يفتح في علامة تبويب جديدة
ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

“خَطَم سكران من دار البلوني”

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

عدت من دون الثوب الذي تركته، لكنني لم أعد خالية اليدين. حملت ضحكة أم عبّود، وصوت الربابة، ووجوه الأطفال الذين صاروا آباء وأمهات، وحملت معي تلك الرقاوية العتيقة التي بقيت حية في فمي، تنتظر أن تعود إلى أهلها.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

كنت أضع السماعات في أذني وأستمع إلى أغنية “خَطَم سكران” ونحن في طريقنا إلى الرقة. الأغنية هي موليا فراتية حزينة تحكي وجع الفراق حتى يتحوّل الحنين فيها إلى مرضٍ لا ينفع معه دواء.

كان صوت الربابة يملأ السيارة، فيما تتقدم نحوي المدينة التي غبت عنها خمسة عشر عاماً. كلمات الأغنية قديمة وصعبة. حتى بعض أبناء الجيل الجديد في الرقة قد يحتاجون إلى من يشرحها لهم. بقيت هذه الكلمات محفوظة في الأغاني، كأن الربابة تولّت حراسة جزء من لغة المكان وحملته من جيل إلى آخر.

قبل أن أعرف الرقة، كنت أحب أحمد التلاوي، ابن سراقب، وأستمع إلى العتابا والموليا في صوته وإلى الربابة بين يديه. ربما كان هذا أول خيط ربطني بالمدينة قبل أن أصل إليها. كنت آتية من إدلب، وكان من حولي يقولون إن الرقة بعيدة وغريبة، فيما كنت أسمع في موسيقاها شيئاً أعرفه. النغم نفسه عبر البادية ووصل إلى ضفتَي الفرات. تبدلت معه بعض الكلمات، وبقي الحزن مألوفاً. حين بدأت ملامح الرقة تظهر من نافذة السيارة، شعرت بأن الأغنية تهيّئني للقائها. كأنني أعود إلى كلام قديم انقطع في منتصفه، وحان الوقت كي نكمله.

حين تعلّمت الرقة

قبل الثورة بعام، كنت أُدرّس في الرقة. جئت من إدلب وأنا لا أعرف الكثير عن المدينة أو عن المحافظة عموماً، مع أن المسافة بيننا لم تكن تحتاج إلى ذلك الجهل كله. كان السوريون يعرفون محافظاتهم على الخريطة، ولا يعرفون بعضها في الحياة. نحفظ أسماء المدن ونردد عنها صوراً جاهزة، ونضحك على لهجات لم نسمعها من أهلها إلا نادراً. عشنا زمناً طويلاً في بلد واحد، من دون أن تتاح لنا فرص كافية لاكتشاف بعضنا خارج الصور النمطية. لذلك بدت لنا أحياناً مدن داخل بلدنا كما لو أنها تقع وراء حدود بعيدة.

أحببت الرقة سريعاً، ثم أحببت المحافظة كلها؛ المدينة وريفها والبلدات الممتدة في البادية وعلى ضفاف الفرات. أحببت أهلها ولهجتهم وطريقتهم في استقبال الغريب. لم أتعلم اللهجة الرقاوية كي أدّعي هوية أخرى. تعلمتها لأنني أحببت المكان وأردت أن أشعر بانتماء أكبر إليه. كنت ألتقط الكلمات من النساء، وأنتبه إلى مخارج الحروف وإيقاع الجملة. أكرر العبارة في رأسي، ثم أجربها في حديثي. بعد مدة صرت أتحدث الرقاوية براحة، وأرتدي ما ترتديه نساء المنطقة أيضاً. في الصيف، كانت النساء يرتدين أثواباً بيتية طويلة وفضفاضة تناسب حر الرقة، أثواباً زاهية، فيها ورود وألوان كثيرة، تستطيع المرأة أن ترتديها في بيتها أو تعبر بها إلى بيت الجارة من دون استعداد طويل.

اخترت قماشاً أحمر وأخذته إلى عبّود، الخياط في شارع تل أبيض بمدينة الرقة. أردت منه أن يخيط لي ثوباً يشبه أثواب نساء المنطقة. لا أذكر ثمن القماش والخياطة، ربما كان ألف ليرة سورية أو ألفين. ولم يخطر لي وأنا أختار اللون أن هذا الثوب البسيط سيظل عالقاً في حياتي هذه السنوات كلها.

“الثوب الحمر ينتظرج”

في بداية الثورة، حينما عرفت أنني أصبحت مطلوبة للنظام، غادرت الرقة وعدت إلى إدلب فوراً. لم تكن لدي فرصة كي أرتب أغراضي أو أودع الناس والأماكن. خرجت كما يخرج شخص يظن أن الغياب لن يطول، وتركت أشياء كثيرة خلفي، بينها ثوب أحمر لم أره بعدما انتهى عبّود من خياطته، ولم أرتده مرة واحدة. بعد أيام، اتصلت بي أم عبّود. كانت قد ذهبت إلى الخياط وأحضرت الثوب إلى بيتها في دبسي عفنان، في ريف الرقة الغربي. قالت لي إنها أحبته، وإنها ستحتفظ به إلى أن أعود، ثم طمأنتني بطريقتها: “الثوب الحمر ينتظرج”.

قالتها ببساطة، كأن عودتي مؤكدة، وكأن الأمر يحتاج إلى أيام أو أسابيع فقط. سيبقى الثوب عندها، وسأرجع لأرتديه، وتعود الحياة من النقطة التي توقفت عندها. صدقتها، أو أردت أن أصدقها. صار الثوب خيطاً صغيراً يصلني بالمحافظة كلها؛ من شارع تل أبيض، حيث خاطه عبّود، إلى بيت أم عبّود في دبسي عفنان، حيث ظل ينتظرني. لم أكن أعرف شكله بعد الخياطة، ولا إن كان مقاسه مناسباً، ومع ذلك أصبح يعني لي أكثر من ثياب كثيرة ارتديتها فعلاً. كان آخر شيء اخترته لنفسي هناك، وآخر موعد صغير تركته مفتوحاً.

ثم طال الغياب. تعاقبت على الرقة سلطات وقوى كثيرة، وحاولت كل مرحلة أن تترك أثرها في حياة الناس ولباسهم ولغتهم وصورتهم عن مدينتهم. وكان أهل الرقة يحاولون، وسط ذلك كله، حماية حياتهم والاحتفاظ بما يشبههم في بيوتهم وذاكرتهم.

مدينة تجمع ملامحها

عدت إلى الرقة بعد سقوط النظام لأقدّم تدريباً فيها. كنت أنظر من نافذة السيارة وأبحث عن المدينة التي أعرفها داخل المدينة التي أراها. بعض الطرق أعادني فوراً إلى ما قبل الثورة، وبعض الأمكنة احتجت إلى وقت كي أتعرف إليه. كانت الذاكرة أسرع من عيني أحياناً؛ أعرف أن شيئاً كان هنا، لكنني لا أستطيع العثور عليه. الرقة متعبة. يظهر ذلك في أبنيتها ووجوه أهلها والحكايات التي تبدأ من سؤال عادي، ثم تفتح أبواب سنوات كاملة. مرت على المدينة مراحل كثيرة، وفي كل مرحلة جاء من يحاول أن يقرر بالنيابة عن أهلها شكل حياتهم ومعنى مدينتهم. لهذا يحاول الناس اليوم أن يجمعوا ملامحهم من جديد، وأن يختاروا بأنفسهم ما يشبههم وما يريدون حمله معهم إلى السنوات المقبلة.

ترى في الشوارع عودة واضحة إلى اللباس الرقاوي التقليدي، إلى جانب أنماط أخرى استقرت خلال السنوات الماضية. وفي الحالتين، لا يمكن اختصار الناس في ملابسهم، ولا تحميل الثوب وحده معنى سياسياً أو دينياً لا يقصده صاحبه. هوية المدينة لا تعود بقرار، ولا تتغير في يوم واحد. تظهر بالتدريج في الأغنية التي يعود الناس إلى سماعها، وفي الثوب الذي يخرج من الخزانة، وفي كلمة قديمة يستعملها شاب، وفي طبخة تحفظ المرأة طريقتها عن أمها. ما يحدث في الرقة اليوم يشبه استعادة الناس حقهم في تعريف أنفسهم، بعد سنوات طويلة تكلّم فيها كثيرون بالنيابة عنهم.

تسمع الأغاني العراقية أينما اتجهت، ولطالما كانت كذلك، حاضرة في السيارات والبيوت والأعراس، وقريبة من مزاج الناس. يخلط كثير من السوريين بين الرقة ودير الزور، ويضعون المناطق الشرقية كلها في صورة واحدة، ويظن بعضهم أن الرقة شديدة الشبه بالعراق إلى درجة إلحاقها به. وهذا غير صحيح. الرقة مدينة سورية بهوية أهلها وذاكرتهم وطعامهم ولهجتهم، وفي موسيقاها شيء من الجوار العراقي، كما تحمل مدن الحدود دائماً شيئاً من أصوات جيرانها. هذا التشابه يوسّع هوية المكان ولا ينتقص منها. الفرات لا يتوقف عند الحدود كي يبدل موسيقاه، والأغاني تتحرك مع الناس بين سوريا والعراق منذ زمن طويل. وفي شمال غربي سوريا، دخلت كلمات تركية كثيرة إلى الكلام بحكم الجوار، من دون أن ينتقص ذلك من هوية إدلب أو حلب. لهذا لم تكن الأغنية العراقية غريبة في بيت رقّاوي، كما لم تكن الربابة الرقاوية غريبة على أذني الآتية من إدلب. الموسيقى تعرف أحياناً ما يجمع الناس قبل أن يعرفوه هم.

إلى دبسي عفنان

بعد انتهاء التدريب، خرجت من مدينة الرقة في اتجاه دبسي عفنان. هناك تعيش أم عبّود، وهناك كان البيت الذي استأجرته في الأيام التي كنت أُدرّس فيها في المحافظة. كنت أراقب الطريق إلى ريف الرقة الغربي، وأشعر بأنني أنتقل من الذاكرة العامة للمكان إلى ذاكرتي الشخصية جداً؛ إلى بيت أعرف بابه، وأسماء أطفال تركتهم صغاراً، وثوب يفترض أنه ينتظرني. كان يستحيل أن أصل إلى الرقة ولا أذهب إلى أم عبّود. توجهت إلى البيت من دون أن أخبرها. أردت أن تكون الزيارة مفاجئة، وربما كنت أحتاج إلى رؤية المكان قبل أن أهيئ نفسي لما سأجده.

توقفت السيارة أمام البيت. نزلت وأنا أحاول أن أطابق ما أمامي مع الصورة القديمة في رأسي. الباب في مكانه، والجدران هي نفسها تقريباً، لكن التفاصيل التي تجعل البيت بيتاً كانت قد اختفت. الأطفال الذين تركتهم صغاراً صاروا رجالاً ونساء. بعضهم تزوج، وبعضهم الآخر أصبح لديه أطفال. كنت أنظر إلى وجوههم وأبحث عن الملامح الصغيرة التي حفظتها، بينما كانوا يرون أمامهم امرأة غابت سنوات، ثم عادت فجأة تحمل أسماءهم وصورهم القديمة في رأسها.

أما البيت، فلم أعرفه بسهولة. تعرّض للتعفيش على يد قوات النظام. أخذوا الأثاث والأغراض وكل ما استطاعوا حمله، واقتلعوا حتى البلاط. بدا المكان كأن أحداً حاول أن ينتزع منه العلامات التي تثبت أن عائلة عاشت هنا يوماً. حين رأيت أم عبّود، تعانقنا وبدأنا نتفحص وجهَي بعضنا. خرج السؤال من فمي قبل أي كلام آخر. قلت لها:

مو أنتي كلتي الثوب الحمر ينتظرني؟ اللحز آني رجعت.

ضربت أم عبّود كفاً بكف وقالت: يا ويلي، وين الثوب الحمر!

ثم أخبرتني أن عناصر النظام أخذوه مع ما أخذوه من البيت. الثوب الذي ظل ينتظرني في خيالي خرج من دبسي عفنان مع الأثاث والأغراض المنهوبة. من أخذه رأى ثوباً رخيصاً، وأنا كنت أرى فيه سنوات من عمري. لاحظت أم عبّود حزني، فحاولت أن تراضيني. قالت إننا نستطيع أن نغني له، وراحت تستعيد أغنية حاتم العراقي:

يا أم ثوب الأحمر حاجيني

محتار لا تخليني، قلبي يفداج وعيني.

واصلت أم عبّود الغناء، ثم ضحكنا. كان المشهد يشبه الرقة التي أعرفها: أن تعثر على أغنية في قلب الخسارة، وأن تمازح حزنك إلى أن يصبح أخف قليلاً. بدأنا نتخيل أين ذهب الثوب. هل بيع في أحد أسواق الأغراض المنهوبة؟ هل انتقل من مدينة إلى أخرى؟ هل اشترته امرأة وأحبت لونه من دون أن تعرف حكايته؟ قلت لأم عبّود إنني ربما أمشي في دمشق ذات يوم، فأرى امرأة ترتدي ثوبي. لكن هل سأعرفه وأنا لم أره مكتملاً في حياتي؟ وهل سأوقف المرأة وأسألها من أين حصلت عليه؟

ربما اشترته بألفي ليرة. ربما ارتدته ثم أعطته لقريبة. وربما تمزق منذ سنوات وصار قطعة قماش لمسح الغبار. كانت الاحتمالات كلها ممكنة، ولهذا كانت مضحكة وموجعة في الوقت نفسه. التعفيش بعثر حيوات الناس في الأسواق. صورة عائلة، وفستان عرس، ودفتر مدرسة، وفنجان احتفظت به امرأة لأنه كان لأمها، وثوب أحمر لم ترتده صاحبته. أشياء عادية جداً لمن يجدها، وثقيلة على من فقدها. ارتبط الثوب في ذاكرتي ببداية قراري بألّا أكون مع النظام. حين غادرت الرقة لأنني أصبحت مطلوبة، كنت أعرف أن حياتي ستتغير، لكنني لم أكن أعرف مقدار هذا التغيير ولا طول الطريق. لم أتوقع أن تصبح قطعة قماش عند خياط شاهدة على اللحظة التي انقسم فيها عمري إلى ما قبل الثورة وما بعدها. لم أكن أريد الثوب كي أرتديه الآن. كنت أريد أن ألمس شيئاً تركته المرأة التي كنتها يوم غادرت، وأن أتأكد أن حياتي في الرقة لم تكن حلماً قديماً.

“تحجين ركاوي مثل حبابتي”

خلال الزيارة، سمعني أحد أبناء الرقة وأنا أتحدث، فقال لي: “أنتي تحجين ركاوي مثل حبابتي”. تضايقت في البداية. الحبابة تعني الجدة، ولم يعجبني أن يشبهني أحد بجدته. كأن سنوات الغياب لم تكن كافية، فجاء هو ليضيف إلى عمري أعواماً أخرى. ثم فهمت ما يقصده. لم يكن يتحدث عن عمري، وإنما عن لهجتي. تعلمت الرقاوية قبل خمسة عشر عاماً، ثم غادرت. بقيت الكلمات في فمي كما كانت يومها، بينما واصلت لهجة المدينة حياتها الطبيعية وتغيرت مع الأجيال. صارت رقاويتي قديمة، تشبه كلام الجدات، كأنني سجلت اللهجة في لحظة ما وحملتها معي طوال الغياب، ثم أعدتها إلى أهلها من دون أن يمسّها الزمن. 

بعد ضيقي الأول، فرحت كثيراً. شعرت بأنني أصبحت عتيقة في هذه المدينة، وأن لي مكاناً صغيراً في تراث المحافظة. كنت قد تعلمت اللهجة كي أشعر بانتماء أكبر إلى الرقة، ولم أعرف وقتها أن الكلمات ستفي بوعدها أكثر من الثوب. لم أجد الثوب. لا أعرف إن كان قد تمزق أو احترق أو ما زال في خزانة بعيدة. لكنني وجدت المرأة التي حفظت وعده، ووجدت الأطفال الذين كبروا، ووجدت في فمي لهجة بقيت تنتظر لحظة العودة بطريقتها.

ربما ضحكنا على الثوب لأن البكاء عليه بدا أصغر من كل ما خسرناه، وأكبر من أن نتجاهله. كان قطعة قماش رخيصة تحمل فوقها سنوات الغياب. وكان آخر غرض تركته في مكان أحببته، في الأيام الأولى التي اخترت فيها موقفي ودفعت ثمنه. في طريق العودة، عادت الربابة إلى السيارة. مرّت الرقة خلف الزجاج ببطء، وحاولت أن أحفظ تفاصيل الطريق كي لا تصبح هذه الزيارة حلماً آخر. فكرت في أم عبّود وهي تغني، وفي البيت الذي لم أعرفه، وفي المرأة المجهولة التي ربما ارتدت ثوبي الأحمر ذات يوم من دون أن تعرف أن أحداً كان ينتظره. وعندما لم أجده، اكتشفت أن ما بقي لي من الرقة لم يكن معلقاً في خزانة أم عبّود. كان في صوتي، في الكلمات التي تعلمتها من نساء المحافظة وحملتها معي، حتى صارت قديمة إلى درجة أن يشبّهها أحدهم بكلام حبابته.

عدت من دون الثوب الذي تركته، لكنني لم أعد خالية اليدين. حملت ضحكة أم عبّود، وصوت الربابة، ووجوه الأطفال الذين صاروا آباء وأمهات، وحملت معي تلك الرقاوية العتيقة التي بقيت حية في فمي، تنتظر أن تعود إلى أهلها.

الثوب الحمر لم ينتظرني، لكن الرقة فعلتها.

30.09.2026
زمن القراءة: 9 minutes

عدت من دون الثوب الذي تركته، لكنني لم أعد خالية اليدين. حملت ضحكة أم عبّود، وصوت الربابة، ووجوه الأطفال الذين صاروا آباء وأمهات، وحملت معي تلك الرقاوية العتيقة التي بقيت حية في فمي، تنتظر أن تعود إلى أهلها.

كنت أضع السماعات في أذني وأستمع إلى أغنية “خَطَم سكران” ونحن في طريقنا إلى الرقة. الأغنية هي موليا فراتية حزينة تحكي وجع الفراق حتى يتحوّل الحنين فيها إلى مرضٍ لا ينفع معه دواء.

كان صوت الربابة يملأ السيارة، فيما تتقدم نحوي المدينة التي غبت عنها خمسة عشر عاماً. كلمات الأغنية قديمة وصعبة. حتى بعض أبناء الجيل الجديد في الرقة قد يحتاجون إلى من يشرحها لهم. بقيت هذه الكلمات محفوظة في الأغاني، كأن الربابة تولّت حراسة جزء من لغة المكان وحملته من جيل إلى آخر.

قبل أن أعرف الرقة، كنت أحب أحمد التلاوي، ابن سراقب، وأستمع إلى العتابا والموليا في صوته وإلى الربابة بين يديه. ربما كان هذا أول خيط ربطني بالمدينة قبل أن أصل إليها. كنت آتية من إدلب، وكان من حولي يقولون إن الرقة بعيدة وغريبة، فيما كنت أسمع في موسيقاها شيئاً أعرفه. النغم نفسه عبر البادية ووصل إلى ضفتَي الفرات. تبدلت معه بعض الكلمات، وبقي الحزن مألوفاً. حين بدأت ملامح الرقة تظهر من نافذة السيارة، شعرت بأن الأغنية تهيّئني للقائها. كأنني أعود إلى كلام قديم انقطع في منتصفه، وحان الوقت كي نكمله.

حين تعلّمت الرقة

قبل الثورة بعام، كنت أُدرّس في الرقة. جئت من إدلب وأنا لا أعرف الكثير عن المدينة أو عن المحافظة عموماً، مع أن المسافة بيننا لم تكن تحتاج إلى ذلك الجهل كله. كان السوريون يعرفون محافظاتهم على الخريطة، ولا يعرفون بعضها في الحياة. نحفظ أسماء المدن ونردد عنها صوراً جاهزة، ونضحك على لهجات لم نسمعها من أهلها إلا نادراً. عشنا زمناً طويلاً في بلد واحد، من دون أن تتاح لنا فرص كافية لاكتشاف بعضنا خارج الصور النمطية. لذلك بدت لنا أحياناً مدن داخل بلدنا كما لو أنها تقع وراء حدود بعيدة.

أحببت الرقة سريعاً، ثم أحببت المحافظة كلها؛ المدينة وريفها والبلدات الممتدة في البادية وعلى ضفاف الفرات. أحببت أهلها ولهجتهم وطريقتهم في استقبال الغريب. لم أتعلم اللهجة الرقاوية كي أدّعي هوية أخرى. تعلمتها لأنني أحببت المكان وأردت أن أشعر بانتماء أكبر إليه. كنت ألتقط الكلمات من النساء، وأنتبه إلى مخارج الحروف وإيقاع الجملة. أكرر العبارة في رأسي، ثم أجربها في حديثي. بعد مدة صرت أتحدث الرقاوية براحة، وأرتدي ما ترتديه نساء المنطقة أيضاً. في الصيف، كانت النساء يرتدين أثواباً بيتية طويلة وفضفاضة تناسب حر الرقة، أثواباً زاهية، فيها ورود وألوان كثيرة، تستطيع المرأة أن ترتديها في بيتها أو تعبر بها إلى بيت الجارة من دون استعداد طويل.

اخترت قماشاً أحمر وأخذته إلى عبّود، الخياط في شارع تل أبيض بمدينة الرقة. أردت منه أن يخيط لي ثوباً يشبه أثواب نساء المنطقة. لا أذكر ثمن القماش والخياطة، ربما كان ألف ليرة سورية أو ألفين. ولم يخطر لي وأنا أختار اللون أن هذا الثوب البسيط سيظل عالقاً في حياتي هذه السنوات كلها.

“الثوب الحمر ينتظرج”

في بداية الثورة، حينما عرفت أنني أصبحت مطلوبة للنظام، غادرت الرقة وعدت إلى إدلب فوراً. لم تكن لدي فرصة كي أرتب أغراضي أو أودع الناس والأماكن. خرجت كما يخرج شخص يظن أن الغياب لن يطول، وتركت أشياء كثيرة خلفي، بينها ثوب أحمر لم أره بعدما انتهى عبّود من خياطته، ولم أرتده مرة واحدة. بعد أيام، اتصلت بي أم عبّود. كانت قد ذهبت إلى الخياط وأحضرت الثوب إلى بيتها في دبسي عفنان، في ريف الرقة الغربي. قالت لي إنها أحبته، وإنها ستحتفظ به إلى أن أعود، ثم طمأنتني بطريقتها: “الثوب الحمر ينتظرج”.

قالتها ببساطة، كأن عودتي مؤكدة، وكأن الأمر يحتاج إلى أيام أو أسابيع فقط. سيبقى الثوب عندها، وسأرجع لأرتديه، وتعود الحياة من النقطة التي توقفت عندها. صدقتها، أو أردت أن أصدقها. صار الثوب خيطاً صغيراً يصلني بالمحافظة كلها؛ من شارع تل أبيض، حيث خاطه عبّود، إلى بيت أم عبّود في دبسي عفنان، حيث ظل ينتظرني. لم أكن أعرف شكله بعد الخياطة، ولا إن كان مقاسه مناسباً، ومع ذلك أصبح يعني لي أكثر من ثياب كثيرة ارتديتها فعلاً. كان آخر شيء اخترته لنفسي هناك، وآخر موعد صغير تركته مفتوحاً.

ثم طال الغياب. تعاقبت على الرقة سلطات وقوى كثيرة، وحاولت كل مرحلة أن تترك أثرها في حياة الناس ولباسهم ولغتهم وصورتهم عن مدينتهم. وكان أهل الرقة يحاولون، وسط ذلك كله، حماية حياتهم والاحتفاظ بما يشبههم في بيوتهم وذاكرتهم.

مدينة تجمع ملامحها

عدت إلى الرقة بعد سقوط النظام لأقدّم تدريباً فيها. كنت أنظر من نافذة السيارة وأبحث عن المدينة التي أعرفها داخل المدينة التي أراها. بعض الطرق أعادني فوراً إلى ما قبل الثورة، وبعض الأمكنة احتجت إلى وقت كي أتعرف إليه. كانت الذاكرة أسرع من عيني أحياناً؛ أعرف أن شيئاً كان هنا، لكنني لا أستطيع العثور عليه. الرقة متعبة. يظهر ذلك في أبنيتها ووجوه أهلها والحكايات التي تبدأ من سؤال عادي، ثم تفتح أبواب سنوات كاملة. مرت على المدينة مراحل كثيرة، وفي كل مرحلة جاء من يحاول أن يقرر بالنيابة عن أهلها شكل حياتهم ومعنى مدينتهم. لهذا يحاول الناس اليوم أن يجمعوا ملامحهم من جديد، وأن يختاروا بأنفسهم ما يشبههم وما يريدون حمله معهم إلى السنوات المقبلة.

ترى في الشوارع عودة واضحة إلى اللباس الرقاوي التقليدي، إلى جانب أنماط أخرى استقرت خلال السنوات الماضية. وفي الحالتين، لا يمكن اختصار الناس في ملابسهم، ولا تحميل الثوب وحده معنى سياسياً أو دينياً لا يقصده صاحبه. هوية المدينة لا تعود بقرار، ولا تتغير في يوم واحد. تظهر بالتدريج في الأغنية التي يعود الناس إلى سماعها، وفي الثوب الذي يخرج من الخزانة، وفي كلمة قديمة يستعملها شاب، وفي طبخة تحفظ المرأة طريقتها عن أمها. ما يحدث في الرقة اليوم يشبه استعادة الناس حقهم في تعريف أنفسهم، بعد سنوات طويلة تكلّم فيها كثيرون بالنيابة عنهم.

تسمع الأغاني العراقية أينما اتجهت، ولطالما كانت كذلك، حاضرة في السيارات والبيوت والأعراس، وقريبة من مزاج الناس. يخلط كثير من السوريين بين الرقة ودير الزور، ويضعون المناطق الشرقية كلها في صورة واحدة، ويظن بعضهم أن الرقة شديدة الشبه بالعراق إلى درجة إلحاقها به. وهذا غير صحيح. الرقة مدينة سورية بهوية أهلها وذاكرتهم وطعامهم ولهجتهم، وفي موسيقاها شيء من الجوار العراقي، كما تحمل مدن الحدود دائماً شيئاً من أصوات جيرانها. هذا التشابه يوسّع هوية المكان ولا ينتقص منها. الفرات لا يتوقف عند الحدود كي يبدل موسيقاه، والأغاني تتحرك مع الناس بين سوريا والعراق منذ زمن طويل. وفي شمال غربي سوريا، دخلت كلمات تركية كثيرة إلى الكلام بحكم الجوار، من دون أن ينتقص ذلك من هوية إدلب أو حلب. لهذا لم تكن الأغنية العراقية غريبة في بيت رقّاوي، كما لم تكن الربابة الرقاوية غريبة على أذني الآتية من إدلب. الموسيقى تعرف أحياناً ما يجمع الناس قبل أن يعرفوه هم.

إلى دبسي عفنان

بعد انتهاء التدريب، خرجت من مدينة الرقة في اتجاه دبسي عفنان. هناك تعيش أم عبّود، وهناك كان البيت الذي استأجرته في الأيام التي كنت أُدرّس فيها في المحافظة. كنت أراقب الطريق إلى ريف الرقة الغربي، وأشعر بأنني أنتقل من الذاكرة العامة للمكان إلى ذاكرتي الشخصية جداً؛ إلى بيت أعرف بابه، وأسماء أطفال تركتهم صغاراً، وثوب يفترض أنه ينتظرني. كان يستحيل أن أصل إلى الرقة ولا أذهب إلى أم عبّود. توجهت إلى البيت من دون أن أخبرها. أردت أن تكون الزيارة مفاجئة، وربما كنت أحتاج إلى رؤية المكان قبل أن أهيئ نفسي لما سأجده.

توقفت السيارة أمام البيت. نزلت وأنا أحاول أن أطابق ما أمامي مع الصورة القديمة في رأسي. الباب في مكانه، والجدران هي نفسها تقريباً، لكن التفاصيل التي تجعل البيت بيتاً كانت قد اختفت. الأطفال الذين تركتهم صغاراً صاروا رجالاً ونساء. بعضهم تزوج، وبعضهم الآخر أصبح لديه أطفال. كنت أنظر إلى وجوههم وأبحث عن الملامح الصغيرة التي حفظتها، بينما كانوا يرون أمامهم امرأة غابت سنوات، ثم عادت فجأة تحمل أسماءهم وصورهم القديمة في رأسها.

أما البيت، فلم أعرفه بسهولة. تعرّض للتعفيش على يد قوات النظام. أخذوا الأثاث والأغراض وكل ما استطاعوا حمله، واقتلعوا حتى البلاط. بدا المكان كأن أحداً حاول أن ينتزع منه العلامات التي تثبت أن عائلة عاشت هنا يوماً. حين رأيت أم عبّود، تعانقنا وبدأنا نتفحص وجهَي بعضنا. خرج السؤال من فمي قبل أي كلام آخر. قلت لها:

مو أنتي كلتي الثوب الحمر ينتظرني؟ اللحز آني رجعت.

ضربت أم عبّود كفاً بكف وقالت: يا ويلي، وين الثوب الحمر!

ثم أخبرتني أن عناصر النظام أخذوه مع ما أخذوه من البيت. الثوب الذي ظل ينتظرني في خيالي خرج من دبسي عفنان مع الأثاث والأغراض المنهوبة. من أخذه رأى ثوباً رخيصاً، وأنا كنت أرى فيه سنوات من عمري. لاحظت أم عبّود حزني، فحاولت أن تراضيني. قالت إننا نستطيع أن نغني له، وراحت تستعيد أغنية حاتم العراقي:

يا أم ثوب الأحمر حاجيني

محتار لا تخليني، قلبي يفداج وعيني.

واصلت أم عبّود الغناء، ثم ضحكنا. كان المشهد يشبه الرقة التي أعرفها: أن تعثر على أغنية في قلب الخسارة، وأن تمازح حزنك إلى أن يصبح أخف قليلاً. بدأنا نتخيل أين ذهب الثوب. هل بيع في أحد أسواق الأغراض المنهوبة؟ هل انتقل من مدينة إلى أخرى؟ هل اشترته امرأة وأحبت لونه من دون أن تعرف حكايته؟ قلت لأم عبّود إنني ربما أمشي في دمشق ذات يوم، فأرى امرأة ترتدي ثوبي. لكن هل سأعرفه وأنا لم أره مكتملاً في حياتي؟ وهل سأوقف المرأة وأسألها من أين حصلت عليه؟

ربما اشترته بألفي ليرة. ربما ارتدته ثم أعطته لقريبة. وربما تمزق منذ سنوات وصار قطعة قماش لمسح الغبار. كانت الاحتمالات كلها ممكنة، ولهذا كانت مضحكة وموجعة في الوقت نفسه. التعفيش بعثر حيوات الناس في الأسواق. صورة عائلة، وفستان عرس، ودفتر مدرسة، وفنجان احتفظت به امرأة لأنه كان لأمها، وثوب أحمر لم ترتده صاحبته. أشياء عادية جداً لمن يجدها، وثقيلة على من فقدها. ارتبط الثوب في ذاكرتي ببداية قراري بألّا أكون مع النظام. حين غادرت الرقة لأنني أصبحت مطلوبة، كنت أعرف أن حياتي ستتغير، لكنني لم أكن أعرف مقدار هذا التغيير ولا طول الطريق. لم أتوقع أن تصبح قطعة قماش عند خياط شاهدة على اللحظة التي انقسم فيها عمري إلى ما قبل الثورة وما بعدها. لم أكن أريد الثوب كي أرتديه الآن. كنت أريد أن ألمس شيئاً تركته المرأة التي كنتها يوم غادرت، وأن أتأكد أن حياتي في الرقة لم تكن حلماً قديماً.

“تحجين ركاوي مثل حبابتي”

خلال الزيارة، سمعني أحد أبناء الرقة وأنا أتحدث، فقال لي: “أنتي تحجين ركاوي مثل حبابتي”. تضايقت في البداية. الحبابة تعني الجدة، ولم يعجبني أن يشبهني أحد بجدته. كأن سنوات الغياب لم تكن كافية، فجاء هو ليضيف إلى عمري أعواماً أخرى. ثم فهمت ما يقصده. لم يكن يتحدث عن عمري، وإنما عن لهجتي. تعلمت الرقاوية قبل خمسة عشر عاماً، ثم غادرت. بقيت الكلمات في فمي كما كانت يومها، بينما واصلت لهجة المدينة حياتها الطبيعية وتغيرت مع الأجيال. صارت رقاويتي قديمة، تشبه كلام الجدات، كأنني سجلت اللهجة في لحظة ما وحملتها معي طوال الغياب، ثم أعدتها إلى أهلها من دون أن يمسّها الزمن. 

بعد ضيقي الأول، فرحت كثيراً. شعرت بأنني أصبحت عتيقة في هذه المدينة، وأن لي مكاناً صغيراً في تراث المحافظة. كنت قد تعلمت اللهجة كي أشعر بانتماء أكبر إلى الرقة، ولم أعرف وقتها أن الكلمات ستفي بوعدها أكثر من الثوب. لم أجد الثوب. لا أعرف إن كان قد تمزق أو احترق أو ما زال في خزانة بعيدة. لكنني وجدت المرأة التي حفظت وعده، ووجدت الأطفال الذين كبروا، ووجدت في فمي لهجة بقيت تنتظر لحظة العودة بطريقتها.

ربما ضحكنا على الثوب لأن البكاء عليه بدا أصغر من كل ما خسرناه، وأكبر من أن نتجاهله. كان قطعة قماش رخيصة تحمل فوقها سنوات الغياب. وكان آخر غرض تركته في مكان أحببته، في الأيام الأولى التي اخترت فيها موقفي ودفعت ثمنه. في طريق العودة، عادت الربابة إلى السيارة. مرّت الرقة خلف الزجاج ببطء، وحاولت أن أحفظ تفاصيل الطريق كي لا تصبح هذه الزيارة حلماً آخر. فكرت في أم عبّود وهي تغني، وفي البيت الذي لم أعرفه، وفي المرأة المجهولة التي ربما ارتدت ثوبي الأحمر ذات يوم من دون أن تعرف أن أحداً كان ينتظره. وعندما لم أجده، اكتشفت أن ما بقي لي من الرقة لم يكن معلقاً في خزانة أم عبّود. كان في صوتي، في الكلمات التي تعلمتها من نساء المحافظة وحملتها معي، حتى صارت قديمة إلى درجة أن يشبّهها أحدهم بكلام حبابته.

عدت من دون الثوب الذي تركته، لكنني لم أعد خالية اليدين. حملت ضحكة أم عبّود، وصوت الربابة، ووجوه الأطفال الذين صاروا آباء وأمهات، وحملت معي تلك الرقاوية العتيقة التي بقيت حية في فمي، تنتظر أن تعود إلى أهلها.

الثوب الحمر لم ينتظرني، لكن الرقة فعلتها.

30.09.2026
زمن القراءة: 9 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية