نشرت صحف ووسائل إعلام عربية عديدة قبل نحو شهر من حلول العام 2026، خبراً مرفقاً بصور توثيقية صادمة، يفيد بجفاف كامل يضرب مجرى نهر العاصي (اللبناني – السوري) في منطقة ريف حماة السورية.
وأشار الخبر إلى أن النضوب الكامل لمياه هذا النهر، في تلك المنطقة تحديداً، يسجّل لأوّل مرّة في التاريخ، وكان على مدى الصيف المنصرم، وربما منذ فترة أبعد، تداول مستخدمون وناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، بين الفينة والأخرى، صوراً ومقاطع فيديو تُظهر حالات جفاف مستفحلة لأقسام من نهر دجلة في مناطق مختلفة من مجراه.
وفي الإطار ذاته، خلال الصيف المنصرم أيضاً، أعلنت وكالة الأنباء العراقية الرسمية أن العراق، الذي تتدفّق نسبة تراوح بين 50 و70 في المئة من موارده المائية من تركيا، وهو بلد النهرين العظيمين الخالدين كما النيل (دجلة والفرات) ومهد الحضارة التي قامت على ضفافهما، ونافست حضارة النيل، يواجه نقص مياه غير مسبوق، حيث بلغ مخزونه المائي أدنى مستوياته منذ 80 عاماً.
وفي شهر كانون الأوّل/ ديسمبر المنصرم، وفي السياق ذاته، نشرت مجلّة “الغارديان” البريطانية، تحقيقاً وصوراً عن خطر جفاف دجلة، وأثره على مظاهر الحياة والمجتمعات التاريخية حوله، إن لم يجرِ اتّخاذ خطوات طارئة ومستعجلة لمواجهة كارثة الجفاف. فالنهر الذي ينبع من جنوب شرق الأناضول في تركيا، ويسير متدفّقاً بين مرتفعات هذه المنطقة، ليعبر منطقة الجزيرة أو (روجافا شمال شرق سوريا)، ثم يقطع العراق من أقصى شماله إلى أقصى جنوبه، مارّاً في مدينتيه الكبريين الموصل وبغداد، كي يلتحق فيما بعد جنوباً بتوأمه الفرات، ويصبّان معاً في مياه الخليج، تتهدّده مخاطر التلوّث، وحفّارات استخراج الحصى، وفوضى التعامل مع المجرى، وتراكم الفضلات والركام، وجشع التحكّم القومي – الجيوسياسي بالمياه من خلال السدود، وتلف البنى التحتية، وتراجع معدّلات المتساقطات، وارتفاع الحرارة (…)؛ وهذه كلّها أمور مستفحلة في الوقت الراهن، وقد تؤدّي في نهاية المطاف إلى جفاف مأساوي يقضي على النهر.
واليوم، تزامناً مع هذه الأخبار، إذ يقوم ناشطون بيئيون كانوا روّاداً في الناشطية البيئية الدوليّة، بتحويل نضالاتهم من ميادين البيئة وقضاياها الحقيقية المباشرة، إلى عراضات سياسية عامّة، واستقطابات محسوبة الولاء والتوجّه، ممارسين نضالهم الأممي في الأمكنة السياحية السهلة، كساحات جنوا ودبلن ولندن وأمستردام وستوكهولم، ومفجّرين جام غضبهم “الووكيّ” (من woke أي حركة اليقظة) على المتاحف الغربية تارة، وعلى زينات الأعياد المموّلة من شركات كبرى تارة أخرى، فيما يتقاضون بالمقابل تمويلات لأنشطتهم من جهات ملتبسة، بات حرّياً بنا التساؤل مع الرحالة الإيرلندي ليون مكارون في كتابه الاستثنائي “دجلة المكلوم: رحلة نهرية في مهد الحضارة” (Wounded Tigris: A River Journey through the Cradle of Civilisation)، إن كنّا في منطقة المشرق، دخلنا فعلياً مرحلة الخطر القصوى، المتمثّلة بنضوب لا رجعة فيه يصيب دجلة، وبطبيعة الحال بقيّة الأنهر والجداول والمصادر المائية الأصغر؟
هل بات دجلة، وهو الأكثر دفقاً والأسرع جرياناً مقارنة بشقيقه الفرات، والأنهر والمصادر المائية الأخرى، في عين عاصفة جفاف ماحقة تضرب المنطقة؟ وماذا سيعني أن تفقد الإنسانية أحد أعظم أنهار الحضارة؟ وهل الجفاف المتسلّل إلى دجلة وغيره من الأنهار الأصغر في الأطراف والهوامش هو جفاف حتمي لا رجعة فيه؟
هل برغم كلّ هذا، وفي اللحظة الحرجة الراهنة، انفصل الناشطون البيئيون الدوليون كلّياً عن هذه القضايا الملحّة التي لا تشغل اليوم سوى مساحات هامشية في الإعلام والأخبار؟
هذه الأسئلة في الواقع شكّلت حوافز أساسية لتأليف “دجلة المكلوم” الصادر عن دار “كورسير” اللندنية في عام 2023، وهي أسئلة تضافرت مع اهتمامات الكاتب الأصلية، فأثّرت في مساره المهني واجتذبته للدخول أكثر في مجال تواريخ المكان والبيئة الطبيعية، على عكس ما فعلت مع ناشطين بيئيين نجوم. كما منحت مؤلّفه الواقع في 330 صفحة من الحجم الكبير، أبعاداً شديدة الكثافة والغنى والتنوّع، يحفّزها الشغف ويقودها الاستكشاف.
فمكارون إلى اهتماماته الأولى بالرحلات ومسارات المشي التاريخية المرتبطة بالأمكنة المقدّسة، كان وصل كصحافي إلى كردستان العراق للمرّة الأولى في سنة 2016، تزامناً مع الحملة الدولية لتحرير مدينة الموصل من “تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام” (داعش)، إلا أنه، وبعد تغطيات عدّة للأحداث انطلاقاً من هولير (أربيل)، قرّر عدم متابعة العمل الصحافي السياسي – الحدثي، والانتقال كلّياً للتركيز على اهتماماته الأولى، إذ سبق له أن وضع كتاباً عن طرق المشي الحديثة في “الأرض المقدّسة”، واصلاً إيّاها بالطرق التاريخية المندثرة والمتخيّلة.
وهنا، في المدينة الكردية هولير حيث يقيم راهناً، التقى بكثيرين ممّن يجمعه وإيّاهم شغف المسارات البشرية، ورافقهم في رحلات مشي عديدة في جبال كردستان العراق، التي تشكّل جزءاً أساسياً من قصّة هذه البلاد وتاريخها.
كما بدأ مع صديق كردي مشروع وضع خرائط لمسارات الرعاة الكُرد، ووصلها بطرق الحجّاج والبيشمركة القديمة، وقد أسميا المشروع الهادف إلى الترويج للسياحة المستدامة في هذه المنطقة “مسار جبل زاغروس”، وعبر هذه التجربة، من مسارات الجبال والمرتفعات في كردستان، عاين مكارون دجلة من علٍ، وراحت تتبلور في ذهنه فكرة الخوض في النهر التاريخي في رحلة واحدة متواصلة، من منابعه في أعالي الشمال إلى مصبّه في الخليج جنوباً، بغية استطلاع أحواله وفهم متغيّراته ودواعي القلق على مصيره، التي لم يعد المواطنون والمعنيّون والناشطون المحلّيون، الذين يرتبطون بالنهر ارتباطاً حياتياً وثيقاً، يستبعدونها من أحاديثهم اليومية.
الرحلة المكارونية: على خطى إيفيليا شلبي
انطلقت رحلة مكارون وفريقه في نهر دجلة في ربيع العام 2021، واستمرّت 71 يوماً، وقسّمت في المقاربة الكتابية إلى ثلاثة أجزاء: منطقة المنابع العليا (جنوب شرق الأناضول في تركيا، الجزيرة (روجافا) في سوريا، وكردستان العراق)، منطقة السفوح والهضاب (من بحيرة الموصل إلى بغداد)، ومنطقة دجلة السفلي في سهل الفيض (من بغداد إلى الخليج). تألّف فريق الرحلة إلى جانب مكارون، من صديقة الكاتب وهي مصوّرة فوتوغرافية بريطانية، ومصوّر وصانع أفلام سويسري، ومترجمة كردية من تركيا، وخبير مائي وبيئي تركي، وثلاثة خبراء وناشطين من العراق، وآخرين ممّن كانوا ينضمّون إليهم مؤقّتاً بحسب كلّ منطقة نهرية يمرّون فيها.
وهذه الرحلة المتواصلة في دجلة، من منابعه إلى مصبّه مع الفرات، ربما تكون في الحقيقة الرحلة الأولى من نوعها منذ العهود العثمانية، الأمر الذي منحها بعداً تاريخياً حيوياً، ترجمه مكارون بتأثرّه بتجارب وأعمال رحالة كبار قدماء جالوا في المنطقة، أمثال شمس الدين المقدسي (ت. سنة 990 م)، وتجّار مدوّنين من مدينة البندقية في القرن السادس عشر، والرحّالة العثماني الشهير في القرن السابع عشر إيفيليا شلبي.
وقد استساغ مكارون في هذا السياق، إسناد رحلته إلى شواهد ومدوّنات وتوصيفات من حقبات أخرى، كي يتمكّن من عقد مقارنات دالّة ذات أرضية متينة، وقراءة تأثير التحوّلات السياسية والاجتماعية الكبرى على المحيط العمراني – الطبيعي – البيئي، قراءة متعدّدة الطبقات، لا تطمس الوقائع التاريخية أو تتجاوزها، ورسا الرحّالة الإيرلندي الحديث في هذا المقام على أعمال شلبي، الذي كان انطلق في العقد الثاني من القرن السابع عشر، برحلات استكشافية في أنحاء السلطنة العثمانية على مدى أربعة عقود، أثمرت كتاب أسفاره العظيم “سياحتنامه”، الواقع في ستّة آلاف صفحة ممتلئة بتفاصيل أغفلها العديد من الرحالة الذين عاصروه، أو سهوا عنها.
وكان شلبي بين العامين 1655 و1656 حلّ هنا في كردستان، من حيث انطلق مكارون، وأكمل منها إلى بغداد في رحلة ذهاب وإياب قطع فيها ضفاف دجلة وعبر في مياهه، زائراً بلدات ومدناً ومناطق تاريخية، مثل حسن كيف والجزيرة (روجافا) وتكريت والموصل، واصفاً بنى وأحوال هذه المناطق والحواضر وصلاتها بمحيطها الطبيعي وبالنهر العظيم، الذي تربطها به علاقات وجودية تستمدّ حيويتها من دفق جريانه.
السدود: بداية المفاهيم الخاطئة
وعلى خطى شلبي بدأ مكارون رحلة استكشاف النهر، فوصل وفريقه قادمين من أربيل إلى ديار بكر، ومنها توجّهوا مباشرة بالسيّارات في يوم الرحلة الأوّل إلى وادي المنابع، الذي كتب عنه الرحّالة القسطنطيني.
كانت الغيوم متلبّدة تعتّم المكان في ذلك اليوم، فذاك سرّ دجلة ومنبعه المعروف محلّياً باسم بيركلين. نفق مائي تحت الجبال بطول نحو ميل، وهنا ترك ملوك آشور نقوشهم في المكان الذي رصدوا فيه “طرق الأرض الإلهية”، أو المسارات الباطنية التي تقود إلى العالم السفلي، حيث الغشاء الرقيق الفاصل بين عالمي الروح والمادّة.
على أن التنقّل في تلك البقعة الواقعة في قلب منطقة تشهد منذ أواخر السبعينيات نزاعاً بين الجيش التركي والمقاتلين الكُرد، لم يكن تنقّلاً يسيراً كما في الكتابات التاريخية عنه، لا سيّما كتابات الحقبة العثمانية حين كانت السلطة هنا واحدة، والرحّالة محميين في الغالب.
إقرأوا أيضاً:
فالتنقّل اليوم في هذا المكان، تطلّب حذراً شديداً والتزاماً بالمساحات والطرق القريبة من المياه، التي لم تخلُ من نقاط التفتيش والحواجز، وهناك في منطقة المنابع قضى الفريق ليلته في الخيام، ليتقدّموا في صباح اليوم التالي إلى قرية كيليكشي الصغيرة على ضفاف بيركلين، التي رغم صغرها تعبّر عن تحوّلات كبرى.
كلّ القرى والبلدات والمدن هنا في منطقة دجلة العليا لها اسمان أو أكثر؛ الاسم الكردي، وقبله السرياني – الآشوري، ثم الاسم التركي الرسمي. الاسم الكردي لكيليكشي هو بيرجاكيا، والقرية المذكورة رغم صغر حجمها كان لها دور كبير في تاريخ العلاقة بدجلة، إذ بفضل غابات السنديان المحيطة بها، شكّلت مهد انطلاق استثمارات طموحة متعلّقة بالنهر، تمثّلت بصنع الأطواف الخشبية المعروفة بـ”الكيليك”، التي هي جذوع أشجار سنديان مربوطة ببعضها بعضاً، ومزوّدة بدفاعات من جلد ماعز منفوخ، ومساحة كلّ واحد من أطواف الكيليك 16 قدماً مربعاً، وكان بوسعها نقل حمولة تزن خمسة أطنان، إضافة إلى أربعة أشخاص يشكّلون طاقمها.
تلك الأطواف التي كانت تسافر في مجرى دجلة من المنابع إلى المصبّ، شكّلت علامة ثابتة من علامات النهر منذ زمن قديم جدّاً. الآن بات الكيليك يُصنع على نطاق محدود ولغايات فولكلورية، ولم يكن موت الكيليك مرتبطاً بتحوّلات حضارية كبرى وحسب، كولادة القطار في القرن التاسع عشر، ثم ظهور وسائل نقل أخرى أكثر سرعة، بل إن الأمر ارتبط بتحوّلات دجلة نفسه هناك، التي يرصدها الرحّالة مكارون وفريقه؛ وهي تحوّلات متمثّلة بتراجع شديد في قوّة جريان المياه وعمقها، حيث لم يعد بالإمكان استخدام الكيليك للملاحة في النهر.
والواقع فإن الأيّام الـ 18 الأولى من رحلة مكارون، تلك الأيّام التي يستكشف فيها أحوال دجلة الأعلى كلّه من المنابع إلى الموصل، ترصد مسار هذا النهر في مناطق ذات موقع جيوسياسي مضطرب جعلها تشهد؛ وعلى نحو يكاد يكون متّصلاً، تحوّلات كبرى وإبادات وحملات تطهير إثنية منذ أحداث سهل نينوى في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، في أقلّ تقدير، إلى مجازر سيفو (1895-1915) والإبادة الأرمنية (1915)، إلى مجازر الكُرد وحملة الأنفال (1988)، وصولاً إلى ما يحصل الآن من أحداث لا يغيب عنها طيف الماضي.
وبالتالي، فإن كلّ تفصيل هنا، مهما صغر حجمه، يتّسم بدلالات كبرى. إذ إن مآلات دجلة في مناطقه العليا تبدو مآلات شديدة الصلة والتأثّر بذاك الموقع الجيوسياسي الصعب والواقع المرير الناتج منه، وهي مآلات ربما تلخّص حال النهر كلّه، أو على الأقلّ هذا ما ينقله الرحّالة مكارون من المشاهدات، التي يعاينها والأحاديث التي ينقلها عن لسان من التقاهم وسمع مروياتهم.
كذلك فإن الرحلة المكارونية في هذا الإطار، إضافة إلى استكشافها واقع المجرى ومحيطه الطبيعي – الاجتماعي القريب، ترصد أيضاً جذور المقاربات الخاطئة الأولى المطبقة على النهر، انطلاقاً من غايات جيوسياسية – توتاليتارية – تنافسية.
وتلك مقاربات بدأت نظرياً مع مصطفى كمال أتاتورك، وتبلورت في السبعينيات حين جاء مشروع “الغاب” (GAP) التركي، وما طرحه من أفكار بناء سدود، استُنسخت فيما بعد في كلّ من سوريا الأسد وعراق صدّام حسين.
من حسن كيف إلى الموصل: التحكّم بشرايين الحياة بأيّ ثمن
حلّ مكارون وفريقه في بلدة حسن كيف القريبة من ديار بكر في اليوم الثامن من رحلته، البلدة هذه فيما مضى كانت إحدى محطّات “طريق الحرير”، ومن أشهر البلدات في تركيا، متحف عمراني – اجتماعي – طبيعي مفتوح؛ إن جاز القول، عمره أكثر من عشرة آلاف عام.
الإرث العمراني في حسن كيف يبدأ من البيوت الكهفية الموغلة في القدم، والمحفورة في الصخور الجيرية عند أطرافها، ويمتدّ إلى بنيتها الداخلية حيث الدور والصروح والقباب والبوائد المتداخلة بالبيوت، من زمن الإمبراطورية الآشورية، مروراً بالامبراطوريتين الرومانية والبيزنطية، وصولاً إلى المؤثّرات الكثيرة من بلاد فارس، والتمدّادت التركو – مغولية والإمبراطورية العثمانية.
وقد انعكس ذلك التنوّع العمراني تنوّعاً اجتماعياً – إثنياً ودينياً بالمستوى نفسه، وهو تنوّع جال فيه الرحّالة شلبي وكتب عنه، إلا أن قدر آخر لحسن كيف وأخواتها القرى في تلك المنطقة، كان يلوح في الأفق منذ ثلاثينيات القرن العشرين، حين وُضع قانون “مشروع جنوب شرق الأناضول” المعروف بمشروع “GAP”، للاستفادة من نهري دجلة والفرات لتوليد الطاقة وتنمية الزراعة وزيادة الري، ومع الوقت راحت ملامح “الغاب” تتبلور تباعاً وتتّضح بالتفاصيل والمخطّطات، حيث تضمّن 22 سدّاً، أكبرها وآخرها سدّ إليسو لتوليد الطاقة الكهربائية – المائية، الذي حلّ هنا في حسن كيف ومحيطها في عام 2006.
ومع سدّ إليسو خسفت البلدة العريقة وزالت. فهذا السدّ افترض بناء خزّانات على مسافة 90 ميلاً من جداره القائم في منتصف دجلة، وعلى امتداد 150 ميلاً إضافياً، وجاء الأمر على حساب حسن كيف ونحو 200 قرية من أخواتها وأكثر من 300 موقع أثري.
فقد غرقت كلّ تلك الأمكنة في المياه وتحت الخزّانات، كما شُرّد أكثر من 80 ألف شخص من أبناء المنطقة، وجرى سحق التنوّع البيولوجي والبيئي المحيط إلى الأبد، ولم تنفع أيّ معارضة من السكّان والناشطين والمهندسين البيئيين المحلّيين والدوليين، ولا أيّ التماس من المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، ولا أيّ شيء آخر.
على أن حسن كيف لم تُغرق وحسب، كما يروي أبناؤها للرحّالة مكارون، بل صُبّت بالخرسانة أوّلاً كي تحوّل إلى حوض بحيرة صناعية كبيرة، ومن أكثر مقاطع رحلة مكارون تأثيراً، هو ذاك المقطع حين يخوض في تلك البحيرة ذات القاع الخرساني الميت، بمركب نهري مع أحد أبناء حسن كيف، ويبدأ الأخير بمحاولة الاستدلال على المواقع التقريبية لأمكنة البلدة الزائلة، ومواضعها في ماء البحيرة الخرساء: “هنا الساحة الرئيسة، وهناك السوق، وهذا الشارع الذي يقود إلى بيتنا، وهنا ربما بيتنا، وهناك عند ذاك الطرف الجسر القديم ذو القناطر الثلاثة الذي كانت تنطلق من تحته الأطواف إلى الموصل …”، وحين يسأل مكارون عمّا جعل هذا الأمر يحصل، يأتيه الجواب سريعاً: “حسناً، هذه بلدة كردية وسط منطقة كردية، وهنا التاريخ لا ينبغي أن يُغرق في المياه وحسب، بل يجب أن يدكّ بالأسمنت أيضاً، مخافة أن يظهر من جديد!”.
فالق الكوارث وشواهدها الماثلة للعيان
والرحلة المكارونية في الواقع بعد سدّ إليسو هذا، تبدو كرحلة فوق فالق إبادات مختلطة، بيئية – اجتماعية وجيوسياسية قومية، يمتدّ من حسن كيف في أقصى جنوب شرق الأناضول، مروراً بمنطقة الحسكة السورية (روجافا) حيث يمرّ دجلة بطول 20 ميلاً، ويكمل إلى الموصل عبر خانقين.
ولهذا الفالق الذي أخذ يتكوّن ويتأبّد مع الوقت على يد ثلاثة أنظمة تتقاطع بالبطش وهوس التحكّم والإكراه، شواهد واضحة للعيان في النهر نفسه وفي مجراه كما في محيطه الطبيعي والاجتماعي، وتلك شواهد رصدها الرحّالة الإيرلندي ووقف عندها وتفكّر بها ودوّنها في نصّه. إذ كما كُبح دجلة في أراضيه العليا ومنابعه خلف سدود مشروع “الغاب”، وحُوّلت البلدات حوله إلى ما يشبه مقابر مائية حرمت العراق ممّا يزيد عن الـ 30 في المئة من دفقه المائي، فإن مجرى النهر هنا في شمال شرق سوريا (روجافا) حُوّل إلى مجرى مائي محرّم على السكّان المحيطين به، من خلال عمليّات القنص المستمرّة التي يمارسها الجيش التركي من مواقعه الحدودية، وقد تحوّلت علاقة السكّان بدجلة في هذه المنطقة إلى عمليّات استغلال استنزافية لـ “الحصى” النهرية المرغوبة في أعمال البناء، وتلك استثمارات عشوائية بدورها تُنزل تحوّلات عميقة في المجرى لا شفاء منها.
وتكمل الشواهد بالتبدّي إثر العبور من فيش خابور إلى ضفّة النهر الشرقية، ومع كلّ ميل في دجلة أو بموازاته، حتى خانقين. فتظهر في هذا المسار حول النهر بوائد مئات القرى المسحوقة خلال حملة الأنفال الصدّامية ضدّ الكُرد في العام 1988.
وفي خانقين التي يصلها مكارون وفريقه في اليوم الـ 16 من رحلته، يبدو التجسيد الأحدث لتلك الشواهد الكارثية الإنسانية والبيئية: مخيّم مشرّدي الإبادة الإيزيدية الهاربين من قراهم المدمّرة إثر حملة الذبح والسبي والاستعباد، التي قام بها “داعش” في عام 2014، وهم المشرّدون الذين لم يجدوا ناشطة بيئية أو نسوية أوروبية واحدة، تصرخ في الساحات للإفراج عن أكثر من 7 آلاف فتاة إيزيدية لا يزلن إلى اليوم قابعات تحت نير السبي.
وحين يصل مكارون وفريقه إلى الموصل في اليوم الـ 18 من الرحلة عن طريق البرّ، نظراً لصعوبة التقدّم في النهر في هذه المنطقة، يبدو ائتلاف الحملات على البشر والطبيعة قد بلغ مداه المشهدي، متمثّلاً بركام الموصل بعد معركة تحريرها من “داعش”، البالغ عشرة ملايين طن من الركام غير المعالج، وبالسدّ “المريض” في دجلة، أو سدّ “صدّام حسين” كما أُطلق عليه عندما شُيّد في العام 1986.
فهذا السدّ يبدو أمام الخلفية المحيطة به، كما هو الحال مع سدود “الغاب” التركي ومشاريع السدود السورية على الفرات، مثالاً لاختبار بارد يطبّق على الطبيعة والسكّان لأهداف تحكّمية وسلطوية بالدرجة الأولى، وبغضّ النظر عن نتائجها في المدى البعيد.
إذ إن صدّام حين استلهم الأتاتوركية في مطلع الثمانينيات، أراد أن يبني سدّه على دجلة بالسرعة الفائقة قبيل انتهاء حربه مع إيران، وتفرّغه لـ “الأنفال”، وبغية إنجاز العمل بالسرعة الصدّامية المطلوبة، استخدم المهندسون لتشييد الأساسات ما كان متوفّراً لهم آنذاك: الجبس الكارستي.
على أن هذا الجبس لا يقاوم الماء ويتفكّك بفعل ضغطها، وقد راحت تظهر الثقوب وتحصل التسرّبات عند أطراف السدّ منذ إنجازه في عام 1986، بعض تلك الفراغات في البنية، وفق أحد المهندسين العاملين في إدارة سدّ الموصل، الذي حادثه مكارون، يقدّر بحجم مبنى من طابقين، وعلى ضوء ذلك تقوم الفرق المتخصّصة بحقن “السدّ المريض” منذ الولادة، بمزيج كونكريتي لملء الثقوب في أسفل الأساسات. وقف عمليّات الحقن سيؤدّي إلى الفشل، لذا ثُبّتت في الجدار الصخري أجهزة استشعار وأنظمة إنذار.
بيد أن المخاطر، وفق المهندس المسؤول، تبقى مهولة، إذ تشير تقارير أميركية وأوروبية (إحداها من السفارة الأميركية في العراق) إلى أن قرابة 6 ملايين شخص سيتعرّضون للخطر إن انهار سدّ الموصل.
السيناريو الأسوأ في هذه الحالة، يتمثّل بموجة تسونامي بارتفاع 85 قدماً تضرب الأراضي الواقعة بعد السدّ، وتصل إلى مدينة الموصل خلال ساعة و40 دقيقة، كلّ من يتواجد في نطاق 3 أميال ونصف من النهر سيجرفه الماء، وإلى الجنوب ستغرق معظم حقول القمح حين تطوّق الموجة شرقات وتكريت وسامراء، قبل وصولها بارتفاع 16 قدماً إلى بغداد خلال أربعة أيّام.
عدد الضحايا المتوقّع جرّاء هذه الكارثة يراوح بين 500 ألف ومليون شخص إضافة إلى ملايين المشرّدين. مدن البلاد الرئيسة ستغمرها المياه، وستُضرب البنى التحتية للمواصلات والطاقة ومختلف القطاعات وينهار الاقتصاد. وقد اقتربت تلك الكارثة المفترضة من الواقع فعلياً في العام 2014، حين سيطر مسلّحو “داعش” على السدّ لنحو عشرة أيّام، حينها توقّفت عمليّات حقن الكونكريت، وبقي الضرر الناتج عن ذلك غير مقدّر إلى الآن، لهذا فإن عمليّات تجري اليوم على مدار الساعة كي لا تحلّ الكارثة، وثمّة فريق مخصّص لهذا الأمر يعمل طيلة أيّام الأسبوع.
ميليشيات بدل الإصلاحات والتنمية والحفاظ على المجتمعات
من كردستان وعلى طول مسار دجلة المتقدّم جنوباً حتى الخليج، تبدأ بالظهور الأضرار اللاحقة بالبنى التحتية للنهر، بفعل غارات “عاصفة الصحراء” الأميركية في عام 1991، ثم الاجتياح الأميركي للعراق في عام 2003. والرحلة في النهر في هذه المناطق تظهر أيضاً تنويعة الميليشيات المختلفة، المزدهرة والمعتنى بتجهيزها في عراق اليوم، التي تشكّل مع النفط أشهر استثمارات البلاد منذ أكثر من عقد.
فما إن يجتاز مكارون وفريقه مدينة الموصل وركامها وسدّها المريض، حتى تطالعهم ميليشيات التركمان الشيعية المشرفة على النقطة التالية بعد هذه المدينة، ونزولاً في النهر من وسط العراق بمحاذاة تكريت وسامراء، مروراً بغداد، ووصولاً إلى العمارة في اليومين الـ 56 و58، لا يبدو ماء دجلة وحده في خطر، بل أيضاً تنوّع العراق التاريخي.
ففي هذه المدينة وفي إقليمها ميسان، ما زال يعيش العديد من أبناء الطائفة المندائية منذ أكثر من ألف عام، وتتركّز حياتهم حول النهر ومياهه.
المياه أساسية في معتقدات المندائيين، وتدخل في طقوسهم المتعلّقة بالولادة والزواج والموت. أعداد المندائيين اليوم في العالم تُقدّر بين 60 و100 ألف نسمة، ولم يبقَ منهم في العراق الذي ينحدرون منه، إلا قرابة 10 آلاف نسمة. كثيرون منهم انتقلوا إلى كردستان في الشمال، وقد يكون التراجع الحادّ في مياه النهر جنوباً، بمثابة المسمار الأخير الذي يدقّ في نعش هكذا مجتمعات تاريخية.
“حماة دجلة” من جهتهم، وهم ناشطون مدافعون عن النهر، حادثهم الرحّالة مكارون عن أحوال دجلة في المناطق الأكثر عرضة لتراجع مياه المجرى، رأوا أن “السدود وسوء الإدارة والتضحية بكلّ شيء من أجل النفط واستثماراته، تمثّل العوامل الأخطر في ظاهرة انكماش النهر وتقلّص حجمه، لا سيّما في المناطق التي تتجمّع فيها الملوّثات، كمدينة البصرة. إذ إن الفضلات النفطية والفضلات البلدية والفضلات الصناعية والطبّية، إضافة إلى الأسمدة والمبيدات الزراعية، كلّها تجد طريقها إلى النهر في مناطق الوسط والجنوب العراقي”.
وهكذا، حين حلّ الصيف الذي انصرم، كان دجلة في المناطق المذكورة مخنوق الأنفاس ومكبوح الدفق، فأمكن للأشخاص المشي عبره من دون معجزات. هذا، ويتوقّع الخبراء أن يتجاوز الطلب على مياه الشفة في العراق في عام 2035، كميّات المياه الموجودة في بلاد النهرين، فهل يكون هذا التاريخ بعد تسع سنوات، وعلى ضوء توقّعات الخبراء، بمثابة “الخطّ الميت” للكارثة؟
إقرأوا أيضاً:













