مع اتّساع رقعة الحرب الإسرائيلية على لبنان منذ مطلع آذار/ مارس الماضي، ونزوح ما يفوق المليون لبناني، برزت مسألة استمرارية خدمات الاتّصالات والإنترنت كأحد أبرز التحدّيات اليومية، سواء في مناطق النزوح حيث ازداد الضغط على شبكة الاتّصالات والإنترنت بشكل كبير جداً، أو في المناطق التي تُشكّل مسرحاً للعمليّات العسكرية، لا سيّما في الجنوب والبقاع، حيث تعتبر الحاجة للاتّصال والإنترنت ضرورية ومفصلية للمواطنين والصحافيين والطواقم الطبّية والإسعافية وغيرهم.
السؤال عن وجود خطّة طوارئ لوزارة الاتّصالات ليس جديداً، إذ سبق أن خبره القطاع خلال الحرب في 2024 التي شهدت فيها الكثير من المناطق، لا سيّما الجنوبية، انقطاعاً للاتّصالات والإنترنت بسبب عدم قدرة فرق الصيانة على الوصول إلى محطّات الإرسال لتزويدها بمادّة المازوت، فكان يُستعاض عن تلك الفرق بمبادرات من قِبل المجالس البلدية أو الدفاع المدني حيث أمكن.
فعّالية خطّة الطوارئ
في محاولة لتبيان تفاصيل خطّة الطوارئ التي تعتمدها وزارة الاتّصالات في ظلّ الظروف الاستثنائية التي تمرّ بها البلاد، تُشير مصادر الوزارة، في حديث لـ”درج ميديا”، إلى أن “وزارة الاتّصالات كما سائر إدارات الدولة تفاجأت باندلاع الحرب، وتحرّكت وفق خطّة طوارئ هدفت إلى ضمان استمرارية الخدمة والحدّ من الانقطاع، من خلال تفعيل غرف عمليّات مشتركة مع أوجيرو وشركتي الخلوي”، إلا أن عامل المفاجأة يتنافى مع تصريح سابق لوزير الاقتصاد عامر البساط أشار فيه إلى أن ” التحضيرات للحرب بدأت منذ شهرين”.
وتلفت المصادر إلى أن “الخسائر الناجمة عن الحرب لا تزال قيد التقييم، خصوصاً وأن حماية العاملين هي أولوية لدى وزير الاتّصالات شارل الحاج في ظلّ الظروف الميدانية الصعبة، لا سيّما في الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت، حيث هناك استحالة للدخول إلى هذه المناطق الحسّاسة، وقد جرى اعتماد خطّة لتأمين المحروقات للمواقع الأساسية وإعطائها الأولوية التشغيلية”، وتابعت “الضغط الأكبر يُسجّل في بيروت وجبل لبنان وبعض مناطق الشمال نتيجة النزوح الداخلي، وقد تمّت مواجهته عبر زيادة السعات وتركيب محطّات إضافية مؤقّتة وتحسين توزيع التردّدات”.
يقول محمّد وهو نازح إلى مدينة صور، في اتّصال مع “درج ميديا”: “إن المدينة لا تُعاني لغاية اليوم من أيّ انقطاع في الاتّصالات أو الإنترنت، بل إن الشبكة ما زالت تعمل كما كانت في السابق”، موضحاً في الوقت عينه أن “هذا الأمر ينسحب كذلك على القرى والبلدات المحيطة، إلا أنه يمكن ملاحظة الانقطاع في بعض الشوارع والنقاط المُحدّدة لناحية منطقة الحوش وعين بعال، من دون أن يكون ذلك ناجماً عن تشويش من المسيّرات الإسرائيلية أو بسبب عطل مُعيّن”.
قرارات وزارية للتخفيف عن النازحين
وفي محاولة لتخفيف الأعباء المادّية عن النازحين، أصدر الحاج قراراً في 11 آذار/ مارس الماضي، يتيح للمشتركين الذين اضطرّوا إلى مغادرة أماكن سكنهم، أو تضرّرت منازلهم بفعل العدوان الإسرائيلي، تقديم طلب لوضع اشتراكاتهم الهاتفية أو اشتراكات الإنترنت خارج الخدمة من دون أيّ رسوم، على أن يتمّ بالتالي التوقّف عن إصدار الفواتير واستيفاء الاشتراكات الشهرية العائدة لهذه الاشتراكات، بدءاً من تاريخ تقديم الطلب، أو الاتّصال بمركز الاتّصال 1515 أو عبر البريد الإلكتروني thepeople@ogero.gov.lb، على أن تُحصر الطلبات باشتراكات المتضرّرين من العدوان أو المهجّرين من المناطق.
إقرأوا أيضاً:
وينصّ القرار أيضاً على أنه في حال توقّف أيّ سنترال هاتفي عن العمل بسبب الأضرار الناتجة عن العدوان الإسرائيلي، يتمّ التوقّف عن إصدار الفواتير واستيفاء الرسوم والاشتراكات الشهرية للمشتركين المرتبطين بالسنترال المتضرّر، وذلك بدءاً من تاريخ توقّفه عن العمل.
أما في ما يخصّ إجراءات الشركتين المشغّلتين للقطاع “ألفا” و”تاتش”، فقد أعلنتا بشكل منفصل عن تعزيز الشبكة ورفع سعات الإنترنت، لا سيّما في مناطق النزوح، وإمكانات شبكتي الجيلين الثالث والرابع.
مواكبة التعليم عن بُعد
وعلى مستوى مواكبة التعليم عن بُعد، عملت الوزارة بالتنسيق مع وزارة التربية على توفير وصول مجّاني إلى منصّات التعليم الإلكتروني، وفي مقدّمتها Microsoft Teams، ومنصّة “مدرستي”، خلال أيّام الدوام المدرسي، بما يسمح للأساتذة والطلّاب بمتابعة الدروس عن بُعد من دون استهلاك باقات الإنترنت الخاصّة بهم.
هذه الخطوات التي تحمل جانباً إيجابياً ما زالت قاصرة عن تلبية الحاجات الفعلية للمواطنين، لا سيّما النازحين منهم، ففي الكثير من المدارس التي تحوّلت إلى مراكز إيواء، لم يتمّ تفعيل شبكة الإنترنت الموجودة ضمن حرم المدرسة بغية تسهيل وصول النازحين إلى الشبكة العنكبوتية، بل على العكس تماماً، جرى قطع هذه الخدمة عن النازحين الذين اضطرّ الكثير منهم إلى الاستعانة بمزوّد الإنترنت في الأحياء على نفقتهم الخاصّة.
توسيع نطاق عمل “ستارلينك”
شكّلت حرب 2024 الفرصة الأبرز لوزير الاتّصالات آنذاك جوني قرم، لإطلاق النقاش حول أهمّية دخول خدمة “ستارلينك” إلى السوق اللبناني، وجاءت هذه الحرب لتُعزّز من هذا التوجّه، حيث اتّخذت الحكومة اللبنانية قراراً في 5 آذار/ مارس الماضي، بتوسيع خدمات “ستارلينك” للجهات الحكومية والسفارات والمنظّمات غير الحكومية لأغراضها الرسمية والإنسانية، بعد أن كانت محصورة بالشركات الخاصّة.
هذا القرار يُبرز إشكاليّتان أساسيتان، الأولى تتمثّل بتجاوز الشروط التي كانت موضوعة من قِبل الأجهزة الأمنية لناحية قدرتها على الوصول إلى البنية الرقابية، أما الثانية فتتمثّل في عدم تعريف عبارة “المنظّمات غير الحكومية الإنسانية”، مما يترك هامشاً واسعاً أمام أيّ منظّمة لتقديم طلب الولوج إلى شبكة “ستارلينك”، خصوصاً أن القرار لم يُحدّد الجهة المخوّلة بتصنيف المنظّمات.
ورغم ذلك، لم تدخل خدمة “ستارلينك” إلى السوق اللبناني بعد، من دون توضيح الأسباب الفعلية لهذا التأخير.
تُشير مصادر الوزارة إلى أن “خدمة ستارلينك كانت مدرجة ضمن الخطّة السنوية، لكنّها لم تُصبح جاهزة للتشغيل حتى الآن”، معلّلة أن “تأخّر إطلاقها يعود إلى معوّقات معروفة جرى وضعها في مسار التنفيذ، والجميع يدرك خلفيات هذا التعطيل وأسبابه”، في إشارة غير مباشرة إلى معارضة بعض القوى السياسية لهذا التوجّه.
إقرأوا أيضاً:












