ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

داخل مدرسة “سيدز” للأطفال في مصر: تحرّش بأطفال تحت تهديد الأذى

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

بعد اعتراف اثنين من المتّهمين بارتكابهما الواقعة وبصحّة رواية الصغار، انكشفت الكارثة الأكبر، حيث تبيّن أن المتّهمين يواصلون الاعتداء جنسياً على الأطفال في مرحلة ما قبل التعليم الأساسي، أي من سنّ خمس سنوات إلى سبع سنوات، منذ أكثر من سبع سنوات، وكلّ عام يترفّع طلاب تعرّضوا لانتهاك جنسي إلى المرحلة الابتدائية، ويأتي مكانهم آخرون أصغر سنّاً، لتستمرّ حلقة الانتهاك الجنسي مع أطفال جدد.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

ظهر تقرير نيابة شرق القاهرة قبل ساعات، ليكشف تفاصيل واحدة من أقسى الجرائم التي شهدها المجتمع المصري، والتي حصلت داخل مدرسة “سيدز” الخاصّة في منطقة السلام، هذه القضيّة التي أثارت الرأي العامّ المصري، بعد تعرّض خمسة أطفال حتى الآن لـ”هتك عرض” ممنهج من جانب أربعة من العاملين في النظافة والإشراف داخل المدرسة، وترويعهم بالسكّين على مدار فترات طويلة.

إذ جاء في بيان النيابة العامّة: “أقرّ المتّهمان أنهما وآخرين، منذ ما يربو عن عام؛ نظراً لهوسهم بالجنس مع الأطفال، دأبوا على استدراج الأطفال، تلاميذ في مرحلة رياض الأطفال، بعيداً عن الإشراف وكاميرات المراقبة وهتكوا عرضهم، مستغلّين صغر سنّهم وبراءتهم وخوفهم من التهديد بالإيذاء بالسكّين، وظبطت النيابة السكّين المستخدم في التهديد بالإيذاء، وبعض الآثار المادّية التي يُشتبه أن تكون قد تخلّفت عن بعض من هذه الوقائع محلّ التحقيق”.

هذه الجريمة ليست الأولى، فعلى مدار العام، تتكشّف وقائع جرائم تحرّش بالأطفال في المدارس، وتتحوّل إلى قضايا رأي عامّ، وسرعان ما ينسى المصريون ما سبّبته لهم من رعب على أطفالهم، ليعود ويتكشّف ما هو أسوأ.

بداية اكتشاف الجريمة

بدأ الخيط الأوّل في كشف جريمة مدرسة “سيدز”، حينما لاحظت إحدى الأمّهات علامات غريبة على جسد صغيرها الذي لا يتعدّى عمره الخمس سنوات وعلى ملابسه، وبدأت تحاول فهم الأمر من طفلها الذي رفض على مدار ثلاثة أيّام أن يحكي ما حدث، حتى انهار من الرعب في اليوم الرابع، وكان انهياره في هذا السنّ المبكر نابعاً من خوفه أن يذبحه عمّال النظافة في المدرسة بالسكّين.

تقول والدة الطفل إن صغيرها طلب أن تحميه وتحمي زميلاته وزملاءه، لتدرك لاحقاً، أن طفلها ليس الضحيّة الوحيدة في شبكة انتهاك الأطفال جنسياً داخل المدرسة، وأن المجرم ليس شخصاً واحداً، بل أربعة أشخاص بين عمّال نظافة ومشرفين داخل المدرسة.

لم تكن لتظهر جريمة مدرسة “سيدز”، لولا التعامل الذكي والحريص من قِبل هذه الوالدة، التي لم تكن حريصة على كشف الحقيقة فقط، بل على عدم إفلات المجرمين من العقاب،كانت تعلم أن أي خطوة غير مدروسة قد تسهّل على المدرسة فرصة النجاة من المحاسبة، بل إبعاد المتّهمين عن دائرة الاتّهام أيضاً.

تفحّصت الأمّ صور المشرفين وعمّال النظافة على صفحة المدرسة على فيسبوك، واستطاعت بمساعدة أمّ أخرى تعرّضت ابنتها لــ”هتك عرض”، الوصول إلى المجرمين الأربعة، وتوجّهت إلى المدرسة بعلم من الشرطة، لكن دون أن تبوح بما يحدث فيها بدايةً، لتسارع بعدها الشرطة ونيابة شرق القاهرة  في فتح تحقيق، ثم القبض على المتّهمين قبل أن يتمكّنوا من الفرار.

أوّل الاعترافات

بعد اعتراف اثنين من المتّهمين بارتكابهما الواقعة وبصحّة رواية الصغار، انكشفت الكارثة الأكبر، حيث تبيّن أن المتّهمين يواصلون الاعتداء جنسياً على الأطفال في مرحلة ما قبل التعليم الأساسي، أي من سنّ خمس سنوات إلى سبع سنوات، منذ أكثر من سبع سنوات، وكلّ عام يترفّع طلاب تعرّضوا لانتهاك جنسي إلى المرحلة الابتدائية، ويأتي مكانهم آخرون أصغر سنّاً، لتستمرّ حلقة الانتهاك الجنسي مع أطفال جدد.

 تقول أمّ الطفلة (التي ذُكرت أعلاه) إنها كانت تظنّ أنها بتوعية طفلتها في سنّ مبكرة، بضرورة عدم لمس أيّ شخص مناطقها الحسّاسة، أنها تحميها من الاعتداء الجنسي، الذي تسمع عنه في الإعلام أو على السوشيال ميديا، لكنّها لم تكن تعلم أن ابنتها كانت تُنتهك جنسياً تحت الترويع بالسكّين، ولا تجرؤ على الرفض أو الحكي لوالدتها.

بعد أوّل طفلين تمّ الكشف عن تعرّضهما لانتهاك جنسي في مدرسة “سيدز”، انضمّ إليهما ثلاثة أطفال آخرين، ليصبح العدد حتى الآن خمسة أطفال، فيما تؤكّد أمّ الطفل الأوّل، أن هناك حالات أخرى تخشى الحديث عن الجريمة أو كشفها.

ثلاثة من المتّهمين الأربعة كبار في السنّ بعمر جدود الأطفال، أما عمليّة الاستدراج فكانت تتمّ في نصف الساعة التي يخرج فيها الصغار لانتظار الباص قبل خروج الطلاب الكبار. ووفق تقرير النيابة فإن من المتّهمين الأربعة من كان يقوم بسحب الصغار إلى مكان داخل المدرسة بعيداً عن الكاميرات، ليتناوبوا جميعهم على هتكهم مستخدمين لاصقاً للفم وسكّيناً للتهديد، في مشهد يشبه جرائم “الدارك ويب”.

مدرسة “سيدز” الخاصّة تطلب مصروفات دراسية تبدأ من ٨٠ ألف جنيه مصري للأطفال في مرحلة الروضة، وهي من نوع المدارس التي يلجأ إليها الأهالي من الطبقة الوسطى العليا لضمان الرعاية والتعليم لأبنائهم، ويعملون بلا تكاسل كي يوفّروا مصاريف هذه البيئة المتخيّلة، لكنّهم لا يعلمون أن مساعيهم في الشقاء اليومي جاءت من أجل تسليم أبنائهم لمجرمين.

غياب الخوف!

المفارقة أن المجرمين كانوا مستمرّين في انتهاك الأطفال جنسياً في التوقيت نفسه، الذي تمّ الحكم فيه على مجرم آخر انتهك جنسياً الطفل ياسين، في مدرسته الخاصّة في مدينة دمنهور في محافظة البحيرة، وكأن الردع لم يكن كافياً لوقف الانتهاكات الجنسية بحقّ الأطفال في مصر.

المتّهم المتورّط في الاعتداء الجنسي على الطفل ياسين، موظّف في المدرسة أيضاً ويعمل فيها مراقباً مالياً، وهو مسنّ ويبلغ من العمر 79 عاماً، اعتاد على انتهاك الطفل ياسين داخل المدرسة. وورد رسمياً في التحقيقات، أن عاملة في المدرسة تُعرف بأنها “الناني”، كانت تُحضر الطفل إلى أماكن وجود المتّهم، داخل دورة المياه أو غرف أخرى في المبنى.

قدّمت أسرة الطفل ياسين بلاغاً رسمياً للنيابة العامّة، وتمّ عرضه على الطبّ الشرعي، الذي أثبت وجود اتّساع في فتحة الشرج، بما قد يتوافق مع رواية التعرّض لاعتداء أو محاولة اعتداء، وحُكم على المعتدي بالسجن ٢٥ عاماً، وقبل أيّام تمّ تخفيف العقوبة إلى ١٠ سنوات.

ينصّ القانون المصري في مادّته (267) على أن عقوبة “هتك العرض”، السجن المشدّد مدّة لا تقلّ عن سبع سنوات، ورغم أن البعض يرى هذه العقوبة غير كافية، لم يعد هتك عرض طفل في “مرحاض جامع” جريمة تهزّ الرأي العامّ في مصر، ولا تُثير تساؤلاته، رغم تكثيفها لمعنى النفاق الديني والاجتماعي على السواء، ورغم تكرارها، ورغم إلباس المجرم رداء غير المتّزن، أو الاحتياج الجنسي بسبب الصيام في رمضان.

مفارقات “قيم الأسرة”

المفارقة الجوهرية هنا تظهر عند مواجهة الوقائع الفعلية، التي تكشف حجم الانفصام بين ما يُعلن المجتمع التزامه به، وما يمارسه على الأرض. ففي الوقت الذي يكرّر فيه الناس والمؤسّسات خطاباً ثابتاً عن حماية الأسرة وصون “القيم المصرية الأصيلة”، تتوالى حوادث الانتهاك الجنسي للأطفال، ليس في مناطق معزولة أو ظروف استثنائية، بل وسط الحياة اليومية، وفي قلب المجتمعات التي تقدّم نفسها بوصفها حارسة الأخلاق. ويكشف هذا التضادّ بين الخطاب والسلوك، عن هشاشة البنية القيمية حين تتحوّل الفضيلة إلى أداة خطابية تُستخدم أثناء الظهور العلني فقط، وتغيب تماماً عند اللحظة التي يُفترض فيها أن تتحوّل إلى ممارسات واضحة لحماية الأضعف والأكثر هشاشة، أي الأطفال.

هذا التناقض ليس مجرّد خلل عابر، بل هو نمط يكشف أن المجتمع يبدو أكثر اهتماماً بإدارة صورته الأخلاقية، مما هو مهتمّ ببناء منظومة حماية فعلية. فبينما ترتفع أصوات الوعظ، تكشف الوقائع عن خلل عميق في الرقابة، وفي التربية، وفي آليّات المساءلة، وفي مدى استعداد البالغين لتحمّل مسؤوليّة حماية الأطفال، من أفراد قد ينتمون إلى الدائرة القريبة نفسها. ومع كلّ حادثة جديدة، سواء في مدرسة أو دار رعاية أو شقّة سكنية أو مركز تدريب، يظهر الخطاب العامّ في موقع الدفاع، يسارع إلى إدانة الجريمة بوصفها “حالة فردية” لا تمثّل المجتمع، بدل أن يعترف بأن تكرارها يشير إلى نظام اجتماعي يعاني من خلل هيكلي، وأن هذا الخلل ينمو داخل مجتمع يرفع الكثير من الشعارات، ولا يراجع نفسه إلا عندما يتحوّل الانفجار إلى قضيّة رأي عامّ.

وتتّسع المفارقة أكثر، حين نلاحظ أن المجتمع ذاته الذي يطالب بالفضيلة، ويتحدّث عن حماية الأطفال، هو نفسه الذي يساهم، بقصد أو دون قصد، في خلق بيئة تسهّل الانتهاك. فالصمت الذي يُفرض على الأسر، والخوف من الفضيحة، وغياب التربية الجنسية العلمية، واعتبار الحديث مع الأطفال حول أجسادهم “عيباً”، كلّها عناصر تمنح المنتهِك مساحة واسعة يعمل فيها دون رقابة. ومع ذلك، لا يضع المجتمع هذه الأسباب ضمن دائرة النقاش الأخلاقي، بل يكتفي بإلقاء اللوم على الجاني وحده، كأن الجريمة حدثت في فراغ، وكأن المجتمع لم يساهم في صناعة الظروف التي سمحت بتكرارها. بهذا الشكل، يصبح الخطاب الأخلاقي حاجزاً يمنع الوصول إلى أصل المشكلة، بدل أن يكون وسيلة لتفكيكها.

ولا تتوقّف المفارقات عند هذا الحدّ؛ فالمجتمع الذي يفرض على النساء عبء حماية “سمعة البيت”، ويطالبهن بالصمت حفاظاً على التقاليد، هو نفسه المجتمع الذي لا يقدّم منظومة دعم حقيقية عندما تتعرّض طفلة أو طفل لانتهاك. وتبدو هذه المفارقة واضحة عندما يتكرّر المشهد: أسرة تتردّد قبل الإبلاغ خوفاً من نظرة الناس، ومؤسّسات تعليمية تخشى على “اسمها” فتتستّر، وإعلام يضخّم الحادثة لأيّام ثم ينتقل إلى موضوع جديد دون متابعة للمحاسبة، ورأي عامّ ينشغل بالجزء السطحي من القضيّة أكثر من انشغاله بالبنية التي أنتجتها. وهكذا يتحوّل الطفل المنتهَك إلى ضحيّة ثانية لخطاب المجتمع لا لاعتداء الجاني فقط.

ومع كلّ هذا، يواصل المجتمع تقديم نفسه بوصفه مجتمعاً محافظاً، متمسكاً بقيمه، حامياً لأطفاله، وكأن هذه الحوادث ليست دليلاً على فشل منظومة الأخلاق المعلنة في تحقيق أي حماية فعلية. وبينما ينتشر الوعظ الأخلاقي بكثافة، تُظهر الحوادث المتكرّرة أن هذه المنظومة لا تحمي الأطفال من الانتهاك داخل البيوت نفسها، سواء من الأقارب أو الجيران أو من بالغين في مواقع يفترض فيها أنهم “أهل ثقة”. هذه الازدواجية بين ادّعاء الفضيلة وغياب آليّات الحماية، تكشف أن المجتمع يبني صورته الأخلاقية على الخطاب لا على السلوك، وعلى الشعارات لا على الإجراءات.

الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية - Siraj | 08.05.2026

“ماما، لماذا لست سورياً؟”: أبناء السوريات من “أجانب”… بلا قيد ولا شهادة ميلاد

 في معظم الأحيان، يقدم موضوع زواج سوريات من أجانب باعتباره مقتصراً على من تزوجن بمقاتلي تنظيم "داعش" خلال فترة صعوده. إلا أن هذه المعضلة وتبعاتها، لا سيما الثمن الذي تدفعه الزوجات السوريات وأولادهن اليوم، تمتد لتشمل زيجات من غير مقاتلي التنظيم، ناهيك بأن حرمان الأم السورية من منح الجنسية لأبنائها مشكلة قانونية ونسوية بدأت قبل…
26.11.2025
زمن القراءة: 7 minutes

بعد اعتراف اثنين من المتّهمين بارتكابهما الواقعة وبصحّة رواية الصغار، انكشفت الكارثة الأكبر، حيث تبيّن أن المتّهمين يواصلون الاعتداء جنسياً على الأطفال في مرحلة ما قبل التعليم الأساسي، أي من سنّ خمس سنوات إلى سبع سنوات، منذ أكثر من سبع سنوات، وكلّ عام يترفّع طلاب تعرّضوا لانتهاك جنسي إلى المرحلة الابتدائية، ويأتي مكانهم آخرون أصغر سنّاً، لتستمرّ حلقة الانتهاك الجنسي مع أطفال جدد.

ظهر تقرير نيابة شرق القاهرة قبل ساعات، ليكشف تفاصيل واحدة من أقسى الجرائم التي شهدها المجتمع المصري، والتي حصلت داخل مدرسة “سيدز” الخاصّة في منطقة السلام، هذه القضيّة التي أثارت الرأي العامّ المصري، بعد تعرّض خمسة أطفال حتى الآن لـ”هتك عرض” ممنهج من جانب أربعة من العاملين في النظافة والإشراف داخل المدرسة، وترويعهم بالسكّين على مدار فترات طويلة.

إذ جاء في بيان النيابة العامّة: “أقرّ المتّهمان أنهما وآخرين، منذ ما يربو عن عام؛ نظراً لهوسهم بالجنس مع الأطفال، دأبوا على استدراج الأطفال، تلاميذ في مرحلة رياض الأطفال، بعيداً عن الإشراف وكاميرات المراقبة وهتكوا عرضهم، مستغلّين صغر سنّهم وبراءتهم وخوفهم من التهديد بالإيذاء بالسكّين، وظبطت النيابة السكّين المستخدم في التهديد بالإيذاء، وبعض الآثار المادّية التي يُشتبه أن تكون قد تخلّفت عن بعض من هذه الوقائع محلّ التحقيق”.

هذه الجريمة ليست الأولى، فعلى مدار العام، تتكشّف وقائع جرائم تحرّش بالأطفال في المدارس، وتتحوّل إلى قضايا رأي عامّ، وسرعان ما ينسى المصريون ما سبّبته لهم من رعب على أطفالهم، ليعود ويتكشّف ما هو أسوأ.

بداية اكتشاف الجريمة

بدأ الخيط الأوّل في كشف جريمة مدرسة “سيدز”، حينما لاحظت إحدى الأمّهات علامات غريبة على جسد صغيرها الذي لا يتعدّى عمره الخمس سنوات وعلى ملابسه، وبدأت تحاول فهم الأمر من طفلها الذي رفض على مدار ثلاثة أيّام أن يحكي ما حدث، حتى انهار من الرعب في اليوم الرابع، وكان انهياره في هذا السنّ المبكر نابعاً من خوفه أن يذبحه عمّال النظافة في المدرسة بالسكّين.

تقول والدة الطفل إن صغيرها طلب أن تحميه وتحمي زميلاته وزملاءه، لتدرك لاحقاً، أن طفلها ليس الضحيّة الوحيدة في شبكة انتهاك الأطفال جنسياً داخل المدرسة، وأن المجرم ليس شخصاً واحداً، بل أربعة أشخاص بين عمّال نظافة ومشرفين داخل المدرسة.

لم تكن لتظهر جريمة مدرسة “سيدز”، لولا التعامل الذكي والحريص من قِبل هذه الوالدة، التي لم تكن حريصة على كشف الحقيقة فقط، بل على عدم إفلات المجرمين من العقاب،كانت تعلم أن أي خطوة غير مدروسة قد تسهّل على المدرسة فرصة النجاة من المحاسبة، بل إبعاد المتّهمين عن دائرة الاتّهام أيضاً.

تفحّصت الأمّ صور المشرفين وعمّال النظافة على صفحة المدرسة على فيسبوك، واستطاعت بمساعدة أمّ أخرى تعرّضت ابنتها لــ”هتك عرض”، الوصول إلى المجرمين الأربعة، وتوجّهت إلى المدرسة بعلم من الشرطة، لكن دون أن تبوح بما يحدث فيها بدايةً، لتسارع بعدها الشرطة ونيابة شرق القاهرة  في فتح تحقيق، ثم القبض على المتّهمين قبل أن يتمكّنوا من الفرار.

أوّل الاعترافات

بعد اعتراف اثنين من المتّهمين بارتكابهما الواقعة وبصحّة رواية الصغار، انكشفت الكارثة الأكبر، حيث تبيّن أن المتّهمين يواصلون الاعتداء جنسياً على الأطفال في مرحلة ما قبل التعليم الأساسي، أي من سنّ خمس سنوات إلى سبع سنوات، منذ أكثر من سبع سنوات، وكلّ عام يترفّع طلاب تعرّضوا لانتهاك جنسي إلى المرحلة الابتدائية، ويأتي مكانهم آخرون أصغر سنّاً، لتستمرّ حلقة الانتهاك الجنسي مع أطفال جدد.

 تقول أمّ الطفلة (التي ذُكرت أعلاه) إنها كانت تظنّ أنها بتوعية طفلتها في سنّ مبكرة، بضرورة عدم لمس أيّ شخص مناطقها الحسّاسة، أنها تحميها من الاعتداء الجنسي، الذي تسمع عنه في الإعلام أو على السوشيال ميديا، لكنّها لم تكن تعلم أن ابنتها كانت تُنتهك جنسياً تحت الترويع بالسكّين، ولا تجرؤ على الرفض أو الحكي لوالدتها.

بعد أوّل طفلين تمّ الكشف عن تعرّضهما لانتهاك جنسي في مدرسة “سيدز”، انضمّ إليهما ثلاثة أطفال آخرين، ليصبح العدد حتى الآن خمسة أطفال، فيما تؤكّد أمّ الطفل الأوّل، أن هناك حالات أخرى تخشى الحديث عن الجريمة أو كشفها.

ثلاثة من المتّهمين الأربعة كبار في السنّ بعمر جدود الأطفال، أما عمليّة الاستدراج فكانت تتمّ في نصف الساعة التي يخرج فيها الصغار لانتظار الباص قبل خروج الطلاب الكبار. ووفق تقرير النيابة فإن من المتّهمين الأربعة من كان يقوم بسحب الصغار إلى مكان داخل المدرسة بعيداً عن الكاميرات، ليتناوبوا جميعهم على هتكهم مستخدمين لاصقاً للفم وسكّيناً للتهديد، في مشهد يشبه جرائم “الدارك ويب”.

مدرسة “سيدز” الخاصّة تطلب مصروفات دراسية تبدأ من ٨٠ ألف جنيه مصري للأطفال في مرحلة الروضة، وهي من نوع المدارس التي يلجأ إليها الأهالي من الطبقة الوسطى العليا لضمان الرعاية والتعليم لأبنائهم، ويعملون بلا تكاسل كي يوفّروا مصاريف هذه البيئة المتخيّلة، لكنّهم لا يعلمون أن مساعيهم في الشقاء اليومي جاءت من أجل تسليم أبنائهم لمجرمين.

غياب الخوف!

المفارقة أن المجرمين كانوا مستمرّين في انتهاك الأطفال جنسياً في التوقيت نفسه، الذي تمّ الحكم فيه على مجرم آخر انتهك جنسياً الطفل ياسين، في مدرسته الخاصّة في مدينة دمنهور في محافظة البحيرة، وكأن الردع لم يكن كافياً لوقف الانتهاكات الجنسية بحقّ الأطفال في مصر.

المتّهم المتورّط في الاعتداء الجنسي على الطفل ياسين، موظّف في المدرسة أيضاً ويعمل فيها مراقباً مالياً، وهو مسنّ ويبلغ من العمر 79 عاماً، اعتاد على انتهاك الطفل ياسين داخل المدرسة. وورد رسمياً في التحقيقات، أن عاملة في المدرسة تُعرف بأنها “الناني”، كانت تُحضر الطفل إلى أماكن وجود المتّهم، داخل دورة المياه أو غرف أخرى في المبنى.

قدّمت أسرة الطفل ياسين بلاغاً رسمياً للنيابة العامّة، وتمّ عرضه على الطبّ الشرعي، الذي أثبت وجود اتّساع في فتحة الشرج، بما قد يتوافق مع رواية التعرّض لاعتداء أو محاولة اعتداء، وحُكم على المعتدي بالسجن ٢٥ عاماً، وقبل أيّام تمّ تخفيف العقوبة إلى ١٠ سنوات.

ينصّ القانون المصري في مادّته (267) على أن عقوبة “هتك العرض”، السجن المشدّد مدّة لا تقلّ عن سبع سنوات، ورغم أن البعض يرى هذه العقوبة غير كافية، لم يعد هتك عرض طفل في “مرحاض جامع” جريمة تهزّ الرأي العامّ في مصر، ولا تُثير تساؤلاته، رغم تكثيفها لمعنى النفاق الديني والاجتماعي على السواء، ورغم تكرارها، ورغم إلباس المجرم رداء غير المتّزن، أو الاحتياج الجنسي بسبب الصيام في رمضان.

مفارقات “قيم الأسرة”

المفارقة الجوهرية هنا تظهر عند مواجهة الوقائع الفعلية، التي تكشف حجم الانفصام بين ما يُعلن المجتمع التزامه به، وما يمارسه على الأرض. ففي الوقت الذي يكرّر فيه الناس والمؤسّسات خطاباً ثابتاً عن حماية الأسرة وصون “القيم المصرية الأصيلة”، تتوالى حوادث الانتهاك الجنسي للأطفال، ليس في مناطق معزولة أو ظروف استثنائية، بل وسط الحياة اليومية، وفي قلب المجتمعات التي تقدّم نفسها بوصفها حارسة الأخلاق. ويكشف هذا التضادّ بين الخطاب والسلوك، عن هشاشة البنية القيمية حين تتحوّل الفضيلة إلى أداة خطابية تُستخدم أثناء الظهور العلني فقط، وتغيب تماماً عند اللحظة التي يُفترض فيها أن تتحوّل إلى ممارسات واضحة لحماية الأضعف والأكثر هشاشة، أي الأطفال.

هذا التناقض ليس مجرّد خلل عابر، بل هو نمط يكشف أن المجتمع يبدو أكثر اهتماماً بإدارة صورته الأخلاقية، مما هو مهتمّ ببناء منظومة حماية فعلية. فبينما ترتفع أصوات الوعظ، تكشف الوقائع عن خلل عميق في الرقابة، وفي التربية، وفي آليّات المساءلة، وفي مدى استعداد البالغين لتحمّل مسؤوليّة حماية الأطفال، من أفراد قد ينتمون إلى الدائرة القريبة نفسها. ومع كلّ حادثة جديدة، سواء في مدرسة أو دار رعاية أو شقّة سكنية أو مركز تدريب، يظهر الخطاب العامّ في موقع الدفاع، يسارع إلى إدانة الجريمة بوصفها “حالة فردية” لا تمثّل المجتمع، بدل أن يعترف بأن تكرارها يشير إلى نظام اجتماعي يعاني من خلل هيكلي، وأن هذا الخلل ينمو داخل مجتمع يرفع الكثير من الشعارات، ولا يراجع نفسه إلا عندما يتحوّل الانفجار إلى قضيّة رأي عامّ.

وتتّسع المفارقة أكثر، حين نلاحظ أن المجتمع ذاته الذي يطالب بالفضيلة، ويتحدّث عن حماية الأطفال، هو نفسه الذي يساهم، بقصد أو دون قصد، في خلق بيئة تسهّل الانتهاك. فالصمت الذي يُفرض على الأسر، والخوف من الفضيحة، وغياب التربية الجنسية العلمية، واعتبار الحديث مع الأطفال حول أجسادهم “عيباً”، كلّها عناصر تمنح المنتهِك مساحة واسعة يعمل فيها دون رقابة. ومع ذلك، لا يضع المجتمع هذه الأسباب ضمن دائرة النقاش الأخلاقي، بل يكتفي بإلقاء اللوم على الجاني وحده، كأن الجريمة حدثت في فراغ، وكأن المجتمع لم يساهم في صناعة الظروف التي سمحت بتكرارها. بهذا الشكل، يصبح الخطاب الأخلاقي حاجزاً يمنع الوصول إلى أصل المشكلة، بدل أن يكون وسيلة لتفكيكها.

ولا تتوقّف المفارقات عند هذا الحدّ؛ فالمجتمع الذي يفرض على النساء عبء حماية “سمعة البيت”، ويطالبهن بالصمت حفاظاً على التقاليد، هو نفسه المجتمع الذي لا يقدّم منظومة دعم حقيقية عندما تتعرّض طفلة أو طفل لانتهاك. وتبدو هذه المفارقة واضحة عندما يتكرّر المشهد: أسرة تتردّد قبل الإبلاغ خوفاً من نظرة الناس، ومؤسّسات تعليمية تخشى على “اسمها” فتتستّر، وإعلام يضخّم الحادثة لأيّام ثم ينتقل إلى موضوع جديد دون متابعة للمحاسبة، ورأي عامّ ينشغل بالجزء السطحي من القضيّة أكثر من انشغاله بالبنية التي أنتجتها. وهكذا يتحوّل الطفل المنتهَك إلى ضحيّة ثانية لخطاب المجتمع لا لاعتداء الجاني فقط.

ومع كلّ هذا، يواصل المجتمع تقديم نفسه بوصفه مجتمعاً محافظاً، متمسكاً بقيمه، حامياً لأطفاله، وكأن هذه الحوادث ليست دليلاً على فشل منظومة الأخلاق المعلنة في تحقيق أي حماية فعلية. وبينما ينتشر الوعظ الأخلاقي بكثافة، تُظهر الحوادث المتكرّرة أن هذه المنظومة لا تحمي الأطفال من الانتهاك داخل البيوت نفسها، سواء من الأقارب أو الجيران أو من بالغين في مواقع يفترض فيها أنهم “أهل ثقة”. هذه الازدواجية بين ادّعاء الفضيلة وغياب آليّات الحماية، تكشف أن المجتمع يبني صورته الأخلاقية على الخطاب لا على السلوك، وعلى الشعارات لا على الإجراءات.