ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

“خلي السلاح صاحي”

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

صحيح أن السلاح ألحق بنا الهزائم والدمار وجر بحوراً من الدماء، إلا أنه صار أنشودتنا التي لا نجيد غيرها. فلنستعد الفنون التي تمجد السلاح. الأغاني والموسيقى واللوحات التشكيلية، وصولاً إلى الشعارات الأهلية من نوع “السلاح زينة الرجال” وانتهاء بـ”إنه سلاح رجال الله”.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

 ليس السلاح في لبنان هو تلك المدافع والصواريخ والرشاشات التي يخفيها حزب الله في مخازنه وأنفاقه ومستودعاته، ولا تلك الخردة التي عايناها في الشاحنة التي جُمعت فيها أسلحة من مخيم برج البراجنة للاجئين الفلسطينيين جنوب بيروت! السلاح بنية نفسية مقيمة في وعي جماعي لجزء كبير من اللبنانيين. 

أكثر من خمسة عقود تراكم خلالها السلاح بوصفه شعيرة أهلية وركيزة توازن نفسي أرسته معادلات شديدة التعقيد. خمسة عشر عاماً من الحرب الأهلية، أعقبتها أكثر من ثلاثة عقود من البيانات الوزارية التي تحمي السلاح غير الشرعي. وقبل ذلك، كان اتفاق القاهرة وبشائر معسكرات التدريب التي أنشأتها الأحزاب استعداداً للحرب. السلاح صار فكرة مهيمنة على مشاعر جماعات أهلية. صحيح أن قوتها تتفاوت بين جماعة وأخرى، إلا أنها تخاطب من لم يعرف السلاح، وتغري أجيالاً لم تختبره.

نزع السلاح، هو عملية استئصالية. ليست سياسية وحسب، إنما تكاد تكون أنثروبولوجية. هذه الحقيقة تفسر أوجهاً من الذهول الذي أبدته جماعات سياسية ومذهبية وحتى ثقافية وإعلامية بعد طرح قضية نزع السلاح! فالسلاح ليس عنصر تفوق مذهبي وحسب، إنما أيضاً عنصر توازن نفسي. نحن والحال هذه، حيال نزع لما تعتقده غالبية من الشيعة ومن بعض غير الشيعة ومن النخب اليسارية التي ليس من الضرورة أنها تدين بالولاء لحزب الله، عنصر أمان يشبه ما تشعر به العشيرة عندما يتم توطينها وإخضاعها لسلطة تتعدى مشيختها.

أكثر من خمسة عقود من “المقاومة المسلحة” شكلت وعياً جماعياً تحوّل السلاح فيه إلى عامودٍ يقينا من هزائم متوهمة. صار ضرورة لنوم هانئ لا يتخلله قلق.

صحيح أن السلاح ألحق بنا الهزائم والدمار وجر بحوراً من الدماء، إلا أنه صار أنشودتنا التي لا نجيد غيرها. فلنستعد الفنون التي تمجد السلاح. الأغاني والموسيقى واللوحات التشكيلية، وصولاً إلى الشعارات الأهلية من نوع “السلاح زينة الرجال” وانتهاء بـ”إنه سلاح رجال الله”.

السلاح مزروع في مخيلات أجيال وأجيال من غير رجال الميليشيات. هو وديعة قضية ضائعة، وهو سبق القضية، وصار هو القضية. يمكن أن ننتزع فلسطين من وجدان كثيرين، لكن من الأصعب أن ننتزع السلاح. لعل ما يكثف هذه الفكرة ما يحدث اليوم حول سلاح حزب الله. السلاح أهم من قضيته ومن وظيفته. فكرة السلاح تتقدم حقيقته. نعرف أن إسرائيل دمرت معظم سلاح حزب الله، لكنها لم تدمر أهمية السلاح بالنسبة الى الحزب. حزب الله من دون سلاحه سيتحول حزباً عادياً، لكن قوة الحزب هي في لا عاديته.

والسلاح أيضاً هو قوة الطائفة كما تتوهمها الطوائف الأخرى. الفرق جوهري بين الشيعي المسلح والشيعي غير المسلح في مرآة الآخرين وفي كل محافل الحياة اليومية. إنها الطوائف الأخرى، الطوائف غير المسلحة، وقد أفسحت لنا نحن الذين يتوهم اللبنانيون أننا نخفي سلاحاً تحت مقاعد سياراتنا.

ثم إنه علينا أن نرصد مظاهر عسكرية في عراضات من ألقوا السلاح. “القوات اللبنانية” ألقت سلاحها، لكن مناسباتها وأعيادها يتم إحياؤها بمظاهر يُستعرض فيها الماضي السلاحاتي. الحنين إلى السلاح جزء من وعي أو لا وعي القواتيين الجدد. هذا لا يعني أن القوات ستعود إلى السلاح، إلا أنه يلفت إلى أن الحقبة التي ولد فيها الحزب هي جوهر وجدانه. وعلى هذا الصعيد علينا ألا ننسى أنه وعلى نحو مفاجئ اكتشفنا أن لدى الحزب التقدمي الاشتراكي مخازن أسلحة أقدم وليد جنبلاط أخيراً على تسليمها للجيش في طقس مهيب ومحزن. 

ثم إنه كيف لـ”يساري” أن يسلم سلاحه، على رغم أنه يدعي أنه انعتق من دائرة جاذبية حزب الله بعد الثورة؟ فهو لا يملك غير “السلاح” في صراعه مع إسرائيل! السياسة بالنسبة إليه هي السلاح، والصراع مع إسرائيل سلاح، والحق الفلسطيني سلاح. لا ذاكرة تجمعه مع قضيته سوى السلاح. نحن هنا لا نتحدث عن تلك البنادق التي سيأكلها الصدأ قريباً، ولا عن المدافع والصواريخ التي لا نراها، إنما عن ذلك الرشاش الذي تعمّد بأغنية “خلي السلاح صاحي”، وما تعنيه هذه المعمودية في وعي تراكم على مدى أكثر من خمسة عقود.

ليس مؤكداً أن نائب قائد الحرس الثوري أيرج مسجدي يعتمد على هذا الرصيد للسلاح حين يقول “إن سلاح حزب الله هو سلاح الشعب اللبناني ولن يُنزع”، إلا أن كلامه، ومثلما سيجد رفضاً لبنانياً، سيجد أصداء في وجدانات “رجال الله”، وتفهماً في أوساط لم تجد تصريفاً بعد لضائقة خسارة السلاح. ثم إن توم براك، الذي احتفل بقرار الحكومة حصر السلاح بيدها، لا تعنيه مشاعرنا نحن الذين نتخبط بإرث السلاح، فهذا الرجل ينفذ أجندة بلاده عندنا، ولا يعرف أن بيننا صبْية سلاح من غير المؤمنين بولاية الفقيه، وأن الجامعة الأميركية في بيروت تولت إعدادهم لحمل رسالة السلاح.      

استيقظت الدولة بعد خمسة عقود من السلاح، وقررت أن لها حقاً حصرياً بحمله! ماذا نفعل بكل هذه الأفكار، وهذا الإرث الموسيقي، وهذه اللوحات التشكيلية؟ هذا ليس مجرد هراء، إنه أعمال مسرحية وفنية وروائية وقصائد، وريتا، الأيقونة التي تفصل بندقية بينها وبين حبيبها.

ما هكذا تورد الإبل يا نواف سلام، فالقصة أعقد من اللافتة السخيفة التي عُلقت في الهرمل وتتهمك بالعمالة. القصة ربما أعمق من سلاح حزب الله، القصة هي كيف نتدبر كل هذا السلاح المزروع في وجداناتنا. السلاح الخردة الذي لم يفض إلى نصر واحد يعيننا على التمسك به.

قال لي صديق: “لم أحمل سلاحاً منذ أكثر من ثلاثين سنة، لكنني في كل يوم أستيقظ على خيبة ألا بندقية تحت سريري”. معالجة هذه الخيبة يجب أن يشملها قرار حصر السلاح بيد الدولة، على أن تتولى واشنطن وطهران معالجة أمر ثمن السلاح، وثمن الخردة التي يخلفها.     

صحيح أن السلاح ألحق بنا الهزائم والدمار وجر بحوراً من الدماء، إلا أنه صار أنشودتنا التي لا نجيد غيرها. فلنستعد الفنون التي تمجد السلاح. الأغاني والموسيقى واللوحات التشكيلية، وصولاً إلى الشعارات الأهلية من نوع “السلاح زينة الرجال” وانتهاء بـ”إنه سلاح رجال الله”.

 ليس السلاح في لبنان هو تلك المدافع والصواريخ والرشاشات التي يخفيها حزب الله في مخازنه وأنفاقه ومستودعاته، ولا تلك الخردة التي عايناها في الشاحنة التي جُمعت فيها أسلحة من مخيم برج البراجنة للاجئين الفلسطينيين جنوب بيروت! السلاح بنية نفسية مقيمة في وعي جماعي لجزء كبير من اللبنانيين. 

أكثر من خمسة عقود تراكم خلالها السلاح بوصفه شعيرة أهلية وركيزة توازن نفسي أرسته معادلات شديدة التعقيد. خمسة عشر عاماً من الحرب الأهلية، أعقبتها أكثر من ثلاثة عقود من البيانات الوزارية التي تحمي السلاح غير الشرعي. وقبل ذلك، كان اتفاق القاهرة وبشائر معسكرات التدريب التي أنشأتها الأحزاب استعداداً للحرب. السلاح صار فكرة مهيمنة على مشاعر جماعات أهلية. صحيح أن قوتها تتفاوت بين جماعة وأخرى، إلا أنها تخاطب من لم يعرف السلاح، وتغري أجيالاً لم تختبره.

نزع السلاح، هو عملية استئصالية. ليست سياسية وحسب، إنما تكاد تكون أنثروبولوجية. هذه الحقيقة تفسر أوجهاً من الذهول الذي أبدته جماعات سياسية ومذهبية وحتى ثقافية وإعلامية بعد طرح قضية نزع السلاح! فالسلاح ليس عنصر تفوق مذهبي وحسب، إنما أيضاً عنصر توازن نفسي. نحن والحال هذه، حيال نزع لما تعتقده غالبية من الشيعة ومن بعض غير الشيعة ومن النخب اليسارية التي ليس من الضرورة أنها تدين بالولاء لحزب الله، عنصر أمان يشبه ما تشعر به العشيرة عندما يتم توطينها وإخضاعها لسلطة تتعدى مشيختها.

أكثر من خمسة عقود من “المقاومة المسلحة” شكلت وعياً جماعياً تحوّل السلاح فيه إلى عامودٍ يقينا من هزائم متوهمة. صار ضرورة لنوم هانئ لا يتخلله قلق.

صحيح أن السلاح ألحق بنا الهزائم والدمار وجر بحوراً من الدماء، إلا أنه صار أنشودتنا التي لا نجيد غيرها. فلنستعد الفنون التي تمجد السلاح. الأغاني والموسيقى واللوحات التشكيلية، وصولاً إلى الشعارات الأهلية من نوع “السلاح زينة الرجال” وانتهاء بـ”إنه سلاح رجال الله”.

السلاح مزروع في مخيلات أجيال وأجيال من غير رجال الميليشيات. هو وديعة قضية ضائعة، وهو سبق القضية، وصار هو القضية. يمكن أن ننتزع فلسطين من وجدان كثيرين، لكن من الأصعب أن ننتزع السلاح. لعل ما يكثف هذه الفكرة ما يحدث اليوم حول سلاح حزب الله. السلاح أهم من قضيته ومن وظيفته. فكرة السلاح تتقدم حقيقته. نعرف أن إسرائيل دمرت معظم سلاح حزب الله، لكنها لم تدمر أهمية السلاح بالنسبة الى الحزب. حزب الله من دون سلاحه سيتحول حزباً عادياً، لكن قوة الحزب هي في لا عاديته.

والسلاح أيضاً هو قوة الطائفة كما تتوهمها الطوائف الأخرى. الفرق جوهري بين الشيعي المسلح والشيعي غير المسلح في مرآة الآخرين وفي كل محافل الحياة اليومية. إنها الطوائف الأخرى، الطوائف غير المسلحة، وقد أفسحت لنا نحن الذين يتوهم اللبنانيون أننا نخفي سلاحاً تحت مقاعد سياراتنا.

ثم إنه علينا أن نرصد مظاهر عسكرية في عراضات من ألقوا السلاح. “القوات اللبنانية” ألقت سلاحها، لكن مناسباتها وأعيادها يتم إحياؤها بمظاهر يُستعرض فيها الماضي السلاحاتي. الحنين إلى السلاح جزء من وعي أو لا وعي القواتيين الجدد. هذا لا يعني أن القوات ستعود إلى السلاح، إلا أنه يلفت إلى أن الحقبة التي ولد فيها الحزب هي جوهر وجدانه. وعلى هذا الصعيد علينا ألا ننسى أنه وعلى نحو مفاجئ اكتشفنا أن لدى الحزب التقدمي الاشتراكي مخازن أسلحة أقدم وليد جنبلاط أخيراً على تسليمها للجيش في طقس مهيب ومحزن. 

ثم إنه كيف لـ”يساري” أن يسلم سلاحه، على رغم أنه يدعي أنه انعتق من دائرة جاذبية حزب الله بعد الثورة؟ فهو لا يملك غير “السلاح” في صراعه مع إسرائيل! السياسة بالنسبة إليه هي السلاح، والصراع مع إسرائيل سلاح، والحق الفلسطيني سلاح. لا ذاكرة تجمعه مع قضيته سوى السلاح. نحن هنا لا نتحدث عن تلك البنادق التي سيأكلها الصدأ قريباً، ولا عن المدافع والصواريخ التي لا نراها، إنما عن ذلك الرشاش الذي تعمّد بأغنية “خلي السلاح صاحي”، وما تعنيه هذه المعمودية في وعي تراكم على مدى أكثر من خمسة عقود.

ليس مؤكداً أن نائب قائد الحرس الثوري أيرج مسجدي يعتمد على هذا الرصيد للسلاح حين يقول “إن سلاح حزب الله هو سلاح الشعب اللبناني ولن يُنزع”، إلا أن كلامه، ومثلما سيجد رفضاً لبنانياً، سيجد أصداء في وجدانات “رجال الله”، وتفهماً في أوساط لم تجد تصريفاً بعد لضائقة خسارة السلاح. ثم إن توم براك، الذي احتفل بقرار الحكومة حصر السلاح بيدها، لا تعنيه مشاعرنا نحن الذين نتخبط بإرث السلاح، فهذا الرجل ينفذ أجندة بلاده عندنا، ولا يعرف أن بيننا صبْية سلاح من غير المؤمنين بولاية الفقيه، وأن الجامعة الأميركية في بيروت تولت إعدادهم لحمل رسالة السلاح.      

استيقظت الدولة بعد خمسة عقود من السلاح، وقررت أن لها حقاً حصرياً بحمله! ماذا نفعل بكل هذه الأفكار، وهذا الإرث الموسيقي، وهذه اللوحات التشكيلية؟ هذا ليس مجرد هراء، إنه أعمال مسرحية وفنية وروائية وقصائد، وريتا، الأيقونة التي تفصل بندقية بينها وبين حبيبها.

ما هكذا تورد الإبل يا نواف سلام، فالقصة أعقد من اللافتة السخيفة التي عُلقت في الهرمل وتتهمك بالعمالة. القصة ربما أعمق من سلاح حزب الله، القصة هي كيف نتدبر كل هذا السلاح المزروع في وجداناتنا. السلاح الخردة الذي لم يفض إلى نصر واحد يعيننا على التمسك به.

قال لي صديق: “لم أحمل سلاحاً منذ أكثر من ثلاثين سنة، لكنني في كل يوم أستيقظ على خيبة ألا بندقية تحت سريري”. معالجة هذه الخيبة يجب أن يشملها قرار حصر السلاح بيد الدولة، على أن تتولى واشنطن وطهران معالجة أمر ثمن السلاح، وثمن الخردة التي يخلفها.