ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

“خلّي السلاح صاحي”

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

نحن أمام نقاش داخلي بين مأزومَين. بين سلطة تحكم دولة لا تستطيع الحرب، ولا تريدها، ولا تدّعي أنها لها، وبين حزب يكثّف لغة حرب لا يريدها، ولم يعد يملك استطاعتها حتى لو فُرضت عليه.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

ليس مصادفة أن يتزامن خطاب الأمين العامّ لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم مع جلسة “حصر السلاح بيد الدولة”، التي عقدتها الحكومة اللبنانية  في قصر بعبدا، فـ”حزب الله” لا يترك شيئاً للمصادفات.

    بدا قاسم في الخطاب كمن يُملي على المجتمعين حدود النقاش، وإن من خارج الجلسة، وبدا أيضاً كمن ينزع عن وزراء “الثنائي الشيعي” صفتهم ، وحصرها بشخصه، فيما المستور في مشهديّتي الخطاب والجلسة، الذي لم يقله، ولن يقوله قاسم، أن النقاش في سلاح “حزب الله” ليس شأناً لبنانياً، وأمره عند وليّ الأمر في طهران.

    لكنّ منسوب الخطاب العالي النبرة، لم يحجب “دبلوماسية” مفتعلة عند الأمين العامّ، فقاسم في ذروة ما كان يُمليه على المجتمعين، ظلّ ضنيناً باجتماعهم وبجمعهم، حتى وهم يقتفون أصداء كلامه الذي جاء سياقه من خارج النقاش، فالأخير في أعراف قاسم هو مجرّد إشعار للسلطة بوجود يقتضيه مأزق حزبه الراهن.

   لم يكن اللبنانيون بحاجة إلى خطاب آخر من الأمين العامّ لـ”حزب الله” ليدركوا أي مشقّة ملقاة على عاتق دولة تتأرجح، مع وهنها، بين معموديّتين اثنتين. المعموديّة الأولى هي ضغط المجتمع الدولي عليها، وبالتالي الخشية من استئناف إسرائيل الحرب على لبنان، فيما المعموديّة الأخرى تتأتّى عليها من حزب لا يني  يكثّف لغة الحرب، لكنّه لن يحارب، وتريد هي أصلاً أن تنزع منه هذه السمة.

  فالتبصّر في كلّ ما يقوله الحزب، من أمينه العامّ إلى مسؤوليه، يلامس حقيقة يعرفونها  أكثر من غيرهم. كانت الحرب الأخيرة آخر حروب “حزب الله” مع إسرائيل، فيما “الدولة” تتبدّى سعفة ظرفية لمأزقه الراهن، ودلالاتها في “مجاميع” الخطب المتواترة عن مسؤوليّتها في وقف الاعتداءات الإسرائيلية، وفي إعمار ما خلّفته الحرب. إنها في أحسن الأحوال دولة مأزومة  “كبدل عن مأزوم”.

  نحن أمام نقاش داخلي بين مأزومَين.

بين سلطة تحكم دولة لا تستطيع الحرب، ولا تريدها، ولا تدّعي أنها لها، وبين حزب يكثّف  لغة حرب لا يريدها، ولم يعد يملك استطاعتها حتى لو فُرضت عليه.

    وفي مشقّتهما الراهنة يخضع المأزومان لمعادلة قسرية لا تزال  إسرائيل ترسم حدودها بالحرب المقننة في راهنها، والمدمّرة، على الأرجح، إذا ما افترضنا أن النقاش الذي بوشر في بعبدا، سيُفضي مستقبله المحدود إلى عقمه، وهو المرجّح.

  منذ الإعلان عن نشأته قبل أربعة عقود، إلى راهن يُناقَش فيه تسليم سلاحه للجيش اللبناني، صعّب “حزب الله”على نفسه، وعلى اللبنانيين، واقعاً تتبدّى فيه فكرة الحزب بلا سلاح فكرة مستعصية.

      ولأن  لبنان كان منذ استقلاله في العام ١٩٤٣ مشاعاً  للسلاح، وتداول على الأخير لبنانيون وفلسطينيون، لكنّ تداولاً كهذا لم يلبث أن أنهته الحروب والوصايات. وحده “حزب الله” رفع منسوب امتلاك السلاح إلى مرتبة القداسة، لتستعصي في مخيّلة اللبنانيين، طوعاً أو قسراً، تلك الفكرة التي يُستحضر فيها الحزب بلا سلاح.

    حين كثّف”حزب الله” علّة وجوده، كثّفها ربطاً بالحرب، فكيف والسلاح هو بالضرورة علّة مخاض. واللبنانيون، وفيهم بيئة الحزب، حين لا يعثروا في قيده المدني على ما يُسعف بحثاً مفترضاً عن علّة هذا الوجود، يعثرون بالمقابل على سجلّ حربي هائل يبدأ منذ  الولادة، إلى راهنه الذي يُكابد فيه مشقّة تسليمه سلاحه. نحن إذاً حيال حزب لم تُعرف له مهنة غير مهنة الحرب، وحيال  اعتقاده  بخطر وجودي صنعه بنفسه، وعن نفسه، وأدخله كحتميّة في وعي بيئته.

  إذ ليس بلا دلالات مثلاً أن تتضخّم فكرة “السلاح” من شأن دنيوي باشره أمينه العامّ الراحل السيد حسن نصرالله بقطع الأيدي التي تمتدّ إليه، إلى شأن ديني وغيبي يرتبط بظهور “المهدي”، على ما تفوّه به مسؤولون في الحزب، وانسحب على آلته الإعلامية والدعائية.

   لكنّ تأبيد فكرة التلازم بين الحزب والسلاح، وبمعزل عن صيرورة الزمن الكفيلة بتهفيتها، هي إفضاء إلى مضاعفة الحزب لمأزقه الراهن، فيما الوقائع التي أنتجتها آخر حروبه تشي بأن المهل الزمنية، وربطها  بالغيب، هي أقصر بكثير مما يحتمله راهناً مأزق “حزب الله”، ومأزق لبنان برمّته.

  منذ “أصبح عندي الآن بندقية”، و”خلّي السلاح صاحي”، تبدّى الأخير سياقاً شديد التأثير لصنائع الإيديولوجيا في الوعي، ولم يكن مصادفة أن تستعين “الناصرية” بقامتين فنّيتين كأمّ كلثوم وعبد الحليم حافظ كمؤثّرين في هذا السياق، قبل أن يُكشف مؤخّراً ما وشى به  تسجيل أرشيفي عن  مذمّة، وبمفعول رجعي، من جمال عبد الناصر للحروب.

  وخطابات الرئيس المصري الراحل عن إسرائيل والحرب والسلاح، لم تكن أقلّ حدّة مما نسمعه من الشيخ نعيم قاسم، ومن مسؤولي الحزب، ومن إيران أيضاً، لكنّ العبرة بالخواتيم التي نام عليها الناصريون لخمسة عقود ونصف العقد.

06.08.2025
زمن القراءة: 3 minutes

نحن أمام نقاش داخلي بين مأزومَين. بين سلطة تحكم دولة لا تستطيع الحرب، ولا تريدها، ولا تدّعي أنها لها، وبين حزب يكثّف لغة حرب لا يريدها، ولم يعد يملك استطاعتها حتى لو فُرضت عليه.

ليس مصادفة أن يتزامن خطاب الأمين العامّ لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم مع جلسة “حصر السلاح بيد الدولة”، التي عقدتها الحكومة اللبنانية  في قصر بعبدا، فـ”حزب الله” لا يترك شيئاً للمصادفات.

    بدا قاسم في الخطاب كمن يُملي على المجتمعين حدود النقاش، وإن من خارج الجلسة، وبدا أيضاً كمن ينزع عن وزراء “الثنائي الشيعي” صفتهم ، وحصرها بشخصه، فيما المستور في مشهديّتي الخطاب والجلسة، الذي لم يقله، ولن يقوله قاسم، أن النقاش في سلاح “حزب الله” ليس شأناً لبنانياً، وأمره عند وليّ الأمر في طهران.

    لكنّ منسوب الخطاب العالي النبرة، لم يحجب “دبلوماسية” مفتعلة عند الأمين العامّ، فقاسم في ذروة ما كان يُمليه على المجتمعين، ظلّ ضنيناً باجتماعهم وبجمعهم، حتى وهم يقتفون أصداء كلامه الذي جاء سياقه من خارج النقاش، فالأخير في أعراف قاسم هو مجرّد إشعار للسلطة بوجود يقتضيه مأزق حزبه الراهن.

   لم يكن اللبنانيون بحاجة إلى خطاب آخر من الأمين العامّ لـ”حزب الله” ليدركوا أي مشقّة ملقاة على عاتق دولة تتأرجح، مع وهنها، بين معموديّتين اثنتين. المعموديّة الأولى هي ضغط المجتمع الدولي عليها، وبالتالي الخشية من استئناف إسرائيل الحرب على لبنان، فيما المعموديّة الأخرى تتأتّى عليها من حزب لا يني  يكثّف لغة الحرب، لكنّه لن يحارب، وتريد هي أصلاً أن تنزع منه هذه السمة.

  فالتبصّر في كلّ ما يقوله الحزب، من أمينه العامّ إلى مسؤوليه، يلامس حقيقة يعرفونها  أكثر من غيرهم. كانت الحرب الأخيرة آخر حروب “حزب الله” مع إسرائيل، فيما “الدولة” تتبدّى سعفة ظرفية لمأزقه الراهن، ودلالاتها في “مجاميع” الخطب المتواترة عن مسؤوليّتها في وقف الاعتداءات الإسرائيلية، وفي إعمار ما خلّفته الحرب. إنها في أحسن الأحوال دولة مأزومة  “كبدل عن مأزوم”.

  نحن أمام نقاش داخلي بين مأزومَين.

بين سلطة تحكم دولة لا تستطيع الحرب، ولا تريدها، ولا تدّعي أنها لها، وبين حزب يكثّف  لغة حرب لا يريدها، ولم يعد يملك استطاعتها حتى لو فُرضت عليه.

    وفي مشقّتهما الراهنة يخضع المأزومان لمعادلة قسرية لا تزال  إسرائيل ترسم حدودها بالحرب المقننة في راهنها، والمدمّرة، على الأرجح، إذا ما افترضنا أن النقاش الذي بوشر في بعبدا، سيُفضي مستقبله المحدود إلى عقمه، وهو المرجّح.

  منذ الإعلان عن نشأته قبل أربعة عقود، إلى راهن يُناقَش فيه تسليم سلاحه للجيش اللبناني، صعّب “حزب الله”على نفسه، وعلى اللبنانيين، واقعاً تتبدّى فيه فكرة الحزب بلا سلاح فكرة مستعصية.

      ولأن  لبنان كان منذ استقلاله في العام ١٩٤٣ مشاعاً  للسلاح، وتداول على الأخير لبنانيون وفلسطينيون، لكنّ تداولاً كهذا لم يلبث أن أنهته الحروب والوصايات. وحده “حزب الله” رفع منسوب امتلاك السلاح إلى مرتبة القداسة، لتستعصي في مخيّلة اللبنانيين، طوعاً أو قسراً، تلك الفكرة التي يُستحضر فيها الحزب بلا سلاح.

    حين كثّف”حزب الله” علّة وجوده، كثّفها ربطاً بالحرب، فكيف والسلاح هو بالضرورة علّة مخاض. واللبنانيون، وفيهم بيئة الحزب، حين لا يعثروا في قيده المدني على ما يُسعف بحثاً مفترضاً عن علّة هذا الوجود، يعثرون بالمقابل على سجلّ حربي هائل يبدأ منذ  الولادة، إلى راهنه الذي يُكابد فيه مشقّة تسليمه سلاحه. نحن إذاً حيال حزب لم تُعرف له مهنة غير مهنة الحرب، وحيال  اعتقاده  بخطر وجودي صنعه بنفسه، وعن نفسه، وأدخله كحتميّة في وعي بيئته.

  إذ ليس بلا دلالات مثلاً أن تتضخّم فكرة “السلاح” من شأن دنيوي باشره أمينه العامّ الراحل السيد حسن نصرالله بقطع الأيدي التي تمتدّ إليه، إلى شأن ديني وغيبي يرتبط بظهور “المهدي”، على ما تفوّه به مسؤولون في الحزب، وانسحب على آلته الإعلامية والدعائية.

   لكنّ تأبيد فكرة التلازم بين الحزب والسلاح، وبمعزل عن صيرورة الزمن الكفيلة بتهفيتها، هي إفضاء إلى مضاعفة الحزب لمأزقه الراهن، فيما الوقائع التي أنتجتها آخر حروبه تشي بأن المهل الزمنية، وربطها  بالغيب، هي أقصر بكثير مما يحتمله راهناً مأزق “حزب الله”، ومأزق لبنان برمّته.

  منذ “أصبح عندي الآن بندقية”، و”خلّي السلاح صاحي”، تبدّى الأخير سياقاً شديد التأثير لصنائع الإيديولوجيا في الوعي، ولم يكن مصادفة أن تستعين “الناصرية” بقامتين فنّيتين كأمّ كلثوم وعبد الحليم حافظ كمؤثّرين في هذا السياق، قبل أن يُكشف مؤخّراً ما وشى به  تسجيل أرشيفي عن  مذمّة، وبمفعول رجعي، من جمال عبد الناصر للحروب.

  وخطابات الرئيس المصري الراحل عن إسرائيل والحرب والسلاح، لم تكن أقلّ حدّة مما نسمعه من الشيخ نعيم قاسم، ومن مسؤولي الحزب، ومن إيران أيضاً، لكنّ العبرة بالخواتيم التي نام عليها الناصريون لخمسة عقود ونصف العقد.