ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

خور عبد الله: الممرّ المائي الذي يشعل خلافاً سيادياً وسياسياً بين بغداد والكويت

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

النزاع حول خور عبد الله لا يتعلّق فقط بتنظيم الملاحة أو تقاسم المياه، بل هو اختبار حقيقي للسيادة العراقية، ومصداقية مؤسّساتها الدستورية، واستقلالية قرارها السياسي. كما يمثّل مرآة دقيقة لتقاطعات السياسة الخارجية بالعلاقات الخليجية، وتوظيف النزاعات الحدودية في معارك الداخل العراقي.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

فيما تبدو الأزمة بين العراق والكويت بشأن خور عبد الله نزاعاً قانونياً على تنظيم الملاحة البحرية، إلا أن جذورها تمتدّ أعمق من ذلك، لتكشف عن إرث طويل من النزاع الحدودي، والتداخلات الإقليمية، والصراعات السياسية الداخلية في العراق، وسط تساؤلات حادّة بشأن مستقبل السيادة البحرية للعراق، ومصير الاتّفاقيات الموقّعة، والآثار الاقتصادية والسياسية المحتملة لأي تصعيد جديد.

من أين تبدأ الحكاية؟

يمتدّ خور عبد الله بطول نحو 120 كيلومتراً، ويفصل بين جزيرتي بوبيان ووربة الكويتيتين وشبه جزيرة الفاو العراقية، ويتّصل جنوباً ببحر العرب، مما يجعله المنفذ البحري الوحيد للصادرات والواردات العراقية عبر ميناء أم قصر، كما يمثّل ركيزة أساسية في خطط العراق لإنشاء ميناء الفاو الكبير، المشروع البحري الأضخم في تاريخه الحديث.

رغم هذه الأهمّية، فإن الخور كان وما يزال محلّ نزاع قانوني وسياسي بين العراق والكويت. ويعود أصل الخلاف، كما يقول الصحافي العراقي كلكامش نبيل، إلى “عقود مضت، منذ رفض العراق الاعتراف بالكويت في عهد عبد الكريم قاسم، وصولاً إلى توقيع اتّفاقية ترسيم حدود في تشرين الأوّل/ أكتوبر 1963، التي اعتبرت الخور ممرّاً مشتركاً بين البلدين”.

لاحقاً، تكرّس هذا الفهم بقرار مجلس الأمن الدولي في عام 1993، عقب تحرير الكويت من الاحتلال العراقي، ثم عبر اتّفاقية تنظيم الملاحة في الخور، الموقّعة في عام 2012، والمصادق عليها في 2013، والتي منحت الكويت دوراً أكبر في إدارة الملاحة ضمن الممرّ الحيوي.

اتّفاقية 2012 – 2013: تنظيم أم تنازل؟

في 29 نيسان/ أبريل 2012، وُقّعت اتّفاقية بين العراق والكويت لتنظيم الملاحة في خور عبد الله، مع تأكيد نصّها على عدم المساس بالحدود البحرية التي رسمتها الأمم المتّحدة. صادق البرلمان العراقي على الاتّفاق عبر القانون رقم 42 للعام 2013 بأغلبية بسيطة، وتمّ نشره في الجريدة الرسمية في 25 تشرين الثاني/ نوفمبر من العام ذاته، ثم أُرسل إلى كلّ من الأمم المتّحدة ومنظّمة الملاحة الدولية.

لكنّ المادّة الثانية من الاتّفاقية أثارت لاحقاً جدلاً واسعاً، إذ تنصّ على تحديد الحدود البحرية انطلاقاً من النقطة 156، مروراً بالنقطة 157، وصولاً إلى النقطة 162، “ومن ثم إلى بداية مدخل القناة الملاحية عند خور عبد الله”.

ويعتبر عدد من الخبراء أن الامتداد ما بعد النقطة 162 لا يُقابل الساحل العراقي فيه أي شريط كويتي، ما يجعل تقاسم المياه هناك تنازلاً فعلياً عن نحو 12 ميلاً بحرياً من المياه العراقية لصالح الكويت، وهو امتداد لم يكن مشمولاً في أي من الاتّفاقيات أو القرارات الأممية السابقة، وكان يُصنّف ضمن المياه الدولية.

لكنّ اتّفاقية 2013 منحت الكويت غطاءً قانونياً لفرض سيطرة فعليّة على هذا الامتداد، مما يُهدّد بفقدان العراق لمنطقة اقتصادية بحرية غنيّة بالثروات النفطية والغازية المحتملة، ويفتح المجال أمام السعودية وإيران والكويت لاستغلال هذه المياه من دون وجود منافس عراقي مباشر، الأمر الذي يُنظر إليه في بغداد على أنه إقصاء تدريجي للعراق من الفضاء البحري الخليجي.

ومع دخول الاتّفاق حيّز التنفيذ، بدأت الكويت بإنشاء جزر ونصب منصّات بحرية في تلك المنطقة، مما أدّى إلى تغيّرات ميدانية اعتُبرت، وفق الرؤية العراقية الناقدة، فرضاً لواقع قانوني وجغرافي جديد، منح الكويت أفضليّة بحرية واقتصادية واستراتيجية على حساب العراق.

المحكمة الاتّحادية وقلب الطاولة

في عام 2014، أيّدت المحكمة الاتّحادية العليا دستورية القانون الذي صادق على الاتّفاقية، مفرّقة بين “قوانين المعاهدات” التي تتطلّب أغلبية الثلثين، و”المصادقة على معاهدات محدّدة”، التي تُقرّ بالأغلبية البسيطة، مما أسّس لمبدأ قضائي استُند إليه لاحقاً في ملفّات مشابهة.

لكن في 4 أيلول/ سبتمبر 2023، أصدرت المحكمة قراراً جديداً ألغى المصادقة على القانون، بدعوى عدم تحقق أغلبية الثلثين، معتبرة الاتّفاق “غير دستوري”، بالاستناد إلى المادّة 45 من نظامها الداخلي.

هذا القرار مثّل انقلاباً قضائياً، بحسب المراقبين، لأنه ناقض حكماً سابقاً صدر عن المحكمة نفسها، وأثار غضباً كبيراً داخل العراق والكويت، وفتح الباب لأزمة دستورية ودبلوماسية معقّدة، إذ اعتُبر أن العراق بات في موقع الطرف المنكفئ عن التزام دولي مسجّل لدى الأمم المتّحدة.

وبما أن اتّفاقية تنظيم الملاحة للعام 2012 صُدّق عليها رسمياً، وأُودعت لدى الأمم المتّحدة ومنظّمة الملاحة الدولية، فإنها تُعدّ من الاتّفاقيات الثنائية الدولية المُلزمة، ولا يمكن لأي طرف من أطرافها الانسحاب منها أو إلغاؤها من جانب واحد دون موافقة الطرف الآخر. ويُعدّ الإخلال بهذه الالتزامات خروجاً عن مبادئ القانون الدولي، ما قد يؤدّي إلى تبعات قانونية وسياسية على العراق أمام المنظّمات الدولية، ويُضعف موقفه التفاوضي والإقليمي.

السوداني تحت الضغط

يرى كلكامش نبيل أن “تحريك هذا الملفّ في هذا التوقيت لا يرتبط برغبة حقيقية في حلّ الإشكال الحدودي، بقدر ما يعكس وجود تصفيات سياسية داخلية”، مؤكّداً أن “أطرافاً سياسية عراقية، خصوصاً في الجنوب، تستغلّ ملفّ خور عبد الله للضغط على حكومة محمد شيّاع السوداني، في سياق محاولات تهدف إلى تحجيمه انتخابياً من خلال إثارة ملفّات سيادية خلافية”.

ويشير نبيل إلى أن “ما يجري ليس مقدّمة لقطيعة بين العراق والكويت، بل توتّر داخلي عراقي يُستغلّ في إطار صراعات انتخابية”، لافتاً إلى أن الجانب الكويتي “يميل إلى تضخيم بعض التصريحات أو منشورات وسائل التواصل الاجتماعي، ويعتبرها تهديدات فعليّة، لتبرير مواقفه القانونية”.

ويُربط هذا التصعيد أيضاً بالوضع الإقليمي، إذ يرى نبيل أن “تراجع النفوذ الإيراني بعد هجمات 7 أكتوبر 2023، والضغوط الأميركية على فصائل الحشد الشعبي، التي تصاعدت المطالب بتصنيفها كمنظّمات إرهابية، يشكّل بيئة خصبة تحاول الكويت استغلالها لتقوية موقفها القانوني”.

التوتّر الأمني: إشارات لا نوايا صدام

شهدت المناطق المحاذية للخور بين فترة وأخرى انتشاراً لفصائل من الحشد الشعبي ومجموعات مسلّحة عراقية، في ما بدا وكأنه تلويح بالتصعيد أو رسائل سياسية مرتبطة بمواقف الكويت الإقليمية، لا سيّما بعد إدراجها “حزب الله” كمنظّمة إرهابية، ضمن مواقف مجلس التعاون الخليجي.

رغم هذه التطوّرات، يستبعد نبيل حدوث تصعيد مفتوح أو تكرار لسيناريو 1990، ويصف ما يجري بأنه حرب ناعمة بالأوراق القانونية والإعلامية والسياسية، لا بالمدافع.

الاقتصاد يحذّر من الكلفة الباهظة

المتخصّص في الشأن الاقتصادي مصطفى أكرم حنتوش يؤكّد أن “العراق لا يمكنه ضمان حقوقه بالتصعيد، بل عبر القانون الدولي والدبلوماسية عالية المستوى”، ويُحذّر من أن التصعيد الإعلامي والسياسي “لن يجلب سوى مزيد من الأزمات”.

ويقول حنتوش: “العراق يأخذ حقوقه عبر التفاوض، لا عبر لغة التهديد التي جلبت الويلات للعراقيين في مراحل سابقة”، مشيراً إلى أن “محاولات تقييد الملاحة في الخور تُعدّ مخالفة للمواثيق الدولية البحرية”، والحلّ يكمن في “استمرار الحوار مع الكويت في إطار المصالح المشتركة”.

التصعيد يهدّد بإضعاف التجارة العراقية البحرية، خاصّة في ظلّ إنشاء الكويت ميناء مبارك الكبير على بوبيان، مقابل خور عبد الله، في الوقت الذي لا يزال العراق يعمل على تطوير ميناء الفاو الكبير ليكون منافساً إقليمياً ذا سيادة كاملة.

التحوّلات القضائية والسياسية الأخيرة

بعد سلسلة تأجيلات قضائية طالت الطعون المقدّمة من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء أمام المحكمة الاتّحادية (من نيسان/ أبريل حتى حزيران/ يونيو 2025)، وُجّهت تهم للقضاء بمحاولة تمييع الملفّ أو تسييسه.

لكن في 8 تمّوز/ يوليو 2025، اجتمع كلّ من رئيس الجمهورية عبد اللطيف رشيد، ورئيس الوزراء محمد شيّاع السوداني، ورئيس البرلمان محمود المشهداني، وخرجوا بقرار مفصلي يقضي بـسحب الطعون القضائية، وتكليف البرلمان بإعادة التصويت على الاتّفاق وفق الدستور، أي بأغلبية الثلثين.

وبهذا، بات مصير الاتّفاقية الآن بيد البرلمان العراقي، الذي يواجه ضغوطاً متزايدة بين الالتزامات الدولية، والتوجّهات السيادية، والانقسامات السياسية الداخلية، وسط مطالب شعبية بإجراء استفتاء أو عرض الملفّ على محكمة دولية مثل محكمة البحار ITLOS.

إن النزاع حول خور عبد الله لا يتعلّق فقط بتنظيم الملاحة أو تقاسم المياه، بل هو اختبار حقيقي للسيادة العراقية، ومصداقية مؤسّساتها الدستورية، واستقلالية قرارها السياسي. كما يمثّل مرآة دقيقة لتقاطعات السياسة الخارجية بالعلاقات الخليجية، وتوظيف النزاعات الحدودية في معارك الداخل العراقي.

في وقت تنتظر فيه الكويت احترام العراق للاتفّاقية المودعة رسمياً في الأمم المتّحدة، يجد العراق نفسه أمام معضلة قانونية وسياسية: إما المضي باتّفاق يراه مجحفاً، وإما إعادة التفاوض بما يُعيد التوازن للحقوق السيادية دون خسارة الشرعيّة الدولية.

هلا نهاد نصرالدين - صحافية لبنانية | 17.07.2026

صفقة أسهم بقيمة 79 مليون يورو تربط بنك IBL اللبناني بتاجر مخدرات إيطالي!

في دولة لا تزال محاكمها تتعثر في ملاحقة ومحاسبة كبار المتورطين في الانهيار المالي، يطرح ملف بنك IBL وسواه من الملفات التي يكشفها القضاء الأجنبي سؤالاً أعمق: هل يملك لبنان فعلاً القدرة والإرادة لمحاسبة أي طرف مصرفي يثبت، أمام القضاء، أنه سهّل، عن علم أو عن تقصير جسيم، مرور أموال منظمات الجريمة الدولية عبر النظام…
09.08.2025
زمن القراءة: 6 minutes

النزاع حول خور عبد الله لا يتعلّق فقط بتنظيم الملاحة أو تقاسم المياه، بل هو اختبار حقيقي للسيادة العراقية، ومصداقية مؤسّساتها الدستورية، واستقلالية قرارها السياسي. كما يمثّل مرآة دقيقة لتقاطعات السياسة الخارجية بالعلاقات الخليجية، وتوظيف النزاعات الحدودية في معارك الداخل العراقي.

فيما تبدو الأزمة بين العراق والكويت بشأن خور عبد الله نزاعاً قانونياً على تنظيم الملاحة البحرية، إلا أن جذورها تمتدّ أعمق من ذلك، لتكشف عن إرث طويل من النزاع الحدودي، والتداخلات الإقليمية، والصراعات السياسية الداخلية في العراق، وسط تساؤلات حادّة بشأن مستقبل السيادة البحرية للعراق، ومصير الاتّفاقيات الموقّعة، والآثار الاقتصادية والسياسية المحتملة لأي تصعيد جديد.

من أين تبدأ الحكاية؟

يمتدّ خور عبد الله بطول نحو 120 كيلومتراً، ويفصل بين جزيرتي بوبيان ووربة الكويتيتين وشبه جزيرة الفاو العراقية، ويتّصل جنوباً ببحر العرب، مما يجعله المنفذ البحري الوحيد للصادرات والواردات العراقية عبر ميناء أم قصر، كما يمثّل ركيزة أساسية في خطط العراق لإنشاء ميناء الفاو الكبير، المشروع البحري الأضخم في تاريخه الحديث.

رغم هذه الأهمّية، فإن الخور كان وما يزال محلّ نزاع قانوني وسياسي بين العراق والكويت. ويعود أصل الخلاف، كما يقول الصحافي العراقي كلكامش نبيل، إلى “عقود مضت، منذ رفض العراق الاعتراف بالكويت في عهد عبد الكريم قاسم، وصولاً إلى توقيع اتّفاقية ترسيم حدود في تشرين الأوّل/ أكتوبر 1963، التي اعتبرت الخور ممرّاً مشتركاً بين البلدين”.

لاحقاً، تكرّس هذا الفهم بقرار مجلس الأمن الدولي في عام 1993، عقب تحرير الكويت من الاحتلال العراقي، ثم عبر اتّفاقية تنظيم الملاحة في الخور، الموقّعة في عام 2012، والمصادق عليها في 2013، والتي منحت الكويت دوراً أكبر في إدارة الملاحة ضمن الممرّ الحيوي.

اتّفاقية 2012 – 2013: تنظيم أم تنازل؟

في 29 نيسان/ أبريل 2012، وُقّعت اتّفاقية بين العراق والكويت لتنظيم الملاحة في خور عبد الله، مع تأكيد نصّها على عدم المساس بالحدود البحرية التي رسمتها الأمم المتّحدة. صادق البرلمان العراقي على الاتّفاق عبر القانون رقم 42 للعام 2013 بأغلبية بسيطة، وتمّ نشره في الجريدة الرسمية في 25 تشرين الثاني/ نوفمبر من العام ذاته، ثم أُرسل إلى كلّ من الأمم المتّحدة ومنظّمة الملاحة الدولية.

لكنّ المادّة الثانية من الاتّفاقية أثارت لاحقاً جدلاً واسعاً، إذ تنصّ على تحديد الحدود البحرية انطلاقاً من النقطة 156، مروراً بالنقطة 157، وصولاً إلى النقطة 162، “ومن ثم إلى بداية مدخل القناة الملاحية عند خور عبد الله”.

ويعتبر عدد من الخبراء أن الامتداد ما بعد النقطة 162 لا يُقابل الساحل العراقي فيه أي شريط كويتي، ما يجعل تقاسم المياه هناك تنازلاً فعلياً عن نحو 12 ميلاً بحرياً من المياه العراقية لصالح الكويت، وهو امتداد لم يكن مشمولاً في أي من الاتّفاقيات أو القرارات الأممية السابقة، وكان يُصنّف ضمن المياه الدولية.

لكنّ اتّفاقية 2013 منحت الكويت غطاءً قانونياً لفرض سيطرة فعليّة على هذا الامتداد، مما يُهدّد بفقدان العراق لمنطقة اقتصادية بحرية غنيّة بالثروات النفطية والغازية المحتملة، ويفتح المجال أمام السعودية وإيران والكويت لاستغلال هذه المياه من دون وجود منافس عراقي مباشر، الأمر الذي يُنظر إليه في بغداد على أنه إقصاء تدريجي للعراق من الفضاء البحري الخليجي.

ومع دخول الاتّفاق حيّز التنفيذ، بدأت الكويت بإنشاء جزر ونصب منصّات بحرية في تلك المنطقة، مما أدّى إلى تغيّرات ميدانية اعتُبرت، وفق الرؤية العراقية الناقدة، فرضاً لواقع قانوني وجغرافي جديد، منح الكويت أفضليّة بحرية واقتصادية واستراتيجية على حساب العراق.

المحكمة الاتّحادية وقلب الطاولة

في عام 2014، أيّدت المحكمة الاتّحادية العليا دستورية القانون الذي صادق على الاتّفاقية، مفرّقة بين “قوانين المعاهدات” التي تتطلّب أغلبية الثلثين، و”المصادقة على معاهدات محدّدة”، التي تُقرّ بالأغلبية البسيطة، مما أسّس لمبدأ قضائي استُند إليه لاحقاً في ملفّات مشابهة.

لكن في 4 أيلول/ سبتمبر 2023، أصدرت المحكمة قراراً جديداً ألغى المصادقة على القانون، بدعوى عدم تحقق أغلبية الثلثين، معتبرة الاتّفاق “غير دستوري”، بالاستناد إلى المادّة 45 من نظامها الداخلي.

هذا القرار مثّل انقلاباً قضائياً، بحسب المراقبين، لأنه ناقض حكماً سابقاً صدر عن المحكمة نفسها، وأثار غضباً كبيراً داخل العراق والكويت، وفتح الباب لأزمة دستورية ودبلوماسية معقّدة، إذ اعتُبر أن العراق بات في موقع الطرف المنكفئ عن التزام دولي مسجّل لدى الأمم المتّحدة.

وبما أن اتّفاقية تنظيم الملاحة للعام 2012 صُدّق عليها رسمياً، وأُودعت لدى الأمم المتّحدة ومنظّمة الملاحة الدولية، فإنها تُعدّ من الاتّفاقيات الثنائية الدولية المُلزمة، ولا يمكن لأي طرف من أطرافها الانسحاب منها أو إلغاؤها من جانب واحد دون موافقة الطرف الآخر. ويُعدّ الإخلال بهذه الالتزامات خروجاً عن مبادئ القانون الدولي، ما قد يؤدّي إلى تبعات قانونية وسياسية على العراق أمام المنظّمات الدولية، ويُضعف موقفه التفاوضي والإقليمي.

السوداني تحت الضغط

يرى كلكامش نبيل أن “تحريك هذا الملفّ في هذا التوقيت لا يرتبط برغبة حقيقية في حلّ الإشكال الحدودي، بقدر ما يعكس وجود تصفيات سياسية داخلية”، مؤكّداً أن “أطرافاً سياسية عراقية، خصوصاً في الجنوب، تستغلّ ملفّ خور عبد الله للضغط على حكومة محمد شيّاع السوداني، في سياق محاولات تهدف إلى تحجيمه انتخابياً من خلال إثارة ملفّات سيادية خلافية”.

ويشير نبيل إلى أن “ما يجري ليس مقدّمة لقطيعة بين العراق والكويت، بل توتّر داخلي عراقي يُستغلّ في إطار صراعات انتخابية”، لافتاً إلى أن الجانب الكويتي “يميل إلى تضخيم بعض التصريحات أو منشورات وسائل التواصل الاجتماعي، ويعتبرها تهديدات فعليّة، لتبرير مواقفه القانونية”.

ويُربط هذا التصعيد أيضاً بالوضع الإقليمي، إذ يرى نبيل أن “تراجع النفوذ الإيراني بعد هجمات 7 أكتوبر 2023، والضغوط الأميركية على فصائل الحشد الشعبي، التي تصاعدت المطالب بتصنيفها كمنظّمات إرهابية، يشكّل بيئة خصبة تحاول الكويت استغلالها لتقوية موقفها القانوني”.

التوتّر الأمني: إشارات لا نوايا صدام

شهدت المناطق المحاذية للخور بين فترة وأخرى انتشاراً لفصائل من الحشد الشعبي ومجموعات مسلّحة عراقية، في ما بدا وكأنه تلويح بالتصعيد أو رسائل سياسية مرتبطة بمواقف الكويت الإقليمية، لا سيّما بعد إدراجها “حزب الله” كمنظّمة إرهابية، ضمن مواقف مجلس التعاون الخليجي.

رغم هذه التطوّرات، يستبعد نبيل حدوث تصعيد مفتوح أو تكرار لسيناريو 1990، ويصف ما يجري بأنه حرب ناعمة بالأوراق القانونية والإعلامية والسياسية، لا بالمدافع.

الاقتصاد يحذّر من الكلفة الباهظة

المتخصّص في الشأن الاقتصادي مصطفى أكرم حنتوش يؤكّد أن “العراق لا يمكنه ضمان حقوقه بالتصعيد، بل عبر القانون الدولي والدبلوماسية عالية المستوى”، ويُحذّر من أن التصعيد الإعلامي والسياسي “لن يجلب سوى مزيد من الأزمات”.

ويقول حنتوش: “العراق يأخذ حقوقه عبر التفاوض، لا عبر لغة التهديد التي جلبت الويلات للعراقيين في مراحل سابقة”، مشيراً إلى أن “محاولات تقييد الملاحة في الخور تُعدّ مخالفة للمواثيق الدولية البحرية”، والحلّ يكمن في “استمرار الحوار مع الكويت في إطار المصالح المشتركة”.

التصعيد يهدّد بإضعاف التجارة العراقية البحرية، خاصّة في ظلّ إنشاء الكويت ميناء مبارك الكبير على بوبيان، مقابل خور عبد الله، في الوقت الذي لا يزال العراق يعمل على تطوير ميناء الفاو الكبير ليكون منافساً إقليمياً ذا سيادة كاملة.

التحوّلات القضائية والسياسية الأخيرة

بعد سلسلة تأجيلات قضائية طالت الطعون المقدّمة من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء أمام المحكمة الاتّحادية (من نيسان/ أبريل حتى حزيران/ يونيو 2025)، وُجّهت تهم للقضاء بمحاولة تمييع الملفّ أو تسييسه.

لكن في 8 تمّوز/ يوليو 2025، اجتمع كلّ من رئيس الجمهورية عبد اللطيف رشيد، ورئيس الوزراء محمد شيّاع السوداني، ورئيس البرلمان محمود المشهداني، وخرجوا بقرار مفصلي يقضي بـسحب الطعون القضائية، وتكليف البرلمان بإعادة التصويت على الاتّفاق وفق الدستور، أي بأغلبية الثلثين.

وبهذا، بات مصير الاتّفاقية الآن بيد البرلمان العراقي، الذي يواجه ضغوطاً متزايدة بين الالتزامات الدولية، والتوجّهات السيادية، والانقسامات السياسية الداخلية، وسط مطالب شعبية بإجراء استفتاء أو عرض الملفّ على محكمة دولية مثل محكمة البحار ITLOS.

إن النزاع حول خور عبد الله لا يتعلّق فقط بتنظيم الملاحة أو تقاسم المياه، بل هو اختبار حقيقي للسيادة العراقية، ومصداقية مؤسّساتها الدستورية، واستقلالية قرارها السياسي. كما يمثّل مرآة دقيقة لتقاطعات السياسة الخارجية بالعلاقات الخليجية، وتوظيف النزاعات الحدودية في معارك الداخل العراقي.

في وقت تنتظر فيه الكويت احترام العراق للاتفّاقية المودعة رسمياً في الأمم المتّحدة، يجد العراق نفسه أمام معضلة قانونية وسياسية: إما المضي باتّفاق يراه مجحفاً، وإما إعادة التفاوض بما يُعيد التوازن للحقوق السيادية دون خسارة الشرعيّة الدولية.

09.08.2025
زمن القراءة: 6 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية