائلتها والمجتمع المحيط. مرحلة جديدة من العنف، لا تتوقّف عند الجسد، بل تنتقل إلى صناعة سردية الضحيّة ذاتها بحسب رواية الجلّاد.
الصمت والتهديد
الخوف من الوصمة الاجتماعية أو العار في بيئات محافظة، وكذلك من انتقام الخاطفين، أجبر بعض أهالي المختطفات على الصمت، فالخاطفون يُلاحقونهم موجّهين تهديدات لمن ينشر خبر اختطاف، أو يحاول إعلان الواقعة مطالباً بالكشف عن مصير المخطوفات.
بعض أهالي المخطوفات وصلتهم رسائل تهديد من أرقام أجنبية مجهولة، حيث ذكر تقرير الأمم المتّحدة أن هناك حالتين ألقت الشرطة وقوى الأمن اللوم فيها على الأسر في حصول الخطف. ففي حكاية لصبيّة لن أذكر اسمها اختطفت في وضح النهار وتبلغ الثمانية عشرة من عمرها، وصل للأهل رسائل تهديد بالتزام الصمت، وإلا وصلتهم ابنتهم جثّة. أرسلت الضحيّة لاحقاً تسجيلات من رقم أجنبي لتخبرهم بأنها تعرف مكان وجودها، وقد تمّ تزويجها قسراً قبل أن ينقطع التواصل معها.
الأسماء المستعارة التي يُجبر كثير من المختطفات أو أهاليهن على تبنّيها تُظهر حجم الخوف، منها مثلاً شهادة باسم مستعار لامرأة علوية خُطفت من ساحة عامّة في إحدى قرى الساحل، ووجدت نفسها في سيّارة نقل ركّاب لم تقف على أي حاجز، رُميت في غرفة في منزل مع مخطوفة قبلها. تعرّضتا للضرب والإهانة كونهما علويتين: “عذبونا وضربونا، لم يكن مسموحاً أن نتحدّث مع بعضنا بعضاً، لكنّي سمعت لهجة الخاطفين، أحدهم لهجته أجنبية والآخر لهجته محلّية إدلبية، عرفت ذلك لأنهم كانوا يشتموننا لأننا علويات”. هي واحدة من اللاتي ما زلن مختفيات، تواصلت مع أهلها هاتفياً، ورأوا آثار الضرب على وجهها وفقدانها البادي لوزنها، أكّدت في ذلك الاتّصال أنها بخير، كما أكّدت ألا ينشروا شيئاً عنها.
تقرير “أمنستي” أكّد حجم الانتهاكات إن بالقتل أو بالاعتقال التعسّفي، وخطف النساء الذي مازال مستمرّاً، حيث تُنشر بشكل شبه يومي قصص لمخطوفات على وسائل التواصل الاجتماعي، ومناشدات أسرهن التي تحاول اكتشاف مصيرهن. أما شهادات الناجيات التي جمعتها منظّمة العفو الدولية، فتكشف تعرُّض المختطفات للضرب والتخدير، وحالات إجبار القاصرات على الزواج القسري، وتهديد المتزوّجات بالطلاق لتشريع احتجازهنّ بوصفهنّ زوجات للخاطفين، وصولاً إلى التهديد بالقتل إذا حاولنَ فضح ما جرى.
كما كشفت المنظّمة بناء على تقارير موثوقة، عن اختطاف ما لا يقلّ عن 36 امرأة وفتاة علوية، تتراوح أعمارهن بين ثلاث سنوات وأربعين عاماً في مناطق الساحل. اختطف بعضهن في طريقهن إلى المدرسة أو زيارة أقاربهن في وضح النهار، أو من منازلهن، وتعرّضن للتخدير ثم الاعتداء الجسدي أو الجنسي، ولم يُسمح لهن بالعودة إلا بعد دفع فدية.
والعدد أكبر بكثير مما ذُكر بالتأكيد، ففي مقارنة بسيطة، اختطفت خلال أسبوع واحد فقط أربع فتيات من بلدة صغيرة جنوب اللاذقية كبستان الباشا، كانت هالة واحدة منهن حين كانت تعبر الطريق من منزلها إلى منزل والديها، فدفعها ثلاثة رجال في شاحنة صغيرة. قادوا لساعات عبر نقاط تفتيش الواحدة تلو الأخرى دون أن يُوقفهم أحد، حتى وصلوا إلى منشأة صناعية مهجورة وتركوها هناك في غرفة. احتجزوها لمدّة أسبوع وتناوبوا على اغتصابها ثلاث مرّات، كانوا يردّون على استغاثاتها بالتهكّم أن اجعلي بشّار الأسد يساعدك! حين أعادوها ألقوا بها على جانب الطريق قبل أن يهدّدوها بقتل ابنها إن حكت أيّ شيء.
مايا ابنة الخامسة عشرة اختفت لمدّة شهرين من اللاذقية. خلال ذلك وصل عائلتها العديد من رسائل التهديد والابتزاز، فيها صور تُظهر آثار ضرب على وجهها، فخرجت عائلتها في فيديو استغاثة تطالب فيه بالكشف عن مصيرها، وبعد انتشاره ظهرت مايا في فيديو نشره حساب مجهول على فيسبوك، ترتدي فيه حجاباً أبيض وتمشي رفقة شخص تدّعي أنه سيتزوّجها وهو لا يتجاوز السنّ القانونية. أما ما حصل مع شقيق عبير سليمان 29 عاماً، التي اختطفت في 21 أيّار/ مايو، فقد وصلته بعد ساعات من اختفائها من مدينة صافيتا مكالمة تقول: “لا تنتظرها لا تنتظر أختك… ما بترجع”، قال خاطف عبير وشخص آخر عرّف عن نفسه في اتّصالات ورسائل لاحقة أنه وسيط، إن عبير ستقتل أو تباع ضمن عمليّات الاتّجار بالبشر إن لم يدفع أقاربها فدية 15 ألف دولار. قالت عبير نفسها في اتّصال مع عائلتها من رقم الهاتف نفسه الذي يحمل رمزاً عراقياً “أنا ماني بسوريا… كلّ الحكي حولي غريب ما بفهم”، استطاعت العائلة جمع الفدية وحوّلتها إلى ثلاثة حسابات مختلفة في مدينة إزمير التركية، لكنّ الخاطف والوسيط توقفا بعد ذلك عن الاتّصال وأغلقا هاتفيهما، ولا يزال مصير عبير مجهولاً حتى اللحظة.
نساء “أسرى” للتبادل!
في حالة النساء الدرزيات في السويداء وخلال المجازر في تمّوز/ يوليو الماضي، انتقل الأمر ليكون نوعاً من حالات الاختفاء القسري، وليس محصوراً بالخطف والاختطاف فحسب، مترافقاً مع خطاب كراهية وتحريض في الإعلام الحكومي والداعم له وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، يصوّر الدروز كخونة وكفار يستحقّون القتل والتنكيل، بالإضافة إلى دعوات لخطف الدرزيات واستعبادهن.
ملفّ شديد التعقيد تتراوح الحالات فيه بين ضحايا يُرجَّح أنهن فارقن الحياة ولم يُعثر على جثامينهن، وأخريات اختُطفن بشكل عشوائي على أيدي جهات رسمية أو غير رسمية. تستمرّ القصص في الظهور تباعاً، تطالب العائلات الخائفة بالكشف عن مصير النساء المختفيات وعودتهن، ففي حين كانت جثامين ضحايا المجازر تصل مستشفى السويداء من عديد القرى المنكوبة شمال المحافظة وغربها، ظهرت سيّدة مع فتاة وطفلتين في مقطع فيديو يقول فيه مسلّح إنه أنقذهن من ميليشيات الهجري، ليتبيّن فيما بعد أنهن كنّ مختطفات كأسرى يمكن المبادلة بهن.
هذا ما قالته السيّدة ماجدة ريدان التي كانت ضمن عمليّة المبادلة لاحقاً. لكنّ ملفّ الاختطاف والاختفاء القسري ما يزال شائكاً جدّاً في السويداء، فعائلات بأكملها تمّ احتجازها أثناء حصول المجازر وبعدها في مراكز إيواء في مدينة درعا، تمّ الإفراج عن بعضها قبل أن ترسل لاحقاً إلى مدينة جرمانا في ريف دمشق حيث الأغلبية الدرزية، فيما لا تزال هناك عائلات أخرى محتجزة في درعا وبلدات بريف دمشق، ويتمّ التعامل معها ومع النساء كأسرى حرب.
في حادثة أخرى ظهر مقاتلون من العشائر في سيّارة وبصحبتهم نساء وأطفال من القرى الدرزية. سألهم مذيع “التلفزيون العربي” عن هويّاتهم وسبب اصطحابهم للمدنيين، أجابوا بأنهم أخذوهم لحمايتهم، وحين سأل المذيع سيّدة منهن: “لماذا سلّمتوهم أنفسكن؟”، أجابت: “هم أخذونا!”، ارتبك المذيع وقال: “يبدو أن الوقت غير مناسب لإجراء المقابلة”. حالة هؤلاء النساء ليست أولى حالات الخطف، فمع انسحاب القوّات الحكومية والفصائل العشائرية، بدأت تتكشّف فظاعة الانتهاكات التي شهدتها السويداء وحالات الاختفاء القسري التي طالت النساء والأطفال. ويبقى مصير عشرات النساء الأخريات مجهولاً، ففي 17 آب/ أغسطس اختُطفت حافلة أثناء دخولها إلى السويداء عبر المعبر الإنساني الوحيد، من بين ركّابها ستّ نساء، وقد تواصل الخاطفون مع أسر المختفيات قسرياً، وأبلغوهم عن قرارهم مبادلة النساء المخطوفات بأسرى لديهم.
حتى الآن ليس هناك أرقام دقيقة حول أعداد النساء والفتيات المختفيات في السويداء، باستثناء ما ورد في تقرير لخبراء الأمم المتّحدة الذي صدر في 21 آب/ أغسطس، ووثّق اختطاف 105 امرأة على الأقلّ على يد قوّات تابعة للحكومة السورية، لا تزال 80 منهنّ في عداد المفقودات، كما وثّق التقرير تعرّض ثلاث نساء على الأقلّ للاغتصاب قبل إعدامهنّ، ما يدلّ على كارثة متصاعدة لم يتّضح حجمها الحقيقي ولا ملامحها الكاملة بعد.
هنا الملفّ الشائك الآخر هو حالات الاغتصاب التي حصلت لنساء في السويداء أثناء حدوث المجازر، فقد انتشرت صورة مروّعة تظهر ثلاث نساء عاريات ومقتولات، قِيل بداية ومن ضمن الحملة الإعلامية المشوّهة لسمعة الدروز وحقوقهم، التي تقودها سلطات الأمر الواقع، أنهن من بدو السويداء. منصّة “تأكّد” تمكّنت من التحقّق أن النساء الثلاث ينتمين إلى الطائفة الدرزية، تمّ قتلهنّ مع تسعة من أفراد عائلاتهن على أيدي عناصر محسوبين على السلطة المؤقّتة. حيث تحفّظت المنصّة على نشر تفاصيل إضافية لاعتبارات أخلاقية، وبناءً على طلب ذوي الضحايا. أما جريمة الاغتصاب في حيّ الكوم في السويداء، فتكشف اغتصاب أمّ وثلاثة من بناتها. “المرصد السوري لحقوق الإنسان” صرّح بمقتل 12 فرداً آخرين من العائلة نفسها، بينهم 8 نساء وفتيات، من ضمنهن اللواتي تمّ اغتصابهن قبل القتل، ورجل مسنّ، قُتلوا بطرق مختلفة منها إطلاق النار المباشر من مسافة قريبة، وإعدام البعض منهم داخل سيّارة. أما تقرير الأمم المتحدّة فيقرّ بأن بعض النساء الدرزيات المحرّرات يخشين العودة إلى منازلهن خوفاً على سلامتهن.
في قصص التاريخ تظهر النساء دوماً كجسر يعبر بالبلاد المدمّرة إثر الحروب والكوارث إلى برّ الأمان، يتحمّلن عبء النهوض والبناء، وسوريا المدمّرة مادّياً ومعنوياً بحاجة إلى نسائها اليوم أكثر من أي وقت، بينما لا تعمل سلطات الأمر الواقع وداعميها ومؤيّديها إلا عكس ذلك، فملفّات الخطف والاختطاف والإخفاء القسري الممنهجة اليوم، تعمل على إهانة مجموعات بشرية أقلّوية، إرهابها وترهيبها بنسائها، ويتجاوز الأمر ليكون تجريداً للنساء من حضورهنّ وقوتهنّ وفعاليتهنّ على الأرض، وإقصاء لهن من الفضاء العامّ، واستخدامهن أوراق تفاوض، كما استخدام الجسد الأنثوي كوسيلة للعقاب الجماعي السياسي والاجتماعي لكلّ من تسوّل له نفسه عدم الخضوع الكامل لقوى الأمر الواقع، التي تستبيح البلاد وناسها.
كيف يمكن لسوريا أن تُبنى من دون نسائها؟!
إقرأوا أيضاً:













